رواية جعلتني مجرما الفصل التاسع9 والعاشر10 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل التاسع9 والعاشر10 بقلم دينا عبد الله
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"

خرجت خديجة من المستشفى، وكانت بالكاد تستطيع السير بمفردها... جفون عينيها تُفتح وتُغلق بصعوبة، وعيناها مرهقتان.

اقترب نور قليلًا منها ليساعدها، لكنها رفعت كفها سريعًا قائلة بخفوت:
"مفيش داعي."

نظر لها قليلًا، وهي بالفعل تحتاج إلى من يسندها... لكنه هزّ رأسه محترمًا رغبتها... وكان يسير بجانبها، لكن بينهما مسافة متر تقريبًا... ينظر لها بحذر، يخشى أن تسقط أو تتعثر في خطواتها، فيسرع ويمسك بها.

سارت بخطواتٍ بطيئة حتى خرجت من المستشفى... كانت سيارة نور واقفة أمامهما، ففتح لها الباب الأمامي لتركب... هزّت رأسها رافضة، وقالت بصوتٍ مرهق:
"أنا هقعد ورا."

هزّ رأسه بهدوء، ثم أغلق الباب وفتح لها الباب الخلفي... دخلت السيارة، فأغلق الباب بمجرد دخولها... ثم ذهب وجلس في مكان القيادة، وشغّل سيارته وتحرك بهدوء من أجل سلامتها.

أسندت ظهرها على مقعد السيارة، وأغمضت عينيها لشعورها بألمٍ شديد يسري في كامل جسدها.

نظر نور أمامه، عيناه على الطريق، لكن عقله منشغل بشيءٍ آخر... من له يدٌ في خطفها؟ ولأجل ماذا؟... لا يوجد أمامه فرصة غير ذلك الرجل الذي دخل في حالة غيبوبة... هو أمله الوحيد ليكتشف من خلف كل ذلك.

فتحت خديجة عينيها، ونظرت له لوهلة، ثم قالت:
"إنت نبهت عليهم في المستشفى محدش يجيب سيرة لباباك فارس؟"

هزّ رأسه بهدوء، وقال وعيناه موجهتان على الطريق:
"آه، بلغتهم محدش يجيب سيرة لبابا... اطمني."

هزّت رأسها بهدوء، ثم نظرت من نافذة السيارة بشرود... من يكون هؤلاء؟ وماذا يريدون منها؟ هل لهم صلة بتلك الجثة؟ أم من الذي أرسلهم؟... هل سيتكرر ذلك أم أن الأمر انتهى؟

أصبحت قلقة الآن... ماذا لو عادوا ليخطفوها من جديد؟ هذه المرة نجت، لكن من الممكن ألّا تنجو المرة القادمة.

رفعت أناملها وفركت عينيها بإرهاق... ثم نظرت إلى ملابسها التي لا يزال عليها أثر الحادث والدماء... فكرت أنها إن عادت إلى المنزل هكذا ورآها والداها، فعلى المؤكد سيعلمان بما حدث... كيف ستتصرف الآن؟ لا تريد أن تقلقهما عليها، يكفي خوفهما على شقيقتها المتمردة.

نظر نور لها من مرآة السيارة، ثم نظر إلى ملابسها وقال بتفكيرٍ ممزوج بالهدوء:
"إنتِ إزاي مش عايزة حد يعرف، وإنتِ هتروحي بالهدوم كدا؟"

نظرت له بذهولٍ واستغراب، وكأنه قرأ أفكارها... لكنها ردّت عليه بهدوء وقالت:
"مانا بقول لنفسي كدا برضو."

عاد ونظر أمامه، وقال بنفس هدوئه:
"طيب، هوقف عند أقرب مول نشتري طقم يناسبك... تغيري بعدها وترجعي على البيت... وإن حد سألك، عادي قوليلهم كنتِ بشرحي جثة، والهدوم اتوسخت فغيّرتيها."

توقفت لحظة تفكر... كيف لم تخطر ببالها تلك الفكرة؟... هزّت رأسها بهدوء وقالت:
"ماشي."

هزّ رأسه، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة دون أن ينظر لها... نظرت خديجة له بنظرةٍ غير عادية، فيها شيء خفي... نظرة لينة، داخلها لمعة خفيفة.

عبر في ذهنها كيف أنقذها... وجوده بجانبها وعدم تركه لها... خوفه الذي لاحظته في عينيه... واهتمامه بها... لكن... انكسر كل ذلك داخلها في لحظة، حين مرت تلك الذكريات المؤلمة داخلها.

أبعدت نظرها على الفور، ونظرت بعيدًا من النافذة وقد تجمعت الدموع في عينيها... عضّت على شفتيها أسفل النقاب، وقبضت بكفها على ثيابها بشدة، محاولةً كبح تلك الدموع ومنع نفسها من الانهيار أمامه...

                         ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

عاد عصام من الخارج، ودخل الفيلا بخطواتٍ بطيئة شارد الذهن، يفكر في طرقٍ يقنع بها شمس بالزواج منه في السر... وهو يحرك مفاتيح سيارته في إصبعه السبابة.

توقفت خطاه، وتوقف إصبعه عن الحركة عندما وجد عمته صفاء واقفة أمامه وبجانبها أخته... شعرها مبعثر في كل الاتجاهات وغير منظم، ودموعها تنهمر على خديها بغزارة، وأنفها منتفخ من كثرة البكاء.

اقترب منهما وهزّ رأسه باستغراب، قائلًا بفضول:
"مالكوا واقفين كدا ليه؟"

نظر إلى سيرين، ثم إلى شعرها المبعثر، وقال بتهكم:
"نسيتي تسرحي شعرك زي العادة ولا إيه؟"

ارتفع صوت صفاء وهي تشير بيدها إلى غرفة مرام، وقالت بعصبية وغيظ:
"الهانم مراتك هي اللي عملت في أختك كدا... ولولا إني نزلت وسحبت أختك من تحت إيديها، كانت ماتت، وزمانك دلوقتي ناصب صوان عزاها!"

أكملت بعدها سيرين على الفور، وقالت وسط شهقاتها ودموعها الزائفة:
"وأهانتني، وأهانتك، وأهانت العيلة كلها... وشبهتنا بالكلاب!"

أضافت صفاء بعدها، وأظهرت الحزن على ملامحها، وقالت وقد انخفضت نبرة صوتها:
"واتمسخرت عليا، وأهانتني جامد يا عصام... مراتك قللت مني، ومش بتحترمني ولا بتقدرني."

نزلت دمعة منها، وقالت بحزنٍ زائف:
"لو وجودي هنا مش مريحكم، أنا هاخد بعضي وأغور في ستين داهية... أكرملي من الإهانة اللي بتعرضلها كل يوم في البيت ده."

نظر عصام إلى غرفة مرام بوجهٍ خالٍ من التعابير... ثم تركهما دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة، وصعد ودخل غرفة مرام، وأغلق الباب خلفه.

ما إن أُغلق الباب، حتى ابتسمت سيرين وصفاء ابتسامة شيطانية بعد انتصارهما... مسحت سيرين دموعها، ثم وضعت يدها على كتف عمتها وقالت بفضولٍ زائد، وهي تنظر إلى الغرفة التي دخل عصام إليها:
"تفتكري هيعمل فيها إيه؟"

قالت صفاء بغلٍّ ظهر في نبرتها:
"إلهي يموتها ويريحنا منها بقى... عاملة زي الأرض البور، ضارة ومش نافعة."

                         ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

اقترب لؤي من سيارته، وفتح باب مكان القيادة وركب... وضع يده على مفاتيح السيارة، لكنه توقف حين شعر بشيءٍ صلب وُضع على مؤخرة رأسه.

أدار وجهه للخلف، لتتسع عيناه حين وجد فتاة تنظر له بابتسامة جانبية ماكرة، وعيناها مسحوبتان كالأفعى... وشعرها الأسود ملفوف على شكل كعكة في منتصف رأسها، وهي تضع مسدسها ناحية رأسه.

نظر لثوانٍ معدودة يستوعب فيها ما يحدث الآن... من هذه؟ وكيف دخلت إلى السيارة؟... حتى صاح بها بعصبية قائلًا:
"إنتِ مين يا بت إنتِ؟ ودخلتي عربيتي إزاي؟!"

ضحكت بخفوت، ثم تنهدت وقالت بنبرة ماكرة كالثعلب:
"حبيبي، أنا بدخل أي مكان أنا عايزاه، وباخد أي حاجة أنا عايزاها."

نظر إلى المسدس الموجَّه إليه، قائلًا بنفاد صبر:
"يعني إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ أنا مش فاضي لهبل البنات ده."

مررت المسدس على وجهه بخفة، ثم قرّبت وجهها منه وهمست قائلة:
"العربية."

عقد حاجبيه بعدم فهم وقال:
"العربية؟"

هزّت رأسها بهدوء وابتسامة خبيثة قائلة:
"آه، العربية دي عجبتني وعايزاها."

رفع نصف شفتيه وقال بعصبية:
"نعم يا روح أمك؟ عربية إيه اللي عجبتك وعايزاها؟... هو شغل بلطجة وخلاص؟!"

ثم رفع يده ودفع يدها التي بها المسدس بعيدًا، وقال بضيق:
"خدي بعضك يا حلوة وروحي شوفي لك حد غيري... هي ناقصة بلاوي!"

نظرت إلى يدها التي أبعدها، بابتسامة جانبية، ثم نظرت له بثقة قائلة:
"قولتلك أنا باخد أي حاجة أنا عايزاها... والعربية دي هاخدها يعني هاخدها."

ضرب كفيه ببعضهما بنفاد صبر وقال:
"يا صبر أيوب يا رب!"

ثم نظر لها وقال وهو يجزّ على أسنانه:
"غوري من وشي، متخلنيش أفش غلّي كله فيكي."

أرجعت ظهرها وأسندته على الكرسي، ووضعت قدمها على الأخرى بكل ثباتٍ وقوة... وابتسامتها الماكرة لا تفارق وجهها.

كان ينظر لها وهو لا يصدق ما يراه، ومدى برودها ووقاحتها وثقتها الزائدة بنفسها... لم يعد يملك ذرة صبر... فتح الباب ونزل منها، ثم فتح الباب المقابل لها، وسحبها من يدها بقوة وأنزلها من السيارة، وصاح في وجهها:
"شغل الجنان ده تروحي تعمليه مع المجانين اللي زيك... حلّي عني بدل ما تكون آخرتك على إيدي!"

نظرت إلى وجهه عن قرب... كانت المسافة بينهما قصيرة جدًا... تأملته بنفس ابتسامتها، ثم قالت بهدوء استفزه أكثر:
"على فكرة... إنت حلو أوي وإنت متعصب كدا."

لم يعد يتحمل جنان تلك الفتاة أكثر... سحبها من يدها لتقف بعيدًا عن سيارته، وقال بغضب:
"روحي شوفي لك مكان تاني... غوري!"

نظرت إلى يدها مكان يده التي أمسكتها... ثم نظرت له، وكان على وشك أن يركب السيارة... لكنها فعلت شيئًا فاجأه.

ضربته على قدمه بكعب حذائها بكل قوتها... رفع قدمه بسرعة وقفز وهو يئن بألمٍ شديد... نظر لها بانفعال وقال:
"إنتِ يا بت إنتِ مجنونة ولا إيه نظامك بالظبط؟!"

مالت رأسها قليلًا ببرود، ثم قالت بخبث:
"قولتلك العربية دي بقت بتاعتي."

ازداد انفعاله وعصبيته، واقترب منها وقال:
"لا، إنتِ شكلك شاربة حاجة وعايزة حد يفوقك!"

اندفع نحوها بعصبية واضحة، وانطلقت قبضته ناحية وجهها بعنف، لكنها مالت برأسها بهدوء وكأنها كانت متوقعة حركته من البداية... وقفت تعدّل كمّ قميصها ببرود وهي تقول باستفزاز:
"هو ده آخرك؟"

اشتعلت عيناه أكثر، وهجم عليها مرة ثانية بسرعة أكبر... تبادلا الضربات بعنف؛ لكمة منه تتفاداها في آخر لحظة، وركلة منها تصيب جانبه فتجعله يضغط على فكه بغضب.

حاول أن يمسك ذراعها، لكنها التفّت خلفه بخفة وضربته بمرفقها في ظهره، ثم ابتعدت خطوتين وهي تنظر له بابتسامة باردة مستفزة زادت أعصابه اشتعالًا.

استدار لها بسرعة، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، بينما هي كانت ثابتة مكانها تمامًا... هادئة بشكلٍ مستفز... كلما رآها ازداد عصبيته وغضبه، بينما هي تستمتع أكثر بلعبتها معه.

لكنها قررت أن تنهي ذلك... نظرت له، فكان يضع يده على ركبتيه وينظر للأسفل ويحاول تنظيم أنفاسه السريعة... اقتربت منه... رأى حذاءها أسفل عينيه... لكن قبل أن يرفع رأسه لها، ضربته بمؤخرة المسدس على رأسه بقوة.

تأوه بألمٍ شديد وهو يضع يده مكان الضربة ويغمض عينيه بوجع... نظرت له بابتسامة نصر، ثم ذهبت وركبت السيارة، وقبل أن تتحرك بها نظرت له.

كان قد فقد توازنه وسقط على ركبتيه على الأرض... وهو لم يعد يشعر بأي شيء حوله... نظر إلى السيارة، لكن الرؤية لم تكن واضحة بالنسبة له.

فرك عينيه بيده، وما إن توضحت الرؤية له حتى اتسعت عيناه وهو يراها ترسل له قبلة في الهواء... ولوحت له بيدها وغمزت له، ثم شغلت السيارة وغادرت، وصوت ضحكاتها دوّى في المكان.

نظر إلى السيارة وهي تبتعد، ولا يصدق أنها غلبته وانتصرت عليه وأخذت منه ما تريد...

                      ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

بعد أن أغلق عصام الباب، نظر لها فوجدها جالسة أمام المرآة تمشط شعرها الذي أشبه بالنهار والليل، بثباتٍ وهدوء... نظرت له من المرآة دون أن تعيره أي اهتمام لعودته.

اقترب منها ونظر لها قليلًا بهدوء... ثم ألقى مفاتيحه على التسريحة أمامها... نظرت مرام إلى المفاتيح للحظة، ثم نظرت له بملامح جامدة.

قبض فجأة على شعرها، وشدد قبضته عليه بعنف... وقرّب وجهه منها، ونظر لها من المرآة وإلى ملامح وجهها التي تغيرت من الباردة إلى موجوعة، وهمس بالقرب من أذنها قائلًا بفحيح:
"إنتِ مش بتسمعي الكلام ليه؟"

شدد قبضته أكثر، وجزّ على أسنانه قائلًا:
"انطقي... كام مرة قولتلك أختي وعمتي خط أحمر، وإنتِ هنا خدامة مش أكتر!"

نظرت له مرام بعينين حمراوين، وتجمعت بهما الدموع من فرط ألم شعرها، لكنها رغم ذلك رفضت أن تئن أو تصرخ لتُظهر وجعها أمامه أو أمام أخته الحرباء وعمته الحية.

هتفت قائلة بنبرة قوية رغم وجعها:
"أنا هنا ست البيت ده... غصب عنك وعن أي حد!"

نظر لها بذهول من قوتها وجرأتها على الرد عليه... نهضت من مكانها، وأبعدت قبضته عن شعرها بقوة، ونظرت له بحدة، ورفعت إصبعها في وجهه، وصاحت قائلة:
"اسمعني إنت كويس... لو محترمتش نفسك إنت والمساخيط اللي تحت دول، أنا هرميكم برا... هخليكم تعيشوا في الشارع!"

انفلتت منه ضحكة ساخرة للحظات، ثم توقف عن الضحك وقال بتهكم:
"إحنا نترمي برا ونعيش في الشارع؟"

قرّب وجهه منها وقال، ونبرة صوته انخفضت وازدادت خبثًا:
"الشارع ده اتعمل للناس اللي زيك تعيش فيه."

ثم ابتعد عنها قليلًا وقال بمكر:
"وشكله كدا وحشك... ووحشتك النومة فيه."

ثم قبض بكفه بقوة على ذراعها، وتحولت نبرته لحدة وقال:
"وأنا هودّيكي ليه تاني."

مسكت يده بيدها، وحاولت إبعاده عنها وهي تقول بنفس نبرتها القوية:
"ابعد عني يا حيوان... إنت مين عشان تطردني من بيتي؟!"

وبعد أن أبعدت كفه عنها بصعوبة، وتبعثرت خصلاتها على عينيها... مدت يدها سريعًا، وفتحت درج التسريحة، وأخرجت منه مسدسًا ورفعته عليه بيدها، وباليد الأخرى أبعدت خصلاتها عن عينيها وهي تقول، وصدرها يعلو ويهبط وأنفاسها مضطربة:
"أوعى تقرب مني تاني، وإلا هاخد روحك وأدفنك جنب أبوك... يا خاين يا عِرّة الرجالة!"

ضم قبضته أكثر حتى ابيضّت عروقه، ورفعها وكاد أن يضربها... لكنها رفعت المسدس ناحيته قبل أن يفعل ذلك، وقالت بحدة وثبات:
"أنا مبهزرش، وإنت عارف ده كويس."

نظر عصام إلى المسدس... ثم أنزل يده ببطء، فهو مدرك جنونها، ولن تتردد في قتله لحظة واحدة... ارتبك من المسدس المرفوع عليه، وقال بنبرة حاول أن تكون هادئة تخفي ارتباكه:
"إنتِ اتجننتي... نزلي البتاع ده وبطلي عبط."

حركت قدميها لتقترب منه ببطء، وهي لا تزال رافعة عليه المسدس، وتنظر له بعينيها بحدة... تراجع هو للخلف، وظهر ارتباكه وخوفه على ملامحه.

ما إن اقترب من عتبة باب الغرفة، دفعته بيدها للخارج بكل قوتها... سقط عصام واصطدم بعنف على الأرض... أسرعت وأغلقت باب الغرفة بإحكام من الداخل حتى لا يتمكن من الدخول إليها.

أسندت ظهرها على باب الغرفة... لم تستطع الوقوف على قدميها أكثر من ذلك... انزلقت بجسدها وجلست على الأرض، وتركت المسدس بجانبها.

انهمرت دموعها، وصدر منها بكاء صامت موجوع... احتضنت نفسها، تحاول إقناع نفسها أنها بأمان... تخفف عن نفسها وتهون عليها ما تمر به... شدّت يديها حول نفسها أكثر، وازداد بكاؤها بوجعٍ مرير...

                 ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

جلست خديجة على مقعدٍ في إحدى المولات الكبيرة، وهي تنظر حولها بإرهاقٍ شديد... وتمسك بالمقعد أسفلها لتسند نفسها.

جاء نور وبيده طقم ملابس، ليأخذ رأيها، وقال:
"ده يناسبك."

نظرت خديجة إلى الملابس، ثم هزّت رأسها بهدوء وقالت:
"ضيق شوية... عايزاه أوسع من ده، ولونه غامق... مش بحب الألوان الفاتحة."

هزّ رأسه بهدوء ثم ذهب... وبعد قليل عاد ومعه ملابس ملائمة لطلبها، مع نقاب وخمار مناسبين لها، وقال بهدوء:
"طيب، ده؟"

أومأت برأسها بابتسامة خفيفة أسفل النقاب وقالت:
"آه، ده كدا كويس."

ثم نهضت وأخذته منه... أشار نور بيده، فجاءت إحدى العاملات في المكان... نظر لها وقال:
"خديها للمكان اللي هتغير فيه الهدوم."

ابتسمت العاملة وقالت:
"حاضر... الباشا وحرمه منورين المكان."

نظر نور وخديجة لبعضهما حين قالت ذلك... حمحم نور، لكنه لم يوضح لها علاقتهما، واكتفى بهزّ رأسه فقط دون أن ينطق بأي كلمة.

نظرت خديجة له باستغراب من صمته... ظنته سيتحدث ويخبرها بحقيقة علاقتهما، وأنه لا شيء بينهما... لكنه صمت ولم يعلّق.

أخذتها العاملة وذهبتا... جلس نور مكانه لبعض الوقت، حتى عادت بعد أن بدّلت ملابسها، وتحمل في يديها كيسًا به الملابس التي كانت ترتديها.

نهض بعدها، ثم ذهب وحاسب الكاشير، وبعدها غادروا المول... فتح لها باب السيارة، فركبت مكانها في الخلف، بينما ذهب هو وركب مكان القيادة، وأدار المحرك وانطلق.

ظل الصمت بينهما لدقائق... حتى قررت هي التحدث... كانت تريد أن تعرف لماذا لم يخبر العاملة أنها ليست زوجته، ولماذا صمت وقتها... كان يمكنه قول الحقيقة لها... لكنها تراجعت ورفضت الحديث معه، تخشى أن يفهم سؤالها خطأ... أو تفتح بابًا لجرحٍ جديد لها.

نظر لها من مرآة السيارة، فوجدها تنظر للخارج... عاد ونظر أمامه ثم قال:
"هتقدري تقوليلي التقرير اللي كتبتيه عن الجثة دلوقتي، ولا نخليها وقت تاني؟"

نظرت له، ثم هزّت رأسها وقالت:
"الموضوع عايز شرح، وأنا دلوقتي مش قادرة بصراحة... خليها بكرا."

هزّ رأسه بهدوء، وأكملا طريقهما بصمت، حتى توقفت السيارة أمام منزلها... كانت على وشك النزول، لكنه ذهب وفتح لها باب السيارة... نزلت منها وتأوهت من شدة ألم جسدها.

في تلك اللحظة كانت شمس واقفة تستند بيدها على سور شرفة غرفتها... اتسعت عيناها بصدمة حين رأتهما سويًا وهي تنزل من سيارته... وفي حركة سريعة منها، فتحت هاتفها والتقطت صورة لهما.

وقفت خديجة شاكرةً له مساعدته لها، ثم دخلت المنزل... نظر لها حتى أغلقت الباب، ثم ركب سيارته وغادر.

نظرت شمس إلى الصورة في هاتفها، وارتسمت على وجهها ابتسامة خبيثة...

                   ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

فتح فارس صنبور المياه، وبدأ بغسل وجهه... وضع كفه ليملأه بالمياه، لكنه شعر بسائلٍ دافئ ينزل من أنفه، وبعدها وجد نقاط دماء تسقط منها على الحوض.

رفع يده وتحسس أنفه بإصبعه، ثم نظر إلى الدماء على يده... نظر إلى مرآة الحمام أمامه... كان وجهه شاحبًا، وملامحه مرهقة جدًا، وأنفه ينزف بشدة...

لكنه لاحظ شيئًا خلفه... دقق بصره جيدًا، فاتسعت عيناه بصدمةٍ شديدة، وتراجع بفزعٍ للخلف... كان يرى هاني يقف خلفه، وجسده ملطخ بدمائه...... 

الفصل العاشر 
فتح فارس الحنفية وغسل وشه بالمية الباردة يمكن يفوق شوية... حط كفه تحت المية عشان يملاه، لكنه فجأة حس بسائل دافي بينزل من مناخيره... نزل عينه للحوض، فاتصدم أول ما شاف نقط دم بتنزل واحدة ورا التانية.

رفع إيده بسرعة ولمس مناخيره بإصبعه... بص للدم اللي على إيده، وبعدها رفع عينه للمراية اللي قدامه... وشه كان شاحب بشكل يخض، وعنيه مرهقة جدًا، وأنفه بينزف جامد كأن جسمه كله بيعلن استسلامه.

لكن فجأة لمح حاجة وراه...

ضيّق عينه وركّز أكتر، وفجأة اتسعت عينه بصدمة مرعبة، واتراجع لورا بخضة وهو نفسه بقى عالي ومضطرب...

هاني.

كان واقف وراه مباشرة.

هدومه متغرقة دم، وملامحه جامدة بطريقة تخوف، والدم نازل على جسمه كأنه لسه مقتول حالًا.

لف فارس بسرعة وبص وراه وهو بيحاول يلقط نفسه... لكن مفيش حد.

رجع بص للمراية تاني...

فلقى هاني لسه واقف مكانه، وعلى وشه ابتسامة جانبية تقشعرلها الأبدان... ابتسامة كلها تهديد وسخرية.

إيد فارس ساندت على الحوض لما حس إن الدنيا كلها بتلف حواليه... مد إيده بسرعة وفتح الحنفية وغسل وشه بعنف، وغسل الدم اللي بينزل من مناخيره وهو بيحاول يتمالك نفسه بالعافية.

قفل الحنفية بعدها، وفضل ماسك الحوض بإيده وهو عاصر عينه بقوة وألم، لدرجة إن صوابعه ابيضّت من كتر الضغط.

وفجأة...

سمع صوت هاني جمب ودنه مباشرة... همسة واطية وباردة: "نور..."

فتح فارس عينه بفزع، وجسمه انتفض كله، وبص ناحية الصوت بسرعة...

لقى هاني واقف جنبه وبيضحك بسخرية مرعبة، وبعدها قال وهو باصصله بثبات: "خلي بالك منه."

أول ما خلص كلامه، فضل باصص لفارس كام ثانية، وبعدها لف وخرج من الحمام بهدوء.

فضل فارس واقف مكانه متجمد... مش مستوعب اللي شافه ولا اللي سمعه... عقله رافض يصدق.

بس أول ما هاني جاب سيرة نور... قلبه اتقبض جامد، والخوف على ابنه زاد جواه بشكل مرعب.

خرج بسرعة من الحمام عشان يلحقه... لكن أول ما خرج، ملقاش أي حد.

الأوضة فاضية.

وقف مكانه وعنيه بتتحرك بسرعة في كل ركن حوالينه... بلع ريقه بالعافية، وهو حاسس برعب بيزحف جواه واحدة واحدة.

ظهور هاني مخوفوش قد ما خوفه من نفسه كان أكبر...

هل رجع يتوهم تاني؟

هل الهلاوس رجعتله زي زمان؟

هاني مات... واتدفن... وعدّت سنين على موته.

يبقى ظهرله دلوقتي ليه؟

وليه ذكر نور بالذات؟

وإيه معنى: "خلي بالك منه"؟

مسك راسه بإيده الاتنين وهو حاسس إنها هتنفجر من كتر التفكير والأسئلة اللي ملهاش أي إجابة...

♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

رجع لؤي البيت أخيرًا... دخل وقفل الباب وراه وهو حاطط إيده على راسه مكان الخبطة، ووشه متكشر من الوجع... واضح إن الضربة كانت جامدة جدًا.

لكن خطواته وقفت أول ما لمح تقى قاعدة مع أهله... مؤمن وليلى... وكمان أخوه معتز.

معتز كان لسه متمسك بطباعه الصعيدية زي ما هو... لابس جلابية صعيدي وشال أسود على كتفه، وقاعد برجولة وهيبة كعادته.

بصله معتز باستغراب أول ما شاف شكله، وقال بلهجته الصعيدي: "مالك يا واد؟"

اتحرك لؤي ناحيتهم وقعد بتعب، وشال إيده من على راسه وقال بصوت مرهق: "مفيش."

بصله مؤمن بشك ورفع حاجبه: "اتخانقت مع حد ولا إيه؟"

كلهم بصوا له مستنيين يعرفوا حصل إيه... لؤي بص لهم شوية، ومن الفضول اللي مالي عنيهم، رجع حط إيده على راسه وقال بخفوت: "عربيتي اتسرقت."

وفجأة خرجت ضحكة مكتومة من معتز.

بصله لؤي بضيق وقال: "في إيه ياض؟ إيه المضحك؟"

تقى بصتله بعدم استيعاب وقالت: "اتسرقت إزاي يعني؟ ومين اللي سرقها؟"

غمّض عينه بألم ورد: "معرفش تبقى مين."

ليلى عقدت حواجبها باستغراب: "تبقى؟"

حمحم لؤي بإحراج وقال بصوت واطي: "آه... اللي سرقت العربية بنت."

معتز حط إيده على بقه بالعافية وهو بيحاول يكتم ضحكته... لكن وشه كان خلاص هيخونه.

مؤمن بصله بضيق، فرفع معتز إيده بسرعة وقال: "حقك عليا يا أبوي."

لكن أول ما بص لمؤمن بعيد عنه، انفجر ضحك تاني.

مؤمن بص للؤي وقال بسخرية: "البنت دي عملت فيك كدا إزاي يا فالح؟"

سكت لؤي شوية، وبعدها بدأ يحكيلهم كل اللي حصل بالتفصيل...

وأول ما خلص...

انفجر معتز ضحك بصوت عالي لدرجة إن تقى نفسها ضحكت غصب عنها، وقال وسط ضحكه: "بت علّمت عليك وسرقتك يا مبخوس!"

جزّ لؤي على سنانه وقال بعصبية: "اتلم يا لااا!"

ليلى هزت راسها بخيبة أمل وقالت لمعتز: "احترم أخوك الكبير شوية."

مؤمن قال وهو بيبص للؤي بتريقة: "ناصح... ناصح قوي يا ولد."

بصلهم لؤي كلهم بضيق وهو عارف إنهم مش هيفوتوا الفرصة دي بسهولة.

لكن تقى فجأة اتكلمت بجدية: "استنوا شوية... إنتوا مش شايفين إن البنت دي كان ممكن تاخد العربية وتمشي قبل ما لؤي يرجع أصلًا؟"

الضحك اختفى من وش معتز بالتدريج، وهز راسه وقال: "أيوه صح... اللي عرفت تفتح العربية وهي مقفولة، كانت تعرف تمشي بيها بسهولة."

ليلى بصتلهم بعدم فهم: "يعني إيه؟"

عدل معتز قعدته وقال بتركيز: "يعني البت دي مكانتش جاية تسرق وبس... هي كانت قاصدة تعمل معاه اللي حصل ده كله... لأن لو هدفها السرقة كانت خدت العربية ومشت."

وسكت لحظة قبل ما يكمل: "اللي عملته ده وراه مصيبة كبيرة."

سكت لؤي وهو غرقان في التفكير...

كلام معتز منطقي.

ليه استنته؟

وليه واجهته بالشكل ده؟

هل تعرفه أصلًا؟

ولا كل اللي حصل كان متخططله؟

ليلى لاحظت شروده، فقربت منه وربتت على ركبته بحنان: "قوم يا حبيبي غيّر هدومك وتعالى ناكل... ومتشلش هم... فداك ألف عربية، المهم تبقى بخير."

بصلها وابتسم ابتسامة خفيفة دافية، وبعدها هز راسه وقام طلع أوضته.

أول ما الباب اتقفل وراه...

نهض معتز وعدل الشال على كتفه وقال: "أنا نازل يا أبوي... عايز حاجة؟"

مؤمن بصله بحدة: "رايح فين دلوقتي؟"

ابتسم معتز بهدوء: "هنزل أشم هوا مصر شوية... البلد وحشاني."

ومستناش الرد... خد حاجته وخرج بسرعة.

مؤمن بص لطيفه وهو بيختفي وقال بيأس: "ربنا يصبرني عليكم... يصبرني يا رب."

♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان فارس قاعد على طرف السرير... رفع صباعه لمناخيره فلقى الدم لسه بينزل.

مد إيده للكومودينو وسحب منديل ومسح الدم بسرعة، وفي نفس اللحظة دخلت ياسمين وقفلت الباب وراها.

بصلها فارس بسرعة، وطوى المنديل في إيده عشان متشوفش الدم، وبعدها مسح مناخيره بصباعه كأنه بيخبي أي أثر.

لكن ياسمين لاحظت تعبه فورًا...

وشه كان مرهق بشكل يخوف.

قربت منه وهي بتبصله بقلق واضح: "فارس حبيبي... إنت كويس؟"

هز راسه بهدوء وقال وهو بيحاول يبان طبيعي: "آه يا حبيبتي... متقلقيش."

لكن في نفس اللحظة حس بالدم بينزل تاني...

رفع المنديل بسرعة ومسحه قبل ما تاخد بالها.

ضيقت عينيها وقالت: "إنت واخد برد ولا إيه؟"

فكر بسرعة، وبعدها قال بهدوء: "آه... غالبًا."

حطت إيدها على كتفه بحنان: "ألف سلامة عليك يا روحي... هنزل أعملك ينسون دافي."

ابتسم لها بعشق حقيقي وقال: "تسلميلي يا قلبي."

باسِته بوسة خفيفة على خده، وبعدها خرجت.

فضل باصص للمكان اللي اختفت منه...

وبمجرد ما اختفت...

الابتسامة راحت من على وشه تمامًا.

ملامحه اتحولت لخوف وحزن مرعبين.

رفع المنديل وبص للدم اللي عليه... وإيده بترتعش.

♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقفت قدام مطعم فخم عربية سودا فارهة، ووراها على طول وقفت عربية تانية...

نزل منها 3 رجالة لابسين بدل سودا، وفي ودانهم سماعات.

اتحركوا حوالين العربية الأولى باحتراف، وفتح واحد منهم الباب الخلفي...

ونزل سيف.

بدلته السودة كانت أنيقة جدًا، وملامحه باردة بشكل يخوف.

قفل البودي جارد الباب وراه، وسيف اتحرك ناحية المطعم بخطوات ثابتة، والحراسة ماشية وراه.

أول ما وصل للمدخل وقفوا كلهم برا، بينما هو دخل لوحده.

واحد من العاملين انحنى له باحترام أول ما شافه، وبعدها أخده للمكان المطلوب.

المطعم كله كان فاضي...

كأنهم قافلينه مخصوص عشانه.

وقف سيف قدام ترابيزة كان قاعد عليها راجل شيك اسمه إبراهيم.

أول ما شافه ابتسم وقام يسلم عليه.

سيف فك زرار الجاكيت وقعد براحة، حاطط رجل على رجل، بينما إبراهيم فضل محتفظ بابتسامته الهادية.

إبراهيم بدأ الكلام: "شرف لينا إنك وافقت على المقابلة دي."

سيف بصله ببرود وقال: "ادخل في الموضوع على طول... عندي شغل مأجله عشان القعدة دي، فبلاش تضيع وقتي."

ضحك إبراهيم بخفة: "صدقني... الموضوع يستاهل."

وبعدها قال وهو بيراقب رد فعله: "السيد إدوارد بنفسه هو اللي اختارك."

سيف ملامحه متغيرتش... فضل ساكت مستنيه يكمل.

إبراهيم مال لقدام شوية: "راجع تاريخ شركتك كله... مشاريعك... نسب نجاحك... وكل حاجة عنك."

وكمل: "وعشان كدا اختارك تدخل معاه في مشروع هيقلب السوق العقاري كله هنا في مصر."

سيف قال بهدوء: "عايز أعرف حجم المشروع."

رد إبراهيم بنبرة عملية: "مدينة ذكية كاملة في الساحل... أبراج وفنادق ومارينا ومراكز تكنولوجية... مش مجرد كومباوند."

وبعدها قال بهدوء: "والميزانية متعدية السبعين مليار."

سيف فضل ساكت بيفكر.

إبراهيم كمل: "السيد إدوارد اختارك إنت و3 شركات تانيين من أكبر الأسماء في السوق."

رفع سيف حاجبه لأول مرة: "مين؟"

إبراهيم سكت لحظة: "واحد منهم كان رافض يدخل أول ما عرف إنك موجود."

سيف فهم فورًا مين المقصود.

وقال بهدوء: "ودلوقتي؟"

إبراهيم رد: "لسه مفيش رد واضح."

وبعد لحظات صمت...

قال سيف: "هفكر."

هز إبراهيم راسه: "أكيد."

ومدله ملف أسود شيك.

بصله سيف، فقال إبراهيم: "فيه كل تفاصيل المشروع... وكمان أسماء الشركات."

سيف أخد الملف بهدوء، بينما إبراهيم كان مركز معاه جدًا... كأنه بيحاول يفهم طريقة تفكير الراجل اللي قدامه.

♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

دخل نور أوضة القتيل في الفيلا...

فلقى مريم قاعدة على الأرض، ضهرها لازق في الحيطة، وبتعيط بهستيريا، وجسمها كله بيترعش.

وأدهم واقف جنبها بيحاول يهديها بأي طريقة.

نور قرب منها بسرعة والقلق مالي وشه... نزل على ركبته قدامها ومسك كتفها بحنان: "مريم... مالك؟ حصل إيه؟"

لكنها مكنتش قادرة تنطق...

كانت ماسكة إيدها اللي حد مسكها بيها، وباصه حواليها برعب حقيقي.

نور هزها بخوف وعصبية: "ردي عليا! حصلك إيه؟!"

بصتله أخيرًا... وأول ما شافته انهارت أكتر في العياط.

مستحملش.

شدها لحضنه بسرعة وربت على ضهرها بحنان، بينما هي دفنت وشها في صدره وكأنها أخيرًا حست بالأمان.

نور رفع عينه لأدهم وقال بحدة: "اتكلم... في إيه؟"

أدهم أخد نفس وقال: "وصلني بلاغ إن حد سمع صوت صريخ جاي من الفيلا... جيت لقيتها بالحالة دي... حاولت أفهم منها أي حاجة، بس مبتردش."

نور بعد مريم عنه شوية ومسك كتفها برفق: "إنتي جيتي هنا تعملي إيه؟"

دموعها نزلت أكتر...

فهزها وقال بعصبية: "ردي!"

شهقت وقالت بصوت متقطع: "جيت أدور على دليل..."

نور قام بعصبية ومسح على وشه: "مش قولتلك تبعدي عن القضية دي؟!"

وبعدين قال بانفعال وسخرية موجوعة: "اللي يضحك على التحذير... يعيط لما يشوف المصير."

جسمها انتفض من صوته العالي.

أدهم قرب منه: "مش وقت الكلام ده."

نور أخد نفس طويل بالعافية عشان يهدا...

ورجع قعد قدامها تاني: "احكيلي."

مسحت دموعها وقالت وهي بتشاور لنص الأوضة: "كان فيه حد هنا."

نور وأدهم بصوا للمكان.

نور قال: "مين؟"

هزت راسها: "معرفش... الدنيا كانت ضلمة."

وكملت وهي بتعيط: "الكشاف وقع مني... نزلت أجيبه... لمست إيد حد... وبعدها الإيد مسكت إيدي... ومن خوفي أغمى عليا."

ملامح نور هديت شوية لما شاف خوفها...

مسح دموعها بإيده وقال: "اهدي... أنا جنبك."

وبعدين قال وهو بيعاتبها: "بس تسمعي كلامي بعد كدا."

هزت راسها بسرعة.

باس جبينها وقال بندم: "حقك عليا عشان عليت صوتي."

ابتسمت وسط دموعها: "عادي."

قام بعدها وبص للمكان بتفكير.

أدهم قال: "مين اللي دخل هنا مع إن محدش المفروض يدخل؟"

نور لف بعينه في الأوضة وقال: "مش يمكن القاتل رجع؟"

مريم قالت باستغراب: "بس يرجع ليه؟"

سكت نور وهو بيفكر...

المجرم بيلعب معاهم.

بس هو مش ناوي يخسر.

وفجأة قال: "الفيلا دي لازم تتفتش من أول وجديد."

وفعلًا بدأوا يفتشوا كل مكان...

لكن مريم كانت لازقة في نور طول الوقت، خايفة تبعد عنه ثانية.

وبعد وقت...

وقفوا في أوضة تحت في البدروم.

كانوا بيفتشوا الأدراج والحاجات كلها...

وفجأة نور سمع صوت مية بتنقط.

رفع عينه ناحية الحمام...

بابه كان مفتوح فتحة صغيرة.

قرب منه بحذر، وأدهم ومريم راحوا وراه.

دخل الحمام...

المكان كان نضيف جدًا، بس صوت المية جاي من البانيو اللي متغطي بستارة غامقة.

نور قرب ببطء...

ومسك الستارة بإيده.

أدهم ومريم كانوا باصينله بتوتر شديد.

نور شد الستارة مرة واحدة...

واتسعت عيون التلاتة بصدمة مرعبة.

صرخة مريم دوّت في المكان...

وأدهم اتراجع لورا بعنف...

أما نور...

فاتجمد مكانه وهو باصص قدامه بذهول....

تعليقات



<>