
رواية جعلتني مجرما الفصل السابع والثلاثون37 بقلم دينا عبد الله
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
فتحت خديجة عينيها عندما شعرت بوجوده، وحركت رأسها نحوه ببطء، لتلتقي عيناهما من جديد.
توقفت للحظات وهي تنظر إليه، بينما ظل نور واقفًا في مكانه، لا تزال عيناه معلقتين بها. لم يستطع أن ينكر كم بدت جميلة أمامه، رغم الشحوب الذي غطّى وجهها والإرهاق الذي أنهك ملامحها، ورغم آثار الخوف التي لم تفارق عينيها بعد.
ظهرت في عينيه لمعة خافتة... لمعة باغتته قبل أن يستطيع إخفاءها.
لاحظت خديجة نظراته، فارتبكت على الفور، وانخفض بصرها بعيدًا عنه، بينما أخذ قلبها يخفق بسرعة حتى شعرت بضرباته تتردد داخل صدرها. تشبثت بالمنشفة بين أصابعها، ثم رفعتها سريعًا ووضعتها فوق رأسها، تخفي بها شعرها، وأغمضت عينيها محاولة تهدئة نفسها.
وضعت يدها فوق قلبها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء، تحاول السيطرة على ذلك الاضطراب الذي لم تفهم كيف تسلل إليها بهذه السرعة.
أما نور، فانتبه أخيرًا إلى نفسه وإلى الطريقة التي كان ينظر بها إليها. رمش عدة مرات، ثم أشاح ببصره عنها بحرج، وحمحم وهو يحك مؤخرة رأسه بيده في حركة عفوية تكشف ارتباكه، قبل أن يتجه إلى الأريكة ويجلس عليها.
ظلت خديجة في مكانها، ساكنة لا تعرف ماذا تفعل أو ماذا تقول. لم تتخيل أن وجودها معه في الغرفة سيكون صعبًا إلى هذه الدرجة، خصوصًا بعد كل ما حدث لها.
ساد الصمت بينهما للحظات، حتى قطعه نور أخيرًا... رفع عينيه إليها من جديد، وكان في صوته هدوء يخفي وراءه رغبة ملحّة في معرفة الحقيقة، ثم سألها، وكأنه يمنح نفسه فرصة أخيرة لتغيير ما يدور في رأسه:
"مين اللي عمل فيكي كده... شوفتيه؟"
رفعت خديجة رأسها، ونظرت إليه مباشرة.. ولم تشعر بالمنشفة وهي تنزلق عن شعرها وتسقط من فوق رأسها.
لكنها ما إن استوعبت سؤاله، حتى تبدلت ملامحها .
تجمعت الدموع في عينيها، وعاد الرعب إلى نظراتها كأنها تُسحب مرة أخرى إلى ذلك الصندوق المظلم. ارتجف جسدها، وانقبضت أصابعها في بعضها، ثم خرج صوتها مرتجفًا ضعيفًا:
"لو قولتلك مين... هتصدقني؟"
ظل نور ينظر إليها، والدموع قد تجمعت في عينيه هو الآخر. كان يعرف الإجابة قبل أن يسمعها، لكنه ظل يقاومها بكل ما لديه، يرفض أن يستوعب أن تكون هي.. خفض بصره للحظة، ثم رفعه إليها وقال بصوت خافت متردد:
"ميرال."
اتسعت عينا خديجة بصدمة... إذن هو يعلم.. كان يعلم أنها هي من فعلت بها ذلك!
ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها من جديد، ثم قالت بصوت مكسور:
"أنا مش عارفة أنا عملتلها إيه عشان تعمل فيا كده."
أدارت وجهها بعيدًا عنه فورًا، وكأنها لم تعد قادرة على مواجهة عينيه، وحاولت كتم شهقة بكائها وهي تمسح دموعها بيد مرتجفة.
أما نور، فأغمض عينيه للحظات، محاولًا إخفاء الألم الذي اجتاح ملامحه، ثم فتحهما من جديد ونظر إليها.
ظل صامتًا لثوانٍ، وكأن السؤال التالي أثقل عليه من أن ينطقه، لكنه قال أخيرًا:
"وافقتي تتجوزيني ليه؟"
رفعت خديجة عينيها إليه ببطء.. تجمدت نظرتها عند وجهه، وكأن سؤاله أصاب جرحًا أعمق من كل ما سبقه.
كيف يمكنه أن يسألها عن سبب موافقتها؟ ألا يعرف؟ ألم يكن يعرف بحبها له؟ أم أنه يعرف، ومع ذلك يصر على جرحها حتى بأبسط الكلمات؟
مسحت دموعها ببطء، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا، لكن الوجع كان واضحًا فيه حين أجابته:
"نفس السبب اللي خلاك إنت توافق تتجوزني."
ابتعدت عينا نور عنها، وكأن كلماتها أصابته في موضع حساس.. رفع يده إلى وجهه ومسح دمعة تسللت رغماً عنه، ثم قال بصوت خافت مليئ بالألم:
"يعني بابا قالك؟"
هزت خديجة رأسها بوجع، وانهمرت دموعها بغزارة وهي تجيبه بصوت مرتجف:
"آه... قالي على كل حاجة."
شهقت فجأة، وانكسر صوتها وهي تضيف بقهر:
"أنا خايفة... مش قادرة أتخيل الحياة من غيره هتبقى عاملة إزاي."
توقفت أنفاس نور للحظة.. عاد إلى ذاكرته حديث والده معه، وصيته التي حملها له قبل أن يرحل... ياسمين، ومريم، وخديجة.
كل كلمة قالها له عادت إلى ذهنه دفعة واحدة، حتى شعر بأن صدره يضيق من شدة الألم.. لم يستطع البقاء في مكانه أكثر.
نهض فجأة، واتجه إلى الشرفة بخطوات سريعة، بينما تساقطت دموعه على خديه دون أن يحاول إخفاءها.
وقف عند سور الشرفة، وأسند يده عليه، ثم أغمض عينيه بقوة، وكأنه يحاول أن يحبس كل ذلك الوجع داخله، بينما استقرت يده الأخرى فوق قلبه، تضغط عليه وكأنها تستطيع إيقاف الألم الذي ينهشه من الداخل.
بقيت خديجة تنظر إلى ظهره من مكانها، ودموعها لا تزال عالقة في عينيها... لم تقل شيئًا.
نهضت ببطء، وكانت خطواتها متعبة وثقيلة، واتجهت نحو الفراش. جلست عليه أولًا، ثم مدت جسدها ببطء، وجذبت الوسادة إليها واحتضنتها بقوة، ودفنت وجهها فيها، قبل أن تنهار في بكاء مكتوم يحمل كل الخوف والألم الذي عجزت عن إخراجه بالكلمات.....
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
تجمّد فارس في مكانه، وانخفضت يده التي تمسك بالمنشفة ببطء، بينما انعقد حاجباه في حيرة واضحة. ظل يحدّق في ياسمين لثوانٍ، محاولًا فهم سبب تلك النظرات التي لم يرَ مثلها في عينيها من قبل.
كانت واقفة أمامه والدموع تنساب على خديها دون توقف، وملامحها تحمل وجعًا أربكه أكثر من بكائها.
اقترب منها بخطوات مترددة، وعيناه لا تفارقان وجهها، ثم مد يده وأمسك وجهها بكفه بحنان، وقال بنبرة قلقة:
"مالك؟ بتعيطي ليه؟"
لكن ياسمين أبعدت يده عن وجهها.
توقفت أصابعه في الهواء للحظة، ونظر إلى يدها التي أبعدته باستغراب، قبل أن تعود عيناه إلى عينيها. كان الارتباك واضحًا على ملامحه، فقال بصوت أكثر قلقًا:
"في إيه؟ فهميني طيب."
مسحت ياسمين دموعها بيد مرتجفة، وحاولت أن تستجمع نفسها، لكن ارتعاش صوتها فضح ما بداخلها وهي تقول:
"إنت مخبي عني إيه يا فارس؟"
اتسعت عينا فارس فجأة، وتبدلت ملامحه في لحظة... ارتجفت نظراته نحوها، وشعر بقلبه يهبط إلى صدره.
هل عرفت شيئًا عن مرضه؟
هل أخبرها أحد؟
تسارعت الأفكار داخل رأسه، بينما ظل صامتًا للحظات، عاجزًا عن إيجاد إجابة واحدة تخرجه من هذا الموقف.
لكن ياسمين فسّرت صمته بطريقة أخرى.. حدقت فيه بشدة، وكأن صمته وحده كان إجابة تؤكد مخاوفها، ثم ارتفعت نبرتها رغمًا عنها، وانهمرت دموعها من جديد:
"رد عليا... مخبي عني إيه؟"
ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة صغيرة باهتة، ابتسامة لم تستطع إخفاء الألم الذي يعصف بداخله. حاول أن يبدو طبيعيًا، لكن صوته خرج مرتجفًا رغمًا عنه:
"مش مخبي عنك حاجة... هكون مخبي إيه يعني؟"
هزت ياسمين رأسها ببطء، ونظرتها لا تفارقه، ثم قالت بصوت موجوع:
"اسأل نفسك... مخبي عني إيه يا فارس."
صمت فارس... ظل ينظر إليها بحزن شديد، وبدأت الدموع تتجمع في عينيه من فرط الألم.
كيف يخبرها؟
كيف يخبر المرأة التي قضى معها عمره أن الأيام التي بقيت له قليلة؟
كيف يخبرها أن كل لحظة يعيشها معها الآن قد تكون من آخر أيام عمره؟
ظل يحدق بها، بينما كان قلبه يصرخ في داخله بما لم يستطع لسانه نطقه.
لاحظت ياسمين صمته من جديد، فاتسعت عيناها، وتأكد داخلها أن هناك شيئًا يخفيه عنها... قالت بصوت مرتجف:
"يبقى حقيقة... اللي عرفته عنك حقيقة يا فارس."
وانهارت في البكاء أكثر، واهتز صوتها وهي تضيف بقهر:
"رد عليا... إذا هونت عليك... إزاي هونت عليك تعمل فيها كده؟"
انقبض قلب فارس لرؤيتها بهذا الانهيار... لم يحتمل دموعها، ولا الطريقة التي كانت تنظر بها إليه.. اقترب منها خطوة، وانهمرت دموعه هو الآخر، وقال بصوت مكسور:
"طيب اهدي... هفهمك."
لكن ياسمين لم تهدأ... ارتفع صوت بكائها، وخرجت كلماتها محمّلة بالخذلان:
"تفهمني إيه؟... هتفهمني إزاي خيانتك ليا؟"
تجمّد فارس... اتسعت عيناه، وسكنت ملامحه تمامًا، وكأن الكلمة التي سمعها لم يستوعبها عقلُه... خيانة؟.. هل سمعها حقًا؟
ظل يحدق فيها بصمت، غير قادر حتى على استيعاب كيف يمكن أن تتهمه ياسمين بالخيانة بعد كل هذه السنوات.
فتح فمه ليتحدث، لكن ياسمين سبقته، وانفجرت في بكاء وهي تقول:
"إزاي قدرت تعمل كده؟... قولي إزاي؟"
ظل واقفًا أمامها، لا يزال تحت وقع الصدمة، وكأن عقله يبحث عن تفسير لما يحدث... هز رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه ملامح عدم الفهم، ثم قال بصوت خافت :
"أنا مش فاهم... إنتِ تقصدي إيه؟"
فتحت ياسمين هاتفها بسرعة، وأعادت فتح الصور التي كانت قد التقطتها عينها عشرات المرات. ارتجفت أصابعها وهي ترفع الهاتف أمام فارس، ثم ثبتت عينيها على وجهه، والدموع تنساب على خديها دون توقف، بينما خرج صوتها مخنوقًا بالخذلان:
"مين اللي معاك دي هاا.. وكمان مسجل رقمها على تليفونك باسم راجل عشان معرفهاش؟"
تجمدت ملامح فارس للحظة، واتسعت عيناه وهو يحدق في الصور المعروضة أمامه. انتقل بصره بين وجه أميرة في الصورة وبين ياسمين الواقفة أمامه. رفع عينيه إليها، وصوته خرج مشوشًا من شدة المفاجأة:
"إنتِ جبتي الصور دي منين؟"
هزت ياسمين رأسها ببطء، وكأن سؤاله كان آخر شيء تتوقع سماعه منه. انكسرت ملامحها أكثر، وانهمرت دموعها بغزارة، ثم رفعت يدها تمسحها بعنف دون جدوى:
"هو دا كل اللي فارقلك؟ جبت الصور منين؟"
سكتت لحظة، وارتجفت شفتاها قبل أن تنفجر في وجهه بصوت مرتفع، يحمل وجعًا أكبر من غضبها:
"بتخوني أنا يا فارس... أنا طيب ليه؟!"
كانت الكلمات أشبه بطعنة اخترقت صدره.. لم تكن صدمته من الصور وحدها... بل من شكها فيه.... ياسمين تشك في حبه لها!
كيف استطاعت أن تصدق، ولو للحظة، أنه يمكن أن يخونها؟ كيف لم تثق به إلى هذه الدرجة؟ ألم تكن تعرفه طوال كل تلك السنوات؟ ألم تعرف أنه لم يعشق امرأة سواها، وأن عينيه لم تريا غيرها منذ أن أحبها؟
كانت هي أول امرأة سكنت قلبه... وأول امرأة عرف معها معنى الحب، وستظل آخر امرأة يعشقها حتى آخر نفس في حياته.
فكيف استطاعت أن تنظر إليه وتتهمه بالخيانة؟
ابتلع فارس غصة مؤلمة، وشعر بأن صدره يضيق شيئًا فشيئًا. رفع يده إلى قلبه وضغط عليه بقوة، وانقبض وجهه فجأة من شدة الألم، بينما ارتجفت أنفاسه وتراجع جسده خطوة إلى الخلف.
كان يشعر وكأن سكاكين حادة تمزق قلبه من الداخل.
حاول أن يثبت قدميه، لكن الأرض بدأت تدور من تحته، وتشوش بصره للحظات، واختل توازنه بشكل واضح.
انتبهت ياسمين إلى تغير ملامحه، فاتسعت عيناها بفزع، وألقت الهاتف فوق الفراش دون تفكير، ثم اندفعت نحوه وأمسكت يده بكلتا يديها:
"فارس... مالك؟! إنت كويس؟"
لكن فارس لم يجبها... كان ينظر إليها، إلا أن ملامحها أمام عينيه أصبحت ضبابية. وصل صوتها إلى أذنيه مكتومًا، وكأنه يأتيه من مكان بعيد، بعيد جدًا.
حاول أن يركز في صوتها، وحاول تحريك شفتيه ليجيبها، لكن جسده لم يعد يطيعه.
وفجأة... تراخت ساقاه وسقط جسده على الأرض.
صرخت ياسمين بفزع، وهوت على ركبتيها بجواره، ثم أسرعت بإسناد رأسه بين ذراعيها، وراحت تربت على وجهه بكف مرتجف، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة.
خرج اسمه من بين شفتيها مرتعشًا:
"فارس!"
فتح فارس عينيه بصعوبة، وحدق فيها.
كانت تحاول أن تتحدث إليه، لكنه لم يعد قادرًا على سماع شيء بوضوح. ظل ينظر إلى وجهها فقط، وكأن كل ما حوله اختفى ولم يبقَ أمامه سوى هي.
حاول تحريك شفتيه لينطق بأي كلمة، إلا أن صوته لم يخرج.
تجمعت الدموع في عينيه، ثم انحدرت إحداها ببطء على خده، بينما ظل يتأمل ملامح ياسمين طويلًا... وكأنه يحاول أن يحفظ وجهها في ذاكرته، وكأنه يراها للمرة الأخيرة.
انهارت ياسمين أكثر، وضمته إلى صدرها بقوة، ودفنت وجهها بالقرب منه وهي تبكي بانهيار.
ثم رفعت رأسها فجأة نحو باب الغرفة، وصاحت بأعلى صوتها، وقد اختلطت شهقاتها بالصراخ:
"نــور... نــــور الحقني! يا مريــم! حد فيكم سامعني؟!"
عادت ببصرها إليه بسرعة... كان قد أغمض عينيه من جديد.
ارتجفت ياسمين، وشعرت بالخوف ينهش قلبها، فهزت رأسه برفق، وراحت تربت على خده محاولة إيقاظه، بينما خرج صوتها من بين شهقاتها مكسورًا:
"فارس... فارس قوم عشان خاطري..."
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان معتز يجلس على المقعد المقابل لنسرين، وقد أسند ظهره إلى مسنده في هدوء متعمد، بينما كانت هي تجلس أمامه مقيدة بالحبال إلى المقعد، تحاول قدر استطاعتها ألا تظهر خوفها رغم ارتجاف أصابعها ونظراتها القلقة التي لم تفارق وجهه.
ظل معتز يتأملها للحظات، ثم مال برأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يقول بتهكم:
"تعرفي يا بقرة إنتِ... أنا لو سافل زي أخوكي وبهيم زيه، كنت عملت فيكي إيه؟"
انكمشت ملامح نسرين، وابتلعت ريقها بصعوبة، بينما ظلت عيناها معلقتين به في خوف وحذر.
صمت معتز لحظة، ثم مال إلى الأمام قليلًا، وأسند مرفقيه على ركبتيه، وأكمل بنبرة تحمل سخرية واضحة:
"أول حاجة كنت هسيبك تموتي من الجوع... بس أنا معملتش معاكي كدا، عشان لو كنت عملت، زمانك دلوقتي جتتك عفنة"
ثم عاد بظهره إلى المقعد، وأطلق زفرة قصيرة قبل أن يضيف بضيق، وقد اختفت السخرية من عينيه للحظة:
"بس أنا مش زيه... عشان أنا مش باخد حقي من حريم، حقي باخده من راجل لراجل."
ظلت نسرين تنظر إليه للحظات، تحاول فهم ما يريده منها، قبل أن تتردد قليلًا ثم تسأله بصوت خافت مرتجف:
"طيب إنت حابسني هنا ليه؟ روح خد حقك منه... سايبني هنا ليه؟»
ارتفعت إحدى حاجبي معتز، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة متهكمة، وأمال رأسه قليلًا وهو يجيبها:
" أشوف غلاوتك عنده... بس الواضح كدا إنك مش فارقة معاه."
تجمدت نظرات نسرين، وبدأ القلق يتسلل إلى ملامحها أكثر... لاحظ معتز صمتها، فثبت عينيه عليها وأردف بنبرة قاطعة:
"إنتِ عارفة ليه؟"
لم تجبه، واكتفت بالنظر إليه في صمت، فمال إلى الأمام مرة أخرى، وقال:
"عشان إنتِ لو فارقة معاه، ولو كنتِ غالية عنده، مكنش سابك لحد دلوقتي عندي... وكان خرب الدنيا كلها عشان يرجعك."
توقفت أنفاس نسرين للحظة، وانخفض بصرها إلى الأرض، بينما أخذت أصابعها تتحرك بعصبية داخل قيود الحبال.
صمت معتز لحظة، ثم هز رأسه باستياء وأكمل:
"إنما هو راجل خسيس... مفيش في دمه ريحة الرجولة. كل همه كلام الناس، شغله شكله والأخبار اللي هتتقال عنه... أكتر من كده لا."
اشتدت ملامحه، وخرجت كلماته الأخيرة بحدة أكبر:
"خايف ياخدك من عندي بالقوة، فضايحه تتكشف وحقيقته تبان... الواطي."
ظلت نسرين صامتة.
كانت كلمات معتز تتسلل إلى قلبها واحدة تلو الأخرى، وكل كلمة كانت تؤلمها أكثر من سابقتها.
تجمعت الدموع في عينيها، وحاولت أن تمنعها من السقوط، إلا أن عينيها خانتاها، وانحدرت دمعة ساخنة على خدها.
أخوها...أخوها الذي أقسم لوالده قبل وفاته بأنه سيحميها، وأنه لن يسمح لأحد أن يؤذيها.
أين كان الآن؟
كيف استطاع أن يتركها بهذه السهولة؟
كيف مر كل هذا الوقت ولم يأتِ لإنقاذها؟
رفع معتز جسده عن المقعد، ثم وقف أمامها، ونظر إليها للحظات قبل أن يقول ببرود:
"أخوكي مش عايز يجيبها البر واصل... بدل ما هو فالح بس إزاي يتخلص من مرام، كان يتفالح يرجعك لبيتك وحياتك... لكن هو مش مهتم بيكي أصلًا."
توقفت الكلمات في حلق نسرين.
ظلت تحدق أمامها دون أن تجد ما تقوله، وكأنها كانت تتشبث بأمل صغير طوال الأيام الماضية، فجاءت كلماته وسحقت ذلك الأمل تمامًا.
استدار معتز، واتجه نحو الباب بخطوات هادئة، ثم توقف للحظة دون أن يلتفت إليها، قبل أن يفتح الباب ويغادر.
أُغلق الباب خلفه، فعاد المكان إلى صمته الثقيل.
ظلت نسرين تحدق في الباب المغلق، وكأنها تنتظر أن يُفتح من جديد، وأن يدخل أخوها فجأة لينقذها... لكن شيئًا لم يحدث.
ارتجفت شفتاها، وانخفض رأسها ببطء، ثم سقطت دموعها تباعًا على خديها... لم تتوقع ذلك منه.
كانت تظن أنه لن يحتاج سوى إلى يوم واحد ليعرف مكانها ويأتي لإخراجها.
كانت واثقة أنه لن يتركها، مهما حدث.. لكنه خذلها.
تجاهل خطفها، ولم يسأل عنها، ولم يحاول حتى إعادتها.
خرجت منها شهقة موجوعة، ثم أخرى، قبل أن تنهار في بكاء مكتوم، بينما كانت الحبال تقيد جسدها، ولم يعد هناك ما يقيد دموعها أو ذلك الانكسار الذي استقر في قلبها.
لم يكن أكثر ما يؤلمها بقاؤها في هذا المكان...بل أن الشخص الوحيد الذي ظنت أنه سيكون سندها، هو نفسه من اختار أن يتركها وحدها من أجل مصلحته...
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
خرجت مريم من غرفتها راكضةً بفزع، بعدما اخترق صراخ ياسمين أرجاء المنزل. كانت خطواتها متعثرة من شدة الخوف، وقلبها يخفق بعنف وهي تحاول الوصول إلى مصدر الصوت.
أما نور، فكان لا يزال واقفًا في الشرفة، شاردًا في أفكاره، مستندًا بذراعيه إلى السور وعيناه غارقتان في شرود ثقيل. لكن ما إن وصل إلى مسامعه صوت صراخ والدته حتى انتفض في مكانه، واتسعت عيناه، وانقبض قلبه بعنف.
استدار بسرعة، واندفع خارج الغرفة بخطوات متعثرة، لا يفكر إلا في شيء واحد: ماذا حدث؟
في الداخل، كانت خديجة قد نهضت من فوق الفراش على صوت الصراخ. رفعت رأسها بفزع، ثم أسرعت نحو الخزانة، وسحبت منها طرحتها على عجل، وأخفت شعرها تحتها بيدين مرتجفتين، ثم خرجت من الغرفة وهي تضع نقابها على وجهها.
لكنها لم تبتعد كثيرًا.
توقفت فجأة، وأغمضت عينيها لحظة حين باغتها دوار شديد، فمدت يدها بسرعة وأسندتها إلى الحائط حتى لا تسقط. أخذت نفسًا عميقًا، وانتظرت حتى هدأت الدنيا من حولها قليلًا، ثم واصلت السير بخطوات بطيئة نحو مصدر الصراخ.
اندفع نور إلى الغرفة، فتجمد في مكانه فورًا.
وقعت عيناه على ياسمين، وكانت تحتضن فارس الفاقد للوعي بين ذراعيها وهي تبكي بانهيار.
لم يستوعب المشهد... ثبت بصره على والده، واتسعت عيناه بشدة، ثم بدأت الدموع تتجمع فيهما قبل أن تنساب على خديه. هز رأسه بعنف، وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه أمامه.
"لا..."
خرجت الكلمة هامسة من بين شفتيه، قبل أن يندفع إلى الداخل.
أبعد مريم عن فارس برفق سريع، وكانت دموعها تنساب على خديها وهي تنظر إليه بخوف شديد، ثم جثا نور على الأرض وأخذ والده من بين ذراعي ياسمين.
أسند رأس فارس بين يديه، وراح يهز كتفه بيد مرتجفة، بينما كانت دموعه تسقط دون توقف.
"بابا... بابا قوم، رد عليا."
انتظر.
لكن لم تأته أي استجابة... اقترب منه أكثر، وكأن قربه منه سيعيده إلى الوعي، ثم هز رأسه بعنف، رافضًا أن يستسلم بهذه السهولة:
"بابا... عشان خاطري رد عليا."
ارتجف صوته في آخر كلماته، وانكسر تمامًا... وفي تلك اللحظة، ظهرت خديجة عند باب الغرفة.
وقفت مكانها، وعيناها اتسعتا وهي ترى فارس بين ذراعي نور، ودموع نور لا تتوقف عن السقوط.
شعرت بغصة تخنق صدرها، وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع هي الأخرى.
كان الخوف على فارس أكبر من أن تتحمله وهي لا تزال في حالتها تلك.
تراجعت خطوة، ثم خانتها قدماها فجأة، فسقطت على الأرض، وأغمضت عينيها بألم وهي تحاول أن تستوعب ما يحدث أمامها.
انتفض نور، ونهض بسرعة وهو يمسح دموعه بعنف بظهر يده، ثم انحنى وحمل والده بكل قوته... خرج به مسرعًا من الغرفة.
نهضت ياسمين خلفه على الفور، وركضت وراءه وهي منهارة من الخوف، ثم أسرعت إلى السيارة وصعدت إلى المقعد الخلفي، وجلست وهي تحتضن فارس، واضعةً رأسه على ركبتها، بينما راحت تبكي وتربت على وجهه بيد مرتجفة.
أما مريم، فكانت على وشك اللحاق بهم، لكنها توقفت عندما رأت خديجة.. جثت مريم أمامها بسرعة، وأمسكت ذراعها حتى تساعدها على الثبات، ثم قالت بلهفة امتزجت بدموعها:
"أخيرًا فوقتي... كنت خايفة عليكي أوي."
هزت خديجة رأسها ببطء، وكانت ملامحها شاحبة والإرهاق واضحًا على وجهها، ثم قالت بصوت خافت ومرهق:
"أنا كويسة... بس ساعديني أروح مع عمي فارس."
أومأت مريم على الفور، وأحاطت ذراع خديجة بذراعها، وساعدتها على النهوض والخروج معها.
لكن عندما وصلتا إلى الخارج، كان نور قد استدار ليركب السيارة... توقف فجأة عندما لمح مريم وخديجة تتجهان نحوه.
انعقد حاجباه، وارتفعت نبرة صوته، وقد اختلط غضبه بانفعاله وخوفه الشديد على والده:
"محدش فيكم هيروح! مش إنتِ لسه تعبانة؟ خديجة يا مريم، علي جوه لحد ما أرجع!"
نظرت إليه مريم للحظات، ثم إلى خديجة، ولم تجد أي منهما القدرة على مجادلته في تلك اللحظة.
كان نور يقف أمامهما وملامحه منهارة من الخوف، وكل ما يشغله الآن هو والده.
استدار بسرعة، وركب السيارة، ثم أدار المحرك وانطلق بها بأقصى سرعة.
ظلت مريم واقفة للحظات تراقب السيارة وهي تبتعد، ثم التفتت إلى خديجة وأمسكت يدها برفق:
"تعالي."
ساعدتها على العودة إلى المنزل، ودخلتا معًا، ثم أُغلق الباب خلفهما، بينما ظل القلق يخيم على المكان كله......
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
فتحت شمس باب غرفة خديجة ودخلت إليها، وهي تضع إحدى يديها في جيب بنطالها. تقدّمت بضع خطوات حتى وقفت في منتصف الغرفة، ثم أخذت تدير عينيها في أرجائها، تتفحّص كل شيء من حولها في صمت.
أخرجت يدها من جيبها ببطء، ثم اتجهت إلى السرير وجلست على طرفه. أطلقت تنهيدة عميقة، بدت معها وكأنها تزيح عن صدرها حملًا ثقيلًا، وارتسمت على ملامحها راحة واضحة؛ راحة ممزوجة بشعور غريب بالحرية والهدوء، شعور لم تعتده من قبل.
تمتمت بصوت خافت، وهي تمرر عينيها في الغرفة مرة أخرى:
"أخيرًا طلعتي من البيت ده."
ما إن نطقت كلماتها حتى تبدلت ملامحها، وانقبض وجهها بضيق شديد، قبل أن تنظر أمامها بغلّ مكبوت وتتابع:
"من وإحنا صغيرين وإنتِ واخدة كل حاجة... اهتمام بابا وماما وحنّيتهم ودلعهم، كل حاجة واخدة ليكي، وأنا باخد اللي فاضل من وراكي."
نهضت من مكانها دفعة واحدة، ثم اتجهت نحو مرآة الغرفة بخطوات متتابعة. وقفت أمامها، ورفعت عينيها إلى انعكاس صورتها، وظلت تنظر إلى نفسها للحظات، بينما كانت ملامح الغضب تزداد وضوحًا على وجهها.. قالت بنبرة ممتلئة بالحنق:
"إنتِ مش أحسن مني، ولا أنا أقل منك... عاملالي نفسك بريئة وبتضحكي على اللي حواليكي. الشيخة خديجة راحت، الشيخة خديجة جات... وقرفاني في الطالعة والنازلة بنصايحك اللي شبهك."
ابتعدت عن المرآة، وتحركت ببطء داخل الغرفة، بينما كانت عيناها تجولان في أرجائها وكأنها تبحث عن شيء تصب فيه غضبها. حتى توقفت أمام صورة خديجة الموضوعة فوق الكومود.
انحنت قليلًا، ومدت يدها والتقطت الصورة. ثبتت عينيها عليها، وأخذت تتأمل وجه خديجة بملامح يملؤها الغضب والحقد، ثم قالت بصوت مختنق بالمرارة:
"بابا كل شوية كان يقارنّي بيكي... بصي على خديجة، شوفي خديجة بتعمل إيه... ابقي زي خديجة..."
ارتجف صوتها قليلًا من شدة الانفعال، ثم انفجرت وهي تكرر الاسم بحدة:
"خديجة... خديجة... خديجة!"
ألقت الصورة على الأرض بقوة، فارتطم إطارها بالأرض، بينما ظلت شمس تحدّق بها بعينين مشتعلة بالغضب. ارتفعت أنفاسها وراحت تهبط بصوت مسموع، وصدرها يعلو ويهبط من شدة انفعالها.
ثم رفعت حذاءها، وهوت به على الصورة بقسوة، فانكسر زجاجها تحت قدمها.
قالت من بين أسنانها، وصوتها يرتجف من شدة الغيظ:
"لحد ما كرّهني في خديجة واسم خديجة، وكرهني حتى في نفسي... دايمًا كل شوية يقارنوني بيكي."
دفعت الصورة بقدمها بعيدًا عنها، ثم رفعت يدها إلى شعرها وأزاحت خصلاته إلى الخلف بعنف، قبل أن تستقيم في وقفتها وتظل تحدق في المكان بنظرات حاقدة.
في تلك اللحظة، كان سيف في غرفته، والهاتف ملتصق بأذنه. كان يستمع إلى الطرف الآخر بملامح جامدة لا تكشف شيئًا عما يدور في داخله، بينما ارتفع صوت الرجل من الهاتف قائلًا:
"البضاعة هتوصل النهارده يا باشا، وفي نفس المعاد ونفس المكان."
أبعد سيف السيجارة عن فمه، ثم نفث دخانها بشراسة، فتلاشى أمام وجهه للحظات. ظل صامتًا لثانية، قبل أن يقول بنبرة حادة وآمرة:
"اجهّز إنت والرجالة."
جاءه صوت الطرف الآخر على الفور:
"تحت أمرك يا باشا."
أغلق سيف الهاتف، ثم أعاد السيجارة إلى بين أصابعه واستنشق دخانها ببطء. ظل يحدق في الدخان المتصاعد أمامه بشرود عميق.
وبعد أن أنهى سيجارته، وضعها في المطفأة وأطفأها بهدوء.
كانت نادين تراقبه منذ البداية. عقدت حاجبيها قليلًا، ثم سألته وهي تتأمل ملامحه:
"في حاجة ولا إيه؟"
هز سيف رأسه بهدوء، وأجابها بنبرة مطمئنة:
"لا، شغل يا حبيبتي... شغل."
أومأت نادين برأسها، لكنها لم تبدُ مقتنعة تمامًا. خفضت عينيها للحظة، ثم قالت بنبرة حزينة:
"البيت وحش أوي من غير خديجة."
ساد بينهما صمت قصير، قبل أن ترفع نادين عينيها إليه وتضيف بصوت يحمل اشتياقًا واضحًا:
"أنا عايزة أروح أشوفها."
هز سيف رأسه بهدوء، ثم جلس أمام مكتبه وفتح جهاز اللابتوب. قال دون أن ينظر إليها، وعيناه معلقتان بالشاشة:
"هنروح بكرا نشوفها إن شاء الله."
ارتسمت على شفتي نادين ابتسامة خفيفة.
أما سيف، فلم يلتفت إليها. ظل يحدق في شاشة اللابتوب باهتمام شديد، وأخذ يحرك أصابعه فوق لوحة المفاتيح بسرعة، متنقلًا بين الملفات.
وبعد لحظات، ظهرت أمامه بعض الملفات.. توقفت أصابعه عن الحركة.
ظل يحدق في الشاشة لثوانٍ، ثم أرجع ظهره إلى الخلف ببطء، وأسند نفسه إلى ظهر المقعد، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة، لم يكن من السهل معرفة ما تخفيه...
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
خرج الدكتور حكيم من الغرفة، وما إن لمحته ياسمين ونور حتى أسرعا نحوه في لهفة. تقدمت ياسمين أولًا، وعيناها لا تزالان ممتلئتين بالدموع، بينما وقف نور أمامه مباشرة، يراقب ملامحه بقلق، وكأنه يحاول أن يقرأ منها الإجابة قبل أن ينطق بها.
ابتسم الدكتور حكيم ابتسامة خفيفة، وحرك رأسه مطمئنًا، ثم قال بنبرة هادئة:
"متخافوش... هو واضح إنه أرهق نفسه الفترة دي، فحصله هبوط، لكن اطمنوا... هو كويس، مفيهوش حاجة."
تنفست ياسمين، لكنها لم تستطع أن تطمئن تمامًا. ظلت عيناها معلقتين بوجه الطبيب، ثم اقتربت منه خطوة، وكأنها تحتاج إلى تأكيد آخر حتى يهدأ قلبها، وقالت ودموع الخوف لا تزال عالقة في عينيها:
"أنت متأكد إنه كويس؟ شكله كان تعبان أوي."
أومأ لها الدكتور حكيم بنفس الهدوء، محاولًا أن يبدد القلق الواضح في ملامحها، وقال:
"اطمني... هو كويس دلوقتي."
ثم التفت إلى نور، الذي ظل واقفًا في مكانه، وعيناه لم تفارقا الطبيب منذ خروجه من الغرفة، وقال بهدوء:
"محتاج حضرتك شوية على انفراد."
تغيرت ملامح نور قليلًا، وشعر بانقباض قلبه من جديد. ظل صامتًا للحظات، والدموع لا تزال تلمع في عينيه، ثم أومأ برأسه ببطء، وتحرك خلفه.
دخل الدكتور حكيم إلى مكتبه، واتجه إلى مقعده وجلس عليه، بينما جلس نور أمامه، لكنه لم يستطع أن يخفي توتره. ظل جسده مشدودًا، ويداه متشابكتين أمامه، وعيناه ثابتتان على وجه الطبيب في انتظار أن يتحدث.
خفض الدكتور حكيم عينيه إلى يده الموضوعة فوق الطاولة، وكأنه يبحث عن الطريقة المناسبة التي يخبره بها بما يريد، ثم رفع نظره إليه من جديد، وكانت ملامحه قد فقدت هدوءها السابق، وحل محلها حزن واضح.. قال بصوت هادئ، لكنه مثقل:
"نور... أنت لازم تعرف حالة والد حضرتك."
ثبت نور عينيه عليه، وشعر بقلبه يهبط في صدره... سالت دمعة من عينه رغمًا عنه، وقال بصوت خافت:
"عارف... هو قالي."
ظهر الاندهاش على وجه الدكتور حكيم، واتسعت عيناه قليلًا، ثم أومأ بتفهم، قبل أن يقول بحزن شديد:
"اللي حصل لوالدك دا تدهور في صحته... كل يوم حالته بتسوء أكتر وأكتر عن اليوم اللي قبله."
أبعد نور نظره عنه فورًا، وكأن الكلمات أصبحت أثقل من أن يحتمل مواجهتها. ابتلع غصته بصعوبة، وتحرك فكه في محاولة لكتم الألم الذي بدأ يخنقه.
لم يكن يريد أن يسمع شيئًا آخر.
كان يعرف أن والده مريض، ويعرف أن حالته ليست جيدة، لكنه لم يكن يريد أن يسمع من جديد أن الوقت ينفد منه، وأن اليوم الذي سيضطر فيه إلى وداعه يقترب أكثر مما يحتمل.
ظل صامتًا، بينما تابع الدكتور حكيم حديثه:
"أنا بلغته بالمدة اللي فضلاله تقريبًا من الفحوصات والتقارير اللي عملتها له... والنتيجة كانت إنه فاضله شهر... بس دا كان من كام يوم تقريبًا."
رفع نور عينيه إليه ببطء.. اتسعت عيناه بشدة، وتجمدت ملامحه للحظة، وكأن عقله توقف عند تلك الكلمة وحدها... شهر... شهر واحد فقط.
شهر واحد يفصله عن اليوم الذي لن يرى فيه والده مجددًا.
بدأت الدموع تتساقط من عينيه دون توقف، وانقبضت أصابع يده فوق بعضها بقوة، بينما شعر بألم حاد يخترق صدره. أخذ نفسًا متقطعًا، ثم تمتم بصوت خافت، وكأنه يتعلق بآخر خيط من الأمل:
"أكيد في حل... في علاج ليه."
رفع عينيه إلى الطبيب، وقد امتلأت نظراته برجاء واضح، ثم ارتفعت نبرته تحت وطأة خوفه:
"أنا هسفره برا مصر لو مش هتعرفوا تعالجوه هنا."
هز الدكتور حكيم رأسه بأسى، وكانت عيناه تحملان حزناً واضحاً عليه، ثم قال بهدوء مؤلم:
"حتى لو فارس في المراحل الأخيرة من المرض... مهما أخدته لبلاد برا، ولو عرضته على مليون دكتور، هتبقى نفس النتيجة... جسمه مش متقبل أي علاج ولا مستحمل أي حاجة."
اتسعت عينا نور أكثر، وكأن الكلمات سلبت منه آخر ذرة أمل.
انخفض رأسه، وانهمرت دموعه على خديه. رفع يده إلى وجهه ومسح دموعه بعنف، لكنه لم يستطع إيقافها.
ظل الدكتور حكيم ينظر إليه بصمت للحظات، قبل أن يقول بصوت خافت:
"كل اللي أقدر أقولهولك إنكم خليكوا جنبه الفترة دي... هو محتاجكم كلكم جنبه."
أومأ نور برأسه ببطء، لم يعد يملك القدرة على الكلام.
مد يده إلى الكرسي ليستند عليه، وحاول النهوض، لكن جسده لم يستجب له في البداية. بقي للحظة منحنياً، يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم ضغط بيده على طرف الكرسي حتى استطاع أن يستقيم.
وقف أمام الطبيب، ومسح دموعه مرة أخرى بظهر يده، ثم استدار متجهًا نحو الباب.
توقف فجأة... تجمد جسده في مكانه، واتسعت عيناه وهو ينظر أمامه بصدمة.
رفع الدكتور حكيم رأسه، ثم نهض من مكانه هو الآخر، واتجهت عيناه إلى الباب.. كانت ياسمين واقفة هناك.
لم تتحرك... كانت الدموع تنهمر بغزارة على خديها، ويداها ساكنتان إلى جوار جسدها، بينما شحبت ملامحها تمامًا من شدة الصدمة.
ظلت تنظر إلى نور، ثم إلى الدكتور حكيم، وكأنها تحاول استيعاب الكلمات التي وصلت إلى مسامعها.
أما نور، فبقي واقفًا أمامها عاجزًا عن النطق، وقد أدرك من نظراتها المرتجفة أنها سمعت كل شيء.....
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
في مكانٍ ما، حيث كان الظلام يخيّم على المكان، وقفت سيارة سوداء في سكون، تتبعها عدة سيارات مصطفّة خلفها. وعلى الجهة الأخرى، وقفت سيارة سوداء ثانية، وخلفها عدة سيارات، تفصل بين الطرفين مسافة قصيرة .
فُتح باب إحدى السيارات، وترجّل شادي منها، وتبعه حراسه على الفور. أغلق الباب خلفه دون أن يلتفت، ثم أخذ يتقدم بخطوات ثابتة حتى توقف، بينما انتشر رجاله خلفه في أماكنهم.
وفي الجهة المقابلة، فُتح باب السيارة الأخرى، ونزل منها رجل ذو ملامح حادة. لم يتكلم. اكتفى بإلقاء نظرة سريعة على شادي ورجاله، ثم ترجل حراسه من خلفه وهم يحملون صندوقًا أسود كبيرًا.
تقدم الرجال حتى وضعوا الصندوق في منتصف المسافة بين الطرفين، ثم تراجعوا عنه.
ثبت شادي عينيه على الصندوق للحظات، قبل أن يرفع نظره إلى الرجل المقابل له.. قال بنبرة هادئة، لكنها لم تترك مجالًا للنقاش:
"افتح الصندوق إنت الأول."
ارتفعت زاوية فم الرجل في ابتسامة ساخرة، وأمال رأسه قليلًا، بينما مرر لسانه على طرف أسنانه قبل أن يقول بتهكم:
"إيه، مش واثق فيا؟"
لم تتغير ملامح شادي. ظل واقفًا في مكانه، وعيناه ثابتتان عليه، ثم أجابه ببساطة:
"تؤ... مبثقش في حد."
اختفت ابتسامة الرجل قليلًا، وبقي ينظر إلى شادي لثوانٍ. رفع يده إلى ذقنه وحكها ببطء، وكأنه يزن كلماته، ثم أشار بإصبعه إلى أحد رجاله.
أومأ الرجل في صمت، واتجه نحو الصندوق.
انحنى وأمسك غطاءه، ثم رفعه حتى فتحه على آخره. بقي واقفًا لحظة، قبل أن يتراجع عدة خطوات، تاركًا الصندوق مكشوفًا في المنتصف.
حرّك شادي يده بإشارة قصيرة.. فهم أحد حراسه الأمر، فتقدم نحوه بخطوات حذرة.
انحنى أمام الصندوق، ومد يده إلى داخله، ثم أخرج أحد الأسلحة. قلبه بين كفيه، مرر عينيه على تفاصيله، وتفقده قطعةً قطعة، قبل أن يعيد النظر إليه مرة أخيرة للتأكد منه.
أعاده إلى الصندوق، ثم استقام وعاد إلى شادي... توقف أمامه وأومأ برأسه مرة واحدة.. لم يحتج شادي إلى أكثر من ذلك.
تحركت زاوية فمه في ابتسامة جانبية صغيرة، وكأن الأمر جاء تمامًا كما أراد.
لكن قبل أن يفتح فمه بكلمة واحدة—
دوّت طلقات النار فجأة.
شقّ الرصاص سكون المكان دفعة واحدة، وتوالت الطلقات من أكثر من اتجاه. التفت الرجال في ارتباك، وحاول بعضهم الوصول إلى أسلحتهم، لكن الرصاص كان أسرع.
خلال لحظات، سقط حراس الطرفين الواحد تلو الآخر، وخمدت أصواتهم تحت وطأة الطلقات، بينما بقي شادي والرجل الآخر واقفين وسط الفوضى، لا يعرفان من أين جاء الهجوم.
ثم ظهرت السيارة.
توقفت بالقرب منهما، وانفتح بابها، ونزل سيف بعدما فتح له أحد حراسه الباب.
خرج بخطوات هادئة، كان رجاله قد أحاطوا بشادي والرجل الآخر وسيطروا عليهما. أجبروهما على الركوع فوق الأرض، وأيديهما خلف رأسيهما.
رفع شادي رأسه بصعوبة، وظلت عيناه معلقتين بسيف وهو يقترب.. قال من بين أسنانه:
"اللي بتعمله ده يا سيف مهعدهوش بالسهال... وافتكر، إنت اللي بدأت الحرب الأول."
توقفت خطوات سيف.
أخرج علبة سجائره ببطء، وسحب منها سيجارة ووضعها بين شفتيه. أشعلها، ثم أخذ نفسًا عميقًا، حتى توهج طرفها للحظة.
نفث الدخان ببطء، ولم يمنح شادي حتى نظرة واحدة.
كانت عيناه تتبعان رجاله وهم ينقلون الأسلحة من الصندوق إلى سياراتهم. بقي يراقبهم حتى تأكد أن كل شيء يسير كما يريد، ثم أدار وجهه أخيرًا نحو شادي والرجل الآخر.
أخذ نفسًا آخر من سيجارته، ثم بدأ يقترب منهما... خطوة... ثم أخرى... حتى وقف أمامهما.
انحنى ببطء، حتى أصبح وجهه في مستواهما، ثم أخرج الدخان من فمه مباشرة نحوهما.
أدار الرجل الآخر وجهه بسرعة، وسعل من أثر الدخان، بينما ظل شادي يحدق في سيف، ولم يتحرك سوى فكه الذي انقبض للحظة.
استقام سيف في وقفته، وألقى السيجارة بين أصابعه للحظة قبل أن يقول بنبرة هادئة :
"أولًا، الحرب دي إنت اللي بدأتها معايا يا شادي... ثانيًا، أنا باخد حقي. كده يبقى فلوسك معاك وبضاعتي معايا... يبقى خالصين."
التفت الرجل الآخر إليه، وارتفع صوته رغماً عنه:
"طيب وأنا ذنبي إيه بالحرب اللي بينكم دي؟"
ثبت سيف عينيه عليه... لم يجب فورًا.. ترك الصمت يمر بينهما لثوانٍ، بينما راحت عيناه تتفحصان وجه الرجل قبل أن يقول بحدة جعلته يتراجع قليلًا:
"عشان حطيت إيدك في إيده يا عين أمك."
فتح الرجل فمه، ثم أغلقه للحظة، قبل أن يقول وقد ازدادت سرعة أنفاسه:
"وأنا أعرف منين إن في بينكم عداوة؟"
رفع سيف السيجارة إلى فمه واستنشق منها نفسًا آخر، ثم أنزلها ببطء، وقال دون أن يبعد عينيه عنه:
"عشان المرة الجاية لما تتفق مع حد، تدور وراه... ليه عداوة معايا ولا لأ."
خرج صوت شادي من خلفه فجأة، أعلى وأشد:
"هدفعك تمن اللي إنت عملته ده غالي أوي!"
ما إن انتهت الجملة حتى اندفع أحد رجال سيف نحوه.. قبض الرجل على شادي ووجّه إليه ضربة عنيفة.
مال جسد شادي إلى الجانب من قوة الضربة، ثم فقد توازنه وسقط على الأرض. ارتطم فمه بها، وسال الدم من بين شفتيه.
رفع رأسه ببطء، ومسح الدم بطرف لسانه، ثم بصق إلى جواره، قبل أن يعيد عينيه إلى سيف.
أما سيف، فألقى سيجارته على الأرض... نظر إليها لحظة، ثم رفع قدمه وسحقها تحت حذائه حتى انطفأت تمامًا.
رفع رأسه من جديد.
كانت عيناه تنتقلان بين الرجلين للحظات، ثم أدخل يده في جيبه وأخرج سلاحه.
تجمد الرجل الآخر.. انخفضت عيناه إلى السلاح، ثم ارتفعتا إلى وجه سيف. ابتلع ريقه، وبقي فمه مفتوحًا قليلًا كأنه يريد أن يتحدث، لكن الكلمات لم تخرج.
رفع سيف سلاحه.. وفي اللحظة التالية—
دوّت عدة طلقات متتالية.
أغمض الرجل الآخر عينيه فورًا، وانكمش جسده دون إرادة منه، بينما أطبق شادي جفنيه، وانتظر أن تخترق الرصاصات جسده.
لكن...لم تأتِ الضربة... توقفت الطلقات.
فتح الرجل عينيه ببطء، ثم أخذ يتفقد جسده بارتباك، كأنه يبحث عن موضع الإصابة.
لم يجد شيئًا.. رفع رأسه نحو سيف، ثم التفت خلفه.. وفجأة فهم.
السيارات.. كانت الطلقات قد استقرت في عجلات سياراتهم جميعًا.
العجلات مثقوبة، والسيارات لم تعد قادرة على التحرك.
رفع سيف حاجبه، ومال فمه إلى ابتسامة ساخرة، ثم قال:
"ارجعوا البيت مشي بقا... تعرفوا الطريق ولا هتوهوا؟"
ظل شادي يحدق فيه دون كلمة.. ارتفعت يده إلى فمه، ومسح الدم الذي ما زال عالقًا عند طرف شفتيه، ثم أنزلها ببطء، بينما بقيت عيناه تلاحقان سيف.
أما سيف، فاكتفى بنظرة أخيرة حملت سخرية واضحة، ثم استدار دون أن ينتظر ردًا.
اتجه إلى سيارته، ففتح له أحد حراسه الباب. صعد إليها، وأُغلق الباب خلفه.. انطلقت السيارة.
وبعدها مباشرة تحركت سيارات حراسه خلفه، واحدة تلو الأخرى، حتى ابتعدت أضواؤها شيئًا فشيئًا واختفت في ظلمة الطريق.
بقي شادي والرجل الآخر راكعين في مكانهما.. رفع الرجل عينيه ببطء نحو السيارات المتوقفة، ثم نظر إلى شادي.
تبع شادي نظرته... السيارات أمامهما... العجلات ممزقة... والطريق من حولهما خالٍ تمامًا.
ظل الاثنان ينظران إلى السيارات في صمت، وكأن السؤال نفسه علق بينهما دون أن يحتاج أحدهما إلى طرحه:
كيف سيخرجان من هذا المكان؟
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
توقفت سيارة ميرال أمام بوابة المدافن، وانطفأ صوت محركها تدريجيًا حتى .
فتحت باب السيارة ونزلت منها. كانت ترتدي ملابس سوداء بالكامل، وتخفي عينيها خلف نظارة سوداء.
أغلقت باب السيارة، ثم وقفت للحظات أمام المدخل.كان هذا مدخل مدافن عائلة الراوي...«عائلة فارس»
رفعت يدها إلى النظارة، وعدّلتها قليلًا فوق عينيها، ثم دفعت باب المدافن ودخلت.
كانت خطواتها بطيئة، مترددة للحظة، ثم استقرت شيئًا فشيئًا، توقفت أمام أحد القبور.
أنزلت عينيها إليه، وبقيت واقفة دون حركة.
كانت هناك لحظات لا يحتاج فيها الإنسان إلى الكلام؛ يكفي أن يقف أمام المكان الذي يرقد فيه شخص كان يومًا جزءًا من حياته، حتى تتكلم الذكريات وحدها.
مدّت يدها ببطء، وخلعت نظارتها السوداء.. ظهرت عيناها وقد احتشدت فيهما دموع لم تسمح لها بالسقوط بعد.
ظلّت تحدق في القبر، ثم ارتجفت شفتاها قليلًا وهي تقول بصوت خافت، لكنه مشبع بوعد لم تتراجع عنه:
"أنا لسه عند وعدي ليك يا بابا... هدفعهم كلهم تمن اللي عملوه غالي أوي... خصوصًا فارس. هحرق قلبه أكتر وأكتر، زي ما قلبي بيتحرق على فراقك دلوقتي."
توقفت الكلمات عند آخر جملة... ارتعشت أنفاسها، وانخفض بصرها إلى الأرض للحظة، بينما تجمعت الدموع في عينيها حتى أثقلت جفنيها.
مدّت يدها إلى وجهها، وكأنها تحاول منع نفسها من البكاء، لكن دمعة واحدة أفلتت وانزلقت على خدها.
أخذت نفسًا مرتجفًا، ثم جثت على ركبتيها أمام القبر.. كانت تحمل باقة من الورد بين يديها.
وضعتها برفق أمام القبر، ثم أبقت يدها فوقها للحظات، رفعت عينيها مرة أخرى إلى شاهدة القبر.
كان الاسم محفورًا عليها بوضوح:
هاني عبد العزيز يوسف
ثبتت ميرال عينيها على الاسم، وسكتت.. وفي عينيها، اجتمع الاشتياق الذي لم يهدأ منذ رحيله... والوعد الذي جاءت إلى هنا لتجدّد عهده.....