رواية جعلتني مجرما الفصل الثالث3 والرابع4 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل الثالث3 والرابع4 بقلم دينا عبد الله
وقف نور أمام المرآة بدهشة، وقد انعكست صورته على سطحها الملطّخ بالدم، بينما استقرّت عيناه على الكلمات المكتوبة:
"بكتْ سماءُ نزفي تحتَ القمرِ (3 + 3)"

ظلّ يحدّق فيها لثوانٍ، ثم حرّك شفتيه ببطء، يردّدها: 
"بكت سماء نزفي تحت القمر… تلاتة زائد تلاتة…"

اقترب أدهم قليلًا، ونظر إلى المرآة بعدم فهم، ثم قال:
"مش فاهم المجرم كتب الجملة دي ليه… يقصد إيه؟"

لم يردّ نور فورًا، بل ظلّ ينظر إلى الكلمات والدم الذي كُتبت به. مرّت لحظات من الصمت، قبل أن يقول بنبرةٍ غارقة في التفكير:
"هو ما كتبهاش كده وخلاص… أكيد ليها سبب… أو عايز يوصلنا رسالة من خلالها."

حكّ أدهم فروة رأسه بتفكير، ثم قال:
"فين هي الرسالة دي؟… إيه اللي هنفهمه من جملة زي دي؟… و 3+3 يساوي 6 ."

نظر إليه نور، ثم هزّ رأسه بسخريةٍ خفيفة وقال:
"3+3 يساوي 6؟… تصدّق مكنتش أعرف… كده جبت التايهة يا أدهم."

ردّ أدهم بضيق:
"الحق عليّا يعني إني بحاول أساعدك؟"

نظر إليه نور، وقد ارتفعت حاجبه الأيسر في هدوءٍ ساخر، ثم قال :
"اللي ما يطولش الجبل، يتباهى بحجر."

انفلتت ضحكةٌ قصيرة من أدهم، وهو يهزّ رأسه بإعجابٍ :
"أكتر حاجة بحبها فيك الأمثال اللي بتقولها… بتجبها منين معرفش!"

رفع نور ياقة بدلته بحركةٍ متعمدة، وتسلّل إلى ملامحه ذلك الغرور المصطنع، ثم قال بثقة:
"أنا كل حاجة فيّا تتحب يا بني."

اتّسعت ابتسامة أدهم، وهزّ رأسه موافقًا:
"دي حقيقة."

مرّر نور يده على وجهه، ثم استقرت نظراته مجددًا على المرآة. 

وقال بنبرةٍ جادّة:
"كفاية هزار بقى… خلّينا نفك الشفرة دي، ونعرف اللي وراها إيه."

ثم أخرج نور هاتفه، وصوّر الجملة المكتوبة على المرآة.
ثم نظر إلى الصورة على الهاتف في صمتٍ لثوانٍ.

تنفّس ببطء، ثم قال وهو يتأمل الشاشة:
"شكلنا كده دخلنا في اللعب مع حد تقيل… وعارف كويس هو بيعمل إيه."

                  ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

انفتح باب الطائرة، فاندفع هواءٌ شديد إلى الداخل. 
وقف لؤي عند الحافة، وإلى جواره تؤي، وقد امتدّ بصرهما إلى الأسفل… حيث بدت الأرض بعيدةً على نحوٍ مخيف، والمسافة بينهما وبينها شاسعة إلى حدٍ لا يُستهان به.

ومع ذلك… لم يكن في ملامحهما خوف.
بل حماسةٌ واضحة، تتلألأ في أعينهما .

كانا متشابهين إلى حدٍ لافت؛ نفس الملامح، نفس العيون، نفس التكوين… كأنهما انعكاسٌ واحد في مرآتين.
لكن الاختلاف كان ظاهرًا في طول الشعر، وفي نبرة الصوت، وفي تفاصيل أنثوية رقيقة تؤكّد أنّها فتاة.

التفت إليها لؤي، وارتدى النظارة الواقية الشفافة، ثم قال :
"جاهزة؟"

هزّت تؤي رأسها، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ عريضة، مليئة بالحماس.
ثم ارتدت نظارتها هي الأخرى.

أخذا نفسًا عميقًا…
نظرا إلى بعضهما للحظة—

ثم قفزا من الطائرة...اندفع الهواء من حولها بعنف، فكان شعرها يتطاير خلفها بجنونٍ مع شدّة الرياح، بينما ارتفعت صرختها. 
كان الإحساس بالحرية يملأها، كأنها تحلّق. 

وفي اللحظة المناسبة، فتح لؤي المظلّة، وفتحتها هي معه في التوقيت ذاته.
انخفض اندفاعهما تدريجيًا، وتحولت السرعة العنيفة إلى هبوطٍ أكثر هدوءًا.

ظلّا معلقين في الهواء لبعض الوقت، قبل أن يقتربا شيئًا فشيئًا من الأرض… حتى لامست أقدامهما اليابسة أخيرًا.
هبطا بثبات، وسقطت المظلّة خلفها على الأرض.

ضحكت تؤي، وهزّت رأسها وهي تجمع شعرها الذي بعثرته الرياح، ثم قالت وهي تتنهد:
"كانت تجربة روعة."

هزّ لؤي رأسه، وقال وهو يلتقط أنفاسه: 
"أنا مستعد أجربها تاني… حاسس إني بقيت واحد تاني… تجربة فرقت أوي معايا."

هزّت تؤي رأسها، وابتسمت قائلة:
"دي حقيقة."

أخرج لؤي هاتفه، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة، ثم قال:
"طيب يلا بقى ناخد صورة للتجربة الهائلة دي."

أسرعت تؤي نحوه، ووقفت إلى جواره.
فتح الكاميرا، فابتسما معًا، والتقط صورة لتلك اللحظة… كذكرى لا تُنسى.

خفض لؤي الهاتف، ثم حفظ الصورة في الألبوم المفضّل لديه.

نظرت إليه تؤي، ثم قالت:
"صحيح… الليلة عندنا شغل."

وضع لؤي الهاتف في جيبه، والتفت إليها باهتمام:
"حد بعتلك؟"

هزّت رأسها قائلة:
"أيوه… بنت محتاجة مساعدة، هقولك التفاصيل بالليل."

ابتسم لؤي، وهزّ رأسه:
"تمام… حلو أوي. نتقابل في نفس المكان."

هزّت تؤي رأسها بابتسامة، ثم رفعت عينيها إلى السماء، ورفعت يديها قليلًا، وقالت بحماس:
"يااه… كنت عاملة زي الحمامة الطايرة… كان إحساس حلو أوي بجد."

                      ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

عاد فارس إلى البيت، وأغلق الباب خلفه، ثم تقدّم إلى الداخل بخطواتٍ هادئة.
توقّف قليلًا حين وقعت عيناه على ياسمين، كانت جالسةً إلى جوار ميرال، تحاول مواساتها. 

أكمل طريقه نحوهما.
ما إن رأته ميرال، حتى أسرعت تمسح دموعها، ونهضت من مكانها، ثم قالت:
"إزيك يا عمي… عامل إيه؟"

هزّ فارس رأسه بهدوء، وقال:
"تمام الحمدلله… مالك؟ في إيه؟"

قالت ميرال بحزنٍ شديد، وقد انعكس الضيق في نبرة صوتها:
"عاجبك اللي بيعمله نور معايا ده يا عمي؟"

نظر إليها فارس باستغراب، وقال بهدوء:
"وهو نور عمل إيه؟"

اشتعلت ملامحها غضبًا، وقالت بصوتٍ أعلى نسبيًا:
"ما هي دي المشكلة… إنه مبيعملش أي حاجة! من يوم ما اتخطبنا وهو ناسيني خالص، ومش معبّرني حتى… ببعتله وبتصل بيه، لكنه مش بيرد عليّا… أنا مبقتش أستحمل تصرفاته دي."

ظلّ فارس ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"ما إنتِ عارفة طبيعة شغله."

قالت ميرال بضيقٍ ممزوجٍ بحزن:
"طيب ما أنا كمان طول الوقت مشغولة، ومع ذلك دايمًا بفكر فيه وبتصل بيه… لكن هو ولا كأني موجودة في حياته أصلًا."

كان فارس على وشك أن يتحدّث، لكنّه صمت فجأة حين انفتح الباب.
دخل نور، وخلفه مريم، التي كانت تتحدّث بعصبيةٍ واضحة:
"أنا حرة في شغلي!"

توقّف نور، والتفت إليها، ونظر إليها بحدّةٍ وهو يقول:
"تشتغلي بعيد عني… إنتِ كده بتشوفي شغلك، لكن بتبوّظيلي شغلي أنا."

اشتعلت ملامح مريم أكثر، وقالت بعصبيةٍ وصوتٍ مرتفع:
"هو أنا جيت جنبك ولا جنب شغلك؟"

نظر إليها نور بعصبيةٍ مفرطة، وقال بسخريةٍ :
"تدخل في شغله وتبوّظ نظامه… وبعدين تقول أنا ما قربتش من مقامه."

تابعت ياسمين المشهد، ثم هزّت رأسها بقلة حيلة.
اقترب فارس خطوة، وقال بضيق:
"ما كفاية إنت وهي… في إيه؟"

التفت إليه نور، وقال بعصبية:
"الهانم بتبوّظلي شغلي."

نظر فارس إلى مريم، التي ردّت بعصبيةٍ :
"أنا مجتش جنبك… أنا صحافية، وده شغلي إني أكشف الحقيقة والأسرار."

قال نور بغضب:
"اكشفي أسرار بعيد عني وعن شغلي… متدخليش في القضية دي، خليكي بعيدة عنها."

اشتدّت ملامح مريم، وقالت بعصبية:
"وأنا مش هسيب القضية دي… وهفضل وراها لحد ما أكشف الحقيقة."

ارتفع صوت نور أكثر، وقال بحدّة:
"ده شغلي أنا مش شغلك… أنا اللي أحقق وأدور وأكشف وأعرف مين المجرم، مش إنتِ."

ارتفع صوت فارس فجأة، وقال بغضبٍ شديد:
"كفاية! جرا إيه؟! بتتخانقوا وأنا واقف، ولا كأني موجود وسطكم!"

ساد الصمت لوهلة، تنفّس نور بعمق، ومرّر يده على وجهه محاولًا تهدئة نفسه، ثم قال:
"أنا آسف يا بابا."

التفتت مريم إلى فارس، وقد خفتت نبرتها، وقالت بحزنٍ ممزوج بندم:
"أنا آسفة… مكنش قصدي."

كانت ميرال تقف تتابع الموقف، وأعصابها مشدودة، لأنه لم ينظر إليها، لم يلحظ وجودها أصلًا… كأنها غير موجودة.

نظر فارس إليهما بغضبٍ، وقال :
"اعتذروا لبعض حالًا… يلااا إنت وهي."

نظر نور إلى مريم بضيق، وقال:
"هعتذر… بس الأول تقول إنها هتبعد عن القضية دي."

رفعت مريم رأسها، وقالت بضيق:
"وأنا قولتلك مش هسيب القضية دي يا نور."

نظر إليها نور بعصبيةٍ مفرطة، وقال:
"اعملي اللي إنتِ عايزاه… إنتِ حرة."

ثم تركهم واتجه نحو السلم، صاعدًا إلى غرفته، ومرّ أمام ميرال دون أن يعيرها أي اهتمام.

توقّف فجأة على السلم… حين سمع صوتها:
"للدرجادي… مبقتش شايفني قدامك؟"

ضمّ نور قبضته بقوة، محاولًا كبح أعصابه، ثم نظر إليها وقال:
"ميرال… أنا مش فايق لك دلوقتي."

لكنها انفجرت غضبًا، وقالت بعصبيةٍ عالية:
"أومال هتفوق لي إمتى؟! تقدر تقولي إحنا مخطوبين لنا قد إيه؟"

نظر إليها، وقد بدأ صبره ينفد، وقال وهو على آخره:
"امشي دلوقتي ونتكلم بعدين."

صرخت أكثر، وقالت:
"مفيش بعدين! أنا عايزة حل دلوقتي… أنا زهقت! إحنا لينا تلات سنين مخطوبين، لا عمرك خرجت معايا، ولا اتكلمنا ساعة على الأقل مع بعض… خلاص! كأني مش موجودة في حياتك، وأنا مبقتش أتحمل الوضع ده أكتر من كده!"

انفجر غضب نور، وقال بعصبية:
"عايزة حل دلوقتي؟"

هزّت رأسها بضيقٍ وعصبية:
"ياريت."

أخرج نور دبلة الخطوبة من يده، ورماها على الأرض بعنف، وقال بغضبٍ شديد:
"اللي بينا خلص… وكل واحد يشوف حياته، عشان أنا قرفت."

ثم استدار وتركهم، وصعد إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه بقوةٍ هزّت المكان.

نظرت ميرال إلى الخاتم الملقى على الأرض بصدمةٍ جامدة، 
تردّدت كلماته في أذنيها مرارًا. 

لم تستطع أن تنطق... اختنقت الكلمات داخلها، بينما بدأت الدموع تنساب على خديها لا تصدق ما فعله... تركها بهذه السهولة. 

وقف فارس في مكانه، مصدومًا هو الآخر من تصرّف ابنه، غير قادرٍ على استيعاب ما حدث.

أما مريم، فقد وضعت يدها على فمها، وعيناها متّسعتان، تحاول أن تفهم ما جرى… لكن دون جدوى.

اقتربت ياسمين من ميرال، وقد ارتسم الحزن على ملامحها.
مدّت يدها، ووضعتها برفق على كتفها، ثم قالت بنبرةٍ هادئة تحاول أن تحتوي ألمها:
"شيطان كان ما بينكم… سيبيه شوية يهدى، وهو بنفسه هيرجع يكلمك."

رفعت ميرال عينيها إليها، والدموع لا تزال تنهمر، وقالت بصوتٍ مكسور:
"ابنك كسرني… وقلّ مني… أنا مستحقش كل اللي بيعمله فيّا ده."

تنهدت ياسمين بحزن، وقالت:
"حقك عليّا أنا… أول ما يعرف غلطه، هيجيلك وهيعتذرلك."

ابتسمت ميرال ابتسامةً باهتة، يختلط فيها السخرية بالحزن، ثم قالت:
"مشكلة ابنك إنه مهما عمل… مبيعترفش بغلطه."

مسحت دموعها بسرعة، ثم نظرت إلى الخاتم في يدها لحظةً طويلة. ثم ببطء، نزعته.

مدّت يدها به نحو ياسمين، ووضعت الخاتم في كفّها، وقالت بصوتٍ ممتلئ بالغضب والحزن:
"أنا غلطانة إني ضيّعت تلات سنين من عمري مع واحد زيه."

لم تنتظر ردًا... التفتت، تناولت هاتفها وحقيبتها، ثم اتجهت نحو الباب بخطواتٍ سريعة. 
وما إن خرجت من الفيلا… حتى انهمرت دموعها بحرقة، كأنها كانت تؤجّل هذا الانكسار حتى تختفي عن نظرهم.

ضرب فارس كفّيه ببعض، ثم اتجه نحو الأريكة وجلس وهو يتمتم بضيق:
"لا حول ولا قوة إلا بالله."

وما إن استقر في مكانه، حتى نظرت إليه ياسمين بدهشةٍ واستغراب، وقالت:
"إنت هتقعد؟"

نظر إليها فارس، وهزّ كتفيه بلا مبالاة، وقال:
"أومال عايزاني أعمل إيه يعني؟"

قالت ياسمين بضيقٍ واستنكار:
"تعمل إيه؟!… اطلع شوف ابنك، وفهمه يخليه يصلّح المشكلة اللي عملها!"

نظر فارس نحو غرفة نور، حيث كان الصوت يتردّد من الداخل… صوت تحطيمٍ وفوضى. 

جلست مريم على الأريكة، ثم قالت:
"عمي فارس… لو طلع دلوقتي، مش هينزل سليم."

نظر إليها فارس، ثم ضحك بخفّة، وقال:
"قوليلها عايز تجيب أجلي."

ضحكت مريم، ثم التفتت إلى ياسمين، التي رفعت حاجبيها وقالت:
"لا والله."

ضحك فارس، وشاركتْه مريم الضحكة، ثم التفت إليها فارس، وتبدّلت ملامحه إلى الجدية، وقال بنبرةٍ هادئة :
"بصي يا مريم… أنا عارف إنك بتحبي شغلك، ومش بتحبي حد يتدخل فيه… وإنتِ من يوم ما بدأتي، وأنا متكلمتش معاكي ولا اعترضت على أي حاجة…"

توقّف لحظة، ثم أكمل وهو ينظر إليها بتركيز:
"لكن توصل إنك تعرّضي حياتك للخطر… لا، هنا لازم أتدخل."

كانت مريم على وشك أن تتكلم، لكن فارس قاطعها، وقال بنبرةٍ أكثر صرامة:
"ابعدي عن القضايا اللي فيها قتل… المجرمين دول معندهمش رحمة، ولو حد عرف إن في حد بيدور وراهم ومعلهوش حماية… هيخلصوا عليه."

انخفض صوته قليلًا في النهاية، وقد ظهر القلق بوضوح في عينيه:
"أنا خايف عليكي."

مدّت مريم يدها، وأمسكت بيد فارس، ثم ابتسمت ابتسامةً جميلة، وقالت:
"إنت عارف كويس أوي إني بفكّر في الحاجة قبل ما أعملها ميت مرة… ومستحيل أعرّض حياتي للخطر، أيًا كان السبب… وعشان تطمّن أكتر، أنا هسيب القضية دي."

ارتسمت ابتسامة حنونة على وجه فارس، وقال بنبرةٍ دافئة:
"أنا معنديش أغلى منك… عشان كده أنا خايف عليكي."

ضحكت مريم بخفّة، ثم قالت بغيرةٍ مصطنعة:
"يعني نور مش أغلى مني؟"

ضحك فارس، ثم قال وهو يهزّ رأسه:
"ربنا اللي يعلم… إنتوا الاتنين غلاوتكم واحدة عندي."

عقدت ياسمين ذراعيها، وقالت بضيقٍ مصطنع:
"وأنا ولا عشان كبرت فخلاص اتنسيت؟"

نظر إليها فارس، وضحك، ثم غمز لها وقال بنبرةٍ دافئة:
"مهما كبرنا وجري بينا الزمن… هتفضلي ساكنة قلبي، وهتفضلي أجمل ست بتشوفها عيني."

ابتسمت ياسمين، وقالت بدلالٍ خفيف:
"أيوه كده، سمعني الكلام الحلو… خلّيني أحس إني لسه في عز شبابي."

ضحكت مريم، وقالت:
"طيب والله إنتِ زي القمر، ولسه صغيرة… مكبرتيش."

اتّسعت ابتسامة ياسمين، ورفعت ذراعيها قائلة:
"طيب هاتي حضن بقى على الكلام العسل ده."

تعانقتا، ثم ابتعدت ياسمين قليلًا، والتفتت بنظرها نحو غرفة نور.
كانت هادئة… لا صوت يخرج منها.

نظرت إلى فارس، وقالت بنبرة قلقه:
"أهو هدي… قوم بقى، بلاش كسل."

هزّ فارس رأسه، وتنهد، ثم نهض واتجه إلى الأعلى.
وقف أمام الباب، وطرق عليه… لكن لم يصدر أي رد.

تردد لثانية، ثم فتح الباب ودخل، وأغلقه خلفه.
انطلقت صدمةٌ واضحة في عينيه، وهو يتفحّص الغرفة…
كل شيءٍ فيها مقلوب، محطم، وكأن إعصارًا مرّ من هنا وترك خلفه فوضى لا تُوصف.

توقّف بصره أخيرًا على نور.
كان جالسًا، عروقه بارزة، ويداه مشدودتان بقوة، يضغط على أصابعه بعصبيةٍ وغضبٍ شديد. 

                             ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

في غرفة يغمرها ضوء خافت، تتوزّع فيها أجهزة وتقنيات حديثة تلمع شاشاتها .

كان لؤي يجلس أمام حاسوبٍ محمول، يرتدي الأسود كاملًا، وقبعةً سوداء تخفي ملامحه، وكمامةً سوداء تغطي الجزء الأكبر من وجهه، فلا يظهر منه سوى نظراتٍ حادّة ثابتة.

إلى جواره وقفت تؤي، بنفس الهيئة ونفس المنظر والشكل. 

على الأريكة، كانت فتاة تجلس منهارة، تبكي بانكسارٍ واضح، وكتفاها يرتجفان من شدة الخوف.

اقتربت تؤي منها قليلًا، وقالت بصوتٍ هادئ :
"متخافيش… إحنا هنساعدك. والحيوان ده هيدفع تمن اللي بيعمله فيكي غالي أوي، وهتاخدي حقك منه."

بكت الفتاة أكثر، وقالت وسط شهقاتها:
"أنا والله ما عملتش حاجة… كل الصور والفيديوهات دي مش حقيقية… بس محدش هيصدقني."

جلست تؤي بجانبها على الأريكة، ونظرت إليها بحزنٍ عميق، ثم قالت:
"اطمني… مفيش حاجة هتحصل. ومحدش هيعرف حاجة… وإحنا واثقين إنك معملتيش حاجة."

رفعت الفتاة عينيها إليها، والدموع لا تزال تنهمر، وقالت بصوتٍ مرتجف:
"هتعرفوا تساعدوني؟"

هزّت تؤي رأسها بابتسامةٍ :
"إنتِ مش أول واحدة… جالنا بنات كتير بنفس مشكلتك، والحمد لله قدرنا نساعدهم وخدوا حقهم… وإنتِ كمان هتاخدي حقك."

ارتجف جسد الفتاة، ورفعت يديها بتضرّع، وقالت وسط بكاءٍ شديد:
"يارب… يارب."

نظرت تؤي إلى الفتاة في صمتٍ حزين، ثم نهضت واقتربت من لؤي، الذي كان ما زال منحنياً أمام شاشة اللابتوب، أصابعه تتحرك بسرعة وتركيز شديد كأنه داخل عالمٍ آخر.

وقفت إلى جواره، وقالت وهي تتابع الشاشة:
"ها يا بوب… عملت إيه؟"

لم يلتفت إليها لؤي، وظلّ مركزًا في الشاشة بعمقٍ تام، حتى مرّت لحظات صمت، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
رفع الشاشة قليلًا باتجاه تؤي وقال:
"غبي… مكنش مأمّن حسابه كويس."

جلست تؤي فورًا أمام الشاشة، ونظرت إلى الحساب، ثم ابتسمت وقالت بثقة:
"هو ده الكلام… الحساب بتاعه بقى تحت إيدينا دلوقتي."

وقفت الفتاة فجأة، وقد بدت عليها ملامح الفرح المختلطة بالارتباك، ثم تقدّمت بسرعة ووقفت بجانب تؤي، وأشارت بإصبعها قائلة:
"أيوه… أيوه ده الأكونت بتاعي اللي كان بيبعتلي عليه!"

فتحت تؤي الحساب على الفور، وبدأت تتصفّح الرسائل، فظهرت أمامها محادثات مليئة بالتهديدات، وصور، وفيديوهات، وكلمات قذرة مكتوبة.

أخذ لؤي اللابتوب منها بهدوء، دون أن يفتح الفيديوهات أو ينظر إلى الصور، وبدأ مباشرة بأخذ لقطات شاشة للمحادثة.
ثم تحرّك بسرعة، وحذف الصور من الحساب، وأزال كل ما له علاقة بالفتاة، خطوةً بخطوة. ثم قال: 
"أنا حذفت كل حاجة من على حسابه… حتى الأكونت بتاعك خليته مش موجود."

نظرة له البنت، وارتسمت على ملامحها فرحة مفاجئة امتزجت بالدموع، وهزّت رأسها بسرعة.

أكمل لؤي بهدوء:
"إنتِ اقفلي حسابك ده خالص… ومش هتفتحيه الفترة دي، لأن احتمال يبعتلك من أكونت تاني."

تؤي عقدت حاجبيها قليلًا وقالت بتفكير:
"طيب… فلنفترض إن معاه نسخ من الفيديوهات والصور دي؟"

تغيّرت ملامح البنت في لحظة، ورجعت لها ملامح الخوف من جديد.

تنهد لؤي وقال:
"هنشوف… لو معاه نسخ تاني، فهو هيحاول يبعتلها ويهددها تاني… وقتها..."

سكت لحظة، ثم أكمل :
"هدخله بطريقة مش هتعجبه."

نظرت تؤي إلى الفتاة بحنان، ثم أمسكت يدها برفق وابتسمت قائلة:
"اطمني… إحنا معاكي ومش هنسيبك."

هزّت الفتاة رأسها، ودموعها تنهمر من شدّة الخوف. 

                           ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان أدهم جالسًا أمام مكتبه، وبجواره أحد الفنيين يراجع تسجيلات كاميرات القصر الخاصة بمسرح الجريمة، داخل القصر وخارجه، بدقةٍ زمنية تصل إلى الساعة والدقيقة والثانية.

قال أدهم بتركيزٍ عميق:
"على حسب تقرير الطب الشرعي… مات الساعة ستة و..."

توقّف فجأة، واتّسعت عيناه بشكلٍ ملحوظ، ثم قال بسرعة:
"استنى… استنى… رجّع لورا ثانية."

أعاد الرجل التسجيل لبضع ثوانٍ إلى الخلف.
أدهم اقترب من الشاشة، وقال بسرعة:
"بس… وقف."

أوقف الرجل الفيديو.

قال أدهم بنبرةٍ سريعة ومشدودة:
"كبّر الشاشة."

قام الرجل بتكبير الصورة على اللقطة المطلوبة.

تجمّد أدهم في مكانه، وعيناه مثبتتان على الشاشة بصدمةٍ ، ثم هزّ رأسه ببطء وقال:
"الأستاذ فارس…"
الفصل الرابع 
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"

أوقفت ميرال سيارتها في مكان بعيدًا عن ضجيج البشر... نظرت أمامها وتذكرته وهو يرمي خاتم خطوبتهما على الأرض دون أن يراعي مشاعرها... تذكرت كلماته التي كسرت قلبها.

انهمرت دموعها على خديها وبدأت في البكاء وهي تضع يدها على قلبها الذي يؤلمها بشدة... شهقت بوجع شديد لا تقدر على تحمله.

فتحت باب سيارتها ونزلت منها بخطوات بطيئة... كانت تأخذ أنفاسها بصعوبة... فتحت أول زر من قميصها الأسود الذي ترتديه... وحاولت قدر المستطاع تنظيم أنفاسها.

انهمرت دموعها أكثر... وضعت يدها على مقدمة السيارة، وجلست على الأرض وأسندت ظهرها عليها... نظرت إلى السماء بحزن شديد وقالت بين شهقات بكائها:
"أنا عملت إيه عشان يعمل فيا كده؟"

سكتت قليلًا ثم قالت وهي تضع يدها على قلبها بألم:
"هان عليك يا نور تكسر قلبي وتجرحني كده؟"

ازداد بكاؤها أكثر، وقد امتزج الغضب بحزنها، وقالت وصوتها ارتفع نسبيًا:
"هو ده حبك ليا؟... أومال قبل الخطوبة كنت عمال تقولّي بحبك بحبك، وإني كل حياتك!"

ضمت قبضتها بغضب وضربت مقدمة سيارتها، وصرخت بوجع قائلة:
"كنت كداب... كنت بتضحك عليّا وأنا زي المغفلة صدّقتك... حاربت الدنيا كلها عشانك... بس إنت عملت إيه؟... ببساطة اتخليت عني وعن أحلامنا مع بعض!"

نزلت يدها وارتخت قبضتها، وبكت بحرقة وهي تهز رأسها... لا تصدق أنه استطاع، بعد كل ما كان بينهما، إنهاء كل شيء بسهولة... كأنها لا تعني شيئًا لديه... وأن حبه لها كان وهمًا، وهي انخدعت به.

                     ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

نظر فارس إلى ابنه قليلًا... ثم دخل الغرفة واقترب منه وهو يخطو فوق أغراض الغرفة الملقاة والمكسورة على الأرض في شكل فوضوي.

جلس إلى جواره على الأريكة... أغمض نور عينيه، ومسح وجهه بكفيه بضيق، ثم نظر إلى والده وقال بحزن:
"مكنش ينفع أعمل اللي أنا عملته ده."

نظر بعيدًا وتنهد بعمق، ثم قال بحزن ممزوج بالندم:
"عارف إني غلطان... بس حسّوا بيا شوية، ألاقيها من الشغل ولا ألاقيها منين ولا منين؟"

نظر فارس إليه بحزن ظهر في ملامحه وقال:
"أنا فاهم كويس وحاسس بيك... ومقدّر الضغط النفسي والجسدي اللي إنت فيه... أنا مش جاي أتكلم معاك وأقولك غلطان ولا لأ... لأن اللي حصل حصل."

ثم وضع فارس يده على كتف ابنه وقال:
"لكن المهم دلوقتي تصلّح اللي حصل إزاي."

أبعد فارس يده وتنهد بضيق وقال:
"أنا يمكن مكنتش موافق على البنت دي ولحد دلوقتي... لكن وافقت واتقبلت الأمر الواقع عشانك... عشان عارف كويس إنت قد إيه بتحبها... وأنا مفيش حاجة أهم عندي غير سعادتك."

نظر نور إلى والده وابتسم بسخرية وحزن وقال:
"حب إيه وزفت إيه... ما خلاص."

هز فارس رأسه وقال:
"اوعى تضعف أو تستسلم، أيًّا كان السبب... متخليش الدنيا تكسرك ولا تيجي عليك... وإنت قادر ترجع كل حاجة زي ما كانت."

لمعت عيناه بدموع الحزن قائلًا:
"وتفتكر كل حاجة هترجع زي ما كانت؟"

ربت فارس على كتف ابنه، ثم ابتسم وهز رأسه قائلًا:
"هترجع وأحسن من الأول كمان... اتصل ببت المحرّق دي واعتذر منها على الغلط اللي عملته... ومن النهارده خد من وقتك دقيقة واحدة ابعتلها مسدج واقفل... البنات أقل حاجة تعملها معاهم تبسطهم وتفرحهم... من أقل حاجة... حتى لو جبتلها مكعب شوكولاتة هتلاقيها فرحت."

انفلتت من نور ضحكة خفيفة وقال:
"ده إنت خبير بقى... أكيد كنت مدلّع ماما زمان."

ضحك فارس وتنهد وهز رأسه وشريط ذكرياته يمر أمام عينيه قائلاً:
"ياااه على زمان وأيام زمان."

مسح نور دمعة سقطت من طرف عينه، وقال بمزاح ليخفف عن نفسه قليلًا:
"ياااااه... محسسني إنك زمان كنت عايش حياتك... وإنت كنت منحوس أصلًا."

نظر فارس إليه بدهشة من صراحته معه... ثم أومأ بعد لحظة وقال:
"منحوس... دي كلمة قليلة على اللي أنا شوفته وعشته... لكن، ومع كل اللي مريت بيه والأذى اللي اتعرضتله من أقرب الناس ليا، مستسلمتش وعافرت وكملت ونجحت."

ابتسم نور وأومأ قائلًا:
"ما أنا عشان كده واخدك قدوة ليا، وبضرب بيك المثل زي ما بيقولوا."

نظر فارس إليه نظرة فخر، وكم جبر الله خاطره وعوضه عن كل شيء مر به سابقًا... دمعت عيناه وقال:
"إنت أكبر نعمة ربنا رزقنا بيها."

أمسك نور يد والده وقبّلها قائلًا بابتسامة وحنان:
"ربنا يخليكم ليا وميحرمنيش منكم أبدًا يا رب."

سحب فارس يده وربت على رأس ابنه بابتسامة وحنان... مسح دمعة نزلت من عينيه قائلًا:
"خلينا دلوقتي في موضوعك إنت... كلّمها واعتذر منها، وخرجها وفسّحها."

نظر نور إليه بتعجب وقال:
"أخرجها وأفسّحها؟ طيب وشغلي والقضية اللي أنا ماسكها... أنا معنديش وقت يا بابا... ده أنا سبت القسم وجيت أكمل شغلي هنا."

رد فارس عليه بهدوء:
"عارف إنك مضغوط في الشغل، بس هنعمل إيه في دلع البنات الماسخ ده... تعالى على نفسك شوية، ساعة ولا ساعتين بالكتير صالِحها، وبعدين ارجع لشغلك."

تنهد نور وأومأ قائلًا بابتسامة خفيفة:
"حاضر يا بابا."

ابتسم فارس ثم نهض قائلًا:
"ربنا يقويك ويصلّح حالك يا بني... ويهدي بنت المحروق دي."

ضحك نور ورفع يداه قائلًا:
"يا رب."

ضحك فارس ثم اقترب من الباب ليذهب... لكن أوقفه نور حين نهض وقال له بسرعة:
"بابا، ابقى قول لمريم تيجي تنضف الأوضة."

توقف فارس ونظر إلى ابنه، ورفع حاجبه بتعجب وقال:
"كسر الأوضة في لحظة غضبه، وعايزها ترجع زي ما كانت بطلبه!"

ضحك نور بخفة قائلًا:
"حلوة دي... ده أنا طالعلك في كل حاجة، حتى الأمثال، سبحان الله."

ابتسم فارس ابتسامة جانبية وقال:
"طيب بما إنك طالعلي في كل حاجة... يبقى نضف أوضتك بنفسك... البنت راجعة تعبانة من شغلها، مش ناقصاك هي."

قبض نور حاجبيه بضيق وقال:
"معنديش وقت... ومش هعرف أشتغل وسط الكركبة دي كلها."

نظر فارس له باستغراب واستنكار، ثم قال:
"وهي الكركبة دي مين اللي عملها؟ مش إنت... يبقى إنت اللي تنضفها، عشان المرة الجاية تمسك نفسك لحظة غضبك... مش كل ما تتعصب تقلب الدنيا حواليك."

ثم رفع إصبعه السبابة وقال بأمر:
"وبعد ما تخلص، كلّمها الأول، بعدين شوف شغلك."

ثم ذهب دون أن يعطي لنور فرصة للرد، وأغلق الباب خلفه... وضع نور يده في منتصفه، ونظر للغرفة من حوله بضيق وغضب قائلًا:
"غبي... يعني كان لازم أهد الدنيا كده!"

                         ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت خديجة جالسة على الأريكة في صالة البيت... كانت ملامحها هادئة وبشوشة الوجه... كان في يدها ملف لأحد المرضى المسؤولين عن حالتهم، تتفحصه بدقة.

أنزلت نظرها من على الملف حين سمعت صوت خطوات حذاء تنزل من على درج السلم... رفعت رأسها ونظرت، فكانت أختها الصغرى "شمس".

لكن طبعها كان مختلفًا عنها تمامًا... كانت ترتدي بنطلونًا أسود عليه جاكيت أسود، وأسفله فانلة حمراء... وشعرها منسدل على ظهرها، وتضع بعض مساحيق التجميل على وجهها... وحذاء أحمر ذا كعب عالٍ... ورائحة عطرها انتشرت في المكان.

وضعت خديجة الملف على الطاولة أمامها، ثم نهضت ووضعت يدها على أنفها باختناق من تلك الرائحة النفاذة، واقتربت من شمس وقالت لها بضيق:
"إنتِ يا بنتي هفضل أقولك لحد إمتى؟ لحد إمتى هفضل أكرر وأقولك حرام... كل حاجة بتعمليها غلط وحرام!"

نظرت شمس إليها بضجر واستفزاز قائلة:
"وأنا هفضل لحد إمتى أقولك ملكيش دعوة؟ خليكي في نفسك!"

لم تعطي خديجة فرصة للرد، وهمّت بالرحيل، لكنها توقفت حين قالت لها خديجة بصوت مرتفع نسبيًا:
قال النبي ﷺ:
"أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية."

رمقتها شمس بطرف عين بلا مبالاة ولم ترد عليها، وتركتها وغادرت وأغلقت الباب خلفها.

نظرت خديجة لها بحزن وأسى على أختها، وعلى حبها للدنيا وغفلتها عن الآخرة... وتمتمت بصوت منخفض:
"ربنا يهديكي ويصلح حالك يا شمس."

                        ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقف مؤمن على قبر والديه يقرأ لهما الفاتحة ويدعو لهما بالرحمة والمغفرة... تشكلت دموع الحزن وألم الفراق في عينيه.

نظرت له ليلى، التي كانت تقف بجانبه بحزن... وضعت يدها على كتفه وربتت عليه برفق قائلة:
"هما دلوقتي في مكان أحسن... لا الحزن ولا العياط عليهم هيرجعهم."

نظر مؤمن لها وتنهد تنهيدة عميقة مليئة بالوجع قائلًا:
"وحشوني قوي."

ربتت على كتفه وهي تحاول قدر المستطاع أن تخفف ألمه... ألقت بنظرها بعيدًا... فتحول حزنها لابتسامة خفيفة وقالت:
"معتز جي أهو."

نظر مؤمن إليه... كان شابًا يرتدي جلابية صعيدي، ويحمل الطورية على كتفه، وحبات العرق تتناثر على وجهه... وملامح التعب ظاهرة عليه بوضوح... بشرته كأبيه سمراء اللون، لكن ملامحه بشوشة... طويل القامة... وعريض البنية.

وقف معتز بجانب أبيه، وأنزل الطورية من على كتفه، ورفع كفيه وقرأ الفاتحة لجديه.
بعد أن أنهى، أنزل يده ونظر لأبيه قائلًا بابتسامة خفيفة:
"مالك يا حاج متفرفش وتروق عن نفسك كده شوية... في إيه عاد؟"

سكت لحظة، ثم غمز وقال بمرح:
"أجبلك بوظة؟"

نظر مؤمن إليه بضيق لطيف وقال:
"شايفني عيل صغير قدامك ولا إيه؟"

انفلتت ضحكة من ليلى، ثم قالت:
"لو جبتله، هاتلي معاك."

نظر لها مؤمن بدهشة... بادلته ليلى النظر وقالت باستغراب:
"مالك؟ نفسي فيها، ما أكلهاش يعني؟... وبعدين ما إنت كمان بتحبها."

ثم نظرت إلى معتز وقالت بلهفة وابتسامة:
"اجري يا واد وهاتلنا كل واحد اتنين... وأوعى تاكلهم وإنت جاي، ما أنا عارفاك!"

ضحك معتز وقال وهو يعود لحمل الطورية من جديد:
"حاضر يا ست الكل، إنتِ تؤمري أمر."

ثم تركهم وغادر... نظر مؤمن إلى طيف ابنه الذي ابتعد عنه، وارتسمت على وجهه ابتسامة حنونة وقال:
"كبرتوا يا ولاد... وجري الزمن بسرعة ومحسناش بيه... حاسس كأنه لسه عشيّة شايلكم على دراعي وبنلعب سوا."

ابتسمت ليلى بحب قائلة:
"وربنا يدينا طولة العمر ونشيل عيالهم بإذن الله."

نظر مؤمن إلى القبر وابتسم بحزن قائلًا:
"شوف ولدك كبر يا عمدة... وعياله كبروا وقربوا يتجوزوا كمان... وأنا في سنهم كان في حاجات بتضايقني منك ومكنتش فاهمها... لكن دلوقتي وأنا مكانك فهمت وعرفت... إنت قد إيه كنت حنين عليّا وبتخاف، مش عليّا لوحدي لأ... حتى على ولاد عمي... ربنا يرحمك يا بوي ويجعل مأواك الجنة."

                ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان فارس جالسًا على كرسي في إحدى غرف المستشفى، ينظر إلى المريض الممتد أمامه على الفراش، وجسده متصل بالأجهزة.

حرّك ذلك المريض عينيه ببطء اتجاه فارس، الذي كان ينظر إليه ببرود، وقال بهدوء:
"هتتكلم ولا لسانك اتشل؟"

نظر إليه المريض، وكان في نظرته شيء من الخوف... تنهد فارس بضيق، وضم قبضته، وحاول أن تكون نبرته هادئة كما هي:
"ما هو إنت لو متكلمتش... هعمل فيك أكتر من اللي أنا عملته... وبدل ما إنت راقد قدامي دلوقتي، هخليك راقد في قبرك."

نظر له ذلك المريض بخوف، ومع ذلك يرفض الحديث والبوح بكل ما بداخله.

نظر فارس إليه لوهلة ببرود... ثم فجأة قبض على عنق المريض بقوة، وقال بغضب عارم:
"يبقى تتشهد على روحك يا روح أمك!"

تعليقات



<>