كان الليل قد سدل أستاره الثقيلة على "نجع العزايمة"، بينما كانت الرياح الصعيدية تصفر بقسوة بين جدران "آل الجبالي" العتيقة. في الغرفة الكبيرة، كان "نوح الجبالي" يقف واضعاً يده خلف ظهره، ينظر إلى خريطة النجع ببرود تملكه طمع الانتقام القديم، قبل أن يلتفت فجأة على صوت باب الغرفة الذي انفتح بعنف.
دخل ابنه "فاتح" بخطوات واسعة، وشراره الغضب يتقد في عينيه، وصدره يعلو ويهبط من شدة اللاهث والغيظ. وقف أمامه مباشرة، ونظر إليه نظرة محملة بخيبة أمل ثقيلة، ثم انفجر بصوت جشيم يهز الأركان:
"إيه اللي سمعته ده يابا؟! إحنا بقينا بنتاجر بحريم نجعنا ونخليهم سبايا في إيد مبترحمشي؟! حشومة عليك يابوي.. عاوز تلبسنا العار طول العمر، وبكرة الذكرى تحكي وتدور إننا تحالفنا مع المافيا وسلمنالهم نسوانا! لو حصل يابوي.. هسيبلك النجع كله ومش هتعرفلي مكان أصلًا!"
تغيرت ملامح نوح الجبالي وتقدم خطوة نحو ابنه محاولاً تهدئة الموقف وبنبرة آمرة:
"افهم بس يا ولد نوح.. إحنا بناخذ بتارنا، والفرصة جات لحد عندنا على طبق من ذهب!"
قاطع فاتح والشرر يطاير من عينيه، فرفع يده بحدة وقال بصوت قاطع:
"اسكت.. متحكيش حكي فارغ! من ميته واحنا بنتاجر في الحريم عشان الثار يابوي؟! إحنا منجتلشي من الظهر بالخديعة والعار.. خلص كلامي، ولو حصل وسلمت بنت العزايم للمافيا.. لانت أبي ولا هعرفك واصل!"
تركهم فاتح وخرج كالصاعقة، تاركاً نوح الجبالي يقف في مكانه مذهولاً من جأش ابنه وصرامته، بينما كانت الساعات تمضي ثقيلة، والخطوات تقترب كن الاعوده"
بينما كانت الكلمات النارية تتردد بين نوح الجبالي وابنه فاتح، كانت "حنين" تجلس داخل "سرايا العزايمة" ناغرة القلب، لا تكف عن تقليب كفيها بخوف مكتوم وهي تستمع لقعقعة السلاح خارج السرايا. خالها "الحاج موافي" كان يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً بوجه متجهم، وقد بدأت الشكوك تتسرب إلى قلبه بأن شيئاً خطيراً يُحاك في الظلام ضد دارهم.
فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن النجع بأكمله، تلاه صوت إطلاق رصاص متقطع هز سكون الليل!
صرخ أحد الحراس وهو يندفع إلى داخل الغرفة مهطوعاً:
"يا حاج موافي.. الدار محاصرة! ناس غريبة مسلحة بلباس أسود قطعت كل الطرق المؤدية للسرايا، ومعاهم رجالة من آل الجبالي!"
ارتجف قلب حنين، ووضعت يدها على بطنها بفزع وهي تهمس:
"أنا السبب.. هم جايين عشاني أنا وابن أسامة!"
لكن الحاج موافي ضرب بعصاه على الأرض بقوة وقال بصوت رجولي يعانق السقف:
"الدار دي ليها رجالها يا بنت أسامة، ومفيش مخلوق يقدر يدخل خطوة واحدة واحنا فينا عرق ينبض!"
على الجانب الآخر من النجع، كان "فاتح" يجر خطاه بغضب عارم بعد مشادته مع أبيه، حاملاً بندقيته على كتفه، عازماً على منع هذه المهزلة بأي ثمن. وما إن اقترب من محيط سرايا العزايمة حتى لاحظ حركة مريبة لأشخاص يرتدون ملابس سوداء يتسللون عبر الحقول المجاورة للسرايا ومعهم حقائب ملغومة وأسلحة آلية.
لم يتردد فاتح ثانية واحدة؛ فرفع سلاحه وأطلق عيارين ناريين في الهواء محذراً، وصاح بأعلى صوته:
"يا رجالة الجبالي.. اللي هيقرب من دار العزايمة هأكله برصاص بندقيتي! ارجعوا محل ما جيتوا، دي نجاسة ما تحسبش علينا!"
انتبه رجال المافيا التابعون لـ "الصارم" لوجود فاتح، فاستدار أحدهم مصوباً سلاحه نحوه، لكن فاتح كان أسرع، فأرداه قتيلاً بطلقة محكمة في الصدر. اشتعلت المعركة المصغرة في محيط السرايا، ووجد فاتح نفسه يقاتل وحده دفاعاً عن مبادئ أبيه التي تخلن عنها، ودفاعاً عن شرف نجع بأكمله يكاد يضيع في صفقة شيطانية.
وفي هذه اللحظة بالذات، كان "أسامة" يطير بسيارته فوق طرقات الصعيد الوعرة كالمجنون. لم تكن السرعة وحدها هي ما يحركه، بل جنون الخوف على زوجته وابنه. كانت عيناه محمرتين، وهاتفه ينبض برسائل التهديد، بينما صورة طفولته المفقودة والمحفظة الجلدية لا تزال تحرق عقله بأسئلة لا تنتهي.
على بعد كيلومترات قليلة من نجع العزايمة، ظهرت أنوار إطلاق الرصاص الكثيفة في أفق الليل المظلم.
ضغط أسامة على دواسة الوقود حتى اللافته الأخيرة، وصاح بصوت يشبه زئير الأسد:
"أنا جيت يا صارم.. واللعبة انتهت!"
كانت الرصاصات تتطاير كالمطر فوق أسوار "سرايا العزايمة"، وحنين تقبع في الداخل تدعو بقلب خافق، بينما كان "فاتح" يدافع بستماتة عن البوابة الخلفية، ينفث غضبه على بقايا رجال المافيا الذين تجرؤوا على جلب العار للنجع. نفذت خذنة بندقيته، وتقدم نحوه ثلاثة من المرتزقة بأسلحتهم المرفوعة لإنهاء حياته، ليفاجأ بمن يخرج من بين العتمة كالصاعقة!
صوت طلقات ناريّة دقيقة أصابت المهاجمين في أقدامهم وأسقطتهم أرضاً واحدًا تلو الآخر. استدار فاتح بدهشة، ليجد أمامه "أسامة"؛ الضابط الذي هبط من سيارته كأنه عاصفة هوجاء، وعيناه تشتعلان بغضب لا يطاق.
نظر أسامة إلى فاتح الذي يقف شاهراً سلاحه دفاعاً عن زوجته وبيته رغم أنه ابن الرجل الذي خانه، فهتف أسامة بصوت حازم وسط صخب المعركة:
"أنت مين؟!"
رد فاتح وهو يلقي بنظرة حارقة نحو مصادر النيران:
"أنا فاتح ولد نوح الجبالي.. وجاي أكفر عن ذنب أبويا اللي باع العرض! إحنا صحيح بينا ثأر قديم يا ضابط، لكن شرف الحريم خط أحمر ميتكسرش ولا يتشرى بفلوس المافيا!"
ابتسم أسامة برضا وسط جحيم البارود، ولم يتردد ثانية واحدة. وقف الاثنان كتفاً بكتف، كأن التاريخ بين عائلاتهم قد مُسح بضربة واحدة أمام طغيان الدخلاء. راح أسامة يغطي تحركات فاتح بمهارة أمنية فائقة، بينما كان فاتح بمعرفته العميقة بطبيعة الجبال والنجع يوجه نيران بندقيته نحو مخابئ المرتزقة. شكّل الاثنان درعاً بشرياً حصيناً حول السرايا، لا يقدر أحد على اختراقه.
وفي تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان رجال المافيا يحاولون تجميع صفوفهم للقيام بهجوم أخير، دوّى في الأفق صوت هدير مرعب ومألوف.
أضاءت كشافات عملاقة سماء النجع، لتظهر سيارات مصفحة تابعة للشرطة ومدرعات ثقيلة تحيط بالمكان من كل الاتجاهات، ومعها تعزيزات أمنية ضخمة بقيادة قطاع العمليات الخاصة الذي استدعاهم أسامة فور انطلاق رحلته من القاهرة.
صرخ قائد القوة عبر مكبر الصوت بمحاصرة المكان بالكامل، وانهمر وابن من قنابل الغاز المسيل للدموع والأعيرة التحذيرية التي هزت جبال الصعيد.
أصيب رجال المافيا بالذعر والهلع، وتطايرت أسلحتهم من أيديهم بعد أن أدركوا أن الطوق قد أحكم عليهم. صاح أحد كبار المرتزقة بيأس:
"الشرطة حاصرت المكان! اهرررربوا!"
لم يتردد الباقون؛ فرموا سلاحهم وبدؤوا يفرون بجلدهم نحو الدروب الجبلية الوعرة والممرات الخفية ، بينما انقضت قوات الأمن خلفهم لتقبض على من تبقى منهم.
هدأ صخب الرصاص تدريجياً، وانقشع غبار البارود عن سرايا العزايمة. ترجل أسامة، وخطا بخطوات واسعة نحو باب السرايا المفتوح، لترتمي "حنين" في أحضانه باكية من شدة الفرح والرهبة، بينما وقف "فاتح" من بعيد يراقب المشهد بصمت رجولي وكرامة أبية، قبل أن يستدير عائداً لمواجهة أبيه الغارق في خطيئته.
أما أسامة، فبينما كان يضم زوجته إلى صدره متنفساً الصعداء، أدرك أن المعركة الحقيقية مع "الصارم" وسر الصورة القديمة لم تنتهِ بعد.. بل بدأت لتوّها.
ارجو تفاعلات من كل المتابعين لنعرف ماذا سوف يحدث بعد ذالك
