
« وبكل ما لَـدَي ..... لا أُبالِـي !! »
« تخيل لو أننـا نملك القلوب ، ثم نستعرضها على لوحـات الرسـم ...
فذاك قلبي ... و ذاك البعيد خاصتك ...
وما بين لـونٍ و لـون ... فواصِل من رتوش بيضاء ..
أتقدر على تلوينها ؟! أتمتلِك ألــوان الماء الرطبـة على لوحـة جفت بالبعاد ؟!
أتُراني بعد كل خيبة .. ينسحب لونِـي ..
ومع كل خُذلان .. تنمحي خطوطي ...
ومع كل افتراس بصخرٍ أو حجـر .. يخبو بريقي .. و دفء ابتسامتي ... ونبرة صوتي ... حتى صرت كما صورة باهتة من عصـرٍ قديم ، تناساها مالكيها عمدًا فى قبـوٍ لا يكترثون لـه ....
و إن خرجت عن صمتي ... و لوحتي .. و عدتُ من جديد إلى صدري ... و ركضت أمام الزحام ..
هل يُلاحظني أحد ؟! هل ينتبه إلي أحد ؟؟
أم أنا الشفافة .. التي يظنها الآخرون فى مأمـنٍ من أن أنكسِـر .. »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
العلم محراب مقدس .. يأتي أولاً ، ثم يليه باقي المطالب
ما كذب القائل ‹ إطلبوا العلـم ولو فى الصيـن ›
فما بالُ أحدكم .. لو جاءت الصين بنفسها إلى هنـا لكي تتعلم .. !!
ابتسامة من لآليء لـعِقد انفرط حباته ، اختلطت برعشـة خافتـة ؛ و صدمة ما لبثت أن احتلت كيان غيداء .. بعد أن تفاجئت بمن لم تتمنى أن تراه مطلقًا بعد المرة السابقة ..
فى حين إحتلت نظرة غير مفهومة ملامحه ، يعقبها ابتسامة صفراء ، و كلمة بسيطة :
— صباح الخيـر
انتفضت غيداء حتى كادت تتشابك عظام الضلوع ، إلا أنها تعلمت ألا تجعل النواصي هي المتحكمة و المسيطرة ؛ لذا أفاقت مُجيبـه فى سمو :
— صباح الخير ... خير ؟! مش معقول تكون جايلي الجامعه عشان تعتذر ؟!
تألقت عينا بـأس بلمعة رجولية جذابـة ، ليهضم كلماتها السابقة ، ثم أجاب فى مكـر :
— و أعتذر لـيه ؟!
اتسعت مقلتي غيداء من فاجعـة سؤاله ، رغم شهادته للموقف المهين من والدة زوجته المتوفاه ، إلا أنه لا يكاد يزعم صوابها من الخطأ ... لذا أجابت فى غيظ :
— علشان مثلاً الإهانة اللي اتعرضت ليها أنا وأمي فى قصرك الفخم يا باشا ... علشان مكنش يصح والدتي تقوم بعملها على أكمل وجه ، و الآخر بنتها تتهزأ من أخت مراتك بالصورة دي .. ولا يِمكن علشان إنت بنفسك غلطت فيا فى الجنينة ؛ ولا نسيت دي كمان ؟!
كتم بـأس ضحكة كادت أن تفلت من بين شفتيه قائلاً فى صرامة مزيفة :
— معقــول ... كل ده حصل من غير ما أعرف !! لأ ... لأ .. كده كتير أوي .. حقك تزعلي .. بس السـؤال هنا بقى
مين اللي عمل كل ده ، و زعلِك ؟!
كادت غيداء تُجـن من أقوال الرجل .. هل يهذي ؟! أم أنه يعاني من أمراض الشيخوخة المبكرة ؟!
أم أنـه يستخف بها ؟!
و عند البادرة الأخيرة .. لم تحتمل غيداء جرعات أخرى من السخرية لتهتف فى غضب :
— واضح إن حضرتك جاي دلوقتي مخصوص علشان تكمل اللي نسايبك عملوه .. أحب أقولك حاجة مهمه و تاخد بالك منها كويس .................
قاطعها بأس فى تسليه ، ليقترب منها إلى حد غير لائق ، دون الاهتمام بموقعه داخل أروقـة الجامعه .. مما دفع غيداء إلى التراجع قليلاً لتفادي الالتحام بها
— حاجة إيه دي بقى اللي ناويـة تقوليهالي يا هندبــاء ..؟!
اصطكت أسنان غيداء ببعضها من فرط السخط ، لتتحدث من بين أسنانها فى حدة :
— أولاً أنا اسمي غيـداء .. مش هندبـاء ...
ثانيًا لازم تعرف إني لما كنت فـ بيتك ؛ مكنتش ......
قاطعها بـأس ثانيةً بابتسامة تلاعب :
— قصـرَك .. خليكي دقيقة لو سمحتي ... !!
أعادت غيداء الجملة من جديد فى غضب أوشك على الانفجـار :
— ثانيًا لازم تعرف إني لما .............
عاد بـأس للمقاطعة من جديد ، فى لهـو :
— بس ده مكنش بدايه كلامِك ... إنتِ بدأتي الكلام بأولاً مش ثانيًـا ...
أطلقت غيداء اللعنات فى داخلها لتهتف :
— أولاً أنا اسمي غيـداء .. مش هندبـاء ...
ثانيًا لازم تعرف إني لما كنت فـ بيتك .. قصدي قصرك ؛ مكنتش عارفة أرد الرد اللي تستحقه المدام ، لكن إحنا هنا فـ الجامعه ؛ و أي تجاوز منك هـ........
اقترب منها بأس حد لا يعترف به سوى العشـاق ، ليهمس أمام شفتيها :
— هتعملي إيه بقى يا شاطـــرة ؟!
شعرت غيداء بحرارة تحتل جسدها من قمة رأسها إلى إخمص قدميها ، لتهمس :
— هــ.... هــبلــ .... هبلغ رئيس الجامعه ، و أعمل فيك شكوى ... و أقول للدكتور والي .. و .. و ...
هبت نسمة خفيفة شاءت أن تُلطف من الحرارة التى استعـرت بصدر غيد ، لتتساقط إحدى ورقيات الشجر الجافة مستقرة فى مأمن بين خصلات شعرها الحريرية ، إلا أن بـأس بنظراته الثاقبة انتبه إليها ، لتقترب أنامله الخبيرة و تلتقطها فى بطء ساحر ، هامسًا :
— مش عارف إيه حكاية ورق الشجر اللي بيحبك ده .. مرة عندي فى جنينة القصر لما وقعتي و فستانك انكشف كله ، و تحت منه شوفت سيـ........
حين استمعت الفتاة كلماته الحـارة ذاكرًا ذاك الموقف الحرج الذى حدث سابقًا لم تتمالك نفسها ، و بأقصى ما لديها دفعته فى قوة ، ليتقهقر إلى الوراء من فرط المفاجأة ... ثم ألحقت فعلتها بكلمـة واحـدة :
— ســـافل
و ركضت من أمامه ، تتعقبهـا نظرات الزملاء ، و لا سيمـا زميلتها رجـاء ...
احتلت الدهشة ملامح الطلاب مما حدث ، منهم من ظن بـها السوء ، و منهم من تقدم إليها لمد يد العون ، فحتمًا هي فى ضائقة أو مشكله مع أحد العملاء ..
ليلفظ أحدهم فى لين :
— مالِك يا غيداء .. ؟! حصل حاجة ؟! هو الرجل ده قالِك حاجة ضايقتِك ؟!!
كتمت غيداء نشوب الحرب الداخليه لصدرها ، ثم قالت :
— كان بيعرض عليا أقدم له وجبات عنده فى فيلته ، و اشتغل عنده .. لكن أنا قولتله إن شغلي من بيتي ، و بوزع على المؤسسات التعليمية و المطاعم .. و أي اوردرات خاصة بالعملاء ... بجهزها برضه عندي فى البيت ، و بتروح للعميل دليفري ...
تساءل زميل آخر فى تفهم :
— طيب ما كلامك مفهوم أهـو .. أومال ليه زقيتيه كده ؟!
ابتلعت غيداء ريقها الجاف فى صعوبة ، لتقول فى مرارة خشية الإساءة لسمعتها من قبل هذا الرجل :
— ما هو غبي ... مفهِمش ، وكان مصمم إني أشتغل عنده ، و عرض عليا مبلغ زيادة ... قومت شتمته ، و زقيته زي ما شوفتوا ... مجنون ... فاكر إني خدامه ... ؟!
أنا سيدة أعمال بس فى بداية مشواري ، و لا يمكن أسمح لحد يستغلني ، أو يِقل مني ، ومن كرامتي ...
انطلقت عبارات التهنئة على مسامع غيداء مع تصفيق حـار .. أشعل أمارات الفخر و الاعتزاز بقلبها .. ناهيك على علامات الحرج على وجنتيها ، لتهمس :
— أنا بجد متشكرة جدًا على موقفكم الجميل .. حقيقي إنتوا مش بس زملائي .. لأ .. إنتوا إخواتي اللي بحبهم و بحترمهم ...
هنا فى تلك اللحظة ، ارتفع صوت رجـاء بنبرة تحمل الفخر و الشموخ بمكانة رفيقتها الحميمية :
— تعيــش غيـداء عبد الصبـور .. تعيش .. تعيش ... تعيش .... إنتوا ساكتين ليه ؟! يلا هتافات ... هتافات ...
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
و بكل تباهي ... أطلق زملائها نفس الهتاف ... ليتقدموا بعدها فى هدوء من قاعة التدريس صامت ، تجنبًا لإثارة الشغب بين أروقـة الجامعه ...
و من بعيد .... كان بـأس لا يزال يتأمل المشهد كاملاً فى استمتاع غريب ، لم يعهده بنفسه من قبل ، فى حين اقتربت منه عشرات الفتيات من عِليـة القوم الطبقـة المخمليـة ، فى محاولة منهن لجذب نظراته إليهن و إعجابه ...
لكنهم لا يعلمون ... مع من يتعاملون .. ؟!
حمقــــاوات ذوي العقـل الفارغ المجوف ... !!
« أصعب الخيبـات أن تعصف بك الضربات من أغصانٍ كنت ترويهـا من ماء القلب ، وتكسبها الضوء من شرارةٍ حملتَها يومًا بين يديك ؛ خشيـة الانطفاء ..
و ما أقسى أن تحترق الجذور بأعواد الثِقاب التي سقطت من أحدهم عنـوة ....
فالذنب لا يعود على الجذور التى تمددت أسفلها ، ولكن العيب فيمن ظن أن إحراق الجذور جميعها ، بمثابـة انتصار أو إنتشاء داخلي يُسعد نفسه المريضة ...
أو أن سقوط النبته ما هو إلا إعلاء لهامته ، و إصدار لقرار الربح ... هامسًا ‹ أنــا الـرابح › »
جلست غيداء فى قاعة المحاضرات إلى جوار صديقتها المقربة رجـاء ، التى انحنت عليها قائلـة فى همس :
— اسكتي .. مش الدكتور والـي فقعني مقلب طلع من نفوخـي .. لأ وإيه بكل برود ؛ بدل ما يعتذر .. فخور بنفسه ... بس أنا مسكتلوش ، رديت عليه رد أفحمـه ...
إلتفتت إليها غيداء فى قلق ، تعي جيدًا تصرفات صديقتها العفويـة الحمقاء ؛ قائلـة :
— هو أنـا مش فاهمـة حاجة !! بس مش مشكله هـفهم منِك بعدين ؛ لكن إيه الرد اللي أفحمه ده ؟!
أجابت رجـاء ببساطة كمن أطلقت عنان نبوغـها إلى السماء :
— قولتله يتجوزني !!
شهقت غيداء غير مصدقـة جُـرأة زميلتها و تطورها الذي أطلقت عنه العنان دون سيطرة ، ثم فاهت بصوت مرتفع تردد فى جدران القاعة دون أن تنتبه أين هي :
— عملتي إيـه يا مجنـونـة ؟!
‹ فى تلك الأثناء ›
دلف الدكتـور والـي إلى المدرج يصحبُه شاب صيني الجنسية ، لينتبه إلى هتاف غيداء المرتفع غير المعتاد ، و لولا ما سمعه ؛ لكان ظن أن حنقـها الكامن من وراء البادرة التى صدرت من حسناء و ابنتها كإهانة صريحة فى حقها ، و حب والدتها ..
وضع والي حقيبته الدبلوماسية على طاولة التدريس ، ثم إلتفت إلى الطلاب بعد أن خلع عنه سترته الخارجية قائلاً فى رزانـة :
— صباح الخير يا شبـاب ... أقدم لكم طالب جديد انضم لصفوف الطلاب .. مطلوب منكم التعامل معاه برقي الطالب المصري الأصيل .. ساعدوه على الأقل فى المرحلة الأولى ، و بعد كده هو بنفسه هيندمج ...
رحبـوا بزميلكم « زايـُو يوشيـن » جدته مصرية ، و عايشة فـ مصر ... وهو ناوي يستقر معاها هنـا فـ مصر
بيتكلم مصري مش بطـال ، ومع الوقت طبعًا هيحسِّن اللغة ..
زايـو لسه ميعرفش نظام التعليم هنا إزاي ، و الجامعه قررت تتعامل معاه بنظام الساعات المعتمدة علشان يلحق كل المقررات اللي فاتته ..
منتظـر منكم التعامل معاه بود و صداقة .. اتفضل اقعد مع زملائك ..
صعد الدكتور والي فوق المنصـة ، لتجهيز اللابتوب استهلالاً لبدء المحاضرة ، ليستعيد جديته الرجولية قائلاً :
— دلوقتي نبدأ المحاضرة .. النهاردة هنتكلم عن كيفية تسوية المنازعات القانونية .. ركزوا معايا ...
عيناه تحتوي كافة الطلاب ، الذين كانوا على قلب رجلٍ واحد مُنصتين إليه باهتمام ، فى حين ينتقل والي من معلومة إلى أخرى ومن مأخد قانوني إلى مبدأ إداري ..
يشهد له الجميع بسرعة بديهته ، و قدرته الفائقه على إيصال المعلومة فى سلاسـة ...
لا يسمح لأي طاريء يعترض طريقه ، بل يبذل ما فى وسعه للنهوض بالعملية التعليمية على أعلى مستوى ..
وما إن اقترب من إنهاء المحاضرة ، حتى قال :
— المحاضرة الجاية هتكون اختبار شفهي على كل المحتوى اللي أخدتوه .. بإستثناء « زايـو » طبعًا اللي همتحنه فى محاضرة النهارده بس ..
كفاية كده النهارده .. تقدروا تتفضلوا ...
نهض الطلاب جميعهم إيذانًا بالرحيل ، فى حين اقتربت رجـاء من غيداء قائلة :
— عايزة أتكلم معاكي شويه قبل ما تروَّحي
أوصدت غيداء كتابها فى رقة ، ثم قالت :
— و أنا هسمعِك يا حبيبتي .. متخافيش ...
و ريثما استعدتا كلتاهما إلى المغادرة ، كان والي على نفس المستوى من المسير ليضيف خلال خروجه مارًا من جانبهم :
— متنسيش تقوليلها عملتي إيه يا مجنونة ...
( ثم إلتفت إلى غيداء قائلاً ) :
— عايزِك فى مكتبي يا غيد حالاً ... لوحدِك .
استأذنت غيد من زميلتها لتلبية طلب والي ، و إن كانت تعي جيدًا ما يريد ؛ إلا أن أخلاقها تُحتم عليها الطاعة :
— حالاً يا دكتور .. أستأذِنِك يا رجاء ... لو مش هعطلِك .. تقدري تنتظريني لغايت أما أشوف الدكتور طلبني ليه ..
أكدت عليها رجـاء الانتظـار و إن طال .. لا يمكنها التخلي عن فكرة تلاوة ما حدث على مسامعها ؛ علها تجد لديها النصيحة التي ترتقبها ...
صعدت غيداء على الفور قاصدة مكتب أستاذها الجامعي والي ؛ الذى أذن لها بالدخول فور سماعه طرقات الباب المتزنة ..
— اتفضلي يا غيد .. ادخلي
( جملـة صدرت من والي بصدر يحمل نهيج منهك ، يُقلب الأفكار بشكل عشوائي للمرة الأولى ، فلم يكد يتعرض لمثل هذا الموقف الحرج من قبل .. لا عزاء لديه سوى استقلالية أخيه فى الصفعة المدوية التى تركت جُرح غائر فى كرامة حسناء و ابنتها الرعنـاء )
اقترب للحد الفاصل بينهما مُراعيًـا قواعد اللياقة ليتحدث فى مودة :
— غيداء ... أنـا بجد بعتذر لِك عن اللي حصل امبارح خصوصًا إني السبب بشكل غير مباشر لما طلبت منِك الخدمة دي ... حقيقي آسف ..
ابتلعت غيداء ريقها فى انتعاش ولدتـه نزاهة أستاذها الجامعي ، لتردف :
— و يا ترى يا دكتور أسف سيادتك شخصي ولا بإسم الجميع ومن ضمنهم أخو حضرتك ؟!
احترق صدر والي من الشِرك الذى حوصر فيه دون إرادته بفعل غازي و أسرته ، إلا أنه استرجع سؤالها .. لينتبه إلى الكلمات الأخيرة هامسًا لنفسه :
— أخو حضرتي .. !! هو بـأس عمل حاجـة ؟!
( ولم ينتظر والي طويلاً بل حرر السؤال من زنزانـة أفكاره إلى موقع الحديث ، ليتساءل ) :
— هو بـأس عمل إيه يا غيداء ؟! ده أكتر واحد فى القصر استنكر اللي حصل ، و عنِّـف غازي ومراته وبنته رغم إنهم نسايبه و العلاقة بينهم قوية جدًا ، ده غير اللي قالهولهُـم النهارده ، و موقفه كان حازم وصريح ...
بلاش تختلط عليكِي الأمور لمجرد الغضب ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
عزيـزة نفسها .. تمضي بكرامتها التى لاتُباع ولا تُشترى ..
لا يـأس يُحبطها ، ولا ضعف يُخضعها ... لذا أضافت فى قوة عززتهـا ثقتـها :
— أنا مش بخلط الأمور لمجرد الغضب ، ولا برمي التُهـم على حد يا دكتور .. التصرف اللي أخو حضرتك عملوا النهارده فـ الجامعه قدام زمايلي عرضني لإهانة كبيرة و تساؤلات أنا فـ غِنى عنها .. ولولا إن ربنا ألهني بالصواب كان أثَّـر كمان على سمعتي ...
اتسعت مقلتي والي مما سمع ، لعلمه بكون شقيقه الآن فى مجموعة شركاته يدير العمل ، بالإضافة إلى اصطحابه لطفله الصغير نائـل ، ليصرف عن عقله هاجس
التشتت ، ثم سألها فى اضطراب :
— بـأس فى الشركة يا غيداء ... إيه اللي هيجيبه الجامعه بس ؟! ما يمكن يكون حد تاني يشبهه !!
ضاق صدر الفتاة من إنكار أستاذهـا الذى تحمل له التقدير و الاحترام ، لتظن أنه بفعلته لا يضمر سوى الزود عن أخطاء أخيه ... لتردف فى انفعال :
— أنا عارفه أنا بقول إيه يا دكتور .. أنا صحيح مشوفتوش إلا مرتين فى القصر ، بس لا يمكن أغفل عنه ..
( وقصت غيداء على مسامع والي ما صدر عن بـأس دون الإفصاح عن مشهد كشْـف ساقيها حين سقطت على ظهرها فى الحديقه ، وما اعتراه وقتها ، و ما أخبرها به من كلمات وضيعة لا تمت للأدب بصِله )
دهشته تخطت حد المستحيل و الممكن .. أمن المعقول قيام بـأس بتصرف يتعارض مع رفضه التام لوجودها فى بيته ..
يعي جيدًا رفض أخيه القاطع الظلم على من هم أقل منه ، و خاصة النساء ؛ لكنه لم يتصور للحظة ذهاب شقيقه الجامعه وإن لم يكن بدافع الاعتذار أو المكافئة ..
و على ذكر الكلمه ؛ سأل والي غيداء :
— إلا صحيح يا غيداء .. هو إنتِ و والدِتِك أخدتوا حسابكم من بـأس ؟؟
وفكرت غيد قليلاً ... هل عليها التصريح بعدم حصولها على جنيهٍ واحدٍ من قيمة مجهود والدتها بالقصر ؟!
أم تخبره بأنها فى غنى عن تلك الأموال و إن كانت من حقـها ؛ فلا حاجة لها به !
أم ... ماذا عليها أن تفعل ؟!
انتبه والي إلى حرب الأفكار الدائرة بداخلها حين أطرقت إلى الاسفل ، ليردف ثانية :
— مأخدتش حسابها ... مش كده ؟!
إلا أن تكرار التساؤل ضاعف من أوجاع ضربات المطرقة الصلبه على جدار القلب ، لتتذكر دارين وما فعلته ، وما صدر عنها من مهانة وتقليل من شأنها ... لتعزو الخطأ إلى قبولها الطلب منذ البداية ... فى حين أجابت فى شموخ :
— متقلقش يا دكتور ... الباشا دفع لوالدتي حسابها وزيادة ؛ و أخدت أنـا كمان اللي أستحقه بعد موافقتي على طلب تكريمـا لحضرتك ...
عن إذن سيادتك .. مضطرة أستأذن ... أسلم الأوردر الخاص برئيس الجامعه و أعضاء هيئة التدريس .. لأن الباص المسئول عن التوصيل اللهم بارك بقى بيسلم على مراحل من كـم الأوردرات اللي مش بتخلص ...
بعد إذن حضرتك ؛ و يا ريت تبلغ بأس بيه اللي صدر منه النهارده ياريت ميتكررش تاني حفاظًا على اسمه هو كمان ...
................ ثم رحلـت كنسيـمِ صُبحٍ كما جاءت ..
ليقف والي فائض الكفين ، متهدل الكتفين ، كمن رجع بخُفي حُنين ... لا يجد من معاني القول سوى
‹ آسِـف ! ›
« لم تكن المكانة يومًا حقًـا مُكتسب ؛ تُبهر العيون بملامح سُرعان ما تنمحي بفعل عوامل الاعتراء التي يفرضها الزمن ... و إنما القيمة تظهر فى الأثر الذى تتركه داخل الصدور و الأفئدة و لا يمكن للزمن اخفاءه أو طيه ...
و كم من فتاة بسيطة الهيئة ، ذكية الفكر ، قويـة الحُجة ، رقيقة الروح ، حنونة الخُلق ... سكنت و تسكن ولا تزال فى القلوب بكلمة صادقـة ، و موقف لا يُنسى ...
فمن عجز عن طيب الكلام ؛ فليصمت !
فاللسان ذاك العضو قبل أن يتذوق الطعام ، ليستثير شهيته .. عليه أولاً أن يتذوق الكلام الذى منه ينطق ...
والحروف جســور تُبنى بين القلوب ... و مرايـا تكشف معادن الجميع ..
ربما قد لا تُشبِـع جائعًا ؛ لكنها تفتح له مجال للصمود و الأمل و البقـاء .. »
لذا ما إن رحلت حتى علم والي أن القيمة لا ترتبط بالمظهر ، و إنما توثَـق بالمضمون الذى يحمله المرء ..
رحلت .. و لكنها تركت خلفها دروس و حِكم ، سيظل ما حيَـا يتعلم منها ، و يُـردد ...