رواية عشق بلا حدود الفصل التاسع9 بقلم ملكة الحكايات والروايات

رواية عشق بلا حدود الفصل التاسع9 بقلم ملكة الحكايات والروايات
​كانت النسمات الدافئة في مدينة "دهب" الساحرة تداعب وجه تاليا، التي كانت تقف أمام شرفة الجناح الفاخر المطل على البحر الأحمر. كان شهر العسل يسير كحلم وردي؛ يوسف لم يترك لحظة إلا وغمرها بحبه واهتمامه، وكأنه يحاول تعويضها عن كل لحظة قلق عاشتها في الماضي.
​لكن خلف هذا الهدوء الساحر، كان هناك إعصارٌ أسود يطبخ على نارٍ هادئة.
​في مساء اليوم الثالث، وبينما كانت تاليا تغط في نوم عميق، كان يوسف يجلس في ركن مظلم بالمقهى السفلي للفندق، ممسكاً بهاتفه بملامح متشنجة، وعيناه تشتعلان بغضب دفين وهو يستمع إلى صوت صديقه المقرب وضابط المباحث "طارق".

​جاءه صوت طارق عبر الهاتف ثقيلاً ومحذراً:
​"يوسف.. الموضوع مبقاش مجرد شك. التحريات السرية الأخيرة فتحت ملف حادثة "سارة" من جديد.. الصدمة اللي تعرضت لها سارة من سنتين لما خبطتها العربية وماتت مكانتش مجرد حادثة طريق عادية أو قضاء وقدر.. العربية دي طلعت مسروقة، واللي كان سايقها هرب، وكل الخيوط بتوصل لشخص واحد!"

​شعر يوسف بركبتيه تكادان تعجزان عن حمله، وجف ريقه وهو يهمس بنبرة مخنوقة وكان صوته ثقيلا لم يريد ان يطلع من حلقه ابتلع ريقه في غصه وقال: 
"مين يا طارق؟ انطق.. مين اللي قتل سارة؟!"
​رد طارق بنبرة قاطعة:

​"سليم الرشيدي.. رئيس مافيا سوق العقارات والتجارة المشبوهة. سليم منسيش إنك كسرته في السوق وأخدت منه صفقة "الميناء الجديد" وغصبت السوق كله يمشي بشرف، فقرر يحرق قلبك ويدوس عليك. ودلوقتي يا يوسف.. رجالة سليم مراقبينك في دهب.. خاف على تاليا، هو مش هيسيبك تفرح!"

​سقط الهاتف من يد يوسف وكأن صاعقة ضربته. لم تكن سارة ضحية حادث عابر، بل كانت ضحية حرب قذرة هو طرفها! تذكر نظرات سليم الرشيدي وتوعده القديم له في آخر اجتماع بينهما: "اللي بياخد لقمة من بوق الأسد، بيدفع تمنها من دمه وحبايبه".
​حاول يوسف العودة إلى الجناح متظاهراً بالهدوء حتى لا يثير رعب تاليا، لكن ملامحه المخطوفة وعينيه القلقتين لم تخفيا عنها تماماً. احتضنها ليلتها بقوة غريبة ومرعبة، وكأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من العالم الخارجي.
​وفي اليوم التالي، خطط يوسف لإنهاء الرحلة فوراً والعودة بالقاهرة ليكونوا في أمان، لكن شبكة "سليم الرشيدي" كانت أسرع وأقرب مما تخيل.

​أثناء غروب الشمس، طلبت تاليا من يوسف بنعومة أن يشتري لها بعض الأعشاب الطبية وزيت الياسمين من سوق دهب القديم القريب من الفندق. رفض يوسف في البداية بشدة خوفاً عليها، لكن أمام رجائها وابتسامتها العذبة، وافق شريطة أن تنتظره في بهو الفندق الرئيسي المكتظ بالناس والمؤمن بالكاميرات.

​لم يكد يوسف يبتعد لربع ساعة، حتى انقطعت الكهرباء فجأة عن بهو الفندق بالكامل! سادت حالة من الفوضى والهرج والظلام الدامس. في تلك اللحظة، شعرت تاليا بظلال ضخمة تحيط بها، وقبل أن تصرخ، كُمم فمها بقوة بيد خشنة، واستنشقت رائحة مادة مخدرة نفّاذة. حاولت المقاومة بكل ما أوتيت من قوة، لكن جسدها تراخى تماماً، وسحبتها الأجساد المظلمة بسرعة عبر مخرج الطوارئ الخلفي حيث كانت تنتظر سيارة ذات زجاج داكن انطلقت باقصى سرعتها وسط غبار الليل.

​عندما عاد يوسف ولم يجد تاليا في البهو، جن جنونه. قلب الفندق رأساً على عقب، صرخ في الأمن، وتفقد الكاميرات المطفأة، حتى اهتز هاتفه في جيبه معلناً وصول رسالة نصية من رقم مجهول.
​فتح الرسالة بيد ترتجف، ليجد مقطع فيديو مدته ثوانٍ: تاليا مقيدة بحبال غليظة إلى كرسي حديدي في مخزن مهجور ومظلم، وجهها شاحب وأثر المخدر ما زال بادياً عليها، وخلفها يظهر وجه "سليم الرشيدي" القاسي بابتسامته الساخرة الخبيثة.

​تحدث سليم في الفيديو بنبرة تقطر سماً وتشير برأس تاليا:
​"أهلاً يا يوسف بيه.. زمان أخدت مني الصفقة، فبعت عربية تخلص على سارة وحرقت قلبك. ودلوقتي عرفت إنك اتجوزت عروسة جديدة ريحتها زي الياسمين.. التعلب مبيغلطش مرتين، لو عايز تشوفها عايشة وبتتنفس، هتيجي لوحدك للمخازن القديمة على طريق المحمية الجبلية.. معكش غير ساعة واحدة، وإلا هتحصل سارة!"

​استشاط يوسف غضباً، وتملكه وحش كاسر مرعب لم يعرفه في نفسه من قبل. اتصل بطارق سريعاً لإرسال دعم وقوات خاصة إلى الموقع، لكنه لم يملك ترف الانتظار ولو لدقيقة.. ركب سيارته وانطلق بسرعة جنونية شاقاً جبال دهب الوعرة وعيناه لا ترى سوى وجه تاليا، مقسماً في سره وهو يضغط على عجلة القيادة أنه لن يسمح للتاريخ بأن يعيد نفسه، ولن يسمح لسليم بأن يأخذ منه حبه الثاني حتى لو كان الثمن حياته هو!

تعليقات



<>