
« زهـرتِـي .......... و سأرويهـا بدمائِـي »
« لا يزال طيفها يأسر روحـه .. يرى وجهها فى كل الوجوه ... لا تزال عيناها بوصلة طريقه و قِبلته أينما اتجه ... يسمع صوتها الرقيق الحاني أينما وُجد ...
و ستبقى روحه الساكنة بصدره ، لأجلها فقط انتعش الأمل .. لأجلها فقط يحيـا ...
غيداء ... النسخة الفريدة التى لا تُشبه أحدًا ...
وكيف تُشبه غيرها ، وقد حملت داخلها نقاء لا يشوبه خطأ .. تسير فى ثبات العقيدة ، لا تميل و لا تنحني ..
و إن انحنت الغصون مع الريح .. فهي الثابته ثبات الدهر و المنطق ..
لا تندفع ... لا تتمهل .. تتعامل بصبر مع ما تواجِـه ..
تختار السكون وإن اعتاد الجميع التحدث ..
فقيرة اللوم .. تكتفي بنظرة .. إشارة . ايماءه أو تنهيدة حارة من صدرها الدافيء ..
و أما عيناها اللتان شرد فيهما .. يتذكرهما كما تلميذ راكض إلى مدرسته ..
شفافة .. لا تُخفِـي سرًا على غيرها ..
بسيطة غنية بالخصال ... تتزين فى زمن يميل بالجميع .. »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
وصلت سيارة بأس إلى الجامعه ، ليترجل منها قبل توقُـف المحرك ..
اقترب من أفراد الأمن ، الذين ذُهِـلوا لرؤيته ... فلم يسبق لهم التعارف به إلا مرةً سابقة حالت دون الحديث معه ، لكنه تلك المرة .. ترجل عن شموخه ، لينضم إليهم فى رحابة صدر ..
حين اقترب منهم ، لاحظوا على ملامحه أمارات الحزن والانهاك ، ليهتف أحدهم :
— معالي الباشا .. حضرتك تعبان ولا حاجة ؟!
تساءل بأس مع إجابة مقتضبة لسؤالهم السابق :
— انتوا أكيد تعرفوا الطالبة غيداء عبد الصبور !!
أجاب أحدهم فى فخر :
— طبعًـا يا باشا .. ومين ميعرفش ست البنات اللي مشرفه الجامعه كلها ....
تساءل بأس فى لهفة :
— آخر مرة شوفتوها إمتى ؟!
أجاب الآخر :
— النهارده ... كانت خارجة مستعجلة ، ركبت تاكسي و قالت عندها ميعاد مع مدير مطعم ‹ هارديز للماكولات البحرية › و قالت هتخلصه بسرعة و ترجع الجامعه لأن لسه عندها محاضرة ..
عاد بأس إلى سيارته لاستقلالها من جديد :
— لو عرفت أي حاجة تانيه عنها بلغ الدكتور والي ضرورى و هو هيكلمني ...
لا يكاد يسيطر على غضبه ، يُقسِم من داخله إن أصابها مكروه ، سيقتل تلك المسماه دارين ، و يُنهِـي أبيها و أسرتها عن بُـكرة أبيهم
وفى الطريق ... اتصل على مدير الأمن و أخبره ما سمعه ، و كل المتورطين بعملية الاختطاف ومن ضمنهم دارين و أبيها ... طالبًا إياهم البحث و التصرف ؛ لحين قيامه بما يلزم ..
انطلق بأس إلى مالك المطعم ، و بهيبته التي لا يوازيه غيره .. دلف إلى الداخل بجدية وصرامه ، هاتفًا :
— فين مدير المطعم ده ؟! هو فيـــــن ؟!
تقدم أحد العاملين ليجيبه فى أسف و خشيه :
— بأس باشا.. أهلاً وسهلاً بمعاليك .. إتفضل يا باشا
صرخ بأس فى غضب :
— أنا مش جاي أتضايف .. فين اللي مشغلَك ؟!
انتفض الرجل فى رعب قائلاً فى تردد :
— مش هنا ... خرج من الصبح و لسه مرجعش ..
عاد بأس إلى حديثه قائلاً فى توعد :
— أنا عارف إنك تقدر توصله بسهوله .. كلمُـه و بلغُـه مني رساله ..
قولُـه : " بأس باشا الحديدي بيقولك ، لو غيداء مرجعتش بيتها قبل الساعه ٨ ، أنا هنسفه من الوجود .. و ساعتها ميلومش إلا نفسه .. هو عارف كويس أنا أقدر أعمل إيه .. قُـدامه ساعه ، يرجعها قبل ما أنا اللي أوصلها .. و ساعتها موته هيكون أهون عقاب ليه ...
و رحل فى ثورة جحيم بركان ثائر لا ينطفيء ...
اتصل بأس بنائب رئيس الجامعه يُطالبه بإرسال ما رصدته كاميرات المراقبه الخارجية بعد أن أعلن على مسامعه ما حدث ..
لينتفض الرجل تقديرًا و محبةً للطالبة النجيبة غيداء ...
وفى خلال لحظات تلقى بأس على هاتفه ما رصدته الكاميرات ...
يتأمل شاشة الهاتف لحظة بلحظة .. حتى انتبه إلى غيداء التى تهادت كما الفراشة النشيطة ، بنبرتها الناعمة و ابتسامتها العذبه ، ثم استمع إلى حديثها مع مسؤول الأمن ، ليبتسم داخله قبل ثغره قائلاً:
— كنتِ بعيدة عني فين يا بنت عبد الصبور .. ؟!
يا ريتني عرفتِك من زمان .. بس ألاقيكي و ترجعي لحضني ... و ساعتها مش هسيبك لحظه .. يا غيداء عمري ...
تألقت عيناه ببريق النصر لدى رؤيته لرقم سيارة الأجرة ، حتى أجرى أحد الاتصالات بأحد أصدقائه من ضباط المرور ، ليملي عليه ما حدث و طالبه بتتبع رقم لوحة التاكسي و معرفة بيانات صاحبها ... و عنوانه ...
ثم انطلق إلى بيت غيداء ، للاطمئنان على والدتها الحسناء غنوة .. التى كانت فى حالة يُرثى لها ...
لقد مرت ساعات أربع حالت دون عودة ابنتها .. الأمر الذى جعلها تركض فى الشوارع المجاوره لها .. تبحث عنها هنا وهناك ..
و حين وصل بأس شاهدها جالسه على أحد الأرصفة بالطريق تبكي بغزارة ...
انتفض قلبه فى حزن ، ليقترب منها بسيارته .. ثم توقف
مال عليها مربتًا على كتفيها فى حنان .. ثم ساعدها على النهوض
وما إن رأته حتى صرخت :
— بنتي يا بأس باشا .. بنتي لسه مرجعتش من الجامعه .. بالله عليك تطمني عليها .. و خدني معاك الجامعه أشوفها... أنا مليش غيرها يا بأس .. هموت لو جرالها حاجة .. !!
اهتز بأس وهتف قائلاً:
— ألف بعد الشر .. متقوليش كده ... غيداء زي الفل .. أنا جاي أطمنِك .. هي بس راحت لمدير مجموعة من المطاعم تخلص معاهم عقد شغل .. و الفون بتاعها فصل شحن ... أنا رايحلها هناك أهو ، لأني أصلا رافض تتعامل مع مديرين المطاعم دي بشكل مباشر ..
أوعدِك .. مش راجع من غيرها ....
ثم قام بإيصالها إلى بيتها ، ليعود إلى سيارته من جديد ... و انطلق
تبادل بأس اتصال آخر علم من خلاله عنوان سائق التاكسي ، ليؤكد له أنه بالمشفى يعاني من حادث منذ ثلاث أيام ..
على أثره ... اتجه بأس إلى المشفى ، فى حين قام بأحد الإتصالات بأبيه ليخبره بما حدث ، وضرورة التكتم على الأمر نظرًا لتورط غازي و زوجته و ابنه ...
ثم اتصل بأس بمدير الأمن لإستصدار قرار بمنع غازي و أسرته من رفاهية السفر إلى الخارج .. و أبلغ مسئولي الجوازات بمبنى المطار بذلك ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« ربما قـارب النجاة يحمل على متنه ثلاث وجوه ....
وجـه للإصرار مع تجاوز السرعة للحاق بأميرته الغيداء قبل الضياع ... و وجه بصلابة إرادته ليحتمل بعادها و غيابها ببؤرة الخطر دون أن ينفجر ... و وجه الحكمة لكي يفكر مليًا قبل الإقدام على أي تهور تضيع معه غيدائه .... و كأن القارب هو الأنثى التى تُبحر فى بحر من العشق ... عشقه الجارف .... »
وصل بأس إلى المشفى .. ليترجل من سيارته فى هدوء زائف ؛ ثم تقدم نحو موظفة الإستقبال ليردف :
— بعد إذنِك .. عايز أعرف المريض " أحمد مهنا " موجود فى غرفة كام ؟! و حالته إيه ؟!
هامت المرأة فى وسامة بأس .. عيناها تكاد تفترسه من فرط جاذبيته .. لا تكاد ترى سواه .. ليصرخ جسدها بأنوثته احتياجها إليه كرجل .. لتهمس :
— هو أنا شوفت حضرتك قبل كده ؟!
زفر بأس فى ملل ، ليهتف :
— مش وقته المياعة دي .. أشوف المريض ؛ و أجي أروق عليكي باللي تستاهليه .. قولتيلي رقم غرفته كام ؟!
همست المرأة فى نعومة :
— غرفة ٦٣ ... قسم الجراحة .. الدور الثالث ..
استقل المصعد فى ثبات ، ليصعد إلى الطابق الثالث ومنه إلى غرفة الرجل الذى تبين له إصابته برضوض و كدمات ألـزمته الفراش لثلاث أيام متتالية
اقترب بأس من فراشه قائلاً :
— سلامتك يا عم أحمد ألف سلامة.. شد حِيلك كده .. إيه اللي حصل و عمل فيك كده ؟!
ارتجف جسد الساىق فى قلق هامسًا :
— مين حضرتك لا مؤاخذه ؟!
أجاب بأس فى صرامة :
— سمعت إنك عندك بنتين و ثلاث أولاد .. الكبيرة مخطوبة لرأفت القهوجي .. و التانية فـ ثالثه ثانوي ...
يعني بيت كبير محتاج مصاريف ، و طلبات مبتخلصش ... طيب مش عيب عليك يا رجل تعمل فيها عيان و تيجي ترقد فى المستشفى ، و ترتب مع الدكاترة يـزوَّروا تقريرك المرضِي إنك هنا من ٣ ايام ، مع إنك كنت النهارده الساعه ١١ الظهر بتوصل زباينك بالتاكسي بتاعك .... إيه ؟! مش عارف إن الكذب حرام ؟!
صـاح الرجل فى ثورة :
— فلوس إيه دي اللي حرام ، و كذب إيه ؟!
إنت مش شايفني يا بيه مكسر إزاي ؟! و بعدين عندك الدكاترة فى المستشفى يقولولك بنفسهم أنا جيت هنا إمتى ؟!
ابتسم بأس و اقترب منه ، عارضًـا على ناظريه تسجيل كاميرات الجامعه بالتاريخ و التوقيت مردفًا :
— واضح فعلاً إنك صادق و طيب .. بدليل المشهد ده .. حتى شوف كده ... قوللي بقى يا حلو ..
مين اللي سايق التاكسي ده ؟!
هجاوبك أنا علشان إنت يا حرام تعبان .. اللي سايق يبقى إنت ..
و مين اللي رِكبت معاك دي ؟! . أقولك برضه .. دي تبقى
غيداء اللي اتفقوا معاك توصلها بالتاكسي ، و تنزل علشان يخطفوها ...
عارف لو مقولتليش هما مين و خطفوها على فين ؟!
أنا هسلم الفيديو ده للنيابة ، ده غير إنهم لما هييجوا يقبضوا عليك هيلاقوك جثة من اللي هعملوا فيك .. بعدها برضـه ناري مش هتكون بردت ، هقوم أكمل على بناتك الإثنين ...
ده غير المستشفى اللي هتتحول كلها للتحقيق ، و مش هيهدالي بال إلا لما اقفلها ...
قولت إيه بقى يا عم أحمد ... !!
ارتعشت شفاه أحمد قائلاّ فى خوف :
— هو سيادتك مين لا مؤاخذه ؟!
— أنا عملك الإسود يا عم أحمد ... السكينة اللي هتفتح كرشك لو منطقتش و قولت اللي عندك ... قدامك دقيقة واحده و إلا اتحمل اللي هيجرالك ...
انتفض الرجل و أمسك ذراعي بأس و ظل يُقَبِّـل كل إنش فيها متوسلاً :
— سامحني يا باشا .. أنا راجل علبان و بجري على عيالي .. هما اللي استغلوني علشان الفلوس ، و دي مش أول مرة ... عملوها كتير مع ناس شرفا ... أنا مكنتش أعرف هي مين دي ولا عملت إيه ..
قالولي إنها بتشتغل عندهم فى المطعم و سرقت أوراق مهمه ، و بتهددهم بيها ...
و أنا دوري أوصلها ليهم ، و أنزل فـ نص الطريق على حِـس إني بشوف الماتور .. و بعدين هم اللي قاموا بالباقي ..
نزلوا فيا ضرب علشان تصدَّق التمثيليه .. كانوا قايلين هما كام قلم وخلاص على كده .. و أديك شايف يا بيه وشي كله اتبهدل و عندي كسر فـ ٣ فقرات ...
أنا مليش ذنب .. هما اللي خطفوها .. مش أنا ...
جذبه بأس من ملابسه فى قسوة :
— ودوها على فين ؟!... انطق ...
أجاب الرجل فى هلع :
— والله ما أعرف .. أنا دوري انتهى على كده ... و رجعت أنا و الآنسة و خلاص ...
تراجع بأس إلى الخلف قائلاً :
— آنسة مين دي ؟!
— أنا سمعت البنت اللي خطفوها بتناديها و تقولها دارين ...
قضم بأس شفتيه فى غيظ حتى كاد يدميهما ، قائلاً :
— بقى كده .... يا ويلك مني يا دارين الكلب .... !! العربية اللي أخدوها فيها نوعها إيه ، و رقمها كام ؟!
أجاب الرجل فى رجفة :
— هامـر سودا رقمها ١٦٧٠
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
فى تلك اللحظة ... اقتحم عدد من أفراد الأمن غرفة السائق ، للقبض عليه ، ليقترب منه بأس واضعًا يده خلف عنقه ثم صدمها بقائم الفراش المعدني ، حتى سالت الدماء من رأسه فى غزارة فقد على إثرها الوعي ...
حال ضابط الأمن المرافق للقوة الأمنية بين بأس و السائق قبل أن يلفظ أنفاسه قائلاً:
— كفاية كده يا بأس باشا .. سيبهولنا بقى إحنا هنقوم معاه بأحلى واجب ...
نهض بأس قائلاً:
— حسابي معاك لسه مخلصش .. هرجعلك تاني .. اطمن ..
و رحل بعد أن استقبل اتصال من صديقه ضابط المرور ، يفيد بخط سير السياره الذى سجلته كاميرات المرور ...
بأقصى حدود السرعة .. انطلق بأس بسيارته .. لا يأبه لمخاطر الطريق ولا ويلات الحوادث ..
شُغلـه الشاغل هو غيدائـه و فقط ...
وإن خسر فى سبيل عودتها أمواله تكفيه ...
وإن فقد فى سبيل استردادها حياته تكفيه .....
متى أحبها كل هذا الحب ؟!
أي عشقٍ هذا الذى تجرد من كل شيء ، إلا من خسارتها ؟
يتمنى من ربه فقط .. أن يصل إليها قبل فوات الأوان
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
****************
« سجينة ليس خلف القضبان ، بـل خلف أطماع البشر ..
خلف ثقة تزعزعت ... خلف مباديء اختلت ..
خلف دنيا بأمسٍ باتت حانية بريئة ، و اليوم أضحت مذنبة مكيدة ...
وسجانها ممن لم تُضمـر لهم شرا ...
ثم تذكرته ... وعـدًا غير محتوم ...
قارب النجاة ، بالثقوب غير موصوم ....
أويعود إليها ... ؟! أم أنها ماكثة هـا هنا حتى نفاذ الصبر ، حتى يأذن الرب .. »
ظلت غيداء على انتظارها اللا طائل منه ...
اشتاقت إلى والدتها .. تُرى ماذا تفعل الآن؟!
كيف حالها بالغياب ؟! وما مصير دارين ؟!
هل قتلوها ؟! أم أوصدوا عليها الأبواب ؟!
أم أنها .. أنهـــا مكيدة .. لا غير !!
حين طلبت النجدة ... لم تجد أحد ..
وحيدة بمفردها فى أكثر اللحظات ازدحامًا بالألم ...
تعلمت الصبر قسـرًا ، و تساقُـط الدموع من قلة حياتها قهرًا ..
تُـردد فى ظلمتها :
_ ماذا لو كنت هــا هنا يا أبي ؟! أحتاجك كما لم أفعل من قبل ...
لكنها بإيمانها بالخالق ... لا تحتاج العون إلا من القدير ..
ولا تنتظر المواساة إلا من بارئها ...
فحسبها الله .. هو القوة و العون ...
و سؤال يتردد ..
_ هل هناك أثر للنجاة ؟! أم أنها النهاية وإن أنكرت مرارتها إلا أنها تبقى النهايـة و حسب ....
من ذاق الغياب فى وقت الاحتياج ، لا يعود آمنًا بجدوى العالم و ما فيه ....
و ماذا أمامها سوى الدعاء و التجلي و الصبر..... و الانتظار !!
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
***************
« تخيل بعدما سمع قسوة العالم على الأبرياء
انتقـد إيذاء امرأة و ابنتها لم يرتكبها ذنبًا سوى رغبة فى بدء مشروع بالحلال للأسوياء ..
امرأة لم تتفنن لتسرق أو لتسيطر ، و إنما لتقدم ما فى وسعها دون اكتفاء ...
اختارت أن تتبنى الطيبة و الرقي و الاحتواء ..
و لم تطلب سوى دعم الخالق رب السماء....
لم يكن من مطالبها الكمال ، و لم تنتظر مقابل يفوق الارتواء ....
فقط احترام يحفظ الكرامة .. تقدير يُشعِر بالقيمة
رضا يُزين القبول ... و عنوان لا يُخطئه صاحب أو من لامس الفضول .. »
ركض صلاح الدين على الدرج ، ليقرر الذهاب إلى بيت غنوة ، علَّـه يواسيها .. أو يقدم لها بعضًـا من الأمل ...
و لسوء الحظ ... قابل غازي فى طريقه ، الذى سأله فى فصول عن سر قلقه
بينما صلاح الدين الذى اشتعل الغيظ قلبه ، حاول قدر المستطاع إلا يُظهِـر ما بداخله .. ريثما يأتي الوقت المناسب ...
لذا أجاب فى بغـض :
— أفتكر ده مش من اختصاصك ..
ثم استقل سيارته تطوي الأرض طيًا إلى أن وصلت إلى بيت غنوة ..
وحين توقف أمام بيتها ، تناهى إلى مسامعه بكائها ونهيجها .. ليشتعل قلبه حزنًـا عليها ..
ثم ضغط رز الجرس ... و ما أسرع الخطى لاستقبال من لهـا .... و ما لها سواها ..
لكن الحاضر ليس كما ظنت .. لتهمس :
— صلاح باشا ... شوفت اللي حصل ؟! بنتي غايبة عني بقالها ٧ ساعات ، و بأس باشا بيقولي إنـها بخير .. بس لأ
أنا حاسة إن جرالها حاجة ... أنا قلبي ميكدبش عليا أبدًا
ظل صلاح الدين يواسيها ، يحاول أن يبث فى صدرها إشارات الأمل بعودتها ، و هو دائم التواصل مع قيادات الأمن
ثم اتصل بطاقم حراسة القصر، وطالبهم بعدم السماح لأسرة غازي بالكامل الرحيل من هناك ، وخاصة بعد أن حمل حفيده نائل معه نائمًـا فى سيارته ...
ينظر إليها نظرة المحب .. و لولا تدابير الأقدار ، لكان قدم إليها قلبه ملاذًا حارسا ...
لكنه يعي جيدًا العُـرف و الأصول ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
***********
على بُعد كيلومتر من المكان الذى توقفت فيه سيارة المختطفين، ترجـل بأس من سيارته فى حذر ، ثم استل مسدسه من جرابه ، ليضيف إليه كاتم الصوت ، متوعدًا هؤلاء المجرمين الفجرة ..
حركاته رشيقة مدروسه .... ساعده الظلام الحالك على التخفي ، إلا أنه استدل على طريقه بالقمر ليلة البدر الذى أضفى على الصحراء رهبة لا توازيها سواها ...
لمح بأس من بعيد مبنى منفرد يقف على عتبته أربع رجال مفتولي العضلات ، أيقن من وقفتهم الثابته ، و عيونهم المدربه أنهم يحرسون من بالداخل ...
ليهمس فى لهفة :
— أكيد ده المكان اللي خطفوا فيه غيد .. اتحملوا بقى اللي هيجرى ..
اقترب من البناء فى رويـه.. يقترب فى حدود ... ثم توقف .. يتابع نظرات الرجل التى لا تغفل عن شِـرك ذبابه عابرة ...
حتى أتمت الساعه الثانية عشر بعد منتصف الليل ...
حضوره الطاغي ، خبرته فى التعامل ، حركاته و فنونه القتالية التى حرص كل الحرص على ممارستها ..
كل ما سبق يميز البأس الحديدي ..
وفى انتباه شديد .. توقف بأس يتابع الرجال بعينين ثاقبتين كما شاشات الرصد ، و بأعصاب مشدودة ... سلط سلاحه النارى على أقـربهم إليه ليُحكِم التصويب..
و دوي الرصاص يصم الآذان ...
أجساد تتساقط كما الأشلاء ...
جسد ... اثنان .. ثلاث ... و الرابع فهم ما يعنيه الأمر ، ليدلف إلى الداخل فى سرعة ...
وما إن قرر بأس الولوج إلى داخل المبنى ، حتى انتفض جسده فى عنف.. حين خرج الرجل الأخير الذى لا يزال على قيد الحياة متشبثا بغيداء ، جاعـلاً من جسدها درعًا له ... ثم صرخ فى جنون :
— لو فكرت تضرب نار تاني .. أنا اللي هقتلها و قدامك .. المسدس فيه سبع رصاصات هفرغهم كلهم فـ دماغها ..
إظهر نفسك ، و ارمي سلاحك ..
هعِـد من واحد لثلاثه ... و إنت الجاني على نفسك و عليها ...
على الرغم من أن المسافة التى تفصل بين بأس و ذاك المختطِف الحقير لم تكن قصيرة ، إلا أن الأول قطعها عدوًا ... ليلتف حول البناء من الخلف ... ثم انقض على
الرجل فى جُـرأة وبسالة كما الليث الجسور
حاوط ليث الرجل بذراعيه حول عنقه ، ليُحكم عليه الوثاق الذى فرض على الرجل التخلى عن سلاحه .. و دفع جسد غيداء بعيدًا لتسقط على وجهها فى شدة سببت لها آلام مبرحة ..
عانت الكثير فى تلك الليلة ... دون أن تحصل على قسط ولو ضئيل من الراحة .. ناهيك عن التعب النفسي و الجسماني .. إلا أن عطر بأس الرجولي الفواح تسلل إلى رئتيها .. لتبتسم فى سعادة رغم ما تعانيه من الوجع .. ثم قالت فى همس :
— الحمد لله يارب ..
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
مشهد رهيب بحق ...
تشابك بالأيدي بين بأس و المختطف ، يوازيه فى كل شيء فى القوة الجسمانية و الصلابة .. إلا أن بأسنا يتفوق عليه فى العقل و الحنكة و الذكاء
ظل يكيل له اللكمات فى نقاط الضعف بالجسد ، مرارًا و تكرارًا دون أن يعطيه الفرصة لكي يتنفس ...
ثم وثب بأس يعتلي أحد الأعمدة التى يرتكز عليها البناء ، لينقض على خصمه فى قفزة قتالية ، و لكمة أودعها بأس كامل قوته و غضبه حتى سقط الرجل من شدتها فاقد الوعد وسط بركة من الدماء ...
لم يفكر فى الراحة ولو لدقيقة واحده .. وانما إلتقط غيداء حاملاً إياها بين ذراعيه ثم ركض بها إلى سيارته
واضعا إياها فى حذر .. يربت على خديها فى عشق فاق الحد ، هامسًا أمام شفتيها :
— كنت همـــوت عليكي لو جرالكِ حاجة .. حمدا لله على سلامتك الغاليه يا غيد قلبي
أوصد باب السيارة ، ثم إلتفت إلى الجانب الآخر ليُشعِل محركات السيارة فى طريقها إلى الأمام بعد ليلةٍ شاقة من التعب و القلق و الخطر ...
خلال ساعات من الأنين .... شعرت غيداء بإحساس الأمان يتسلل إليها ، و خاصة بعد أن توقف بأس على جانب الطريق ، ليحل وثاقها المكبل حول ذراعيها و قدميها .. يليهما الرباط المعصوب به عينيها ، و شفتيها
و ما إن تفتحت عيناها .. حتى أضاءت دنياها ببأسها الفارس الجرىء الذى لم يتوانى عن نجدتها لتعود إلى مملكتها آمنة ...
و رغمًا عنها ، ارتمت داخل حضنه الدافيء ... ليحتويها بأس فى هيام قاده إلى الجنون ...
حاوطها بأس بذراعيه فى تملك عاشق ، ثم قبَّـل رأسها هامسًا :
— أول ما نوصل البيت ، هطلب إيدك من غنوة .. جننتيني يا بنت عبد الصبور
ارتجفت غيد فى خوف ، لتحاول الفكاك منه ، إلا أنه ضحك قائلاً:
— متحاوليش تعمليها ، علشان لو اتهورتي و خبطتيني زي المرة اللي فاتت .. إنتِ حرة بقى .. ده مستقبلِك يا حلوه
ثم أفلتها فى حنان قائلاً:
— نامي يا حبيبي..و ارتاحي .. و أول ما نوصل هصحيكي ...
( وهنا أغمضت عيون الغيد فى هدوء )
« خُلقت لتكون اللين فى أيامه القاحلة ...
منذ قابلها .. أدرك أن الطمأنينة ليست مكانًا ، بل شخص تحتمي به يكن لك الروح و الجسد ..
و إن كانت للوجوه القدرة على محو التعب ، فستظل بقدرتها على شفاء جراحه كما الدواء لكل داء ..
امتلكت موهبه لا يشاركها سواها .. موهبة إعادة السلام إلى قلبه المنهك ...
مشاعره لها ليست مجرد حب ، و إنما عشق لن يتكرر