
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، كانت سيارة مهران تشق طريقها عائدة إلى قلب المدينة. لم تكن برودة الصباح وحدها هي ما يشغل باله، بل تلك التفاصيل المشوشة التي ترفض أن تتلاءم معًا كقطع أحجية مشوهة. سيارة دفع رباعي في الملاحات، حقيبة ملطخة بالدم، وساهر الذي يرتجف رعبًا في الحجز كعصفور بلله المطر.
أوقف مهران سيارته أمام مبنى سكني راقٍ في أحد أحياء القاهرة الهادئة. هنا تقطن عائلة "سهير". صعد السلالم بخطوات ثقيلة، يرافقه معاون المباحث بهاء. ضغط على جرس الباب، ولم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى فُتح الباب وكأن هناك من كان يقف خلفه يترقب طرقة واحدة منذ أيام.
استقبلهم والد سهير، المهندس "شاكر". كان رجلًا في أواخر الخمسينيات من عمره، بدا وكأنه كبر عشرين عامًا في الأيام العشرة الماضية. كان يرتدي جلبابًا منزليًا رماديًا، وشعره الأشيب مشعثًا، وتحت عينيه هالات سوداء عميقة تحكي قصة ليالٍ طويلة خلت من النوم.
"مهران باشا؟" قالها شاكر بصوت متهدج يحمل خليطًا من الأمل والرعب، "دخلونا يا فندم.. طمنوني، لقيتوا بنتي؟ سهير رجعت؟"
خطا مهران داخل الصالون الأنيق ذي الأثاث الكلاسيكي، لكن عينيه الفاحصتين كانتا تسجلان كل زاوية. وقبل أن يجيب، اخترق الصمت صوت نحيب مكتوم من زاوية الصالون.
كانت والدة سهير، السيدة "إجلال"، تجلس فوق مقعد وثير، تحتضن صورة لسهير وهي ترتدي ثوب تخرجها المدرسي وتجهش بالبكاء. كانت دموعها قد جفت على وجنتيها وتركت آثارًا داكنة، وصوتها مبحوحًا من كثرة الصراخ والدعاء.
— "بنتي فين يا سيادة الضابط؟" صرخت إجلال وهي تحاول الوقوف وتتعثر في أطراف ثوبها، لتسرع نحو مهران وتمسك بياقة معطفه بقلة حيلة: "بنتي عايشة صح؟ قولولي إنها مخطوفة وعاوزين فدية.. أنا هبيع كل ما أملك! هبيع دهبي وشقتنا بس رجعوها لي.. سهير ملهاش في المشاكل، دي طول عمرها من البيت للكلية ومن الكلية للبيت!"
أحس مهران بغصة في حلقه؛ فهو يعلم ما لا يعلمونه. يعلم عن الزواج العرفي، عن الجنين، وعن الحقيبة الملطخة بالدماء في الملاحات. أشار لبهاء برفق كي يساعد السيدة على الجلوس مجددًا، ثم تنهد وجلس مقابلًا للأب الذي كان يفرك يديه بقلق قاتل ينتظر كلمة واحدة.
"يا حاج شاكر.. يا مدام إجلال.. وحدوا الله." قال مهران بنبرة هادئة وصارمة في آن واحد.
"لا إله إلا الله.. بس ريح قلوبنا يا ابني، لقيتوا أثر ليها؟" سأل شاكر وعيناه تترقبان شفتي مهران.
صمت مهران لبرهة، يزن كلماته بميزان حساس. لا يمكنه البوح بكل شيء الآن حتى لا يفسد مسار التحقيق، ولكنه بحاجة لمعلومات معينة:
"إحنا بنعمل كل جهدنا، ورجالتنا قالبين الدنيا. بس أنا محتاج أسألكم أسئلة محددة وبتمنى تجاوبوني بصراحة تامة.. سهير في الفترة الأخيرة، مكنش باين عليها أي تغيير؟ قلق؟ خوف؟ مكالمات تليفونية غريبة؟"
تدخلت الأم بنبرة حزينة ومتقطعة من بين دموعها:
"كانت متغيرة يا فندم.. بقالها شهر مابتأكلش، ووشها أصفر زي الليمونة. كنت أسألها تقولي 'ضغط الدراسة يا ماما وعندي امتحانات صعبة'.. يا حبيبتي يا بنتي! لو كنت أعرف إن فيه حد بيمهد لأذيتها كنت شيلتها في عيوني!"
ضيق مهران عينيه والتفت للأب:
"وحضرتك يا بشمهندس؟ مفيش حد غريب سأل عليها؟ مفيش أي خلافات عائلية أو عداوات مع حد؟"
تصلب جسد شاكر لثانية، حركة لم تفت على عيني مهران المدربتين. نظر الأب إلى الأرض وتلعثم قليلًا قبل أن يقول:
"عداوات؟ لا.. إحنا ناس في حالنا يا باشا. مفيش أي عداوات."
نهض مهران ووقف أمام نافذة الصالون المطلة على الشارع، ثم التفت فجأة قائلًا بلهجة حملت غموضًا مقصودًا:
"طب والواد اللي اسمه 'ساهر'.. زميلها في الكلية. عمره جه هنا؟ عمر سهير جابت سيرته قدامكم؟"
بمجرد نطق اسم "ساهر"، ساد صمت رهيب في الغرفة. شهقت الأم ووضعت يدها على فمها، بينما تجمدت ملامح الأب تمامًا وتحولت نظراته القلقة إلى نظرات ملؤها الوجوم والذعر.
"ساهر؟" همس الأب بصوت خافت للغاية، "أنتوا.. أنتوا عرفتوا ساهر منين؟"
لمع بريق حاد في عيني مهران. لقد أصاب الهدف. الأب لم يكن يجهل الأمر تمامًا كما ادعى في البداية. خطا مهران خطوة نحو شاكر وقال بنبرة قاطعة كالسكين:
"عرفناه بطريقتنا يا بشمهندس.. وهو دلوقتي منورنا في الحجز. ودلوقتي.. تحب تقولي إيه علاقة ساهر ببنتك؟ ولا تحب تسمع مني أنا التفاصيل اللي هتموتك في مكانك؟"
انهارت الأم إجلال مجددًا، وأخذت تصرخ وتلطم وجنتيها:
"يا مصيبتي! يا خراب بيتي! البنت ضاعت يا شاكر.. ضاعت!"
أمسك شاكر برأسه بين يديه، وهبطت دمعة حارة من عينه، دمعة رجل مكسور يرى شرفه وسمعته يتهاويان أمام عينيه، وهمس بقلة حيلة:
"أنا هقولك على كل حاجة يا مهران باشا.. بس أرجوك.. استر علينا."
صمت مهران، وأشار بيده لبهاء كي يغلق باب الصالون بإحكام، مانعًا أي صوت من التسرب إلى الخارج. خيم على الغرفة هدوء ثقيل، لم يكن يقطعه سوى شهقات الأم المكتومة وتشنجها المرير وهي تضغط بصورة ابنتها إلى صدرها كأنها تحاول استعادتها من غيابات المجهول.
جلس مهران مجددًا، ومال بجسده إلى الأمام، واضعًا يديه على ركبتيه، وعيناه مثبتتان على وجه شاكر الذي بدا وكأن قناع التجمل قد سقط عنه تمامًا، ليكشف عن وجه أبٍ مكسور حطمت الصدمة كبرياءه.
"سامعك يا بشمهندس شاكر.. اتكلم." قال مهران بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقل القانون.
أخذ شاكر نفسًا عميقًا وممتلئًا بالمرارة، ومسح دمعة حائرة سقطت على لحيته الأشيب:
"من حوالي تلات أسابيع.. لقيت تليفون سهير بيرن وهي في الحمام. الرقم مكنش متسجل، بس الرنات كانت كتيرة ورا بعضها بشكل يثير الشك. أنا عمري ما فتشت ورا بنتي، بس قلبي نقزني.. فتحت الخط."
توقف شاكر ليلتقط أنفاسه، بينما كانت زوجته إجلال تنظر إليه بعينين متسعتين بذهول، وكأنها تسمع هذا الكلام لأول مرة. واصل شاكر وصوته يرتجف:
"لقيت صوت شاب بيتكلم بعصبية وبيقول: 'يا سهير أرجوكِ ردي عليا، الورقة العرفي اللي بينا لازم تتقطع، والبيبي ده لازم ينزل وإلا هوديكِ في داهية'.. الدنيا اسودت في عيني يا باشا. حسيت إن جبل اتهد فوق دماغي."
شهقت إجلال شهقة مرعبة وسقطت صورة سهير من بين يديها لتتحطم على الأرضية الرخامية. صرخت بنبرة تمزق القلوب:
"يا مصيبتي! بنتي أنا؟ سهير تعمل كدا؟ لا يا شاكر.. أكيد ودني غلطانة! أكيد فيه سوء تفاهم!"
"يا ريتها كانت غلطانة يا إجلال!" صرخ شاكر بقلة حيلة وألم دفين، "واجهتها.. واجهتها باللي سمعته، وانهارت واعترفت بكل حاجة. اعترفت إنها اتجوزت ساهر ده عرفي، وإنه بيضغط عليها عشان تقتل ابنه اللي في بطنها.. شرفنا كان بيتداس تحت الرجلين!"
تدخل مهران بنظرة فاحصة، متسائلًا:
"وعملت إيه بعد ما واجهتها يا بشمهندس؟ كلمت ساهر؟"
تحولت نظرات شاكر فجأة من الانكسار إلى الخوف والتردد، ونظر إلى الأرض قائلًا بصوت خافت:
"أنا مكلمتوش.. أنا طردتها."
"طردتها؟!" صرخت الأم بهستيرية، "طردت بنتك يا شاكر؟ وهي حامل وفي الحالة دي؟! ومقلتليش ليه؟! كنت بتقولي مسافرة لصحبتها!"
"كنت هقول إيه للناس ولعيلتي؟!" صرخ الأب مدافعًا عن شرفه الجريح بدموع حارقة، "قلت لها اطلعي برة البيت ده ومتورينيش وشك إلا وأنتِ مخلصة المصيبة دي! كنت فاكر إنها هتروح تضغط على ساهر عشان يتجوزها رسمي ويصلح غلطته.. مكنتش أعرف إنها هتختفي! مكنتش أعرف إن الموضوع ه يوصل للدم!"
نهض مهران واقِفًا، ودارت في عقله مئات السيناريوهات. الأب طردها.. وساهر رماها في الشارع.. ورويدا رفضت مساعدتها. سهير كانت وحيدة تمامًا، منبوذة ومطاردة من الجميع في ليلة اختفائها.
ولكن.. ماذا عن سيارة الدفع الرباعي؟ وحقيبتها الملطخة بالدماء في الملاحات؟
التفت مهران إلى شاكر وسأله ببرود حاد:
"بشمهندس شاكر.. حضرتك بتسوق عربية نوعها إيه؟"
نظر إليه شاكر بذهول وعدم فهم:
"عربيتي؟ أنا عندي عربية ملاكي عادية (تويوتا كورولا).. ليه السؤال ده يا فندم؟"
"وعندك قرايب أو معارف يملكوا عربيات دفع رباعي ضخمة؟"
هز شاكر رأسه نافيًا بصدق بدا واضحًا:
— "لا يا فندم.. محدش من قرايبي عنده عربية بالشكل ده.. بس ليه؟ هي بنتي حصلها إيه؟"
لم يجبه مهران. بل التفت إلى معاون المباحث بهاء وقال له بلهجة صارمة:
"بهاء.. اتصل بالمرور فورًا. عاوز كشف بكل عربيات الدفع الرباعي اللي مرت من بوابات طريق المحور والمؤدية للملاحات في ليلة اختفاء سهير، وتحديدًا من الساعة تسعة بالليل لحد الفجر."
أومأ بهاء وتحرك سريعًا لتنفيذ الأمر، بينما تقدم مهران نحو الباب مغادرًا، لكنه التفت إلى الوالدين المنهارين بكلمات أخيرة نزلت كالقضاء المستعجل:
"بنتكم متقتلتش على إيد ساهر يا بشمهندس.. على الأقل مش لوحده. فيه طرف تالت دخل اللعبة دي، والطرف ده هو اللي معاه سر سهير.. عايشة أو ميتة."
خرج مهران إلى برودة الصباح، ورائحة الملح الممزوج بالدم في الملاحات لا تفارق خياله، موقنًا أن فنجان قهوة البندق الذي بدأ كل شيء، يخفي خلفه وحشًا لم يظهر وجهه بعد