رواية زهـرة بين براثن البـأس الفصل الثالث عشر13 بقلم سيلا محمـد

رواية زهـرة بين براثن البـأس الفصل الثالث عشر13 بقلم سيلا محمـد
             « زهــرة يحتويهـــا البـأس »

« وإن سألوني عنها يومًـا .. فإليك الإجابة صريحة ..
هي سبـع سُنبلاتٍ خُضر من جذور الأرض ارتوت ..
و من عذب زمزم تشبعت ... لمستُ بأناملي فروعها ، بقلبٍ توهـج من الجوع سنينًا ...
فإذا بالارتواء قد نال مني حين أبصرت عيناي زهرتها
حين لامست أناملي خديها .. حين اقتربت و اقتربت
ومع الإقتراب تمنيت لو أنني اقتربت و اخترقت ..
غيمتي قبل المطر ... ضيائي وقت السحر ...
ليلِي بعد النهار ... شذاي من جميل الزهـر ...
وكلما ظننت أنني بلغت قمم الجمال ... كشفت لي عن معانٍ أخرى لم أعيها من قبل ...
لهذا .. إن سألتموني يومًا عن أعظم انتصاراتي
لن أذكر مالاً .. ولا هيبةً .. ولا مركزًا ...ولا مجدًا ....
فقط زهـرة .... زهرة قرمزيـة ... زهرتي أنا ... زهرة البــــأس ... »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد

عاد غيث إلى منزل غنوة ، حاملاً  بين ذراعيه الغيداء الجميلة .. حسناء الملامح .. خفيفة القوام .. رقيقة الشعور .. ناعمة الحِس  ..
و حين أبصرت والدتها التى تسمرت على باب المنزل برفقة صلاح الدين ، سيارة بأس من جديد .. حتى ركضت إليها يتبعها صلاح الدين فى لهفه ...
توقف بأس على جانب الطريق ، ليهبط فى هدوء حاملاً بين ذراعيه ذات الوجنـه التفاحية قرمزية اللون ، ليصحو الصغير نائل ما إن اقترب والده من جانب سيارة جده
صائحًا فى خوف :  
— بابي ... طنط تفاحة مالها ؟!

ابتسم بأس فى إرهاق قائلاً :
— نامت على روحها زيك كده ...
ثم دلف إلى داخل المنزل ، لتهتف والدتها فى فزع :
— بنتي مالها يا بأس ؟!  جرالها إيه ؟! إيه اللي حصلها و كانت فين ؟؟

همس بأس فى رويـة :
— إهدي يا مدام غنوة .. غيداء كويسة و زي الفل .. و قدامك بخير و الحمد لله .. هي نايمة عادي جدًا ..
قوليلي .. فين أوضة نومها ؟!

ركضت غنوة لتفتح له الباب فى ترحاب :
— أهي يا حبيبي .. اتفضل ... ألف حمدا لله على سلامتِك يا بنتي ...

دلف بأس إلى الداخل ، ليضع غيداء برفق على الفراش ، ثم أسدل عليها الشرشف فى عشق .. ليضع يديه على وجنتيها يزيح عنهما خصلاتها الهاربة .. ينحني حتى اقترب من ثغرها المتوهج هامسًا :
— ألف حمدًا لله عـ السلامة يا تفاحتي.. مش هسمح لجنس مخلوق يبعدِك عني ...

اقتربت غنوة من بأس قائلة :
— لو سمحت يا بأس باشا .. كده مينفعش ، وميصحش .. أنا طبعا بشكرك على انقــ............

قاطعها بأس فى ثقة :
— هو إيه ده اللي ميصحش .. اللي قدامك دي قبل ما تبقى بنتِك ، فهي مراتي ...
أنا بحب غيداء ، و بطلب ايديها منِك ... قدامِك أسبوع كامل تجهزوا ، تكون غيد ارتاحت من اللي مرت بيه النهارده ... و يوم الخميس الجاي هتبقى فـ بيتي ، و جوه حضني ..

تفاجأت غنوة بما سمعت من البـأس _ العاشق المتيم_ لتلتفت إلى صلاح الدين قائلة :
— إيه رأيك يا صلاح باشا فى كلام إبنك ؟!

أجاب صلاح فى فخـر و بهجة :
— مفيش كلام أجمل من كده .. و طالما إبني اعترف بحبه لبنتِك .. فأنا كمان من حقي أتكلم ، و أعترف بحبي ليكي يا غنوة .. غنوتي ... تقبلي تتجوزيني ؟!

شهق بأس فى دهشة ، لتلك الصدمة :
— حضرتك بتقول إيه يا بابا ؟!  إزاي يعني ؟!
حضرتك عايز تتجوز بجد ؟؟

أجاب صلاح بثبات قاصف لملامح الاستنكار التى ظهرت على بأس :
— أيوه جـد مليون فى المئه .. و بعدين إنت زعلان ليه ؟! هو مش إنت فكرت فـ نفسك أخيرًا ، و فـ سعادتك !!
إيه اللي يمنع إن أنا كمان أتجوز ؟؟
عندك اعتراض ، و لا خايف إني أخلِف و أجيبلِك أخ جديد ينافسك فى الورث إنت و أخوك ؟!

شقت ابتسامة مرحة ثغر بأس ، ليتجه إلى أبيه فى حبور :
— بالعكس ... أنا سعيد جدًا بالخطوة دي ، بس استغربت إني لأول مرة محسِش بيك يا باشا ... فرصة حلوة نتجوز أنا وإنت فـ يوم واحد ..

صرخت غنوة بكل ما امتلكت من قوة ، لتتقلب ابنتها فى الفراش ؛ الأمر الذى فرض عليها الهدوء النسبي  :
— انا شايفه إنكم كلكم رتبتوا كل حاجة ، من غير حتى ما تاخدوا رأيي سواء فى عرض جوازك من بنتي ، أو عرض والدك !!
انتوا ناسيين إن أنا أمها .. و أنا بس اللي ليا الحق أوافق أو أرفض ..

إلتفت إليها بأس قائلاً فى صرامة :
— عندك حق فيما يخص موضوع الباشا ، لكن جوازي أنا و غيد محدش فـ الدنيا يقدر يمنعه ، ولا حتى غيد نفسها ..
من الآخر كده .. هتجوزها حتى لو غصب عنها .. حتى لو اضطريت أخطفها هعملها .. أنا بحبها ومش هسمح لمخلوق يفرق بيننا ...
بنتِك كانت مخطوفه .. أول ما عرفت ؛ روحي راحت .. لو كان جرالها حاجة لا قدر الله ، كنت هموت وراها ..
محدش فـ الدنيا يقدَرها و يعرف قيمتها و يحبها أدي ..
علشان كده مش مسموح لِك تعترضي .
يلا بينا على الصالون أحكيلك اللي حصل ، وكمان علشان نتفق ....

انطلقوا إلى الخارج بعد أن قبَّـلت غنوة ابنتها فى إفراط ، ليتأملها بأس فى غرام مردفًا :
— نوم الهنا يا حبيبي .. اعملي حسابِك دي آخر مرة  أسمحلِك تنامي فيها لوحدِك من غيري .. بعد كده مكانك هنا ( و أشار إلى صدره )

ألح نائل على أبيه البقاء بجوار غيد ، ليطمئن عليها .. لينظر بأس إلى والدتها متأملا موافقتها ..
ابتسمت غنوة للصغير قائلة :
— طيب يا حبيبي .. بس بلاش تصحيها ... سيبها ترتاح

ثم غادروا ثلاثتهم الغرفة ما عدا الصغير ، الذى تسلل جـوار غيداء ليسترخي بجوارها ...
و فى غضون لحظات ، فتحت غيد دراعيها لتستقبل نائل داخل صدرها الدافيء فى مشهد أمومةّ حابس للأنفاس
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
*****************

« قناع اجتماعي ..  نسجته من غرورها ، طرزته من تكبرها ... و ارتدته لتكن محور الكون من حولهم ..
أرادت ألا تتحامي به فقط ، بل لتخدع الجميع
لتظهر قوية رغم هلاكهـا .. لتبدو بخير رغم عجزها .  
ربنا تملك كل وسائل الترفيه ، لكنها تفتقر إلى رفاهية الشرح و التفسير.   
ومع الوقت ... اعتاد الجميع رؤيتها فى هذا القناع السخيف .. حتى صار جزءًا منها لا يتجزأ ...
بينما ظلت حقيقتها جالسة فى زواياها الداخليه ...
أجبرتها الحياة على ذلك ... لكنها اضطرت إلى المثول ...
ظنت أن عشقها إليه ربمـا يومًا ما يتوج .. و ها هي منذ توسدت الفراش لم يهتم برؤيتها ولو قليلاً
ألتِلك الدرجة لا تعني للغير الكثير ؟!  »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد

قررت جوليا بعد أسابيع من التخفي داخل فراشها ، الهبوط إلى الأسفل .. علها تجده و تتوسل إليه أن يحيطها بعين الحب ..  و لو لساعات معدودة ...

وفى الأسفل
جلست حسناء تستشيط غضبًا حين منعها أفراد الأمن المسئولين عن حراسة القصر من الخروج ، لتصرخ فى أربعتهم :
— يعني إيه ممنوع أخرج ..  إنت اتجننت إنت و هو ؟!
مش عارف إنت بتكلم مين .. ؟! لما ييجي اللي مشغلك ، أنا هعرف حسابه معاك هيبقى ازاي ؟!

ثم اضطرت إلى العودة إلى داخل القصر من جديد ، لتحاول التواصل مع ابنتها دارين دون نتيجة
قلبها يحدثها أن ابنتها فى مأزق .. لم يسبق لها المبيت خارج بيتها بالدولة الليبية .. لتفعل ذلك هنا بقصر الحديدي ..
لتتساءل :
— معقول يكون بأس مش مهتم لدرجة إنه يسمح لبنتي تبات بره القصر فـ غيابنا ؟! واضح إني غلطت لما اعتمدت عليه يتولى مسئولية بنتي ... و لازم أصلح الغلطة دي ؟؟

هبطت جوليا إلى الأسفل فى وهن ، تستدعي بعض من الثبات ... لتهمس فى تردد :
— مساء الخير يا ماما !!

أجابت الأم فى تأفف :
— أخيرًا حد جبر بخاطري ، و إجى يقعد معايا ...

تساءلت جوليا فى اهتمام:
— ليه يا ماما ؟!!  أومال بابا و دارين فين ؟!  و أونكل صلاح و بأس و والي و نائل .... كلهم راحوا فين ؟!

أجابت حسناء فى تقزز :
— كلهم طفشوا ... حتى أبوكي قاعد فـ أوضته ومش طايق حد ... و أختك من ساعت ما خرجت الجامعه الصبح .. لا رجعت ولا بترد على موبايلها .. و لما حبيت أخرج أشوفها راحت فين !!  الأمن منعني من الخروج ...
شوفتي وصلنا لإيـه يا ست جوليا ... و إنتِ عماله تحبي فيه ...

اتكئت جوليا على زر الصبر داخلها ، لتردف :
— أنا طالعة لبابا أقوله يتصرف ، و يدور على دارين ...

صعدت جوليا إلى الأعلى ، فى حين غمغمت حسناء :
— إطلعي يا ختي ... روحي اسمعيلِك كلمتين تهزيق إنتِ كمان ..  أنا لازم أخد ابن بنتي و أسافر بأي شكل

و أمسكت هاتفها لتتواصل مع رجل الأعمال المعروف
‹ حكيم شاكر › المنافس الوحيد لبأس ، و عدوه اللدود
رغم عِلمها بما يكنه لبأس من بُغض ، و جنونه اللامتناهي فى سبيل سلب ما يريد ...
رنين متواصل ...  ثم أجاب فى برود  :
— معقـول ... !! حسناء هانم بنفسها بتكلمني !! ده إيه التنازل الكبير ده ؟!  أنا فاكر كويس آخر مرة كلمتك فيها ، و سيل الإهانات والتهديد اللي صدر من غازي _ جوزك المحترم _ ده غير اللي عمله جوز بنتِك فيا ... و شركتي اللي اتخربت بسببه ...
جايه ليه دلوقتي تكلميني ؟! مش معقول تكوني ناوية تعتذري بعد أكثر من خمس سنين ؟؟!

اختطفت حسناء ابتسامة مشوشة ، لتهمس فى لين :
— أنا آسفة يا حكيم بيه و الله كان غضب عني .. إنت عارف إن رحيق هي اللى وافقت على بأس ، و صممت عليه .. كنت عايزني أعمل إيه ، و هو قدم لنا عرض محدش يحلم بيه .. !!

قهقه حكيم فى سخرية :
— أنا فاهم كويس إنكم حسبتوها بالمال .. مين اللي معاه أكتر علشان يفوز بيها ... الوحيدة اللي مقدرتِش أكرهها هي رحيق نفسها ... رغم كل الحب اللي حبيتهولها اختارت بأس و كانت مخلصة ليه ... لكن هو طول عمره هيفضل عدوِّي اللي خطف مني أجمل انسانة فـ حياتي ... المهم إيه سبب اتصالِك بيا ؟!

أجابت حسناء فى بُغض لبأس ، بعد أن كانت تُكِـن له الحب و المودة :
— لو عايز تنتقم من بأس ؛ أنا هساعدك .. نائل حفيدي هو نقطة ضعفه .. ساعدني أسافر بيه ليبيا ، و هناك هقدم طلب حضانه ، و أنا ليا معارف كتير فى الحكومة هيساعدوني يتقبل ...

أردف حكيم فى تساؤل :
— و إيه سبب رغبتِك تهربي بنائل من ورا بأس ؟! هو ناوي يتجوز ولا إيه؟!

أضاءت فكرة فى عقل حسناء ، لتقول فى مكر :
— أيوه ناوي يتجوز واحدة سمعتها مش تمام ، و كان على علاقة بيها و حامل كمان .. وأنا لا يمكن أسمح إن حفيدي يعيش مع واحدة زي دي تبهدلُـه و تأذيه ...

تفهم حكيم موقف حسناء قائلاً:
— إنتِ فين دلوقتي ؟! و غازي فين ؟!

— أنا فى القصر محبوسه .. الأمن بتاعـه مانعني من الخروج .. و غازي مش عارف يتصرف .. و كمان البنات تعبانين ؛ علشان كده ضروري نسافر ...

أردف حكيم فى نصر :
— تمام ... سيبيني أتصرف .. قومي جهزي نفسِك إنتِ و جوزِك و بناتِك .. و أنا هكلمِك تاني
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد

« فى نفس اللحظة »
كان غازي يحاول جاهدًا التواصل مع مديري المطاعم ليطالبهم بتفيذ الجزء الثاني من الخطة .. ألا وهو خطف غنوة ، للنيل منها ...
إلا أن الهاتف ظل على حاله ...  رنين دون إجابة
ليزفز فى غضب :
— و بعدين بقى ... هما مش بيردوا ليه ؟! معقول يكونوا انكشفوا ، ولا طمعوا هم كمان فيها ؟؟

دلفت جوليا إلى والدها فى قلق :
— بابي ... دارين لسه مرجعتش من الجامعه ... !! تعالى دور عليها ... ماما قلقانه أوي ، و الأمن مانعها من الخروج ...

صرخ الرجل فى ضيق :
— هو أنا معدش ورايا غيرِك إنتِ و أمِك و أختِك ...
ما تسيبوني فـ حالي بقى ؟! جاتكم القرف
( و لم تجد جوليـا بُدًا من الرحيل أمام ذاك الغضب الهادر )
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
********************

« خياران لا ثالث لهما ... إما يسيطر عليك الغل فتُخطط إلى الجريمة و الانتقام ، كأنك فتحت نافذة إلى الشيطـ..ـان بوساوسِه ؛ أو يسيطر عليك احساس الهيمنة فتظن ألا أحد أقوى منك و أشد ، و تترك النافذة شبه مغلقة .. ينفذ منها غضب ، و لا يخرج منها رضا مطلق »

دلف مالك مطعم « هارديز للمأكولات البحرية » إلى مطعمه ، يتشدق بسعادة لا قياس لها ، ليركض إليه أحد العاملين قائلاً :
— إلحـق يا نشأت باشا ... بأس باشا الحديدي كان هناك و سال عليك ، و سايبلك رساله بيقولك ...
( و أخبره الرجل بمكنون الرساله التى جعلت الرجل على مشارف الإصابة بأزمة قلبية قاتلة  
يتجرع الندم على تسرعه فى خطف غيد دون الإنتباه إلى كونها طالبه بالجامعه ، التى يعمل بها والي الحديدي _ شقيقه الأصغر _ )
لينكس رأسه هامسًا داخله :
— يا ترى الباشا ناوي على إيه ؟! يا خوفي يكون ناوي يخرب بيتي أكتر ما هو مخروب
( لكن الإجابة ستصله فى المستقبل القريب )
حاوط المطعم عدد من الرجال الملثمين ، محترفي القوة و التعامل ؛ و انقضوا على الرجل مطوقين إياه فى غضب ، ثم وضعوه داخل سيارة رباعية الدفع و انطلقوا
يتبعهم عدد من السيارات المشابهة يكمن داخلها المالكين الآخرين لباقي المطاعم الأخرى
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
*************

« حانت اللحظة لبدء الأسئلة ...
وقفت المشاعر مترصدة .. مَـنْ الأول فى البادرة
ليأخذ الود مكانه فى المجلس ثم سألهم جميعا :
— أيتها المشاعر ... هل بأس يعشق؟
أجاب العشق :
— بلا شك .. وكيف لا يفعل ، وهي الأنثى التى ربحت فؤاده ... هي النداء لروحه ؛ وكأنها خُلقت ليكتمل بها ؛ لا لتكتمل به !!

نهض الهيام هاتفًا :
— ألِـي حق الحديث !! دعوني أستكمل ما قاله صديقي العشق ... غيداء .. قلب لا يتكرر ... و بأس رجل بهيبته كان يتصور أنه اكتفى بماضيه ، لكنها سكنت في أحضانه كأنها لم تغادره يومًـا ، واستطاعت أن تروي تعب أيامه بالحنان كلما اقتربت بخطواتها منه ..
لذا لن يتعامل معها كحبيبٍ عابر ... بل هي العالم الذى يهدأ بأنفاسها ...
يهيم في عينيها حتى فقد الزمن اتجاهه .. و يُتقِـن
تفاصيلها كمن يخشى أن تتبدد من ذاكرة اللحظة....
و بين أناملها وجد اللغة التى لا تُقال ولا تُحكي ....
وفى مكنونها الحياة وما فيها .. »

نظر بأس إلى غنوة قائلاً:
— مدام غنوة..أنا عيشت العمر اللي فات كله مفيش فـ حياتي إلا ست واحده بس ، هي أم نائل ..
قفلت على حياتي ، و حرَّمت عليا أي ست تفكر بس تدخل حياتي ؛ لغايت ما شوفت غيد أول مرة ...
الزهرة القرمزية اللي غيرت حياتي كلها ... علمتني حاجات كتير بـعِزة نفسها و شموخها ..
و نائل كمان اتعلق بيها من أول لحظه ... تفتكرِي لما أوصل لمرحلة إني أحلم بيها و أنا صاحي .. هقدر بعد كده أعيش من غيرها .. ده المستحيل بعينه ...
اسمعيني كويس .. أنا هحكيلك اللي حصل كله
( و قص على مسامعها ما تعرضت له ابنتها من حادث اختطاف من أناس لا قلوب لهم ولا ضمير ... لتبكي المرأة بكاء الفقيد ، و تصرخ فى هلع ) :
— يا حبيبتي يا بنتي ... كله ده يحصلِك وأنا معرفش ... سامحني يا عبد الصبور .. مقدرتش أحافظ على الأمانه .. مقدرتش أحميها ..

شعر صلاح الدين بأشواك الغيرة تنهش قلبه ، إلا أنه صمت .. ليربت بأس على يديها فى رفق و لين :
— ليه بس يا مدام غنوة !! بلاش الكلام ده .. إنتِ مقصرتيش ، و منين كنتي تعرفي .. أنا اللي غلطان ، ولو فيه تقصير اأنا لمسئول عنه ...
الحمد لله ربنا حفظها .. بنتِك آية فى الأخلاق ، و حضرتك قمة فى الطيبة ... و الأستاذ عبد الصبور الله يرحمه الكل يحلف باحترامه و تدينه ..
علشان كل ده ربنا عمره ما يوجعكم أبدا ..
ننسى بقى اللي حصل ... ممكن ؟؟!

هتفت غنوة فى غضب :
— و بالنسبة لدارين و أبوها الحقير اللي اجى هنا يعرض عليا الجواز ... هتعمل معاهم إيه ؟! هتسكت علشان نسايبك .. صح ؟؟

هتف صلاح الدين فى ضيق جنوني :
— بتقولي إيه ؟! هو مين ده اللي طلب إيدك ؟!!  غازي الكلب ... !! استني عليا .. بشرفي ما أنا سايبك !!

أردف بأس فى رزانه :
— حضرتِك و غيداء تخصوني ، و اللي يقرب من اللي يخصني .. يبقى الجاني على روحه ... هتشوفي بنفسك ، أنا هعمل فيهم إيه ؟؟  
دلوقتي .. روحي جنب بنتِك اطمني عليها ، و ارتاحي .. ولو احتجتي حاجة رقمي معاكي .. كلميني على طول...
و أنا مجرد ما ينتهي الأسبوع ، هآجي أخدكم تنوروا القصر و اللي فيه ... تسمحي تناديلي على نائل علشان نروح !!

أومأت غنوة علامة الموافقه ، ثم دلفت إلى غرفة ابنتها
فى حين مال بأس على أبيه قائلاً فى شغب :
— دخيلو الحبِّـيب اللي دايب فى غنوته ... بابا يا جامد يا مدوخ النسوان

رمق صلاح ابنه فى غضب :
— بس يا ولـد ... أبوك طول عمره مدوب الجنس الناعم و أمك أكبر مثال

انطلقت ضحكات الاثنان فى نفس الوقت التى عادت فيه غنوة خالية الوفاض ... لتهتف فى ابتسامة ناعمة :
— أنا هستأذنك تسيب نائل نايم هنا النهارده ، و متخفش عليه هـحطه فـ عيني ..
أنا حاولت أصحِّيه بس رفض يقوم ، و قال مش عايز يروّح معاك ...

غمغم بأس فى ضيق يشـوبه الغيرة :
— ابن الـ ...... أمري لله .. طيب ممكن أدخل أشوفه قبل ما أمشي ؛ أصلي متعود أبوسُـه قبل ما ينام .. فلازم أدخل أبوسهـا .. قصدي أبوسه علشان مزعلش ... قصدي ميزعلش ..

ابتسمت غنوة فى مكر :
— لأ معلش .. هبوسه أنا مكانك ...

أردف صلاح الدين فى مشاكسة :
— بلاش بـأس .. صلاح موجود و تحت الأمر والله ... ينفـع ؟!

أجابت غنوة قائلة فى حزم حاسم :
— أنا شايفة إنكم تروحوا ترتاحوا ... يلا تصبحوا على خير ..

غادر كلا من بأس و والده ، ليهمس صلاح فى غيظ :
— عايز تدخل تبـوس ابنك و لا اللي نايمة جنب إبنك ؟!
عاجبك كده .. أهي طردتنا بالذوق !!

رفع بأس أحد حاجبيه فى دهاء قائلاً:
— دخيلـو اللي عايز يقوم بالواجب مكان ابنه

ضاقت انفاس صلاح قائلاً فى ضحك :
— هى إيه حكاية دخيلـو اللي طالعلي فيها دي ؟؟

— تغيير يا باشا ... تغيير
و استمرت ضحكاتهم بتأثيرها الرنـان فى المكان حتى بعد رحيلهم
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
******************

« المنكسرة قلوبهم ... المحطمون نفسيا ...
أولئك الذين تكالبت عليهم عوارض النقص ، و حب من طرف دون آخر ...
ترى الحياة بوجهها المرير ... تتمنى السعادة التى احتكرتها فى شخص واحد .. تتمناه دون غيره ...
تبكي تـارة ... و تنتفض الأخرى .. و تتمنى طول الوقت
... تحبه بكل الصدق ، و تتمنى أن تختصر المسافات الشاسعة إلى قلبه .. لا تعي المفاجأة التى يدخرها إليها القدر .... »

فى طريق العودة
تلقى بأس عدد من الإتصالات الهاتفيه منها اتصال مدير الأمن الذى طالبه بالذهاب إلى مكتبه للتوقيع على المحضر ... و قد طالبه بأس بتأجيل هذا الأمر الإداري إلى الغد ؛ نظرًا لحالة الانهـاك التى يعاني منها بعد يومٍ شاق ...

تـلاه إتصال من والي يتساءل عن وضع غيداء و حالتها الصحية بعد ما علم من ويلات الاختطاف ، ليؤكد له بأس أنها بحاجة إلى الراحة ليومين على الأقل
ثم طالبه بإعادة شرح المحاضرات القادمة لها لحين استردادها لنشاطها السابق ...

ثم اتصال آخر من مسئولي الأمن بالقصر يخبرون بأس عن نية حسناء الخروج ، و غضبها الشديد بعد علامات الرفض ... و الهدوء الساكن من غازي منذ دلوفه إلى الداخل حتى الوقت الحاضر ....

عدة اتصالات ... اتخذ خلالها بأس عدد من القرارات ، ثم أقدم على اتصال بأبيه الذى يلحق به فى سيارته ليؤكد عليه ما ينتهي فعله بخصوص غازي و عائـلته ...

يوم حافل من الأحداث ، و نهاية سعيدة بعودة غيدائه
و اتفاق على زيجته بها خلال أيام ..
جعله يشرد فى حُسنها ، و ملامحها التي يعشقها .. و وجنتها التى تراها عِـلتها ، و يراها هو نقش وردي يزينها ...
إلى أن وصل القصر ... و أمام البوابه ... جاءه الاتصال الأخير ... اتصال غريب من شخص غير مرغوب فيه
عندما شاهد بأس هوية صاحبه ، انقبض صدره فى ضيق ... ليفتح الإتصال قائلاً :
— خير يا حكيم ... بتتصل بيا ليه ؟! مش معقول أكون وحشتك ؟! ولا الخسائر اللي سببتهالك زمان هي اللي وحشِتك ؟!

أجاب حكيم فى ضحكة صادقة من القلب :
— هتصدقني لو قولتلك إنك فعلاً وحشتني .. عموما ده مش وقته ... أنا بتصل بيك علشان أقولك حاجة مهمه ... حماتك مرات غازي كلمتني النهارده و طلبت مني أساعدها تخرج بره مصر و معاها إبنك ...
أنا طبعًا لا يمكن أعمل كده ، رغم الخسائر اللي حصلتلي بسببك ؛ بس أنا بعترف إني كنت أستحقها
يلا ... معدش يجوز عليها إلا الرحمة ... المهم ، هتعمل ايه مع حماتك دي ؟! هو حصل بينك و بينها خلاف ولا حاجة ؟!!
أصلها طول الوقت بتفتخر بيك .. فـ كونها تطلب منى طلب زي ده معناه إنـها عايزة تخطف الولد و تهرب بيه !!

اشتعل الغضب بداخل بأس ، ليزمجـر قلبه الذى أراد الصفح عن تلك المرأة و السماح لها بالرحيل مع ابنتها جوليا على أن يكون الخلاص والانتقام من زوجها غازي و صغيرتها دارين
إلا أن تلك الفعلة الشنيعة كانت أسوء من أن يصفح عنها ، ليقرر إخضاعها إلى شتى ألوان العذاب
ليردف مخاطبًا حكيم قائلاً:
— إيه اللي خلاك تكلمني يا حكيم ؟!  أفتكر كانت هتبقى فرصة ليك لو حاولت محاوله فاشلة إنك تنفذ ، و فى الآخر مش هيحصل ؛ بس أهو هتكون حاوِلت !!

أجاب حكيم فى هدوء :
— أنا مش عايز أكسب عداوتك يا بأس ... إنت وَحْشْ سوق الأعمال ، و الكل يحلف بـ ده .. و فـ نفس الوقت نزيه ، و تعاملاتك كلها فى النور .. وملكش فـ الشغل الـ مش مضبوط ، علشان كده يمكن ييجي اليوم اللي إنت كمان تنسى اللي حصل بيننا ، و ندخل مع بعض شركاء فى أي مشروع .... فهمتني ..

لمس بأس صدق الرجل ، ليردف فى امتنان :
— بإذن الله ... عمومًـا أنا متشكر جدا يا حكيم .. أنا هعرف إزاي أتصرف معاها باللي تستحقه .. سلام دلوقتي

وفى الحال ..  أجرى بأس اتصال هام مع
" سعد الشمسي " مدير أعمال غازي الرداد ، ثم أمره بنبره جديه :
— ألو ... أيوه يا سعد .. اسمعني كويس .. عايز قبل ما النهار يطلع كل أسهم غازي تطرحها للبيع فى البورصة ، و الحسابات بتاعته كلها تتجمد .. و كلم مديري البنوك يضغطوا عليه فى أقساط القروض ...
باختصار عايزه يتخِـرب بيته ، ميفضلش ليه إلا الفيلا اللى عايش فيها هو و أسرته ...
مش أنا اللي كنت السبب فى الثراء و العـز اللي هو فيه .. و كل الملايين دي فى الأصل بتاعتي ..
خلاص يبقى هرجعه زي ما كان موظف حقير فى شركة العايدي من أول و جديد ...
أنا وقفت جنبـه و معاه طول السنين دي علشان خاطر رحيق الله يرحمها ، لكن إنه يأذيني بالشكل ده هو وبنته و مراته .. ده اللي لا يمكن هسامح فيه ..

تساءل سعد _ صديق بأس الحميم _ و رفيق عمره فى قلق :
— هو غازي عمل معاك إيه يا صاحبي ؟!

أجاب بأس فى اختصار :
— بعدين لما تخلَّص اللي قولتلك عليه .. بلغني على طول .... و بعدها بيومين إنـزِل مصر ضروري ، و لما تيجي بالسلامة هحكيلك ... سلام دلوقتي

‹ و تلك كانت النهاية القاضية لغازي و أسرته ، ليعي أن الجزاء من جنس العمل ›

دلف بأس فى هدوء ، ليجد حسناء فى حالة يرثى لها
ليتساءل :
— مساء الخير..  مالك يا حسناء هانم ..!! ملامحك بتقول إن فيه مصيبة ؟!

هرعت إليه حسناء قائله فى قلق :
— إلحقني يا بأس ..  دارين لغايت دلوقتي مرجعتش البيت ؟!  شوف هي فين و غلاوة نائل عندك ؟! إلا هو فين نائل ؟!

أردف بأس فى ثبات :
— متقلقيش ..  دارين فى مكان أمين أوي .. بنتِـك مقبوض عليها بتهمة المشاركة فى جريمة اختطاف... و جوزِك كمان ، البوليس جاي فى السكة يقبض عليه لأنه شريك فى نفس التهمة ...
و ياريت متحطيش أمل إني هقف معاهم .. لأن ببساطة اللي يشارك في جريمة زي دي يبقى هو كمان مجرم ،و أنا لا يمكن أساند مجرمين أو أتستر عليهم ...

شهقت حسناء هاتفه :
— جريمة خطف مين ؟! أكيد فيه غلط .. بنتي متعملش كده ، و هتخطف إزاي ، و بعدين غازي هنا فى القصر من الصبح ...

أجاب صلاح الدين بدلاً عنه :
— بنتِـك من كتر غِـلها وحقدها على غيداء زميلتها اتفقت مع مديرين المطاعم على خطفهـا و قتلها ، و جوزِك المحترم هو كمان اشترك في كده يمكن علشان يطلع فى الآخر البطل الخارق ، و الفارس اللي أنقذها من المجرمين و ينـول رضا غنوة بعد ما راح طلب إيـدها للجواز وهي رفضته ...

أصاب الدوار جسد المرأة لتترنح حتى كادت تسقط أرضًا ، إلا أن ابنتها جوليا لحقت بها قبل السقوط ، لتجلسها على الأريكة هامسة :
— عشان خاطري يا بأس ، لو ليا خاطر عندك .. عشان خاطر رحيق الله يرحمها .. ساعد دارين و بابا و خرجهم من المصيبة دي و إحنا هنسافر ليبيا ومش هنرجع تاني ...

هتف بأس فى حدة :
— جوليــا ... يا ريت متتدخليش فى الموضوع ده علشان ميطولكيش انتقامي .. ابعدي إنتِ ملكيش ذنب ، وإلا اتحملي اللي هيجرالِك

صاحت جوليا فى لوعه :
— عايزني أتخلى عن أهلي .. عن بابا و أختى !! إزاي يا بأس ؟!

— أيوه تتخلي عنههم لأنهم مجرمين ، ميشرفوكيش أصلا .. بالنسبة لوالدتِك .. أنا كنت ناوي أصفح عنها ، و أرتبلها السفر لكن بعد ما اتصلت بحكيم و اتفقت معاه إنه يساعدها فى خطف ابني و السفر بيه ، فده بقى اللي لا يمكن أسامح فيه ..

صرخت الفتاة ، تسأل والدتها فى صدمة :
— إنتِ فعلاً عملتي كده يا ماما ؟!

أطرقت المرأة رأسها إلى الأسفل فى خجل و ندم ، دون كلمه ... ليهتف بأس فى صرامة :
— إنتِ كنتي فاكره إني مش هعرف .. مسكينة .. مفيش همسة بتحصل و تغيب عني ..
علشان كده .. أنا محضرلِك مفاجأة حلوه أوي لما ترجعي بلدِك بس مش النهارده ولا بكره ..  
بعد بكره ... و أوعدِك هيبقى أتعس يوم فـ حياتِك ، أما إنتِ يا جوليا .. ليكي مطلق الحريه .. يا إما تكملي هنا فـ مصر ، و أنا ممكن أرتبلك مكان تعيشي فيه و شغل كمان .. لكن لو مصممة ترجعي ليبيا ، يبقى براحتِك طبعّا ..

هتفت جوليا فى وجع فتاة تحطمت من كثرة الصدمات :
— وبابا و دارين ؟! هيحصلهم إيه ؟!

— فى السجن الاتنين ... اللي أقدر عليه أجيبلهم محامي يمكن يلاقيلهم حكم مخفف ، و ده بس عشان العيش و الملح ، و بعد ما ينفذوا الحكم ويخرجوا .. هرتب لسفرهم على شرط ميرجعوش مصر هنا تاني . .

بعد أن انتهى بأس من حديثه .. دلف عدد من أفراد الأمن ، يطالبون بالقبض على غازي ، ليسمح لهم بأس بالتفتيش و البحث عنه ..
و ما إن صعدوا إلى الأعلى حتى وجدوه متدليا بجسده من خارج الشرفة ، يتمسك بعدد من الشراشف الذى أحكم وثاقها جيدًا فى محاوله منه للهرب بعدما سمع ..
ليتخذ رجال الأمن اللازم ، و تم القبض عليه ، ثم طرحوه فى السيارة ... و انطلقوا إلى مديرية الأمن ...

هتف بأس فى مسئولين الخدمه الذين أمسكوا بحسناء ثم وضعوها فى غرفتها ، و أحكموا إغلاق الباب عليها
ثم ألقى على مسامعهم تلك الأوامر :
— الباب ده يتفتح بس فى الثلاث وجبات ، ويتقفل تاني لحين ما أقولكم تخرجوها ...
أما بالنسبة لك يا جوليا .... مسموح ليكي الخروج براحتك .. فكري كويس .. قدامك يومين يا تكملي معانا
فى مصر ، يا تسافري بلا رجعة ..
أنا كده خلصت كلامي ... و طالع أوضتي أرتاح ..

تعليقات



<>