رواية نسيت إني انثي الفصل السادس6 بقلم ملكة الروايات والحكايات

رواية نسيت إني انثي الفصل السادس6 بقلم ملكة الروايات والحكايات
​سكون ما قبل العاصفة
​لم يكد يمر يوم واحد على زلزال مكتب الحسابات الذي هز أركان الشركة، حتى تحولت المكاتب إلى ما يشبه خلية نحل تعمل بصمت مطبق وخالٍ من الروح. كانت الممرات، التي طالما ضجت بحركة الموظفين ونقاشاتهم، هادئة بشكل مريب. كان الموظفون يتهامسون في الزوايا، يتبادلون نظرات تملؤها الحيرة والندم والترقب. وكلما مرت صابرين من أمامهم بجسدها المنهك وعينيها اللتين غلفهما السهر، تراجع الجميع خطوة إلى الوراء، مفسحين الطريق لـ "الأستاذ صابر" الذي تهاوت هيبته المصطنعة لتظهر مكانها تساؤلات لا تنتهي.

​في مكتبها، كانت صابرين تجلس واضعة رأسها المثقل بالهموم بين كفيها. لم ترتدِ "الكاب" الشهير اليوم؛ بل تركته مستلقياً على طرف المكتب كجندي مهزوم ألقى سلاحه بعد معركة طاحنة طالت لسنوات. كانت تتأمل ذلك الكاب وتشعر بغربة شديدة، وكأنها تنظر إلى قناع شخص آخر.
​انتبهت صابرين على صوت فتح الباب برقة، لتجد ممدوح يدخل وعلامات الإرهاق بادية على وجهه، لكن ابتسامته الدافئة المعتادة لم تفارق شفتيه، وكأنها المرفأ الوحيد الآمن وسط هذه الفوضى.

​وضع ممدوح ملفاً جلدياً جديداً أمامها، وجلس على المقعد المقابل وقال بنبرة هادئة تحمل بشائر النصر:
​"النيابة استدعت مدحت للتحقيق الصبح يا صابرين. التحريات الأولية أكدت صحة الفلاشة والورق اللي سلمناه. والأهم من ده كله.. شاكر المقاول صدر ضده رسميًا أمر ضبط وإحضار، ورجال المباحث قالبين الدنيا عليه حاليًا."
​تنفست صابرين الصعداء، وشعرت بحمل ثقيل يزول عن صدرها، لكن قلقاً غامضاً وسوداوياً اعتصر قلبها فجأة. نظرت إليه وقالت بصوت خفيض يرتجف قلقاً:

"شاكر مش سهل يا ممدوح.. ده راجل واصل، شبعان قذارة وشر، وممكن يعمل أي حاجة في الدنيا عشان ينجي برقبته. أنا خايفة عليك أنت بالذات.. أنت دخلت نفسك في وسط حقل ألغام مكنش ليك أي ذنب فيه من البداية."
​اقترب ممدوح خطوة إضافية، مستنداً بطرف يده على مكتبها، ونظر في عمق عينيها بصدق زلزل كل حصونها الدفاعية التي بنتها عبر السنين:

"ذنبـي الوحيد إني مكنتش هقدر أشوفك بتتظلمي وأقف أتفرج وعاجز. يا صابرين، أنا مش ندمان على أي لحظة تعب أو مجازفة عشتها عشانك، ولو الزمن رجع بيا هعمل نفس الشيء وأكتر. الخوف مش عليا أنا.. الخوف عليكي أنتي لو فضلتي قافلة قلبك وعقلك في وش الدنيا، ومعتبرة كل الناس ذئاب."

​قبل أن تجد صابرين الكلمات المناسبة لتجيبه، قطعت خلوتهما الرقيقة رنة هاتف ممدوح بصوت متسارع ونغمة حادة بعثت في الغرفة شعوراً فجائياً بالخطر. أخرج ممدوح هاتفه بسرعة، ليرى على الشاشة اسم "عماد"، رئيس عمال موقع مشروع النخيل.
​أجاب ممدوح بلهفة: "أيوة يا عماد، طمني.. في جديد عندك؟"
​جاءه صوت عماد مرعوباً، يلهث بشدة وكأن أنفاسه تحترق، يقطعه صوت فرقعة خشب ونيران هائلة في الخلفية:
​"الحقنا يا بشمهندس ممدوح! موقع مشروع النخيل بيتحرق! فيه رجالة غريبة ملثمة هجموا على كرفان المكاتب وولعوا في ورق الحسابات وعقود الاستلام.. النار مسكت في تشوينات الخشب والحديد والموقع كله بيتحول لرماد!"
​في قلب جهنم المشتعلة

​انتفض ممدوح واقفاً كالبرق، وشحب وجهه حتى صار كلون الورق: "أنا جاي حالاً يا عماد.. اطلب المطافي فوراً وابعِد كل العمال عن مكان الحريق، متخلوش حد يجازف بحياته!"
​سمعت صابرين كل كلمة تفوه بها عماد عبر الهاتف المرتفع صوته، ووقفت وهي تشعر برعب يجمد الدماء في عروقها: "أنا جاية معاك!"

​رد ممدوح بحسم وقسوة لم تعهدها منه وهو يتجه مسرعاً نحو الباب: "مستحيل! الموقع خطر ومشتعل بالكامل دلوقتي، وشاكر بيلعب آخر وأخطر كروته ومش هيسمي على حد. خليكي هنا في أمان يا صابرين."

​لكن صابرين جذبت سترتها بسرعة وبنبرة قوية تحاكي "الأستاذ صابر" في أوج صرامته، لكنها هذه المرة كانت ممزوجة بخوف حقيقي جارف على ممدوح:
"الشركة دي حاجتي ولحم كتافي، والورق اللي بيتحرق هناك ده هو براءتي وبراءتك وضمان إننا نخلص من الكابوس ده.. مش هسيبك تروح لوحدك للموت يا ممدوح، رجلي على رجلك!"

​انطلقت سيارة ممدوح بسرعة جنونية، تشق شوارع القاهرة نحو الأطراف حيث يقع مشروع النخيل. كانت خيوط الليل قد بدأت تتشابك، والسماء البعيدة تتوهج بلون أحمر قانٍ ومرعب يعكس ألسنة اللهب الغاضبة التي التهمت أفق الموقع.
​عندما وصلا، كان المشهد يفوق أبشع الكوابيس. الدخان الأسود الكثيف يخنق الأنفاس ويملأ الأجواء، وصوت طقطقة الخشب المحترق يصم الآذان. كان العمال يجرون في كل اتجاه، يحاولون يائسين إخماد الحريق بجرادل المياه وخراطيم بدائية الصنع قبل وصول سيارات الإطفاء التي تأخرت بسبب بعد المكان.

​نزل ممدوح من السيارة كالشهاب، وتوجهت عيناه فوراً نحو كرفان الإدارة الخشبي الذي كانت النيران تحيط به كأفعى عملاقة تلتهمه من كل جانب.
​صرخت صابرين بقهر وهي تحاول الإمساك بيده: "ممدوح! رايح فين؟ الكرفان هينهار في أي لحظة!"
​هتف ممدوح وهو يمزق قطعة من قميصه ويبللها ببعض الماء ويغطي بها فمه وأنفه:

"فيه نسخة تانية من عقود التوريد الأصلية والدفاتر السرية في الخزنة الحديد جوا الكرفان.. لو الورق ده اتحرق، شاكر هيطلع براءة زي الشعرة من العجين ومدحت هيغير أقواله في النيابة وضاع كل تعبنا!"
​وبدون انتظار، اندفع ممدوح داخل الكرفان المشتعل وسط سحب الدخان الكثيفة الرمادية.

​في الداخل، كانت الرؤية شبه منعدمة والحرارة لا تطاق. شعر ممدوح برئتيه تحترقان بفعل أول أكسيد الكربون. زحف على الأرض مستعيناً بذاكرته البصرية للمكان حتى وصل إلى الخزنة الحديدية الصغيرة في زاوية المكتب. بأصابع يرتجف منها اللحم من شدة السخونة، استطاع فتحها بعد محاولات مضنية، وجذب الملفات الحيوية ووضعها بسرعة داخل جاكيته الجلدي ليحميها ببدنه.

​لكن في تلك اللحظة الحاسمة، أصدر سقف الكرفان صوتاً مرعباً كأنه زئير وحش، وانهارت كتل خشبية ضخمة مشتعلة لتسد مخرج الباب الوحيد تماماً، محاصرةً ممدوح في زاوية ضيقة والنيران تقترب من أطراف ثيابه!

​في الخارج، كانت صابرين تقف والدموع تجمدت في عينيها من فرط الرعب. عندما رأت السقف يهوي وسد الباب، لم تفكر في شيء.. لم تتذكر قسوة والدها ، ولم تتذكر عقدتها القديمة من الرجال وخوفها من الخيانة، ولم تبالِ بقناع الصرامة والبدلات الواسعة التي ارتدتها لسنوات لتخفي وراءها ضعفها.

​في تلك اللحظة، لم يكن في عالمها سوى رجل واحد.. الرجل الذي حماها، وصدقها، وبذل روحه لأجلها دون مقابل، وهو الآن يختنق خلف جدار الموت.
​صرخت صابرين بأعلى صوتها، صوت أنثوي خالص ومفجوع يمزقه الوجع والرهبة:
​"ممدوووووح!"

​وبلا وعي، اندفعت نحو الكرفان الملتهب. حاول العمال الإمساك بها بقوة خوفاً عليها، وهي تصرخ فيهم بعنف وهستيريا لم يروها منها قط:
"سيبوني! سيبوني بقولكم! هيموت جوا.. مش هسيبه يضيع مني!

​أفلتت منهم وأمسكت بقطعة خشبية طويلة وصلبة، وبقوة إعجازية نبعت من حبها وخوفها، بدأت تضرب بكل عزمها في ألواح الصاج الجانبية للكرفان لتحطيمها وإيجاد ثغرة. تأثر العمال بدموعها وبسالتها، فاندفعوا فوراً لمساعدتها مستخدمين فؤوساً وقضباناً حديدية، وضغطوا بكل قوتهم حتى انثنى الصاج وتهاوى، ليتدفق الدخان الكثيف الأسود إلى الخارج كالمارد.

​ومن وسط تلك الظلمة والنار، خرج ممدوح يترنح، يندفع منه السعال بشدة وهو يستنشق الهواء النقي بصعوبة، وجاكيته ممتلئ بالرماد والندوب، لكنه كان يقبض على الملفات بيدين مرتعشتين كأنه يقبض على كنز حياته.
​لم تتمالك صابرين نفسها؛ ارتمت في أحضانه بقوة أمام جميع العمال دون أن تهتم بأي قناع، أو هيبة، أو نظرات متبادلة. كانت تبكي بنشيج مرير وشهقات متتالية، وتتحسس وجهه وعينيه ويديه للتأكد من أنه حقيقة وليس سراباً:
"أنت كويس؟ رد عليا يا ممدوح.. أبوس إيدك كلمني.. لو كان جرى لك حاجة أنا كنت هموت وراك!"

​ابتسم ممدوح رغم السعال الحاد الذي كاد يمزق صدره، ونظر إلى عينيها اللتين انقشع عنهما قناع "الأستاذ صابر" تماماً لتظهر مكانهما صابرين الحقيقية الباكية رقة وحباً، وقال بصوت مبحوح ودافئ:

"أنا بخير.. طول ما أنتي جنبي وبتحاربي  عشاني.. وبراءتنا أهي، في إيدي ومحدش هيقدر يلمسها."
​نهاية الذئب
​في تلك الأثناء، دوت سرينات سيارات الإطفاء التي وصلت أخيراً مع قوات الشرطة لتطوق الموقع بالكامل وتسيطر على ما تبقى من الحريق.

​ما لم يكن يعلمه شاكر المقاول، هو أن الشرطة كانت تضع هواتفه وهواتف رجاله تحت المراقبة اللصيقة بعد اعترافات مدحت التفصيلية. تم القبض على رجاله الملثمين متلبسين في قلب الموقع وبحوزتهم عبوات البنزين.
​أما شاكر، فقد حاول الهروب بسيارته الفارهة عبر الطريق الدائري بسرعة جنونية، ظناً منه أنه سينجو كالعادة. لكنه فوجئ بكمين متحرك من سيارات الشرطة يغلق عليه كل المنافذ. ترجل ضابط المباحث بخطوات واثقة، وقيد يديه بالحديد وسط ذهوله وانكساره، قائلاً بنبرة صارمة حاسمة:
​"اتفضل معانا يا معلم شاكر.. منورنا بتهم التزوير، والاختلاس

​في مكتب صابرين، كانت خيوط شمس الصباح الدافئة تدخل من النوافذ الزجاجية الكبيرة لتغمر المكان بنقاء ونور فريد.
​كانت صابرين تجلس خلف مكتبها، لكنها لم تكن ترتدي تلك البدلة الرمادية الواسعة ذات الأكتاف الضخمة، بل ارتدت فستاناً بسيطاً أنيقاً يبرز رشاقتها وأنوثتها التي دفنتها لسنوات خلف جدران الخوف. وشعرها الأسود الحريري كان منسدلاً بنعومة على كتفيها، تاركاً لوجهها فرصة السطوع بلا غطاء أو كاب.

​دخل ممدوح المكتب، وتوقف عند الباب مذهولاً، متأملاً ملامحها التي تفتقت كأجمل زهرة في بستان الربيع. ابتسم بدفء وقال بمداعبة:
"أنا داخل مكتب الأستاذ صابر ولا أنا غلطان في العنوان يا فندم؟"

​ضحكت صابرين ضحكة صافية من أعماق قلبها، ضحكة لم تسمعها جدران هذا المكتب من قبل. وقفت وتقدمت نحوه بخطوات واثقة، تملؤها الرقة والأنوثة، وقالت بصوت عذب:
"الأستاذ صابر مات يا ممدوح.. ودفنته في أرض مشروع النخيل مع الرماد والقناع بتاعه. مفيش غير صابرين.. البنت اللي عاشت طول عمرها خايفة من الدنيا ومن كلام الناس، لحد ما لقيت الراجل الحقيقي اللي يحميها ويخليها تحملكة."

​مد ممدوح يده برفق، وأمسك يدها الدافئة، ونظر في عينيها اللتين تشعان حباً وأملًا وقال:
"والليل مبيستخباش ورا الكاب يا صابرين.. والنهارده، الشمس طلعت علينا سوا، ومش هتغيب تاني أبدًا."

لم يكن البشمهندس عزت مجرد خالٍ عادي في حياة صابرين؛ بل كان طوق النجاة الحقيقي الذي أرسله القدر لها ولأمها الثكلى بعد تلك الليلة المشؤومة التي حزم فيها والدها حقائبه ورحل بلا عودة، مخلفاً وراءه طفلة بريئة لم ترتكب ذنباً سوى أنها ولدت أنثى.

​كان عزت هو من مسح دموع أمها، وهو من حمل صابرين على كتفيه في أولى خطواتها بالمدرسة، وهو من علمها أصول الهندسة والبناء. كان الأب الذي لم ينجبه صلبه، والدرع الحامي الذي حال بينها وبين قسوة المجتمع ونظرات الشفقة.
​لذا، كان خبر تماثله للشفاء وخروجه من المستشفى هو الجائزة الكبرى التي توازي، بل تفوق، نصرها على شاكر المقاول.

​في صباح ذلك اليوم المشمس، وقفت سيارة ممدوح أمام باب المستشفى الفاخر. ترجل ممدوح وفتح الباب الخلفي بحفاوة، لتخرج صابرين بفستانها الأنيق ووجهها المشرق الذي تخلص من كآبة السنين.
​على كرسي متحرك، كان البشمهندس عزت يخرج يحيطه الممرضون، يرتدي جلباباً أبيض يفيض وقاراً، ووجهه الذي أنهكه المرض يبتسم بنور دافئ ما إن وقعت عيناه على ابنة أخته.

​اندفعت صابرين نحوه، وتناست تماماً كبرياء "الأستاذ صابر" وصلابتها القديمة. جثت على ركبتيها أمامه، وأمسكت بيديه المجعدتين تقبلهما بدموع تنهمر رقةً وعرفاناً:
​"حمد الله على سلامتك يا غالي.. حمد الله على سلامتك يا أبويا، وسندي، ونور عيني. الشركه كانت ضلمة من غيرك، و كنت يتيمة و تايهة."
​وضع عزت يده المرتعشة على رأسها، ومسح على شعرها المنسدل بحنو غامر، والدموع تترقرق في عينيه وهو يتأمل هيئتها الجديدة:

"الله يسلمك يا قلب خالك.. يا بنتي اللي مخلفهاش صلبني لكن كتبها ربي في قلبي. صابرين.. أنتي رجعتي بنت؟ رجعتي زي ما كنت بتمنى أشوفك ديماً؟"
​أومأت برأسها وهي تبكي وتبتسم في آن واحد:
"خلاص يا عمي.. القناع اتكسر والنار حرقته. مفيش صابر تاني.. مفيش غير بنتك صابرين اللي ربيتها على إيدك."
​نظر عزت إلى ممدوح الواقف خلفها بابتسامة احترام وتقدير، وقال بنبرة متهدجة:

"تعال يا ممدوح.. قرب يا ابني."
​خطا ممدوح نحوهما وانحنى ليصافح عزت بحرارة، فما كان من عزت إلا أن أمسك يد ممدوح ووضعها فوق يد صابرين، وقال بقلب أبٍ يوصي على أثمن ما يملك:
​"أنا ربيتها يا ممدوح بعد ما سابها اللي من دمها.. ربيتها على الصدق والشرف، وجيت أنت وحميتها لما الدنيا اسودت في وشها. الأمانة دي غالية أوي يا ممدوح.. وأنا شايف في عينيك إنك قد الأمانة."

​رد ممدوح بنبرة قاطعة تملؤها الرجولة والصدق:
"في رقبتي يا بشمهندس عزت.. صابرين في عيني وقلبي، ومستعد أفديها بعمري زي ما ربنا قدرني ونجيت معاها من وسط النار."
​أصر البشمهندس عزت على أن تكون وجهته الأولى هي الشركة، ليعلن للجميع عودة الحق لأصحابه.
​عندما دلف الثلاثة من البوابة الرئيسية؛ كان المشهد مهيباً. اصطف الموظفون والعمال في الممرات على الجانبين، وعلت الهتافات والتصفيق الحار ترحيباً بشفاء صاحب الشركة الكبير "البشمهندس عزت"، وترحيباً بالمديرة الجديدة "البشمهندسة صابرين" في ثوبها الأنثوي الساحر.

​سارت صابرين بجانب خالها الذي كان يتكئ على ذراع ممدوح بخطوات فخورة. كانت صابرين تشعر لأول مرة بأنها لا تحتاج لأن تخفي ملامحها الرقيقة لتكسب الاحترام؛ فالاحترام كان يفيض من أعين الجميع تقديراً لذكائها، وشجاعتها، ونقاء معدنها.
​توقفت صابرين وسط الممر الكبير، وتوجهت بحديثها

 للموظفين بصوتها العذب القوي:
"شكراً لكل حد فيكم وقف جنب الشركة دي في محنتها. الأيام الصعبة عدت، والنهاردة بنبدأ صفحة جديدة.. صفحة مفيهاش خوف، ولا فيها أقنعة. الشركة دي هتكبر بيكم ومعاكم، وأبواب مكتب الإدارة مفتوحة للكل من النهاردة."
​تعالت صيحات الفرح والتصفيق، وأدرك الجميع أن الشركة لم تنقذ من الإفلاس فحسب، بل ولدت من جديد بروح شابة وعادلة.

​في مكتب الإدارة: تسليم الراية
​دخلوا جميعاً إلى المكتب الكبير. جلس عزت على مقعده الوثير وخلفه لوحة معمارية ضخمة لمشروع النخيل. نظر إلى صابرين وممدوح وقال بنبرة هادئة تحمل حكمة السنين:
"يا ولاد.. أنا عشت عمري كله ببني في الكيان ده، والنهاردة وأنا شايفكم سوا، قلبي مطمن إن الراية هتنزل في إيد أمينة. أنا هكتفي بالإشراف والنصيحة من بعيد، والشركة من النهاردة مسؤوليتكم بالكامل."

​التفت إلى ممدوح وأردف:
"ممدوح.. أنت شريك رسمي في الإدارة والمشروعات من النهاردة، وبكرة المحامي هيخلص كل الإجراءات ونسب الشراكة. وصابرين.. هي رئيسة مجلس الإدارة وصاحبة الكلمة الأولى والأخيرة."
​ابتسمت صابرين ونظرت إلى ممدوح الذي بادلها نظرة مليئة بالوعد والدعم، وقالت لخالها:
"طول ما أنت معانا وبتدعي لنا يا عمي.. الشركة دي هتوصل لأكبر مكانة في السوق، وبكرة تفرح بينا وبنجاحنا

تعليقات



<>