رواية لا تقترب كثيرا الفصل الثامن8 بقلم إيمان بلقاسم

رواية لا تقترب كثيرا الفصل الثامن8 بقلم إيمان بلقاسم
الجزء الثامن :
لم يكن البرود موجعًا لأنه قاسٍ.
بل لأنه لا يحمل أي معنى.
مرّت الأيام بعد عودة ليل إلى حياتها القديمة.
لكن شيئًا واحدًا لم يعد كما كان.
جواد.
لم تعد زياراته للبيت عادية.
ولا حضوره عابرًا كما في السابق.
كان يأتي كثيرًا… بحجج مختلفة.
أحيانًا مع ابن خالها.
أحيانًا بالصدفة.
وأحيانًا بلا سبب واضح حتى لنفسه.
كان يراها.
لكن ليس كما قبل.
كانت ليل هادئة.
مختلفة.
تتكلم أقل.

تبتعد أكثر.

لا تلاحقه بنظراتها.

ولا تدخل في مزاح طويل كما في السابق.

وهذا تحديدًا…

ما بدأ يزعجه دون أن يفهم لماذا.

في البداية قال لنفسه:

"هي فقط تغيّرت."

ثم قال:

"ربما نضجت."

ثم قال:

"هذا أفضل."

لكن مع الوقت…

لم يعد مرتاحًا لهذا “الأفضل”.

كان ينتبه لتفاصيل صغيرة لا يفسرها:

صوتها عندما تتكلم مع غيره.

كيف لا تنظر إليه مباشرة كما كانت تفعل سابقًا.

كيف تمر بجانبه وكأنه مجرد شخص في العائلة.

وفي أحد الأيام…

جلس مع ابن خالها في الخارج.

قال جواد وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا:

ليل صارت غريبة هذه الفترة.

نظر إليه ابن خالها بهدوء:

غريبة كيف؟

لا أعرف… باردة أكثر من اللازم.

سكت ابن الخال قليلًا.

لم يبتسم.

لم يعلّق بسرعة.

ثم قال بهدوء:

ربما لأنها لم تعد ترى سببًا لتكون كما كانت.

نظر له جواد باستغراب:

ماذا تقصد؟

أقصد… أن بعض الناس عندما يشعرون أن مكانهم لم يعد مهمًا عند أحد، يتوقفون عن محاولة لفت الانتباه.

سكت جواد.

لم يعجبه الكلام، لكنه لم يملك ردًا.

مرّت الأيام بعدها.

وزادت المسافة.

بدون خلاف.

بدون حدث كبير.

فقط برود طبيعي.

حتى جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء داخله.

كان في زيارة عادية للبيت.

دخل الصالة.

كان هناك ضيوف.

وضجيج عائلي.

لكن عيناه توقفتا فجأة.

رآها.

ليست ليل القديمة.

بل ليل الجديدة.

هادئة.

منظمة.

بملامح ثابتة.

تجلس وتتحدث بشكل طبيعي مع العائلة، دون أي اهتمام زائد بوجوده.

شيء غريب حدث داخله.

لم يكن غضبًا.

ولا فرحًا.

ولا حزنًا واضحًا.

بل فراغ مزعج.

كأن وجوده فقد تأثيره عليها بالكامل.

قال في نفسه:

"لماذا هذا يزعجني؟"

وسكت.

لأنه لم يجد جوابًا.

بعد أيام…

جاء الخبر.

خاطبها شخص مناسب.

هادئ.

مستقر.

من عائلة محترمة.

لم يعلق جواد في البداية.

قال:

عادي.

لكن كلمة “عادي” لم تكن صادقة حتى في داخله.

ثم جاء يوم الرؤية الشرعية.

دخل الصالة متأخرًا قليلًا.

لم يكن يفكر أنه سيبقى طويلًا.

لكن شيئًا ما أبقاه.

جلس في زاوية.

يراقب فقط.

بدون نية.

بدون خطة.

دخلت ليل.

هذه المرة لم يكن هناك أي “انبهار”.

ولا لحظة سينمائية في نظره.

كانت فقط… هي.

لكن المشكلة أن هذه “هي” أصبحت مختلفة تمامًا عن الصورة التي اعتادها داخله.

كانت تجيب.

تسمع.

تختار كلماتها بهدوء.

كأنها تعرف تمامًا أين هي وماذا تريد.

وهنا…

بدأ شيء غير مفهوم يتشكل داخله.

ضغط خفيف في صدره.

ضيق بلا سبب منطقي.

انزعاج.

صمت داخلي غريب.

لم يقل لنفسه: “أنا أحبها”.

لم يكن يعرف هذا المصطلح داخليًا في تلك اللحظة.

كل ما عرفه هو:

"لا أريد أن يحدث هذا."

تحرك فجأة من مكانه.

كاد يقاطع الجلسة.

كاد يقول أي شيء.

لكن ابن خالها لاحظه.

اقترب منه سريعًا.

وأمسك به بهدوء.

لا.

نظر إليه جواد بانفعال:

ماذا يعني لا؟

يعني لا تتدخل.

هي تمشي الآن أمامي!

رد بهدوء:

وهي أيضًا تمشي نحو حياتها.

سكت جواد.

لكن داخله كان في فوضى لأول مرة.

ليس لأنه خسرها…

بل لأنه فهم متأخرًا أنه لم يكن يعرف ماذا كانت بالنسبة له أصلًا.

انتهت الجلسة.

انتهى اليوم.

وبقي هو واقفًا في مكانه أكثر من الجميع.

في الليل…

ذهب إلى البحر.

هذه عادته عندما لا يفهم نفسه.

جلس.

نظر للماء.

وقال بصوت منخفض لأول مرة:

لماذا هذا يؤلمني؟

وسكت.

كان الليل قد استقر بهدوئه المعتاد.

لكن داخل جواد… لم يكن هناك أي هدوء.

جلس في سيارته وحده.

لم يشغّل المحرك.

فقط أمسك هاتفه.

وتردد للحظة.

ثم اتصل.

الطرف الآخر كان ابن خالها.

أول ما جاءه الصوت قال جواد مباشرة، دون مقدمات:

ما الذي يحدث لي؟

صمت بسيط في الجهة الأخرى.

ثم جاء الرد بهدوء:

ماذا تقصد؟

أنا لا أفهم نفسي… ليل… كل شيء.

سكت قليلًا، ثم أضاف بصوت أقل ثباتًا:

لماذا أشعر أن شيئًا ينكسر عندما أراها تمضي؟

لم يضحك الطرف الآخر.

لم يسخر.

هذه المرة كان صوته مختلفًا.

أهدأ.

أثقل.

لأنك تأخرت في فهم ما كنت تشعر به.

سكت جواد.

ماذا يعني هذا؟

جاء الرد بوضوح هذه المرة:

يعني أنك تعلّقت بها أكثر مما كنت تعتقد.

تجمد جواد.

لم يقل “حب”.

لم يضع كلمة كبيرة.

لكن المعنى كان واضحًا بما يكفي ليصدمه.

وإذا كان صحيحًا…؟

سؤال خرج منه بصعوبة.

جاء الرد هذه المرة أطول قليلًا، لكنه ثابت:

ليس مهمًا إن كان صحيحًا الآن.

لماذا؟

لأنها لم تعد تقف في نفس المكان الذي تقف فيه أنت.

صمت.

ثم أضاف ابن خالها بصوت أقل حدة:

جواد… أنت تعرفها جيدًا.

نعم.

إذن يجب أن تعرف أيضًا أنها عندما تقرر تمضي، لا تنظر خلفها.

سكت جواد طويلًا.

كان يسمع الجملة، لكنه لا يريد أن يفهمها.

ماذا أفعل إذن؟

جاء الرد الأخير، حاسمًا، بلا قسوة لكن بلا تجميل:

تتركها.

هذا كل شيء؟

نعم.

ثم أضاف:

إذا كنت تحبها فعلًا… دعها تكمل طريقها دون أن تدخل كعقبة متأخرة.

انتهت المكالمة.
لكن الصوت بقي في رأسه.

أغلق الهاتف ببطء.

أسنده على المقود.

ثم بقي صامتًا.

ينظر أمامه.

لا حركة.

ولا قرار واضح.

فقط لأول مرة في حياته…

شخص مثل جواد لا يملك ردًّا على ما يشعر به.
قاد جواد سيارته بلا اتجاه واضح.
الطريق كان طويلاً، لكن عقله كان أطول منه بكثير.
أفكار متشابكة.
كلمات ابن خالها.
صورتها وهي تمضي في حياتها.
وشيء داخله لا يجد له اسمًا.
ثم فجأة…
في منتصف الطريق تقريبًا، خفّ الضوء من حوله.
وانفتح أمامه مشهد مختلف تمامًا.
مسجد.
هذا المكان.
في الداخل…
سكون مختلف.
نقاء ثقيل.
شيء لم يختبره من قبل.
تعليقات



<>