
« أنثـى .......... و رجــل »
« يُختبر الوفاء حين يخلو الطريق من سائريه ، و يبقى وحده أمام التساؤلات ، ينتظر منه الإجابة الصائبة ..
حيث لا تصفيق .. ولا ضجيج .. ولا شارات .. ولا عبارات الاستحسان ...
فى المعتاد ... يصطف الجميع صفوفًـا ، محملين بأقنعـة النفاق المحببة إليهم ..
و ما إن تنتهي الصفقة ، يتقلص عدد المعجبين رويـدًا رويـدا ... لتبقى حقيقة واحدة باقيـة :
من تبقَّى ؟! ومن انسحـب دون أن يلتفت ؟! »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
« مـزاجيـة ... متقلبة الفصـول
لا حدود لحديثها ... عفويتها هي سـر عشقـه لها ...
تتفرد بتميز يجعل من الإخلاص خصلة من خصال كثيرة تتعدد و لا تتكرر ...
تستطيع التأقلم ، و التكيف حيث تكون ...
تراهـا صديقة مخلصة تمنح الوفاء لغيدائها فى السر و العلن ...
و حبيبة تتلظى من عشق رجـل ، باتت لا تعي هل يحمل لها المشاعر أن البُغـض ؟!
رغم خذلان الأم ، إلا أنها عوضت تلك الغريزة بأب يَصُب عليها من الحنـان صبـا ....
أحيانًا عاقلة و خاصة بتواجدها مع الزهرة القرمزيـة
و أحيانًا غير ذلك ...
إلا أن القاعدة تقول ... هى البـريئة براءة الطفـال فضَّـاحـة ..... »
هبطت غيداء الدرج ، لتسمح لأهداب عينيها الطويلـة تحرر العبرات الحبيسة داخلها ...
حرصت على عدم لفت النظـر ، و إن كان يظن البعض شعورها بالإنهاك ، فلها كل الحق ..
ارتدت ثوب الهدوء كما العادة ، لتبتسم لرفيقتها رجاء
مصطحبة إياها إلى بوابة الجامعه الخارجيه ، قائلـة :
— معلش يا رجاء .. ممكن بس تساعديني اوصل الأوردرات لمكتب رئيس الجامعه ، و العميد و أعضاء هيئة التدريس ... عم شوقي السواق وصـل ..
أجابت رجاء فى ترحاب أثناء سيرها :
— طبعًا يا قلبي .. من عنـيا ؛ بس هو الدكتور والي كان عايزِك فـ إيه ؟!
أجابت غيداء فى ثبات :
— كان بيمليني أوردر مخصوص لضيوف عنده فـ البيت .. واضح إنهم قرايبه ..
ارتجفت رجـاء قائلة فى خوف يُعززه الغيرة :
— يا ترى قرايبه دول ، فيهم بنات ؟! معقول يكون خاطب واحدة فيهم ؟! و يكونوا جاييـن مخصوص يحددوا ميعاد الفرح ؟! ساعتها هعمل إيه من غيره ؟؟
و أنا اللي اختـرت أسماء ولادنـا ، و بدأت أهتم بكل كبيرة و صغيرة فى المطبخ ، علشان لما نتجوز ميروحش ياكل عند أمه ؛ و تقول عليا ست بيت خايبة ... تفتكري يا غيـداء ؛ هو ده السبب اللي خلاه يبُـص بره ، و يعرف عليا واحدة تانية ، و ينسى كل اللي بيننا ؟!
طب و العيال ... مجوش على بالـه .. ؟!
لأ .. أنـا كده همــــوت .... ردي عليا .. هو ده السبب ؛ ولا فيه أسباب تانيه تعرفيها و مخبياها عليا ؟!
شهقت غيداء من جنون رجاء الذى تعدى الحماقة و العفوية بدرجات لا تُقاس ؛ فى حين دمعت عيناها من فرط سوء الحظ الذى لا يزال يركض خلفها ...
حتى الصديقة الوحيدة التى تقربها تعيسة بائسـة !!
لتهتف فى كـدر :
— عايزة تعرفي السبب بجد .. هقولِك عليه و بصراحة .. إنتِ مجنونة يا رجــاء ... أيوه متبصليش كده .. إنتِ فعلاً مجنونه ... لما أقولِك الدكتور طلب مني أوردر لقرايبه ، و إنتِ تساليني إن كان فيهم بنات ، و فجأة بقيتي مراته .. ومش بس كده .. لأ كمان أم أولاده ... لأ ويطلع بيخونِـك .. يبقى ده إسمه إيه يا عاقلة يا راسيـة ؟!
يبقى اسمه جنان ... إنت كده مصممة تعيشي الكذبه و تصديقها ، لما هتبقى جزء من حياتك ، و تضيعِّي نفسِك .. فوقِي بقى .. إنتِ مش الإنسانة الوحيدة اللي حبت واحد محبهاش أو لسه معترفش بمشاعره ...
لو فضلتي على وضعِك ده ، أنا هضطر أبعد عنِك ... أنا تعبانة يا رجاء ، و عندي مشاكل بما فيه الكفايه ..
كنت فاكراكِي هتكوني الجذع اللي أتسند عليه وقت التعب ... طلعتي إنتِ التعب نفسه ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« رأفـة .. و فترة استراحة نسرقها من الزمن ..
نتأثر بالمقولة الشهيرة :
‹ وإذا أحببتمونـا ، فاجعلوا الحب كما هـدوء النهر ... لا كما جنون السـيول..
وإذا فارقتمونـا ، فامسحوا عنا الدموع قبل أن تمضوا ... وأغلقوا الأبواب برفق ، فخلفه قلب يئن ... ›
يا من قررتـي الرحيـل بكلماتٍ صادمة ، و أجهضتي الإتزان بحروفٍ لو ازداد الصدق فيها ، لكانت عليكِ وبـال لا يرحم ...
نبهتُكِ مرارًا و تكرارًا ألا تعبثي مع القـدر ، و امضِ حيثُ تُؤمرين .. ولا تنفكِ عن قول :
‹ اللهم إن كان لي فيه الخير فقربـه مني ، و اجعل لي فيه الصلاح ... و إن لم يكن ؛ فباعد بيني و بينه كما باعدت بين السماء و الأرض ›
لكنني لم أفعـل .. لذا إن قررت عزيزة قلبي الرحيل عني ، فلها كل الحقوق .. »
ارتمت رجاء فى أحضان غيداء تبكي بغزارة على ما آل إليها من عشق وصل لحدود الإدمان ..
نعم هي الكلمة الصائبـة .. لقد أصبحت مدمنة بعشق ابن الحديدي " الأستاذ الجامعي " معذب قلبها " والـي "
— سامحيني يا غيد .. أرجوكي سامحيني ... أنا عارفه إني غبية ، و مبتعلمش ... عبيطة و ساذجة .. مشاعري سيقاني ... أنا عارفه إني لو طلبت منِك فرصة تانيه هكون طماعه ؛ بس والله آخر مرة
أوعدِك مش هسمح لحبه يضعفني أكتر من كده .. هـركز على دراستي ، و مستقبلي و بس .. مصدقاني ...؟!
هتهديني فرصة المرة دي كمان ؟!
ضمتها إلى صدرها فى حنان كما طفلة تنشد الأمان ، لتهمس فى أذنيها :
— ولا تزعلي نفسِك يا حبيبتي ... أنا لا يمكن أبعد عنِك .. أنا بس بهددِك خوفًـا عليكي .. إنتِ طالبة ممتازة يا رجاء ، و بدأتي من كتر ما إنتِ مشغوله بيه ، تفقدي السيطرة على مشاعرِك .. و تسيئي تقدير الأمور .. و ده أكبر غلط ....
لو بيحبك هيطلب إيدِك .. الباب مش الشباك يا عمري ...
يلا بقى .. نسلم الأوردرات .. كده هتبرد و يضيع عليا المجهود ، و ساعتها هشيِّلِك تمنها ...
تساءلت رجاء فى مشاكسة :
— جيب السبع ميخلاش ... وياترى تمنهم كام كلهم ؟!
أجابت غيداء بضحكة مرحة انتبه لها الدكتور والي من أمام النافذة الزجاجية لمكتبه :
— عايزة تحسبيلِي يا بت ، و تعرفي أرباحي كام ؟!
بادلتها رجاء الضحكة قائله :
— أنا وِش ذلك ... أستغفر الله ..
أضافت غيداء لتكتمل الضحكة الصبوحة :
— إنتِ ذلك نفسه يا ريجــو ....
و من الأعلى ... يقف والي بهامته ، و جسده الممشوق هامسًا فى تساؤل :
— يا ترى إيه السبب الحقيقي اللي جابك يا بأس الجامعه ؟!
و فى الحـال ... سحب هاتفه النقال للإتصال بشقيقه الأكبر ، و البحث خلف حضوره الغامض .. علـَّه يعرف منه ما لا يُفصِح
رنيـن متواصل ... ثم كلمات التحية
— ألــو ... أيوه يا والي .. خير ؟!
همهـم والي بتقطع :
— ولا حاجة .. كنت بتصل بيك عادي .. علشان .. علشان أطمن على نائـل حبيب عمه .. لو جنبك خليه يكلمني ...
اتسعت ابتسامة بـأس حين فهم السبب الخفي لاتصاله ، و لكن ما لم يفهمه هو تلاعب أخيه و مواربـة الحديث ، وهو المعروف عنه بعدم القدرة على الخداع لصراحته الشديدة ، إلا أنه نادى على صغيره نائـل الذى كان فى قمة انشغاله بجهازه اللوحي الإلكتروني ...
لم ينتبه الصغير فى البدايه إلى نداء والده المتكرر .. ولذلك استقام والده و ذهب صوبه لمعرفة أي أمر هذا الذى استولى على كامل تركيزه ..
وحينما ذهب إليه .. استولت عليه الدهشة ، فـ نائلِـه الحبيب كان على موعد مع الفن ... يرسم بجدارة صورة لفتاة ..
يعلم المقربون إليه أنه قد ورث الموهبه من أبيـه ، فقد كانت أنامل بـأس الذهبية فى مجال الرسم أشبه بالرسام الشهير " مايكـل أنجلـو "
و قد أورث ابنه تلك الموهبة ، إلا أن ما رآه على الجهاز اللوحي أغرب بل أجمل ما رسم على الاطلاق
ليتأمل بأس الرسم بإنبهـار ثم قال :
— مين اللي إنت رسمتها دي يا نائل ؟!
أجاب الصغير بوداعة طفوليه :
— دي طنط تفاحة اللي كانت عندنا فى القصر ..
بإستغراب .. من اللقب الذى أطلقه نائل على غيد ، فقد انتبه إلى تشابه الصورة بها وخاصة اللون الأحمر القاني على وجنتيها اليسرى
— إحنا كان عندنا واحدة اسمها تفاحة ؟! مين دي ؟!
تعالى هتاف والي الذى ظل ينادي عبر الهاتف :
— يا بـأس ... يا نائل ... حد يرد عليا يا جماعة ... أنا بكلم نفسي ولا هو نساني خالص .. ؟! يكون دخل اجتماع كالعادة وسايب الخط مفتوح ؟! أكيد فهم سبب اتصالي بيه .. ؟! أنا كده مبعرفش أخبي ، و لا هو كمان بيخفى عليه حاجة
— يا بابي .. طنط تفاحة اللي وشهـا احمر ، و كنت بتكملها مع مامتها ، و طنط دارين زعقتلها ...
بابي أنا عايزك تطلب منها تيجي تاني ، علشان أنا حبيتها أوي ... و عايز كمان أفرجها على الصورة
تفتكر يا بابي هتعجبها و تقول نائل شاطر ولا لأ ؟!
ابتسم بـأس ثم قال :
— الصورة جميلة جدًا يا حبيبي ، و أكيد هتعجبها ... لكن مش عارف إذا ممكن توافق ترجع من تاني ولا لأ ؟!
هسألها و أشوف ... و لو رفضت إيه رأيك إنت اللي تطلب منها !!
ثم وضع الهاتف على أذنيه قائلاً:
— أظن إنت سمعت الحوار كله ، و اتاكدت كمان إني عارف و فاهم سبب اتصالك ...
استسلم والي أمام فطنة أخيه و دهائه ، ليزفر قائلاً:
— طيب .. بما إنك فاهم و عارف .. إيه السبب اللي خلاك تيجي الجامعه ، و إيه اللي إنت قولته لغيداء ده ؟!
إدعى بأس المراوغة و النفور ، ليقول :
— و أنا قولتلها إيه يعنى ؟!
أجاب والي فى جدية :
— بتقولها إنك مش هتعتذر ، و إن محصلش حاجة للإعتذار ... و بعدين تعالى هنا .. إنت اعطيتهم الحساب بتاعهم ولا لأ ؟!
تحدث بـأس بصرامته المعتادة ، ليتغير أسلوبه كليًا :
— أولاً إنت مش فـ موقع تحاسب أخوك الكبير .. ثانيًـا أنا مقولتهاش إني مش هعتذر ، يجوز هي فهمت غلط ، أو كانت منتظرة تصرف أنا لا يمكن أعمله ..
ثالثا ... الحساب بتاعهم جاهز بالمكافأة من قبل ما تدخل القصر و تشتغل كمان ... تقدر تتفضل تيجي الشركة تستلمه ...
استنكر والي حضور غيداء أو أمها للمطالبه بالحساب ، ليقول فى ضيق :
— يعني إيه تيجي تاخد حسابها .. لأ طبعًـا مينفعش .. خلاص ؛ أنا هحاسبها بنفسي ..
زمجر بأس فى غضب قائلاً:
— أنا اللي كلفتهم بالشغل ده ... يبقى حسابهم على مسئوليتي ... لو إنت اللي عرضته عليها ؛ مش هتوافق ؟!
ضغط والي على أسنانه من شدة الغيظ ، ليردف :
— و برضه لو طلبت منها تيجي بنفسها الشركة تستلم حسابها مش هتوافق ... أنا عارف غيداء كويس .. هسلمهولها بنفسي فى الجامعه على انفراد ...
استشاط بأس غضبًـا ، لكنه أضمره فى نفسه ليقول فى هدوء مزيف :
— و أنا بقولك مش هتوافق تاخد منك حاجة ... أنا فاهمها أكتر منك .. جرب و هتشوف ....
أنهى والي الاتصال بعد موجة من الحنق ، ليزفر أنفاسه الحارة ، هامسًا :
— نفسي أعرف إيه اللي فـ دماغك .. مصمم تذلهـا ليه كده ؟! مش كفايه أنقذت الموقف هي و أمها ... والله ما تستاهل أبدًا اللي حصل ولا المعاملة دي ...
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
***************
« عندما يستوطنُ الحقـد قلب إمرءٍ ، لا يعود للضمير يقظة ، و لا لدماء الإنسانية التى تنسابُ داخل الشرايين من دليل على كونه إنسان يحيا برزقه الذى كتبه الله لـه ، بل يصيرُ ليلاً أسودًا ...
ظلام يَقطرُ من ضغائن ولَّـدَها النقص ..
هناكَ… في تلكَ العتمةِ التي غلفت قلوب مالكي عدد من المطاعم الذين اعتادوا الطاولات الشاغرة بالمرتادين .. والآن باتت بوجود وجبات " غنـوة الغيـد " فارغـة من الزائرين ....
خلعُ جميعهم وجوههم الحقيقة ، و كشفوا عن هوية الذئاب البشرية الذين فى سبيل المال يمحقون أي شيء يقف أمام طريق أرباحهم ...
و ها هي غيداء الجميلة المستكينة الهادئة تواجه موجة جديدة من الحرب ... حرب لا شرف فيها ..
فقط إما ربح للطرف الأقوى ، و ضياع وتلاشي للطرف الضعيف ... »
أنهت غيداء محاضرات اليوم ، لتقرر الرحيل بعد جلسه لطيفه من زميلتها الحميمة رجاء ... ناهيك عن بعض المشاركات من باقي الزملاء للتهنئة على وجبـاتها الطيبة التى تزداد حلاوة فى المذاق يومًا بعد يوم ..
و قد قررت غيداء خلال تلك الجلسة الرحبة إضافة بعض الأصناف الأخرى الجديدة محل رغبة العملاء ، لتطول قائمة الطعام إلى إثنين و تسعين صنفًا ....
ثم سجلت الطلبات اليومية فى دقة ، و تسلمت حسابها بالكامل كما اتفقوا ... لتقرر العودة إلى المنزل ...
اشتاقت لغنوتها كثيـرا ... هي الـزاد و الـزواد ...
الروح و القلب الذي ينبض ... البداية و المنتصف ...
و النهـاية ؛ تحت قدميها تسكُن الجِنـان .....
« بين رغبـةٍ أن تمر في الدنيا كغيمةٍ خفيفة لا تؤذي أحدًا .... و شر ينطوي بالقلوب المريضة الحاسدة الحاقدة ..
هي منظومة الحياة ... تعلو و تهبط .. و إن فُزت بالمكانة ، فالغير لا ينتظر كثيرا .
يفعل و يفتعل الجرائم لو تطلب الأمر ، ليجذبك من جديد إلى الأعماق ...
و ما بين واقعٍ يستدرجها بكل قوته إلى النجاح الباهر ، و الشهرة ...
كان يتربص بها أسوء نسخة من بني البشر ..
العاجـزون ... الناقصـون ، بالمكائد و الشـرور يقتاتـون .. يشتعل صراع صامت وشرس .. المنتصر الوحيد فيه هو من تمسك بنور قلبه و مبادئه .. و يرفض أن يصبح جزءً من ظلامهم ...
الفـوز الحقيقي هو أن تبقى أنت كما يجب أن تكون .. »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
تسير ثابتة الخطى .. ثم توقفت على ركن الطريق تنتظر إحدى سيارات الأجرة التى تُقلها لبيتها الدافيء ..
طـال الإنتـظار و طـال .. و لا تزال غيـداء على وقفتها
إلى أن تحررت بقدوم سيارة " كونتيننتال جي تي " زرقـاء اللون يقودها ذاك الذى كانت بمكتبه منذ قليل ...
أوقف الدكتور والي سيارته إلى جوار الرصيف ، ثم وجه حديثه إلى غيداء فى احترام :
— تعالي يا غيداء أوصلِك ....
ابتسمت غيداء فى مودة ، شاكرة إياه فى تقدير ، لكنه لم يقنع بذلك .. وكيف يفعل وقد تربي على يدي والده الخلوق المتواضع " صلاح الدين الحديدي"
— بقولك تعالي أوصلِك .. مينفعش تفضلي واقفه كده ... النهارده فيه أزمة مواصلات ... يلا تعالي ..
إلا أن غيداء لا تزال على عفتها ، و كرامتها التى لا تمنحها حق مشاركة رجل سيارته ؛ و إن كان أستاذهـا الجامعي الذى تعلم أخلاقه الرفيعه جيدًا .
و لكن ما هو معروف بداخلها ، من نبتت على العادات القائمة و المقوله ‹ الأصـول لا تُحـزِن أحـد ›
ولكن ذاك النبيل لن يُقر بتنفيذ رغبتها فى رحيله تاركًا إياها بالعذاب تنتظـر ...
لذا ترجل عن سيارته فى رقي ، ثم فتح لها الباب المجاور له قائلاً:
— واضح إن طالبتي النجيبة نفسها تتعامل المعاملة اللي تستحقها ..
ابتسمت غيداء فى خجل من رقتـه و احترامه قائلة أثناء دلوفها إلى السيارة :
— و إيه هي المعاملة اللي أستحقها يا دكتور ؟!
أجاب والي بعدما إلتف ليفتح الباب المواجه له ، ثم تقلد عجلة القيادة ، و أشعل المحرك و انطلق :
— المعاملة اللي تليق بيكِي هي معاملة الملِكات يا برنسيس غيداء ...
« ماذا بــــها ؟!
يطرق هو على شغاف القلب ، و تخشى مجرد الفقد .. تخشى أن تنجرف إلى ما ليس لها .. أن تحيا ما لا يحق لها ... أن تتذوق شهد المشاعر ، و إن انتهت لا يتبقى سوى مرارة العلقـم ..!! »
— ميرسي يا دكتور .. بس مكنتش عايزة أعطَّل حضرتك .. ممكن تنزلي لأقرب مكان أركب منه ..
( جملـة بسيطة ، كانت كما وخز الإبر بصدر والي ، لتؤكد له أنها وحدها بأخلاقها الراقيه تلك .. هي الثرية ، و هُم الفقـراء .. )
ليهتف :
— عارفة يا غيداء ... أوقات بسأل نفسي إنتِ بشر زيِّنـا ، ولا من الحـور العين اللي ربنا هيكافيء بيهم عباده المؤمنين ؟!
أجابت غيداء فى غبطـة :
— أنا إنسانة بسيطة جدًا يا دكتور فوق ما تتخيل ... عشت عمري كله مليش متطلبات .. أمنيتي الوحيدة هي ربنا يبارك لي فـ أمي و يحفظهالي ، و لو مكنتِش هطمع ، ربنا يكرمني بالنجاح فى مشروعي و مستقبلي عمومًا ..
انتبـه والي إلى حلو حياة غيداء من مشاعر الحب التي تسعد بها الفتيات من ذوي عمرها ، ليقترض الجُرأة متسائلاً :
— إنتِ كأنثى فين من حياتِك كلها ... أنا عارف إنِك مهذبه جدًا ، و محترمة ... بل برضه جميلة ، ومن حقِك تحبي و تتحبي يا غيد ...
على فكره بقى .. ربنا كرمك بنعم مش موجودة عند غيرِك .. جمال القلب و الروح و العقل
جمعهم كلهم فى بنوتـة واحده ؛ اسمها لوحده كفايه ..
ده إنتِ حتى بقيتي جزء لا يتجزأ من بيت كل مصري ... يا بختَك يا اللي هتبقى من نصيبها ... هتعيش ملك ، وشبعان كمان ..
تهللت أسارير غيداء ، لتصدر عنها ضحكة صافيه ، رقص لها قلب والي دونًا عنه ... ليقول :
— على فكرة ضحكتِك جميله جدًا ... إنتِ كلك على بعضِك قمر يا غيداء ...
« هامت فى سماء المشاعر ...
كانت تبحث عن مأوى على هيئة رجـل ...
يحتويها ، و تُغدق عليه الحب و ملامح الأمل ..
كانت تبحث عن روح تشبه روحها ؛ وعقل يقرأ صمتها ، و جسد يأسرهـا ...
هكذا بحثت .. !!
لا تطلب معجزات السماء ، بل رجل حقيقي ، يخلع عنها سدود و حواجز ثبتتها داخليًا حولها كي لا تضِل أو تُضل»
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
ساد الصمت لما يُقارب نهاية الطريق ، تعصف به المشاعر ما بين اعجاب يُعززه التقدير .. و حب لأخرى على المحك !!
أي اختيار يفوز به الفـؤاد الغـيد أم الرجـاء ؟!
كلتاهما يطرقـا قلبه ، فأيُّ إمرأةٍ يـأذن لها بالدخـول ؟!
ظل والي على تساؤلاته ، لا إجابة ترأف بقلبه ، و لا معنى يستدل عليه ، ولا اشارة من دليل ... أيُّ الفتاتين لعابـه لها يسيل ؟!
اقترب والي من منزل غيداء ، بينما تذكر أجـر والدتها التي لم تحصل عليه ... ليتوقف إلى جانب الطريق قُـرب المنزل ، ثم قال :
— صحيح يا غيد ... إنتِ و والدتِك مشيتوا من غير ما تاخدوا حسابكم ؟! ده ظرف فيه مبلغ بسيط كده حساب و مكافأة بسيطة .. لكن صدقيني المفاجأة القيِّمة بجد هو تشريف والدتك القصر ... و صُحبتِك ليها
ابتسمت غيداء فى امتنان ، لكنها لا زالت على رفضها القاطع ... ثم أجابت :
— أنا طبعًا بشكر حضرتك على اهتمامك ، بس أرجوك يا دكتور اعفيني .. إحنا مش محتاجين فلوس حتى لو كانت حق والدتي .. بالعكس ؛ هي طلبت مني أشكرك و على لسانها بتقول لحضرتك .. اعتبرها جهزت الوجبات عندنا فى البيت ، و قدمتها كهدية شكر بسيطة على مجهود حضرتك معانا فى الجامعه و تشجيعك ليا فى بداية المشروع ...
( ثم هبطت من السيارة ؛ تتداركها عيناه المفعمتان بتقدير و مكانه جعلت قلب والي لها ينبض دون أن يشعر .. و قد أقسم على ألا يفتلها من بين يديـه ، لتكُن له زوجـة يفخر بها فى مستقبله ... )
ثم حانت على عقله صورة مشوشة لرجاء .. تلك الفتاة الحمقاء بعض الشيء التى لا تدخر من جهدها دقيقة فى سبيل جلب الضحكة على شفتيه
أين هو من اليقين .. ؟! إلى متى سيظل على حيرته ؟!
ماذا أفعل يا إلهي ... ؟! إني أستخيرُك فخيرني ...
نجمتـان فى كوكبٍ دُري ... كل منهما تلمع بريقها الأخاذ
و لهما القلب ينجذب ...
بمن يطلب النصيحة ، و لمن يشكو حيرته ؛ و عمن يُنادي
أريدكِ لي .. لقلبي .. لروحي ... زوجـةً و حبيبـــة .. ؟!