بعد شهرين من صدور الأحكام القضائية الرادعة ضد شاكر
ومدحت، أقيم احتفال ضخم في موقع "مشروع النخيل" بمناسبة إعادة إعماره وافتتاح المرحلة الأولى منه بنجاح باهر تحت إشراف صابرين وممدوح. كانت الأعلام ترفرف، وأضواء الزينة تملأ المكان الذي تفحمت فيه النيران يوماً ما، وكأن الحياة تولد من جديد من رحم الرماد.
وقف العمال يرحبون بالبشمهندس ممدوح والبشمهندسة صابرين اللذين وصلا معاً بحفاوة بالغة.
ابتعد الاثنان عن ضجيج الحفل، ومشيا باتجاه الهضبة المطلة على المشروع، حيث كانت أشجار النخيل الصغيرة تتمايل مع نسمات الغروب العليلة، والسماء تصطبغ بلون الشفق البرتقالي الساحر.
التفت ممدوح إليها، وأخرج من جيبه علبة مخملية صغيرة وفتحها برفق، ليظهر خاتم ألماس بسيطاً ورقيقاً يلمع تحت ضوء الشمس الغاربة.
اتسعت عينا صابرين بذهول وفرحة عارمة حبست أنفاسها.
قال ممدوح بعينين مليئتين بالحب والوعود الصادقة:
"يا صابرين.. عشنا سوا في وسط النار والرماد، وواجهنا الموت والظلم ومخافناش. النهاردة، وإحنا واقفين على أرض مشروع النخيل اللي شهدت ولادتنا الحقيقية.. تقبلي تبقي شريكة حياتي، وتكملي معايا الطريق للآخر.. كـ صابرين الملكة اللي قلبي اختارها؟"
انهمرت دموع الفرح الشفافة على وجنتيها كحبات اللؤؤ، ورسمت على شفتيها أجمل ابتسامة عرفتها حياتها. أومأت برأسها بالموافقة والقبول، وقالت بصوت يرتعش من فرط السعادة:
"موافقة يا ممدوح.. موافقة أكون معاك وجنبك طول العمر. أنت مش بس حمايتني.. أنت رجعتلي روحي اللي كانت ضايعة، وعوضتني عن كل لحظة رفض عشتها."
ألبسها ممدوح الخاتم، ثم رفع يدها وقبلها بحنو واحترام ليرتفع صوت تصفيق العمال والمهندسين من بعيد والذين كانوا يراقبون المشهد بفرحة عارمة وبمباركة الخال عزت الذي كان يقف بعيداً يرقبهم بابتسامة راضية تملأ وجهه الطيِّب.
نظرت صابرين إلى الأفق، حيث غربت شمس الأيام القاسية لتبشر ببزوغ فجر جديد مليء بالحب والأمان، وهي تعلم علم اليقين أن "الأستاذ صابر" قد رحل إلى الأبد، لتعيش مكانه "صابرين" الحرة، والدافئة، والمحبوبة في كنف رجل أحبها لذاتها.
بعد مرور ثلاثة أشهر على تلك الليلة التاريخية في مشروع النخيل، تزينت القاهرة لاستقبال الحدث الذي بات حديث المجتمع الهندسي ورجال الأعمال؛ ليلة زفاف صابرين وممدوح.
لم تكن مجرد ليلة زفاف عادية، بل كانت إعلانًا صاخبًا عن انتصار الحق والجمال، وولادة جديدة كليًا لصابرين التي تخلصت من قيود الماضي الثقيلة لترتدي ثوب الفرح الأبيض كعروس يفيض حسنها ورقّتها.
تجهيزات خلف الكواليس: ولادة الملكة
في الجناح الملكي المخصص للعروس بأحد أفخم فنادق القاهرة المطلة على نهر النيل، كانت الأجواء مفعمة بالحركة والبهجة. جلست صابرين أمام مرآة ضخمة محاطة بصديقاتها ومصممي التجميل.
لأول مرة، كانت صابرين تستسلم لتدليل أنوثتها بلا خجل أو شعور بالذنب. شعرها الأسود الطويل، الذي طالما كتمت أنفاسه تحت الكاب لسنوات، صُفف بتموجات هادئة منسدلة كالحرير على ظهرها، واعتلاه تاج برّاق من الألماس يعكس الضوء بنقاء يماثل نقاء قلبها.
ارتدت فستان زفافها الأبيض الأسطوري، المصمم بأكمام من الدانتيل الفرنسي الفاخر وذيل طويل يمتد خلفها كأميرة من قصص الخيال. نظرت صابرين إلى انعكاس صورتها في المرآة، وامتلأت عيناها بدموع الفرح والذهول؛ لم تكن ترى "الأستاذ صابر" الصارم بأكتافه العريضة وبدلته الرمادية الفضفاضة، بل رأت "صابرين" الأنثى الفاتنة التي تستحق أن تُحَب وتُتوَّج ملكةً في ليلة عمرها.
دخلت والدتها الجناح، وما إن رأتها حتى أطلقت زغرودة حارة هزت أرجاء الغرفة، ثم ارتمت في حضن ابنتها تبكي وتقول:
"يا حبيبة عمري.. ياما قلبي وجعني عليكي وأنا شايفاكي دافنة شبابك وجمالك عشان تحمينا وتثبتي للي باعنا إنك بـ ١٠٠ راجل.. النهاردة بس قلبي برد.. النهاردة شفتك أحلى عروسة في الدنيا."
قبلت صابرين يد والدتها وقالت بنبرة عذبة: "كل تعب السنين راح يا أمي.. والنهاردة بدايتنا الجديدة."
الزفة ومباركة الأب الروحي
في الأسفل، بقاعة الحفل الكبرى التي امتلأت بالورود البيضاء الطبيعية وأضواء الشموع الدافئة، كان المعازيم من رجال الأعمال، والمهندسين، وعمال الشركة الذين ارتدوا أبهى حلتهم، ينتظرون بلهفة دقات الساعة لتعلن بدء الزفة.
وقف ممدوح في نهاية الدرج الطويل، يرتدي بدلة زفاف سوداء رسمية (توكسيدو) كلاسيكية برزت وسامته ورجولته الطاغية. كان يفرك كفيه ببعضهما البعض بتوتر وقلق عاشق ينتظر رؤية معشوقته.
فجأة، خفتت الأنوار، وتصاعدت ألحان كلاسيكية مهيبة، لتتجه كل الأنظار إلى أعلى الدرج.
ظهرت صابرين، تتأبط ذراع خالها البشمهندس عزت، الذي أصر برغم حالته الصحية وتكئه على عصاه، أن يسلمها بنفسه لعريسها. كان يرتدي عباءة شرف دافئة، ويسير بخطوات فخورة بطيئة، ووجهه يفيض بنور الرضا والفخر.
بدأت صابرين بالنزول خطوة بخطوة. تسارعت دقات قلب ممدوح، ولم يستطع أن يحبس دمعة إعجاب وذهول فرت من عينيه وهو يرى تلك الزهرة المتفتحة تقترب منه. لم تكن تبكي هذه المرة؛ بل كانت تبتسم بثقة وسلام داخلي لم تعهده من قبل.
عندما وصلا إلى نهاية الدرج، أخذ عزت يد صابرين ووضعها برفق داخل كف ممدوح، ونظر إليه بعينين دامعتين وقال بصوت مخنوق من التأثر:
"الأمانة وصلت لأصحابها يا ممدوح.. صابرين النهاردة بتسيب بيت خالها اللي حماها، وبتروح لبيت جوزها وسندها. الله يرضى عليكم ويسعدكم يا ولاد."
طبع ممدوح قبلة احترام عميقة على جبين البشمهندس عزت، ثم التفت إلى صابرين، وأزاح الطرحة الحريرية الشفافة عن وجهها، وهمس في أذنها بصدق هز كيانها:
"أنتي مش بس أحلى عروسة شفتها عيني.. أنتي طوق النجاة الحقيقي لقلبي يا صابرين."
ضجت القاعة بالتصفيق الحار والزغاريد التي انطلقت من عائلات العمال والمهندسين. بدأت فرقة العزف بنشر الألحان الدافئة، واقتاد ممدوح صابرين إلى منتصف حلبة الرقص لبدء الرقصة الأولى (First Dance).
على ألحان أغنية رومانسية هادئة، التف ذراع ممدوح حول خصرها برفق، بينما وضعت صابرين كفيها الصغيرين على كتفيه، وسندت رأسها على صدره الدافئ وهي تغمض عينيها. في تلك اللحظة، شعرت صابرين بأنه لو اجتمعت نيران العالم كله مرة أخرى، فلن تتمكن من مساسها بسوء ما دامت في حضن هذا الرجل.
التف العمال من حولهما يشاركونهم الفرحة؛ تقدم "عماد" ومعه عمال موقع النخيل الذين أعدوا مفاجأة خاصة، حيث أحضروا معهم أدوات "التحطيب" والفلكلور الشعبي الصعيدي، وبدأوا يرقصون بحماس حول العروسين تعبيرًا عن حبهم ووفائهم لـ "البشمهندسة صابرين" التي طالما شاركتهم شقاء العمل بجدعنة وشهامة، واليوم يزفونها كملكة.
ضحكت صابرين من قلبها وهي ترى فرحة عمالها، وشاركهم ممدوح الرقص بالعصا بخفة وروح مرحة أشعلت حماس الحضور.
شروق الأمل وغياب طيف الماضي
مع اقتراب الفجر، تدرج الحفل الأسطوري نحو نهايته الدافئة. وقف العروسان يودعان المعازيم والخال عزت الذي غمرته سعادة لا توصف.
توجه ممدوح وصابرين نحو سيارة الزفاف المزينة بالورود البيضاء. وقبل أن تركب صابرين السيارة، التفتت ونظرت إلى السماء الصافية فوق نيل القاهرة، حيث بدأت خيوط الفجر الأولى الزرقاء تشق عتمة الليل بنعومة.
تذكرت في تلك اللحظة والدها الذي تخلى عنها ذات ليلة طفلًا؛ تذكرت كيف كان يرى في أنوثتها عارًا وضعفًا، وتمنت لو كان يراها الآن ليعلم أن "الأنثى" التي رفضها قد أقامت صرحًا هندسيًا ناجحًا، وأعادت لاسم عائلتها الهيبة الشريفة، وتوجت اليوم ملكة في قلب رجل يراها الدنيا وما فيها.
ضغط ممدوح على يدها برفق وهو يفتح لها باب السيارة: "جاهزة يا أميرتي؟"
نظرت إليه صابرين بعينين تلمعان بالحب والأمل، وقالت بابتسامة تضيء الليل:
"جاهزة يا ممدوح.. جاهزة أعيش معاك كل يوم جاي من غير خوف.. ومن غير أقنعة."
انطلقت السيارة تشق هدوء الفجر المتنفس، معلنةً بزوغ شمس جديدة لقصة بدأت بنيران الانتقام والوجع، وانتهت بسلام، وعدالة، وطوق نجاة نسجه الحب الصادق
هذا ماكان من ملكه الاقلام والروايات وساحره القلوب
كانت نهايه مجديه الظالم اخذ جزاؤه والمظلوم اخذ حقه بعداله السماء ارجو تكون نالت اعجابكم
تمت بحمد الله
