
مرت ساعات الليل ببطء شديد، لكنه لم يكن ذلك البطء الثقيل الذي اعتاد عليه هذا المنزل طوال الأشهر الثمانية الماضية. كان بطئاً لذيذاً، كأن الزمن قرر أن يتوقف احتراماً لقلبين نبضا أخيراً بنفس الإيقاع.
استيقظ يوسف مع أول خيوط الفجر المتسللة من بين ستائر الغرفة. فتح عينيه ببطء، ولأول مرة منذ رحيل سارة، لم يشعر بغصة الصباح المعتادة. التفت بجانبه ليجد تاليا مستسلمة لنوم عميق وهادئ، وجهها الذي كان شاحباً بالأمس عاد إليه الدفء، وشعرها الأسود الطويل مبعثر على وسادته بنعومة تأسر القلوب.
ظل يوسف يتأملها لدقائق طويلة بنظرات يملؤها الندم على كل لحظة جفاء أذاقها إياها، والشغف بما هو قادم. امتدت يده بحذر شديد، وراح يزيح خصلة متمردة سقطت على وجهها، فتململت تاليا في فراشها وفتحت عينيها العسليتين ببطء.
التقت نظراتهما، ولثوانٍ معدودة، خيم الصمت على الغرفة. تذكرت تاليا تفاصيل ليلة أمس؛ أحضان يوسف، كلماته الدافئة، وقبلاته التي أذابت مخاوفها. شعرت بحمرة الخجل تغزو وجنتيها، وحاولت أن تسحب الغطاء لتخفي وجهها، لكن يد يوسف كانت أسرع، حيث أمسك بكفها الصغير وضغط عليه برفق.
"صباح الخير يا تاليا.. مش عايزك تخبي الوش اللي نور حياتي امبارح تاني:
تحدث يوسف بصوت رجولي دافئ هادئ، زاد من دقات قلبها. نظرت إليه تاليا بعيون ما زالت تحمل بقايا حيرة، وتساءلت بصوت هامس:
"يوسف.. إحنا.. اللي حصل مبارح كان حقيقي؟ ولا كنت شايف فيا حد تاني؟"
تنهد يوسف بعمق، وجلس على حافة الفراش وهو ما زال ممسكاً ببراحة كفها، ثم رفع يدها إلى شفتيه وطبع عليها قبلة حانية، ونظر في عمق عينيها قائلاً:
"تاليا، أنا فوقت.. فوقت وعرفت إن ربنا رزقني بيكي عشان يداوي قلبي. اللي حضنته مبارح، واللي اعترفتله بحبي، واللي ريحة ياسمينه لسه في نَفَسي هي إنتي.. تاليا وبس. سارة مكانها في الجنة وفي ذكريات الماضي، لكن إنتي الحاضر والمستقبل وكل اللي باقي من عمري."
انهمرت دموع تاليا، لكنها لم تكن دموع قهر هذه المرة، بل كانت دموع غسلت كل الشكوك التي حاصرتها. ارتمت في صدره مجدداً، لتبدأ في استنشاق عبير الأمان الذي حرمت منه شهوراً.
تبدل الأحوال.. واهتمام من نوع آخر
تحولت الأيام التالية إلى سيل من التفاصيل الدافئة. انتهى ذلك الهروب النبيل؛ فلم يعد يوسف يتأخر في مكتبه، بل أصبح يعد الدقائق والساعات ليعود إلى بيته، إلى مملكته الصغيرة حيث ينتظره الياسمين.
في المساء، كان يوسف يجلس في الصالة يتابع بعض أوراق العمل، لكن عينيه كانت تلاحق تاليا وهي تتحرك في أنحاء المنزل بخفة وسعادة بدا أثرها واضحاً على وجهها. اقتربت منه وبيدها كوب من الشاي بالنعناع الذي يفضله، وقالت بابتسامة رقيقة:
"اتفضل يا يوسف.. عملته زي ما بتحبه بالظبط."
أخذ الكوب منها، لكنه لم يدعها تذهب، بل سحبها برفق لتجلس بجانبه على الأريكة، وأحاط كتفيها بذراعه:
"شغل إيه ده اللي يخليني أشيل عيني عن الجمال ده كله؟ تاليا، أنا بفكر نطلع كام يوم برة القاهرة.. نغير جو، ونبدأ شهر عسل حقيقي كنا اتحرمنا منه."
لمعت عيناها بالفرحة وأومأت برأسها بالموافقة، لكن فرحتها لم تكتمل، حيث قاطع تلك اللحظة الدافئة رنين هاتف يوسف. نطر إلى الشاشة فتغيرت ملامحه قليلاً، وظل ينظر إلى الهاتف بتردد.
لاحظت تاليا التبدل المفاجئ في ملامحه، وسألت بقلق:
"في إيه يا يوسف؟ مين اللي بيتصل؟"
رد يوسف بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:
"دي والدة سارة.. طنط نادية."
وقع الاسم كالصاعقة الخفيفة، ليس كراهيةً، بل خوفاً من عودة أشباح الماضي لتهديد هذا الاستقرار الهش الذي لم يكد يبدأ. ابتلعت تاليا ريقها وأومأت له بأن يجيب.
ضغط يوسف على زر الرد: "أهلاً يا طنط، عاملة إيه؟"
جاءه صوت السيدة نادية باكياً ومرتبكاً من الطرف الآخر:
الحقني يا يوسف.. أنا تعبانة جداً لوحدي في الشقة ومش قادرة أتحرك، ومفيش حد جنبي.. تعالي يا ابني أرجوك."
انقبض قلب يوسف، فنادية في مقام والدته، والوصية التي تركتها سارة كانت تشمل رعاية والدتها دائماً. نظر يوسف إلى تاليا بعينين حائرتين، تملؤهما الحيرة بين واجبه الإنساني والأخلاقي تجاه والدة زوجته الراحلة، وبين خوفه على مشاعر تاليا التي تذوق طعم السعادة لأول مرة.
كيف ستتصرف تاليا تجاه هذا الاتصال؟ هل ستدعم يوسف في الذهاب لرعاية والدة سارة، أم أن الغيرة والخوف من الماضي سيعودان ليدقا أبواب قلبها؟
وما الذي ينتظرهما في شقة السيدة نادية؟