
صوت رنين هاتف مهران داخل السيارة كان يمزق سكون الصباح الباكر الذي بدأ ينسحب تدريجيًا ليترك مكانًا لضوضاء القاهرة المعتادة. ضغط مهران على زر الإجابة ووضع الهاتف على أذنه دون أن يبعد عينيه الصقريتين عن الطريق أمامه.
"سامعك يا بهاء، قول لي الأخبار."
أتاه صوت بهاء متحشرجًا من فرط التعب والتركيز طوال الساعات الماضية:
"مهران باشا، المرور بعت لنا تفريغ بوابات طريق المحور والوصلات المؤدية للملاحات في الليلة دي. الحركة كانت هادية جدًا في الوقت ده، وممرش من هناك غير تلات عربيات دفع رباعي بس في الفترة من الساعة تسعة بالليل لحد اتنين صباحًا."
ضيق مهران عينيه وضغط على عجلة القيادة بقوة:
"بياناتهم إيه يا بهاء؟ اخلص."
"الأولى تابعة لشركة مقاولات، والتانية ملك طبيب تجميل مشهور ومثبت إنه كان في الساحل في الوقت ده وعربيته مع السواق بتاعه في التوكيل للصيانة.. أما العربية التالتة بقى..." صمت بهاء لثانية وكأنه يمهد لمفاجأة من العيار الثقيل: "العربية التالتة جيب سوداء، فاميه غامق بالكامل.. ومسجلة باسم 'شريف بيه علام'."
صمت مهران لثانية، وكأن قطرات القهوة الباردة قد تجمدت تمامًا في رأسه. اسم "شريف علام" لم يكن اسمًا عاديًا؛ إنه رجل أعمال بارز، يمتلك سلسلة شركات استيراد وتصدير، وله نفوذ واسع وعلاقات تتشعب في جهات كثيرة، والأهم من ذلك كله...
"شريف علام؟" تمتم مهران بنبرة ساخرة وباردة، "مش ده يبقى والد 'ساهر'؟"
"بالظبط يا فندم!" هتف بهاء بلهفة، "العربية مسجلة باسم والده، وتفريغ الكاميرات أثبت إنها دخلت طريق الملاحات الساعة عشرة ونص بالليل.. يعني بعد ساعة ونص بالظبط من الوقت اللي ساهر قال إنه رما سهير فيه عند المحور!"
ارتسمت على شفتي مهران ابتسامة غامضة، ممزوجة بتحدٍ لطالما عشقه في قضاياه المعقدة. ضغط على مكابح السيارة بقوة لتتوقف أمام مبنى مديرية الأمن، وقال بصوت حاسم:
— "اطلب لي 'ساهر' من الحجز فورًا وحضره في مكتب التحقيق.. اللعبة وسعت يا بهاء، والظاهر إن الأب الكبير قرر ينضف ورا ابنه المستهتر بطريقته الخاصة."
غرفة التحقيق — العاشرة صباحًا
كان ساهر في حالة يرتى لها. عيناه حمراوان متورمتان، وستيرته الأنيقة باتت مجعدة وتفوح منها رائحة الخوف والاحتجاز. بمجرد دخول مهران، انتفض ساهر من مقعده وصرخ بقلة حيلة:
"أبوس إيدك يا مهران باشا.. أنا مقتلتهاش! طلعني من هنا، أهلي لو عرفوا..."
قاطعه مهران بجلوسه الهادئ واضعًا أمامه ملفًا أسود اللون، ثم نظر إليه بنظرة باردة وقال:
"أهلك عرفوا خلاص يا ساهر. وأبوك تحديدًا.. عرف من بدري قوي."
تجمد ساهر في مكانه، وبلع ريقه بصعوبة:
"أبويا؟ أبويا عرف إزاي؟"
"تفتكر لما رميت سهير في الشارع والدموع في عينيها والسر بياكل في بطنها، هي كلمت مين؟" مال مهران للأمام وقال ببطء ونبرة واضحة: "سهير كلمت والدك يا ساهر. كلمت شريف بيه علام.. واستنجدت بيه عشان يحل المصيبة اللي ابنه عملها."
شحب وجه ساهر أكثر حتى بدا كالأموات، وهز رأسه برعب:
"لا.. مستحيل! سهير تخاف تكلم أبويا.. دي كانت عارفة إنه راجل شديد وممكن يدمرها!"
"الخوف بيعمل أكتر من كده لما الأبواب كلها تتقفل في الوش،" قال مهران وهو يفتح الملف ويخرج صورة مطبوعة لسيارة الجيب السوداء وهي تمر من بوابة الرسوم، "عربية والدك الدفع الرباعي كانت في الملاحات ليلة اختفاء سهير. الساعة عشرة ونص بالليل. الشنطة اللي عليها الدم لقيناها في نفس المكان اللي وقفت فيه العربية دي.. قولي بقى يا ساهر، هل أبوك قرر يخلص من الفضيحة والبيبي اللي هيلوث اسم العائلة؟ ولا أنت اللي أخدت عربية أبوك من وراه وعملت الجريمة؟"
"والله ما أخدت عربية أبويا!" صرخ ساهر بانهيار تام، وهو يسقط على ركبتيه باكيًا: "أنا عربيتي الـ (هيونداي) كانت معايا طول الليل.. وأبويا مبيسيبش مفتاح الجيب لأي حد! يعني.. يعني أبويا هو اللي راح لها؟ أبويا قتلها يا باشا؟!"
قبل أن يجيب مهران، طُرق باب غرفة التحقيق بقوة ودخل بهاء، وعلى وجهه علامات قلق شديد. اقترب من مهران وهمس في أذنه بكلمات جعلت ملامح الضابط تتصلب تمامًا:
"مهران باشا.. شريف علام بيه برة في المكتب.. ومعاه تلاتة من أكبر المحامين في البلد، وطالب يقابل حضرتك فورًا."
اعتدل مهران في وقفته، ونظر إلى ساهر المنهار على الأرض باحتقار، ثم أصلح هندام سترته وقال لبهاء بنبرة واثقة يملؤها التحدي:
"خليه يتفضل.. ودخل المحامين معاه. عاوز أشوف شريف بيه وهو بيحاول يداري على ريحة الدم بريحة فلوسه ونفوذه."
دخل "شريف علام" إلى مكتب التحقيق بخطوات واثقة، يحيطه هالة من النفوذ والسطوة، تتبعه حركة سريعة لثلاثة محامين يحملون حقائب جلدية فاخرة بنظرات جامدة ومتأهبة. كان شريف رجلاً في أوائل الخمسينيات، أنيق المظهر إلى حد الكمال، يرتدي بدلة داكنة مصممة بعناية، وتفوح منه رائحة عطر ثمين وقوي.. عطر لم يستطع رغم قوته أن يداري على الرائحة الخانقة التي تملأ الأجواء.
لم ينتظر شريف أن يأذن له مهران بالجلوس، بل اتجه مباشرة إلى المقعد المقابل لمكتب الضابط وجلس واضعًا قدمًا فوق أخرى، بينما وقف المحامون خلفه كحائط صد. نظر إلى ابنه "ساهر" المنهار أرضًا بنظرة سريعة ممزوجة بالاشمئزاز والتحذير، ثم التفت بكامل جسده نحو مهران وقال بصوت رخيم وهادئ:
"مساء الخير يا مهران باشا. أظن فيه سوء تفاهم كبير هنا.. ابني طالب جامعي مستهتر، ممكن يكون غلط، بس مكانه مش الحجز وسط المجرمين."
أشار مهران للعسكري بيده بنبرة هادئة:
"وقف المتهم على رجله يا عسكري، ورجعه لكرسيه."
تحرك العسكري بسرعة وسحب ساهر المرتجف ليرتعد فوق مقعده بجوار والده الذي لم يكلف نفسه عناء النظر إليه مجددًا. التفت مهران ببطء ونظر إلى شريف علام، وسحب نفسًا من سيجارته ثم نفث الدخان ببرود تام وقال:
"منور يا شريف بيه. بس الظاهر إنك فهمت الموضوع غلط.. ابنك مش محبوس عشان خناقة في الكلية أو مخالفة مرور. ابنك محبوس للاشتباه في جريمة خطف وقتل زميلته 'سهير'.. والجريمة دي مفيهاش لا وسايط ولا خروج بكفالة."
تدخل المحامي الأكبر سنًا بسرعة واضعًا ملفًا فوق مكتب
مهران:
"يا فندم، إحنا محامين شريف بيه، وبنؤكد إن ساهر ملوش أي علاقة باختفاء البنت دي. الكلام اللي بتقوله اتهام مرسل ومفيش عليه دليل واحد مادي يربط ساهر بالواقعة."
ابتسم مهران ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيه، ونظر إلى شريف علام مباشرة متجاهلًا المحامي تمامًا:
"كلامك صح يا متر.. ساهر فعلًا يمكن ملوش علاقة مباشرة بالقتل.. بس شريف بيه هو اللي عنده كل الإجابات."
تصلبت ملامح شريف علام لثانية واحدة، لكنه سرعان ما استعاد بروده الكاذب وقال بنبرة هادئة:
"أنا؟ وإيه علاقتي أنا بزميلة ابني؟"
سحب مهران الصورة المطبوعة لسيارة الجيب السوداء من الملف وألقاها على المكتب لتستقر أمام شريف مباشرة:
"عربيتك الجيب السوداء يا شريف بيه.. الكاميرات رصدتها وهي بتدخل طريق الملاحات المهجورة ليلة اختفاء سهير، وتحديدًا الساعة عشرة ونص بالليل.. بعد ما ابنك سابها عند المحور بـ ساعة ونص. وهناك، في نفس البقعة اللي وقفت فيها عربيتك، لقينا شنطة سهير وعليها آثار دمها الجاف.. تحب تشرح لي عربيتك كانت بتعمل إيه هناك في وقت زي ده؟ ومين اللي كان سايقها؟"
ساد صمت رهيب في الغرفة. نظر المحامون إلى بعضهم بوجوم مفاجئ، بينما شعر ساهر بالرعب وهو يرى عيني والده تضيقان ببطء وثبات.
لم يهتز شريف علام، بل انحنى للأمام ببطء، ووضع يديه المتشابكتين على المكتب وقال بصوت منخفض كالفحيح:
"عربيتي؟ عربيتي دي بيسوقها السواق بتاعي، وبتتحرك في مشاوير كتير تخص الشغل.. والوقت ده أنا كنت في اجتماع عمل في مكتب التجمع الخامس ومعايا شهود على كده. يعني لو العربية راحت هناك.. فده أكيد بتدبير من حد تاني حب يورط اسم عيلتنا."
"السواق بتاعك؟" رفع مهران حاجبه بتهكم، "جميل قوي.. وهل السواق بتاعك يعرف سهير برضه؟ يعرف إنها حامل من ابنك؟ ويعرف إنها كانت بتهدده بالفضيحة؟"
وقف شريف علام فجأة، محاولًا إنهاء الحوار بلغة القوة والنفوذ:
"مهران باشا.. أنا جيت هنا كبادرة حسن نية عشان ألم الموضوع من غير شوشرة. لو عندك اتهام رسمي لـ ساهر أو ليا، قدمه للنيابة.. غير كده، المحامين بتوعي هيقدموا طلب إخلاء سبيل فورًا."
وقف مهران هو الآخر، ليتواجه الرجلان في صراع صامت وقاسٍ من نظرات العيون. انحنى مهران قليلًا حتى أصبح وجهه على بعد سنتيمترات من وجه شريف، وقال بنبرة قاطعة هزت جدران الغرفة:
"النيابة هتوصل لها القضية دي كاملة يا شريف بيه.. بس مش بتهمة إخلاء سبيل. هتوصل بجثة سهير اللي رجالتنا بيقلبوا الملاحات حتة حتة عشان يلاقوها.. وعربيتك الجيب هيتحفظ عليها من اللحظة دي بمعرفة الأدلة الجنائية، ولو شعرة واحدة تخص سهير أو نقطة دم ممسوحة ورا الكراسي ظهرت تحت أشعة الليزر.. المحامين بتوعك دول مش هيعرفوا يخرجوك أنت نفسك من حبل المشنقة."
شحب وجه شريف علام لأول مرة بوضوح، وتحركت تفاحة آدم في حلقه بصعوبة، بينما همس ساهر من خلفه ببكاء يائس:
"بابا.. أرجوك قولهم الحقيقة.. سهير فين؟"
التفت مهران إلى بهاء قائلًا بصوت جهوري مسموع للجميع خارج الغرفة:
"يا بهاء! تحفظ على العربية الجيب فورًا واستدعي السواق بتاع شريف بيه للتحقيق تحت بند المشتبه به الأول في إخفاء جثة.. وخلي شريف بيه ومحامينه يستنوا برة.. التحقيق لسه مخلصش، والليل لسه طويل مطلعش عليه نهار!"