رواية ناب الأفاعي الفصل الحادي والعشرون21 بقلم سمر بسطاوي

رواية ناب الأفاعي الفصل الحادي والعشرون21 بقلم سمر بسطاوي
أخيراً دقت السعادة أبوابهم.  
غمرت الزينة المنزل بأضواء الفوانيس الذهبية المعلقة في كل ركن، واختلطت رائحة الورود البيضاء والياسمين بعبق البخور الذي ملأ الأرجاء. ارتفع صوت الدف من الخارج يختلط بضحكات العمال وهم يعلقون النور، وبصوت عمران وهو يصيح في أدهم الذي يقف على السلم:

_عمران_: مش هنا يا حمار تعالى كده الناحية التانية  

_أدهم_: ما تطلع تعملها بدل الهم دا كله  

نظر له عمران نظرات حارقة جعلته يبتلع ريقه بخوف، بينما يتنقل المشهد لسالم وأسامة وهما يضعان الورود البيضاء بتنسيق على الطاولة. ومن خلفهم العمال يزينون ديكور المنزل بأقمشة التل والدانتيل.  
وفي الأعلى كانت تجلس الفتيات يضعن الماسكات على وجوههن بعد تعليمات سيلا. اختلطت رائحة الخيار والنعناع مع صوت الموسيقى الهادئة التي خرجت من سماعة صغيرة.

_سيلا_: محدش فيكم يتحرك لأحسن الماسك يبوظ  

_مهرة بضحك_: بقالنا ساعة قاعدين زي الأصنام كده مش هنخلص انهارده ولا ايه  
_سيلا_: التزمي بتعليماتي لو سمحت من غير كلام  
_ترتيل_: ايه الملل دا أنا زهقت  

_سيلا_: خلاص هشغلك أغاني نرقص سوا يا عروسة  

_ترتيل_: أغاني لا يا سيلا حرام  

_سيلا_: عيب عليكي وهي دي تفوتني بدون موسيقى بدف بس خلينا نفرح ونسيب الناس تفرح.  
كادت أن تعترض ولكن سيلا لم تعطها فرصة وهي تشغل الأغنية بصوت عالٍ. تعجب الشباب من الصوت فصعد عمران للأعلى، ولكنه توقف على درج السلم من الصدمة. 

كانت مهرة تلف شالها على خصرها بعد أن شجعتها سيلا على الرقص، لتتمايل بدلال على الموسيقى. ضوء الفانوس الذهبي ينعكس على فستانها الأسود فيرسم ظلالاً ترقص على الحائط معها. رائحة عطرها الخفيف وصلت له حتى وهو واقف بعيداً.
تجمد في مكانه. وضع يده على قلبه الذي كاد يقفز من صدره.  
همس لنفسه بصوت لم يسمعه أحد: "يا الله"

كان شعرها الأسود الغجري يتهدل خلفها مع كل تمايلها، وكأنه يتناسق مع حروف الأغنية ويلعب على أوتار قلبه الضعيف:

"
حاسس في بقلبي لهفة
عم تدفعني إني روح
أوميلا بإيدي وإعزمها
ع الرقصة وبسري بوح
رح قوي قلبي وما خاف
منه خسارة الاعتراف
ملاك منزل ع الأرض
بيستاهل كرماله تبوح 
شو عملت فيا من لما لفت عخصرها الشال 
ترقص قدامي وتتغنى تتلف يمين شمال 
وتهز بشعرها الحرير يا الله دوخني كتير خصره الميال 
"

شعر بحرارة تصعد لوجهه. عيناه لم تستطع أن تبتعد عنها وهو يرى دلالها الذي يذبحه. 

تنحنح بحرج بصوت عالٍ وهو يتراجع إلى الوراء حين انضمت لها سيلا. فسمعته الفتيات فأغلقت الموسيقى فجأة. ساد صمت محرج قطعه صوت أنفاسه الثقيلة فقط. تقدم ناحية مهرة التي كانت تتمنى أن تنشق بها الأرض وتبتلعها من قمة الحرج. وجهها محمر وعيناها في الأرض. 

أشار عمران بيديه للفتيات فغمزت له سيلا بمشاكسة وهي تسحب ترتيل:

_سيلا_: طب بالسلامة احنا بقى  

وما أن غادرا حتى اقترب عمران من مهرة. الصمت بينهم كان أثقل من ألف كلمة. كان يسمع دقات قلبه ودقات قلبها. 

رفع إصبعه تحت ذقنها ورفع وجهها له ببطء. تعلقت عيناه بعينيها الخضراوين الغارقتين ارتباكاً وخجلاً. 
ابتسم ابتسامته الوسيمة تلك التي بالنسبة لها أقوى من ألف سيف، وبدأ يكمل باقي الأغنية بصوته الرجولي الخفيض وهو يضمها له ببطء:

_عمران_: براكين بقلبي خليتي  
يخرب بيتك، شو سويتي  
من السهرة دغري ع بيتي  
جهزيلي حالك عليكي عيون مدري كيف صوتك حنانه مخيف 

غمز لها حين لمح ارتباكها وهو يقول:  
_عمران_: صفي نيتك، قصدي شريف  
لا تشغلي بالك  

ثم أخذ يلفها بيده ويتراقص معها على أنغام صوته الجميل الذي ملأ الغرفة الفارغة:  
"
أحلى صبية بشوفها
بعشق خجلها وخوفها
عطيني ضلوعك إغمرها
وحط النقط ع حروفها
هزي براسك وافقي
واتركي عليي اللي بقي
سموني بالحب الشقي
والدنيا عندي ظروفها
"

وما أن انتهى حتى اشتعلت وجنتاها أكثر. نبضها كان مسموعاً. همست بخجل وهي تهرب من بين يديه:  
_مهرة_: عمران بس... 

لم تكمل. هرولت سريعاً إلى غرفتها تحت أنظاره وهو يضحك بصوته الرجولي كله. ضحكة رجل انتصر أخيراً.

*_**_**_**_**_**_**_*_

في المساء أشرقت ترتيل بفستانها البسيط وهي تخطو خطوات الدرج برشاقة وبجانبها الفتيات. سيلا التي كانت ترتدي فستاناً من اللون الأزرق مع طرحة من نفس اللون برشاقة، ومهرة التي ترتدي البني ليتناسب مع بدلة عمران الأوفيت. أما في الأسفل كان يقف هؤلاء العشاق ينظرون لهم بهيام يتقدمهم أسامة الذي ينظر إلى ترتيل بحب. نزلت من على الدرج حتى باتت قبالته فقال بهيام:  
 
_أسامة_: إني عشقتك واتخذت قراري.. فلمن أقدم يا ترى أعذاري. لا سلطة في الحب تعلو سلطتي.. فالرأي رأي والخيار خياري
 
ابتسمت بحجل وهي تستمع كلماته ولمعت عيناه لدرجة أهلكت فؤاده ببندقيتها تلك، لدرجة جعلته يعشق نزار قباني ويدعو له من صميم قلبه. انحنى على ركبتيه أمامها قائلاً بحب:  
 
_أسامة_: "سيدتي بل حبيبة قلبي ومؤنستي. دائي ودوائي يا شفائي. عن أياماً عشتها بدونك. رفقاً بقلبي الذي تحمليه بين يديكِ. فوالله إن فؤادي قد سُلب. اليوم جئتُكِ طالباً يدكِ في الحلالِ. فهل توافقين أن تكوني الدهر لي؟"  

أومأت بسعادة ودموع الفرحة تملأ عيناها. اعتدل في وقفته ليجاورها. اتجه إليهم عمران يطبع قبلة على رأس طفلته الصغيرة. لمعت الدموع في عيناه فها هي تلك الصغيرة التي كان يلعب معها بالأمس. الآن يسلمها بيده لعريسها. نظر لأسامة بحب وهو يضمه لصدره بسعادة:  
 
_عمران_: خد بالك منها دي عمري كله يا أسامة  
 
_أسامة_: ترتيل في عيني يا عمران  
 
_عمران_: الف مبروك يا حبيبي  
 
في هذه اللحظة دخلت فرقة من الدف يتوسطهم أدهم الذي يرتدي بدلة زرقاء أنيقة. اتجه ناحية ترتيل يطبع قبلة على وجهها ثم احتضنها وهو يغمز لأسامة. تحررت من عناقه ثم اتجهت إلى الطاولة البيضاء المزينة بالزهور. تجلس بجانب أخاها عمران وسالم الذي يشدد على يديها بفرحة. ولحظات حتى قال المأذون كلمته الشهيرة:

_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير
 
انطلقت الزغاريط من الفتيات بسعادة بينما احتضن مالك ابنه وهو يهنئه بحب وحنان. اتجه ناحية سالم الذي احتضنه بحبور بابتسامة واسعة قائلاً وهو يضع يده في يد أخته:
 
_سالم_: خلي بالك منها
 
ما أجمل لذة الحلال. مسكة اليد الشريفة والعفيفة التي تزينها أمامه كملكة في ردائها الأبيض. تعانقت عيناه مع عيناها التي تظهر من نقابها الأبيض. أشار لأدهم الذي أشار لفرقة الدف أن تبدأ فوجدته ضمها إليه بشوق وهو يأخذ يديها إلى المنتصف يغني بصوته الجميل قاصداً أن يصفها بكل كلمة خرجت من فمه:  

"عفافُكِ ذا مريميُّ العفافِ ولا يستحقُّ سوىٰ يوسُفيِّ. وإنَّكِ يا مُقلتي في فؤادي كما عائشٌ في فؤادِ النبيِّ"

ضم كفيها بقوة وهو يتطلع لعيناها بشوق جارف. قلبه الآن هو من يتحدث وليس هو:  
 
"أنيسةَ روحي شريكةَ دربي وصلتُ إليكِ فغرَّدَ قلبي علىٰ سنَّةِ الخالقِ والرسولِ. لقانا ونلنا الحلالَ بحبِّ.  
ضلوعي تميلُ لأنَّكِ عُدتِ أضلعِي إليها فَمِنها خُلِقتِ. ملأتِ عليَّ الحياةَ حياةً وبي يا سكينةَ عيني اكتفيتِ. سنبني معاً بالمودةِ بيتاً سويّاً يحبّهُ ربُّ السِّماكِ. عسانا نعمّرهُ في الجنانِ ونكملُ فيها الحياةَ هناكَ.  
أنيسةَ روحي شريكةَ دربي وصلتُ إليكِ فغرَّدَ قلبي علىٰ سنَّةِ الخالقِ والرسولِ. لقانا ونلنا الحلالَ بحبِّ."

انتهى من الأغنية فصفق له الجميع بانبهار. ادمعت عيناها من فرط حبه لها فابتسمت له بحب من تحت نقابها فكاد أن يطير قلبه من السعادة لابتسامتها. نعم هو يحفظها عن ظهر قلب. يعلم متى تضحك ومتى تحزن ببساطة لأنها قلبه. أحبها لذا فهو ينبض من أجلها ويحيا ويشعر بها.  

_ترتيل_: أنا بحبك  
تأوه قلبه المسكين وهو يستمع إلى كلمتها تلك التي ضمدت جروح قلبه وشفَته من كل ما مر به. ابتسم لها بسعادة وهو يضمها له:  
 
_أسامة_: نبضي وعمري الجاي كله أنتي
 
كل منهم كان ينظر لحبيبة أيامه بحب وهيام إلا ذلك الذي يقف بعيداً يخشى التطلع إليها رغم تمرد قلبه عليه الذي يعلو دقاته. يخشى أن يؤذيها بنظرة أو كلمة. تلك حبيبة قلبه التي يدعو ليلاً ونهاراً لربه أن تكون له. وما أجمل تدبير القدر والنصيب في الأخير. لمعت عين أدهم بسعادة وهو يتخيل نفسه ببدلته البيضاء بجانبها فابتسم بهيام وهو يتطلع إلى أسامة وترتيل. ترى متى يكون دوره؟  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
تطلع إلى ذلك القفص الذي يتوسط غرفة بابتسامة شيطانية وهو يراقب الفهد الملقى على الأرض والدماء تتناثر منه في كل مكان. انتزع سكينته منه وتوجه بخطوات بطيئة خارج الغرفة. صعد إلى سطح الفيلا وهو يحمل السكين ويقلبها في يده بهدوء. جلس على السور وهو يتطلع إلى الغرفة المغلقة أمامه تحت سواد الليل الذي يشهد على سواد قلبه. ابتسم بغموض وهو يحرك أنامله على طرف السكين:  
 
_سليم_: بتبدأ بأن الوزير يبقى في خطر وبعدين بتنتهي بكش ملك.  
ضحك بشر وهو يلقي السكين بقوة حتى أصابت صورة عمران المعلقة على باب الغرفة. جلس بهدوء وهو يستند على السور. شيء واحد فقط هو الذي يلمع في عينه ويعزف مقطوعة النيران على أوتار قلبه: "الانتقام"  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
شقشق الصباح بالتهام الشمس عتمة الليل لتزين اليوم بإشراقة وطلة جديدة. اتجه عمران مع مالك إلى الشركة حتى يباشروا العمل على المشروع التجاري. فبعد طرد شركة الجبالي أصبحت شركة الألفي هي المسئولة عن المشروع. نزل من السيارة برفقة عمه قائلاً:  
 
_عمران_: مكنت ريحت يا عمي وأنا وفريقي كنا تولينا الموضوع  
 
_مالك_: مينفعش نوقف مصالحنا يا عمران يا بني. وبعدين شايفني عجوز قدامك يا ولد؟ ما أنا صحتي بومب أهو.  
 
استند على السيارة بظهره قائلاً بمشاكسة:  
 
_عمران_: حاجة زي دي مشكش فيها بصراحة. وبعدين يا راجل خاف لتحسد نفسك  
 
ضحك مالك وهو يراقب عمران الذي يتحرك أمامه بضحكة. ولكن تلاشت ابتسامته فوراً وهو يرى تلك النقطة الحمراء التي تستقر على جاكيته مع صوت إطلاق النار:  
 
_مالك بفزع_: عمراااان  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
استيقظت مفزوعة من ذلك الكابوس وهي تتفحص الفراش بجانبها بهلع. حاولت أن تهدئ من أنفاسها وهي تلتقط شهيق وزفير. أمسكت هاتفها ترن عليه بفزع ولأن ليست هناك أي إجابة شعرت بانقباضة في قلبها واستقرت الدموع في عيناها وهي تتخيل أن مكروهاً أصابه. ارتدت ملابسها بسرعة وهرولت ناحية غرفة أدهم تطرق الباب بتردد. فتح لها الباب استغرب من وجودها فقال:  
 
_أدهم_: خير في حاجة يا مهرة ولا ايه؟  
_مهرة_: عمران مش بيرد عليا وأنا خايفة يكون حصله حاجة ومش عارفة اعمل ايه ولا أروح فين فجتلك  
 
_أدهم_: اهدي اهدي. عمران راح مع عمي مالك الشركة متقلقيش. وعشان تطمني اديني خمس دقايق هغير هدومي بسرعة وأخدك ليه  

نظرت له بامتنان بينما تركها هو يبدل ملابسه بسرعة وقلبه يخبره أن شيئاً سيئاً سيحدث. وأما عقله فكان يبرر الأمور على أنها اعتيادية. دقائق حتى كان يصعد سيارته هو ومهرة متجهين للشركة يحمد الله أنها ليست بعيدة عن الشركة فقط نصف ساعة.  
*_**_**_**_**_**_**_* 
أصابته صدمة حينما استمع إلى صوت النيران. انصعق حينما أزاحه مالك بعيداً عن مرمى الرصاصة يفديه بروحه. تأوه مالك بألم وهو يسقط في الأرض سائحاً بدمه. فاتجه إليه عمران بفزع وهو يصيح في الحراس بغضب:  

_عمران_: بتتفرجوا على ايه؟ هاتوا الإسعاف وهاتوا الكلب دا  
 
تشبث مالك في جاكيت عمران الذي يرفع رأسه على قدمه قائلاً بدموع يحاول تحرير كلماته:  
 
_مالك_: خلي بالك من سيلا وأسامة يا عمران  
 
نظر له عمران بوجع وهو يحتضن وجهه بكفيه:  
_عمران_: انت موجود هتخلي بالك مننا كلنا.  
أكمل حديثه بهستيريا وهو يهز رأسه ويصرخ فيمن حوله أن يتصل بالإسعاف:  
 
_عمران_: مش هسمح يحصلك حاجة. أنا مش هخسر أبويا تاني لا... الإسعاف بسرعة  
 
_مالك بخفوت_: سيلا... جوز سيلا وسالم... سيلا بتحبه.  
ما أن انتهى من كلماته حتى استسلم لموجة الظلام التي أحاطته. ابتلع عمران ريقه وهو يهزه يحاول إيقاظه. تكرر عليه المشهد الذي عاشه من سنتين لحظة وفاة والده ووالدته. شعر بضيق في صدره. ارتعشت يداه وهو يحمل مالك والدموع تتساقط من عيناه بهستيريا ويردد:  
_عمران_: لا... لا مش هيحصلك حاجة هتفضل معايا مش هتسيبني  
صرخ بوجع:  
_عمران_: بابا متسيبنيش   
لمعت الصدمة في عيون أدهم وهو يرى حالة عمران تلك. تنقلت نظراته إلى مالك الذي يحتله ذراعه فاقداً وعيه وغارقاً بدمائه فشهق بفزع وهو يهرول ناحيته بسرعة يحمل مالك عنه ويضعه في السيارة. رأى تصلب جسد عمران وهو ينظر إلى يديه التي تملأها الدماء. فركضت إليه مهرة وهي تتحدث ببكاء:  
_مهرة_: عمران... عمران انت كويس؟  
في تلك اللحظة وكأنه فقد حاسة السمع. لا يرى سوى يديه الممتلئة بدماء، وأدهم الذي يضع عمه المصاب في السيارة. صرخ به أدهم وهو يهزه بقوة بعدما رأى حالته:  
_أدهم_: مالك مش هيحصله حاجة يا عمران فوق  
خرج من حالته تلك وهو يتجه ناحية السائق يسوق بسرعة جنونية وبجانبه أدهم ومن خلفهم تتبعتهم مهرة بسيارة أدهم. نظر عمران في المرآة على عمه وهو يتحدث بدموع:  

_عمران_: مش هسمح يحصلك حاجة يا حبيبي
 
لحظات حتى وقف أمام المشفى يحمل عمه ليتقاه الأطباء متجهين به إلى غرفة العمليات. جلس عمران بتعب على المقعد المعدني يراقب باب الغرفة بقلق ويرافقه أدهم الذي اتصل بسالم الذي أتى على الفور برفقة سيلا بعدما سمعه وهو يتحدث على الهاتف. جلسوا جميعاً يراقبون باب الغرفة حتى يخرج منهم أحداً ليطمئن قلوبهم. لحظات حتى خرج الطبيب قائلاً:  
_ الحمد لله اتخطى مرحلة الخطر ودلوقتي بقى كويس  

_سيلا بلهفة_: نقدر نشوفه امتى يا دكتور؟  

_ شوية وهيتنقل العناية وبعدين تقدروا تشوفوه  
 
شكر أدهم الطبيب بينما اعتدل عمران في وقفته وهو يفتح زر المكالمة بهدوء. بعد قليل أغلق الهاتف دون كلمة واتجه للخارج بهدوء. جلست مهرة بجانب سيلا تواسيها فلاحظت خروج عمران فخرجت خلفه. جلس أدهم بجانب سيلا وهو يقدم لها العصير:  
 
_أدهم_: اتفضلي دا عشان متتعبيش لسه اليوم طويل  
 
_سيلا_: مش عاوزة  
_أدهم_: عشان خاطري يا سيلا. وياستي لو مش عشان خاطري عشان خاطر عمي مالك. مينفعش يشوفك بالحالة دي. اهدي واشربي العصير  
 
التقطت العصير من يديه وهي تشربه بهدوء وهي تتطلع له بامتنان. وعلى بعد بعيد كان يقف سالم بالقرب منهم ينظر إلى أدهم بغموض. مضت ساعتين على هذا الحال حتى عادت مهرة من الخارج بعد اختفاء عمران. وقف سالم يراقب باب الغرفة بعدما اطمئن على عمه بينما أدهم خرج ليجلب بعض الدواء التي طلبته الممرضة. بعد قليل خرج الدكتور من غرفة مالك:  

_ مين فيكم سالم ومين سيلا؟  

_سيلا بلهفة_: أنا أنا سيلا. بابا كويس يا دكتور؟  
 
_ حالته مستقرة حالياً وفاق من شوية ومن ساعة ما فاق مبيقولش مبينطقش غير بالاسمين دول: سيلا وسالم  
 
_سالم_: أنا سالم يا دكتور. خير في حاجة؟  
 
_ لا خالص بس هو مصر يشوفكم. عشان كده روحوا مع الممرضة عشان تدخلوا ليه ومتخلهوش يتكلم كتير
 
نظر سالم إلى سيلا التي أسرعت خلف الممرضة بينما لحقهم بهدوء.   
"وهل تظن أن الله قد يقف أمام حلمك الجميل لتعطيله؟ لا والله. ما صدقت ما أخذ منك إلا ليعوضك العوض الجميل. تمنيت أنت وردة والله أعطاك حديقة من الزهور"  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
جلس بهدوء على مقدمة المكتب وهو يطالع ذلك الذي يجلس أمامه بشر وتوعد كبير. أشار لأحد حراسه فأعطاه مسدساً أخذ يتلاعب به أمام فريسته ليعزف الرعب على أوتار قلبه. ابتسم ابتسامة شيطانية وهو يقترب منه:  
 
_عمران_: مش هتقول مين اللي باعتك يعني؟  
 
_ والله العظيم يا باشا أنا معرفش حاجة  
 
_عمران_: عارف المسدس ده؟ ده كاتم للصوت. يعني طلقة واحدة بس في دماغك هتخلص عليك. لا من شاف ولا من دري. فهتنطق ولا لا؟  
 
ابتلع ريقه وهو ينظر إلى عمران الذي يطالعه بنظرات حارقة. وجهه كله كان مغطى بالكدمات أثر الضرب الذي تعرض له من حراس عمران دون رحمة. إذن فرئيسهم لن يرحمه.  
 
_ س.. سليم الجبالي. بس والله العظيم كان عاوزني أقتلك انت بس الرصاصة جت في مالك  
انحنى أسفل قدمه وهو يمسك حذاء عمران بيديه:  
 
_ سامحني يا باشا... سامحني أبوس إيدك  
أزاحه بعيداً عن قدمه ينظر له بقرف ثم أشار لحراسه:  

_عمران_: خدوه  
أخذه الحراس بعيداً عن عمران الذي أزاح خصلات شعره الساقطة على رماديته. تنهد وهو يستند بيديه الاثنتين على المكتب. نظر قليلاً إلى الهاتف من أمامه حتى ضغط زر الاتصال فأتاه الرد:  
 
_عمران_: مش جه دور الحكاية دي تخلص ولا ايه؟  
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
دخل سالم وسيلا إلى غرفة مالك الذي كان يستقر على سرير المشفى بتعب. اتجهت إليه سيلا حتى جلست على الكرسي المقابل له بعين دامعة وهي تربت على شعره بحنان. نظر إليها مالك بتعب فقالت هي:  
 
_سيلا_: الف سلامة عليك يا حبي  
أزاح أنبوب التنفس من على وجهه قائلاً بتعب:  
  
_مالك_: أن.. أنا آسف يا بنتي على سنين ضاعت مني. كنت المفروض أكون فيها معاكي... آسف على وجع قلبك اللي استحملتيه  
 
_سيلا_: مش وقته يا بابا. حط الماسك عشان متتعبش  
أزاح يدها التي تحاول أن تضع الماسك وهو يشير إلى سالم الذي اقترب منه يمسك يديه:  
 
_مالك_: أنا مش ضامن باقي عمري يا بني. أنا اطمنت على أسامة بوجود ترتيل ووجودكم حواليه... عاوز أطمن على سيلا كمان  
 
_سالم_: بعد الشر عليك يا عمي. سيلا في عينينا من غير ما تقول  
 
_مالك بوهن_: اتجوز سيلا يا سالم عشان خاطري  
 
انتفض جسد سالم لبعيد وهو ينظر إلى عمه بصدمة بينما صاحت سيلا بدموع وهستيريا:  
 
_سيلا_: انت بتقول ايه؟!

ساءت حالة مالك فبدأ نفسه يضيق. أشار إلى سالم بيد مرتعشة بينما سيلا كانت تحاول أن تضع له الماسك. انتفض من مكانه حين رأى حالته تلك وهو يمسك يديه بقوة قائلاً من بين دموعه:  
 
_مالك_: اوعدني... إنك هـ. هتتجوز سيلا  
 
ابتلع سالم ريقه وهو يرى حالة عمه فأغمض عينه بقوة وهو يقول:  
_سالم_: أ.. أوعدك.. أنا وسيلا هنتجوز  
فتح عينيه وهو ينظر لعمه. الدموع. شعر أن حالته تزداد سوءاً فهرول لينادي الطبيب ولكنه اصطدم بأدهم الذي كان يقف على الباب متخشباً. تتنقل نظراته بين مالك وسيلا. دقائق حتى جاء الطبيب يخرجهم إلى الخارج ليتابع حالة مالك. خرج لهم بعد قليل من الوقت:  
 
_ جرحه عميق محتاج وقت عشان يبقى كويس. وأهم حاجة هي حالته النفسية. أنا معرفش انتوا قلتوا ايه بس لازم تخلوا بالكم الفترة الجاية  
 
تركهم الطبيب وغادر. جلس سالم على المقعد المعدني يضع يديه على وجهه بتعب بينما أدهم يقف بعيداً عنه بمراحل. أما سيلا فكانت لا تزال واقفة أمام الغرفة دموعها تتساقط منها رغماً عنها. اسودت الدنيا من أمامها لتسقط مستسلمة إلى الواقع الحزين. نهض سالم سريعاً ناحيتها يحاول إفاقتها ولكن محاولاته كلها باءت بالفشل. حملها تحت أعين أدهم لأقرب سرير في المستشفى ينادي على الدكتور بفزع حتى أتى له الطبيب سريعاً يتفقد حالتها. ظل ينظر لها من بعيد.
تعليقات



<>