رواية جعلتني مجرما الفصل الحادي والعشرون21 والثاني والعشرون22 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل الحادي والعشرون21 والثاني والعشرون22 بقلم دينا عبد الله
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
كان آدم يسير بجوار والدته أميرة، يحمل حقيبة السفر بيده، بينما كانت عيناه تتجولان في الشوارع المحيطة به بفضول واضح. عقد حاجبيه وهو ينظر إلى المباني والسيارات المزدحمة، ثم التفت إليها قائلًا باستغراب:
"أنا مش عارف يا أمي... إنتِ جايباني على هنا ليه؟"

التفتت إليه أميرة بابتسامة دافئة، ثم قالت وهي تواصل السير بهدوء:
"نغير جو شوية... بدل ريحة الحارة اللي عايشين فيها."

ثم رفعت رأسها قليلًا، وأغمضت عينيها للحظة وهي تستنشق الهواء بعمق، قبل أن تفتحهما وتنظر إليه قائلة بابتسامة:
"شم كده... الهوا هنا حلو ومنعش إزاي."

ابتسم آدم دون شعور، وهز رأسه وهو ينظر إليها بحب ظاهر في عينيه، ثم قال بصوت صادق:
"والله... مفيش حاجة حلوة في الدنيا دي قدك."

ارتسمت على وجه أميرة ابتسامة امتنان ممزوجة بالحنان، وربتت على ذراعه برفق، ثم واصلا السير في هدوء.

لكن فجأة...وقعت عينا آدم على فتاة تمر من أمامهما بملابس تكشف جزءًا كبيرًا من جسدها.

في اللحظة نفسها أشاح بصره سريعًا، وخفض رأسه إلى الأرض وهو يتمتم:
"أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم."

ثم قال باستغراب حقيقي وقد عقد حاجبيه:
"هي نازلة من بيتهم عريانة ليه؟... فقرا ومعندهمش هدوم؟"

لم تتمالك أميرة نفسها، فانفجرت في الضحك، حتى وضعت يدها على فمها وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها، ثم قالت:
"عريانة إيه بس يا ابني... ده هما لبسهم كده."

رفع آدم رأسه إليها ببطء، واتسعت عيناه في دهشة ، ثم قال بصوت منخفض وكأنه لا يصدق:
"يعني... ده اللبس الكامل؟!"

أومأت أميرة برأسها وهي لا تزال تكتم ضحكتها، بينما هز هو رأسه بأسى وقال:
"ربنا يعينهم على البرد في الشتاء."

ازدادت ضحكاتها أكثر، حتى انحنت قليلًا وهي تمسح دموع الضحك التي تجمعت في عينيها، ثم قالت:
"إحنا في عز الصيف يا آدم."

تنحنح بخجل، وما زال يتعمد النظر إلى الأرض، ثم قال:
"طيب قوليلي بعد كده قبل ما ننزل... عشان أمشي باصص في الأرض من الأول."

وأضاف بصوت خافت وهو يهز رأسه:
"جايبانا ناخد ذنوب هنا... هو الواحد ناقص."

ضحكت أميرة مرة أخرى، ثم ضربته بخفة على كتفه وهي تقول:
"يخربيتك... ضحكتني."

ابتسم لها، وشاركت عيناه ضحكتها، ثم أكملا السير.

لكن فجأة...اختفت الابتسامة من على وجهيهما معًا.

توقفت خطوات آدم فجأة، وضاقت عيناه وهو ينظر إلى الجانب الآخر من الطريق، حيث كان معتز يتلقى الضرب من عدة رجال في الوقت نفسه.

انعقدت ملامحه، واتسعت عيناه بصدمة، ثم قال بسرعة وقد ارتفع صوته:
"لا حول ولا قوة إلا بالله... ده هيقتلوه!"

وقبل أن تستوعب أميرة ما ينوي فعله، خلع حقيبة السفر من فوق كتفه ووضعها في يدها على عجل، وقال وهو يندفع للأمام:
"امسكي الشنطة... لازم ألحقه."

لكنها أمسكت بذراعه بسرعة، وقد شحب وجهها من الخوف، وقالت وهي تهز رأسها برفض:
"استنى يا آدم... رايح فين؟! ملناش دعوة بحد."

التفت إليها، وكانت نظراته حادة على غير عادته، وقال بلهجة حاسمة:
"ملناش دعوة إزاي يا أمي؟"

ثم أشار بيده نحو معتز، وأضاف بانفعال:
"الراجل هيموت... أسيبه؟!"

ولم ينتظر ردها...بل حرر ذراعه من يدها برفق، ثم انطلق يجري بأقصى سرعة.

وقفت أميرة مكانها تنظر إليه، بينما امتلأت عيناها بالخوف، وراحت تتمتم بالدعاء وهي تتابعه بعينيها المرتجفتين.

في تلك الأثناء...

كان أحد رجال الحراسة قد تحرك بصعوبة، متأوهًا من الألم، ثم أخرج مسدسه بيد مرتجفة، ووضع مخزن الذخيرة فيه بسرعة، قبل أن يرفع السلاح ويوجهه مباشرة نحو ظهر معتز، الذي كان يستدير متجهًا إلى سيارته دون أن يشعر بالخطر.

ركض آدم بكل قوته، حتى كادت أنفاسه تنقطع، ثم صرخ بأعلى صوته:
"خلي بالك... وراك!"

استدار معتز غريزيًا فور سماعه الصوت.

وما إن وقعت عيناه على فوهة المسدس المصوبة نحوه، حتى اتسعت عيناه، وشعر بقلبه يتوقف لوهلة.

لكن في اللحظة نفسها...وصل آدم.

قفز بكل قوته، ووجه ركلة عنيفة إلى ذراع الرجل، فانحرفت فوهة المسدس إلى أعلى، وانطلقت الرصاصة في الهواء.

لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه، بل أمسك بذراعه ولوى معصمه بقوة، فسقط السلاح من يده، ثم دفعه أرضًا، وثبت ذراعه خلف ظهره بإحكام، حتى علا صراخه من شدة الألم.

ظل معتز واقفًا في مكانه للحظات، يحدق فيما حدث أمامه، وأنفاسه تتلاحق بقوة، بينما كان قلبه يخفق بعنف.

لقد كان على بعد لحظة واحدة فقط من الموت.

في تلك اللحظة، ركضت أميرة نحوهما وهي تلهث من شدة القلق، وما إن وصلت إلى آدم حتى أمسكت وجهه بين كفيها، وأخذت تتفحصه بعينيها المرتجفتين، ثم مررت يديها بسرعة على كتفيه وذراعيه، وقالت بصوت اختلط فيه الخوف باللهفة:
"إنت كويس؟... جرالك حاجة؟"

ابتسم آدم ابتسامة هادئة ليطمئنها، رغم أن أنفاسه كانت لا تزال متسارعة، ثم قال بلطف:
"اطمني... مفيش حاجة."

ثم فرد ذراعيه ضاحكًا وقال:
"أهو... قدامك صاج سليم."

تنهدت أميرة براحة، وأغمضت عينيها للحظة وهي تحمد الله في سرها.

أما معتز، فتقدم نحوهما ببطء، ثم ألقى نظرة على الحارس المثبت أرضًا، قبل أن يرفع عينيه إلى آدم، وقد امتلأت ملامحه بالامتنان، وقال بصوت صادق:
"والله... مش عارف أقولك إيه... إنت أنقذت حياتي. شكـ..."

لكن آدم ابتسم وقاطعه بهدوء:
"متشكرنيش... الفضل لله وحده."

ثم أردف بابتسامة صافية:
"الحمد لله إنك بخير."

وقفت أميرة صامتة تنظر إلى معتز، وقد ارتبكت ملامحها بشدة، ثم نقلت بصرها إلى آدم، وشعرت بقلبها ينقبض.

لم تكن تتخيل...أن يكون أول يوم لـ آدم في القاهرة يكون اول لقاء بين الأخوين بهذا الشكل، وأن يقف كل واحد منهما أمام الآخر دون أن يعرف الحقيقة.

ابتسم معتز ابتسامة خفيفة، وقال بإعجاب:
"في الزمن ده... قليل تلاقي ناس زيك."

ثم أضاف وهو يومئ برأسه:
"جزاك الله خير."

اكتفى آدم بابتسامة متواضعة، ولم يقل شيئًا.

أما معتز، فالتفت إلى الحارس الملقى على الأرض، ثم ركله بقوة في بطنه، فانطلقت من الرجل صرخة ألم عالية.

بعدها رفع رأسه بسرعة، وأخذ يبحث بعينيه في الطريق، لكن سيارة عصام كانت قد اختفت تمامًا.

اشتد غضبه، وأطبق على فكيه بقوة، حتى برزت عروق عنقه.

وفي المقابل، أمسكت أميرة بذراع آدم وسحبته معها وهي تقول بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية رغم ارتباكها:
"عملت اللي إنت عايزه... يلا نمشي بقى."

نظر إليها آدم باستغراب وهو يسير بجوارها، وقال:
"طيب هنمشي... إنتِ مستعجلة كده ليه؟"

لكنها لم تجبه.

اكتفت بإكمال السير، بينما كانت تخفي اضطرابها خلف صمتها.

ظل معتز يراقبهما حتى ابتعدا عن ناظريه، ثم أطلق زفرة طويلة، ومرر يده بين خصلات شعره بعصبية، وقد اختلط داخله الغضب بالعجز.

وفجأة لمع شيء في ذهنه...استدار بسرعة نحو سيارته، واستقلها، ثم أدار المحرك وانطلق عائدًا إلى المستشفى، على أمل أن تكون مرام قد تركت خلفها أي خيط... يقوده إليها.

                      ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كانت تُقى تجلس مع إحدى صديقاتها في أحد المقاهي، تحتسي رشفة هادئة من كوب العصير الموضوع أمامها، بينما كانتا تتبادلان أطراف الحديث والضحكات الخافتة بين الحين والآخر.

وعلى بُعد مسافة ليست بالقليلة...كان مهران يجلس داخل سيارته، يراقبها في صمت.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة تلقائية، وهو يتأمل حركاتها العفوية، وتعابير وجهها المتبدلة مع كل كلمة تقولها، وحتى ضحكتها التي كانت تصل إليه رغم ضجيج المكان، فتجعل قلبه يخفق دون إرادة منه.

كان ينظر إليها بشرودٍ كامل...وكأن العالم كله اختفى من حوله، ولم يبقَ أمام عينيه سوى هي.

أسند ذراعيه فوق عجلة القيادة، ثم وضع ذقنه فوق كفيه، وظل يتابعها بعينين امتلأتا بعشقٍ واضح، لا يمل من النظر إليها ولو لثانية.

وبعد مرور بعض الوقت...انتهت جلسة تُقى مع صديقتها.

نهضت من مكانها، وحملت حقيبتها، ثم ودعتها بابتسامة، قبل أن تتجه بخطوات هادئة نحو سيارتها.

لكنها ما إن اقتربت منها...حتى توقفت فجأة.

تنهدت بضيق وهي تراه يقف أمامها، مبتسمًا ابتسامته المعتادة التي أبرزت غمازتيه.

انعقدت ملامحها، وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
"مش أنا قولتلك مش عايزة أشوفك... وخلصنا؟ عايز مني إيه؟"

أخرج إحدى يديه من جيب بنطاله، ثم أعادها إليه مرة أخرى، وقال بهدوء وهو ينظر مباشرة إلى عينيها:
"أريدكِ... أنتِ."

أغمضت عينيها لثانية، ثم زفرت بضيق وهي تتمتم:
"ياختييي..."

ثم رمقته بنظرة ساخرة، وقالت بحدة:
"وأنا أخبرتك أنني لا أريدك."

ضحك بخفة، متجاهلاً سخريتها ، ثم قال بنبرة مرحة:
"لقد ازددتُ عشقًا للغة العربية... منذ سمعتها تُنطق من فمك."

ظلت تنظر إليه لثوانٍ بصمت، ثم رفعت عينيها إلى السماء وقالت بيأس:
"أعمل إيه معاه ده يا ربي!"

ابتسم أكثر، لكن ملامحه سرعان ما أصبحت أكثر جدية، وقال بصوت هادئ:
"أعطيني فرصة... ربما تغيرين وجهة نظركِ تجاهي."

أجابته فورًا، دون أن تمنح نفسها لحظة للتفكير:
"لا..."

ثم هزت رأسها بقوة، وأكملت:
"لا... لا... لا."

وأشارت إليه بإصبعها وهي تقول بحزم:
"ياريت تكون فهمت بقى... وتسيبني في حالي وتبعد عني."

سكتت لحظة، وكأن فكرة خطرت ببالها، ثم قالت بثقة:
"وعشان ترتاح... أنا مخطوبة، وهتجوز كمان شهر."

ما إن أنهت جملتها...حتى انفجر مهران ضاحكًا.

ظل يضحك لثوانٍ، قبل أن يهدأ تدريجيًا، ثم نظر إلى يدها، وقال بابتسامة واثقة:
"وكيف ذلك... ولا يوجد خاتم في إصبعك؟"

ثم رفع عينيه إليها من جديد، وأضاف وهو يثبت نظراته داخل عينيها:
"أنا أعرف عنكِ كل شيء... لذلك لا تحاولي الكذب عليّ."

اقترب منها خطوة واحدة، ثم قال بثقة لم تهتز:
"ومهما حاولتِ إبعادي... فلن أبتعد."

ثم أردف، وقد ازدادت نبرته إصرارًا:
"وأحب أن أخبركِ... أنكِ لن تكوني لغيري."

ابتسم ابتسامة جانبية، وأكمل:
"وإن حدث ذلك... فسأدمر بلاد العرب أجمع، ولن يهمني أحد."

ضحكت تُقى ضحكة قصيرة، ثم هزت رأسها وهي تنظر إليه بعدم تصديق، وقالت بسخرية:
"لا... خوفت أنا كده."

ثم أشارت إليه بيدها، وأضافت بثقة:
"بقولك إيه... فكك مني، عشان اللي في بالك ده... مش هيحصل. وصلالك؟"

ولم تنتظر رده.. استدارت، واتجهت إلى سيارتها، ثم فتحت الباب وجلست خلف المقود.

كانت على وشك إغلاق الباب...لكن مهران وضع يده على إطار نافذة السيارة، ومنعها من إغلاقه، ثم انحنى قليلًا نحوها، وقال بابتسامته الواثقة التي لم تفارق وجهه:
"سنرى ذلك."

ثم أضاف وهو ينظر إليها بثبات:
"وأحب أن أخبركِ... أنكِ ستكونين لي في النهاية."

ظلّت تنظر إليه لثوانٍ بصمت، دون أن ترد بكلمة واحدة.

ثم هزت رأسها بيأس، وأغلقت النافذة، وأدارت المحرك.

انطلقت بسيارتها، تاركة إياه واقفًا مكانه.

أما هو...فظل يتابعها بعينيه حتى اختفت عن أنظاره، بينما بقيت تلك الابتسامة الواثقة مرسومة على شفتيه، وكأنه كان يرى مستقبلًا لا يراه سواه.. 

                       ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان نور يقف في منتصف غرفته، وقد تحولت إلى ساحة من الفوضى. الأثاث مبعثر، والزجاج المهشم يغطي الأرض، وكل ما وقعت عليه يداه حطمه دون تفكير.

وقف يلهث بعنف، والعرق يتصبب من جبينه بغزارة، بينما برزت عروق عنقه وذراعيه من شدة الغضب، وكان صدره يعلو ويهبط بسرعة وهو يصرخ بانفعالٍ لم يستطع السيطرة عليه:
"أنا... أنا تتسحب مني القضية... وتروح لمين؟! لواحد معفن زي ده... عشان يشوف نفسه عليّا!"

وعلى الطرف الآخر من الغرفة...كان فارس يجلس فوق الأريكة المتهالكة التي نجت بصعوبة من نوبة غضب ابنه، يراقبه بهدوءٍ تام، بل إن ابتسامة مستفزة ارتسمت على شفتيه، زادت من اشتعال غضب نور.

التفت إليه نور بعصبية، وعقد حاجبيه وهو يقول بضيق واستغراب:
"إيه... إنت مبسوط فيا؟!"

وأشار إلى الغرفة المدمرة من حوله، ثم أكمل بصوتٍ مرتفع:
"مبسوط إن ابنك خسر القضية... وفشل فيها؟!"

اتسعت ابتسامة فارس أكثر حتى ظهرت أسنانه، ثم قال ببساطة شديدة:
"آه... مبسوط."

اتسعت عينا نور بعدم تصديق، وحدق فيه للحظات، ثم قال بنبرة ارتفعت دون أن يشعر:
"طبعًا... ما إنت كان نفسك أسيب القضية من بدري، فأكيد هتبقى مبسوط دلوقتي!"

تنهد فارس في هدوء، ثم نهض من مكانه، وسار حتى وقف أمام ابنه مباشرة.. نظر إليه بثبات، ثم قال بنبرة جادة هادئة:
"خلينا نتكلم جد شوية."

سكت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر إلى ملامحه الغاضبة:
"أنا مقدر الموقف اللي إنت فيه دلوقتي... ومقدر شكلك قدام الواد المفعوص مجدي."

ظل نور ينظر إليه في صمت، محاولًا فهم ما يريد والده الوصول إليه.. فأردف فارس بهدوء:
"لكن... مش يمكن دي تكون إشارة من ربنا ليك؟"

انعقد حاجبا نور في حيرة، دون أن ينطق.. فواصل فارس حديثه بنفس النبرة الهادئة:
"مش يمكن كنت هتتأذى في القضية دي... فربنا بعدك عنها؟"

ثم أشار إليه بيده وأضاف:
"أو يمكن... عشان تركز في حياتك أكتر بعيد عن الشغل."

اقترب منه خطوة، وقال وهو يربت برفق على ذراعه:
"طول ما حياتك مش مستقرة، ومليانة مشاكل وضغط... عمرك ما هتعرف تركز في شغلك."

خفض نور بصره إلى الأرض.كان يعلم في داخله أن والده محق...فمنذ بدأت أزمته مع خاله، لم يعد ذهنه حاضرًا في القضية كما كان، وكل تفكيره انشغل بالانتقام واسترداد حقه.

ابتسم فارس ابتسامة خفيفة عندما لاحظ صمته، ثم أكمل:
"ركز دلوقتي على نفسك... وعلى مستقبلك... وعلى حياتك."

وأشار بيده وهو يتحدث:
"رتب أمورك... وحل مشاكلك... ولما تحس إنك بقيت مستقر، وقتها امسك قضية جديدة."

ثم نظر إليه بجدية وقال:
"إنما دلوقتي... حل حياتك الأول."

زفر نور بضيق، ثم جلس فوق الفراش المبعثر وهو يمرر يده في شعره بعصبية، وقال بصوتٍ أثقله الإرهاق:
"أحل مشاكلي إزاي... وأنا كل شوية واقع في مشكلة جديدة؟"

رفع رأسه إليه، وقد امتلأت عيناه بالضيق:
"أنا حياتي بقت عبارة عن مصايب ومشاكل وبس..."

ثم أطرق برأسه وهمس بتعب:
"أنا تعبت من كل ده."

ابتسم فارس ابتسامة جانبية، ثم قال بنبرة مازحة خففت من جدية الحديث:
"تعبت عشان شوية المشاكل دول؟"

رفع حاجبيه وأضاف وهو يكتم ضحكته:
"أومال لما تتجوز ويبقى عندك عيال... هتعمل إيه؟"

لم يتمالك نور نفسه، فأطلق زفرة طويلة، لكنه لم يرد.
اقترب فارس منه، ثم جلس إلى جواره، ووضع يده على كتفه وربت عليه بحنانٍ أبوي، وقال بهدوء:
"متتعبش نفسك بالتفكير في حاجات خلاص راحت."

ثم أضاف وهو ينظر إليه بثقة:
"فكك من القضية دي... وخليك طبيعي."

وأردف بابتسامة خفيفة:
"وبرضه... متحسسش مجدي إنه انتصر عليك."

نظر إليه نور باهتمام.. فأكمل فارس:
"خليه يشوفك عادي... ولا كأن حاجة حصلت."

ظل نور صامتًا للحظات، يفكر في كل كلمة قالها والده، ثم بدأ يقتنع تدريجيًا بما يسمعه.

ربت فارس على كتفه مرة أخيرة، ثم نهض واتجه نحو الباب، وهو يقول بخفة:
"يلا بقى... شد حيلك، ورتب الأوضة اللي بقت زريبة دي."

رفع نور رأسه إليه، وقال باستياء مصطنع:
"طيب... مش هتساعدني؟"

توقف فارس عند الباب، واستدار إليه، ثم نظر له باستنكار وقال:
"أساعد مين؟"

وأشار إلى الغرفة المدمرة وهو يكمل:
"مش إنت اللي قلبت الدنيا كده؟ يبقى إنت اللي ترتبها."

ثم هز رأسه وأضاف بلهجة ساخرة:
"عشان متتعودش كل ما تتعصب... تفش غلك في الأوضة."

فتح الباب، ثم خرج وهو يتمتم بصوتٍ وصل إلى أذن نور:
"الله يكون في عون اللي هتقع من نصيبك... دي أمها داعية عليها."

لم يستطع نور منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتيه رغم ضيقه.

هز رأسه بيأس، ثم نظر إلى الفوضى التي أحاطت به من كل جانب، وأطلق تنهيدة طويلة، قبل أن يمرر يده في شعره... 

                  ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

عاد معتز إلى الغرفة التي كانت ترقد فيها مرام داخل المستشفى، وأغلق الباب خلفه بهدوء.

ساد الصمت المكان...تحرك بعينيه في أرجاء الغرفة بتركيز، يتفحص كل زاوية فيها، يبحث عن أي شيء... أي أثر ربما تركته خلفها، قد يقوده إليها أو يخبره إلى أين أخذها عصام.

تقدم ببطء بين الأثاث، وقلب بصره في الفراش والطاولة المجاورة له.

لكن...ما إن وقعت عيناه على شيء صغير ملقى بجوار السرير...حتى تجمد مكانه.. اتسعت عيناه بصدمة، وتسارعت أنفاسه دون أن يشعر.

تقدم نحوه بخطوات بطيئة مترددة، وكأنه يخشى أن يكون ما يراه مجرد وهم.

انحنى بجسده، ثم التقط السلسلة من فوق الأرض بأطراف أصابعه.. ظل يحدق فيها طويلًا...وعيناه تمتلئان بعدم التصديق.

همس بصوت خرج بالكاد:
"مستحيل..."

كانت هي...القلادة نفسها.

قبض عليها بقوة، وفي اللحظة نفسها...عاد به الزمن سنوات طويلة إلى الوراء.

كان يجلس بجوار صغيرته في مكانهما المعتاد، وعلى وجهه ابتسامة واسعة يخفي خلفها حماسه.

نظر إليها بعينين لامعتين، وقال بفخر:
"عندي مفاجأة ليكي."

اتسعت عيناها بفرحة، وقفزت من مكانها وهي تصفق بحماس، ثم قالت بلهفة:
"بجد؟! طيب ورهالي بسرعة."

ابتسم معتز، ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة أنيقة، ومدها إليها وهو يقول:
"افتحيها."

تناولتها منه بسرعة، وفتحتها بحماس.وما إن وقعت عيناها على ما بداخلها...حتى شهقت بانبهار.

كانت قلادة على شكل هلالٍ أزرق، هادئة المظهر تحت ضوء الشمس، لكنها كانت تتوهج بنورٍ غريب كلما حل الظلام، وكأن بداخلها قلبًا صغيرًا لا يستيقظ إلا ليلًا.

وضعت يدها على فمها من شدة فرحتها، ثم التقطتها برفق، وقالت وهي تتأملها بانبهار:
"دي تحفة أوي... إنت جايبها منين دي؟"

نفخ صدره بغرورٍ مصطنع، وقال وهو يرفع رأسه بثقة:
"أنا اللي صممتها بنفسي."

نظرت إليه بعينين تضيقان بعدم اقتناع، فابتسم ضاحكًا، وأضاف بسرعة:
"أنا وجدي العمدة ساعدني فيها."

ثم أكمل بحماس طفولي:
"أنا إن شاء الله لما أكبر هعمل مشروع كبير، وأصمم فيه حاجات مختلفة زي دي... أصل جدي علمني كويس، وأنا شاطر جدًا في الشغل ده."

ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة مليئة بالإعجاب، ثم أعادت النظر إلى القلادة. 

أما معتز...فلم يكن ينظر إلى القلادة أصلًا.. بل كان ينظر إلى فرحتها.. واكتفى بابتسامة هادئة وهو يرى السعادة تملأ ملامحها.

ثم قال برضا:
"إنتِ أول واحدة هتلبسها."

رفعت رأسها إليه باستغراب.

فأضاف بفخر:
"عشان مفيش منها نسخة تانية... دي أول تصميم عملته في حياتي."

نظرت إليه بعينين امتلأتا بالامتنان، وقالت بابتسامة مشرقة:
"بجد... شكرًا."

ابتسم لها، ثم أخذ القلادة من بين يديها برفق.. أزاح خصلات شعرها إلى الخلف، وأغلق القفل حول عنقها بحرص.

ثم ابتعد خطوة، وأخذ يتأملها، قبل أن يبتسم برضا وهو يقول:
"كده بقت أحلى."

عاد معتز إلى واقعه فجأة.. رمش عدة مرات، وكأنه يحاول استيعاب ما اكتشفه للتو.

ظل يحدق في القلادة بين يديه، بينما كانت الصدمة تسيطر على ملامحه بالكامل.

همس بصوت مرتجف:
"مرام..."

ثم هز رأسه بعدم تصديق، وكأن عقله يرفض استيعاب الحقيقة.
"إنتِ... هي."

هي نفسها...صديقة طفولته التي اختفت فجأة منذ سنوات، وظل يبحث عنها وينتظر عودتها دون أن يفقد الأمل يومًا.

اشتدت قبضته على القلادة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

وفي اللحظة نفسها...مرت أمام عينيه صور مرام وهي تبكي، وآثار الضرب التي غطت جسدها، ونظرات الرعب والانكسار التي كانت تملأ عينيها.

اشتعلت عيناه بغضبٍ مرعب.. وانقبض فكّه بقوة حتى برزت عضلاته.. ثم أغلق كفه على القلادة بقوة أكبر، وقال بصوتٍ منخفض لكنه كان يحمل من الوعيد ما يكفي لإشعال حرب كاملة:
"قسماً بالله" 

سكت لحظة، بينما كانت عيناه تشتعلان غضبًا.. ثم أكمل بنبرة حاسمة:
"هخليك تدفع تمن كل دمعة نزلت منها... وتمن كل وجع عاشت فيه بسببك "

                 ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

دخل فارس إلى المطبخ بخطوات هادئة، ثم سحب أحد الكراسي وجلس عليه، وأسند مرفقه فوق الطاولة، ووضع كفه تحت ذقنه، بينما كانت عيناه معلقتين بياسمين وهي تتحرك بين الخزائن والثلاجة، تُعد له العصير الذي يحبه.

لم يرمش تقريبًا...كان يتأملها بابتسامة هادئة، وكأن مجرد رؤيتها أمامه يكفي ليمنحه راحةً افتقدها طويلًا.

وضعت ياسمين الفاكهة داخل الخلاط، ثم ضغطت على زر التشغيل، فامتلأ المكان بصوته.

استدارت نحوه، وما إن وجدته لا يزال ينظر إليها بالطريقة نفسها، حتى ضحكت بخفة، وهزت رأسها قائلة بمشاكسة:
"بتبصلي كده ليه؟"

اتسعت ابتسامته، وقال بنبرة يغلب عليها الحب:
"يعني بذمتك... حد يبقى القمر واقف قدامه ومايبصش له؟"

خفضت رأسها خجلًا، ثم ابتسمت وهي تكمل إعداد العصير.. وبعد لحظات...سكبته في كوب زجاجي، ووضعته أمامه، ثم جلست على الكرسي المجاور له، وقالت وهي تنظر إليه بحنان:
"عينيك هي اللي قمر... عشان كده شايف كل حاجة قمر."

ابتسم وهو يلتقط الكوب، ثم ارتشف منه رشفة صغيرة، وأغمض عينيه مستمتعًا بطعمه، قبل أن يهز رأسه نافيًا ويقول:
"تؤ... تؤ."

ثم نظر إليها بعشق وأضاف:
"مش الكل... إنتِ بس."

ازدادت ابتسامتها اتساعًا، بينما شعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجنتيها.

وضع فارس الكوب على الطاولة، ثم التفت إليها وقال بهدوء:
"نفسك في إيه؟"

عقدت حاجبيها باستغراب، وأعادت السؤال:
"نفسي في إيه؟"

أومأ برأسه موضحًا، وقال:
"آه... قوليلي نفسك تعملي إيه؟ أو نفسك في حاجة ومش موجودة عندك... أي حاجة نفسك تعيشيها."

أسندت رأسها إلى كفها، وأخذت تفكر بتركيز، وهي تتمتم:
"أممم... نفسي في إيه؟"

وظلت صامتة لثوانٍ، قبل أن تشرق عيناها فجأة، وقالت بحماس طفولي:
"آه... افتكرت."

نظر إليها مبتسمًا، منتظرًا حديثها.. فقالت وهي تلوح بيديها بحماس:
"بص... هي حاجة غريبة شوية... ويمكن سخيفة كمان."

ثم ضحكت بخجل، وأضافت:
"بس نفسي أجربها من زمان... وأعيش إحساسها."

مال برأسه قليلًا، وقال باستفهام:
"طيب... إيه هي؟"

أجابته بسرعة:
"عارف فيلم تايتنك؟ جاك وروز؟"

هز رأسه بالإيجاب.. فابتسمت وهي تكمل بحماس واضح:
"نفسي أعيش اللحظة اللي كانت روز واقفة فيها على سور السفينة، وفاتحة إيديها... وجاك واقف وراها وحاضنها."

تنهدت وهي تبتسم بشرود:
"بجد... نفسي أعيش الإحساس ده ولو مرة."

نظر إليها للحظات، ثم رفع حاجبه وهو يحاول كتم ضحكته، وقال:
"ده بجد؟"

احمر وجهها قليلًا، وضربته بخفة على ذراعه وهي تقول بإحراج:
"مش قولتلك حاجة سخيفة ومش منطقية!"

ثم أشاحت بوجهها وأضافت:
"خلاص... بلاش."

وسرعان ما غيرت الحديث وهي تنظر إليه:
"قولي بقى... إنت نفسك في إيه؟"

ساد الصمت بينهما للحظات.. ظل فارس ينظر إلى الطاولة بشرود، ارتسم حزن خاطف على ملامحه...لكنه أخفاه سريعًا خلف ابتسامة هادئة، ثم قال:
"كان نفسي... نجيب أخ لنور."

رفع عينيه إليها، وأكمل بصوت خافت:
"كانوا يبقوا سند لبعض."

ابتسمت ياسمين بحنان، ثم قالت وهي تربت على يده برفق:
"وأنا كمان كنت أتمنى ده."

ثم تنهدت برضا، وأكملت:
"لكن نعمل إيه... دي إرادة ربنا."

وابتسمت وهي تضيف:
"وبعدين ما مريم معاه... هما فعلًا سند لبعض، وواقفِين جنب بعض في المُرّة قبل الحلوه ."

ابتسم فارس، وأومأ برأسه موافقًا على كلامها.. ثم تناول كوب العصير مرة أخرى، وارتشف منه قليلًا، قبل أن ينظر إليها فجأة ويسألها بهدوء:
"مش ندمانة؟"

نظرت إليه باستغراب، وقالت:
"ندمانة على إيه؟"

أنزل الكوب من يده، وثبت عينيه داخل عينيها، ثم قال بصوت هادئ:
"إنك سيبتي مستقبلك... ووقفتي دراستك عشاني... وعشان نور."

لم تتردد في الإجابة.. ابتسمت ابتسامة دافئة، ثم مدت يدها إليه، وأمسكت كفه بكلتا يديها، وشبكت أصابعها بأصابعه، وقالت وهي تنظر إليه بكل الحب الذي تحمله له:
"إنتو مستقبلي."

ثم هزت رأسها برفق، وأضافت بابتسامة راضية:
"وأي حاجة تانية... مش مهمة."

ساد الصمت بينهما للحظات...لكنه كان صمتًا مليئًا بالمشاعر.

ابتسم فارس، وشعر بدفء كلماتها يتسلل إلى قلبه.. مد ذراعيه نحوها، وجذبها برفق إلى صدره.

أغمضت ياسمين عينيها، ورفعت ذراعيها لتبادله العناق بكل ما تحمله له من حب وطمأنينة، بينما ظل هو يحتضنها في صمت، وكأنه يحاول أن يحفظ تلك اللحظة داخل قلبه، خوفًا من أن يأتي يوم يشتاق إليها فيه.. 

                         ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
جلس نور بجوار والده على الأريكة، ثم نظر إليه باستغراب وهو يقول بهدوء:
"كنت عايزني؟"

رفع فارس رأسه عن الهاتف، ونظر إلى ابنه لثوانٍ، ثم أغلق الهاتف ووضعه جانبًا، وقال بنبرة هادئة:
"آه... عايزك في حاجة."

هز نور رأسه في هدوء، وعدل جلسته وهو يقول باهتمام:
"سامعك يا بابا."

ظل فارس ينظر إليه للحظات، وكأنه يرتب كلماته في رأسه، ثم قال بهدوءٍ لم يحمل أي تردد:
"عايزك تتجوز الأسبوع الجاي."

ما إن سمع نور الجملة...حتى أشرقت ملامحه، واتسعت ابتسامته، ولمعت عيناه بسعادة، وقال بحماس:
"طيب تصدق... أنا لسه كنت هكلمك في الموضوع ده، وهقولك..."

لكن فارس قاطعه قبل أن يكمل، وقال بنفس هدوئه، وهو ينظر مباشرة إلى عينيه:
"من خديجة."

اختفت ابتسامة نور في لحظة.. تجمدت ملامحه تمامًا، واتسعت عيناه بذهول، وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله بعد.

ظل يحدق في والده لثوانٍ طويلة دون أن ينطق، قبل أن يخرج صوته متقطعًا من شدة الصدمة:
"نعم؟"

أومأ فارس برأسه في هدوء، وأعاد كلامه بوضوح، حتى يقطع أي شك:
"هتتجوز خديجة... الأسبوع الجاي."

الفصل الثاني والعشرون 
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"

أومأ فارس برأسه في هدوء، وأعاد كلامه بوضوح، قاطعًا أي مجال للشك:
"هتتجوز خديجة... الأسبوع الجاي."

نهض نور من مكانه دفعة واحدة، حتى تحرك المقعد خلفه قليلًا، واتسعت عيناه بصدمة واضحة، ثم قال بصوت ارتفع دون أن يشعر، امتزج فيه الضيق بالغضب:
"أتجوز خديجة؟!... إنت بتهزر؟... قولي إن ده هزار."

ظل فارس على هدوئه المعتاد، لم تتغير ملامحه، ولم يبدُ عليه أي أثر للمزاح.

هز نور رأسه ببطء، وقد فهم من نظرات والده الهادئة أنه يتحدث بمنتهى الجدية.. مرر يده في شعره بعصبية، ثم قال بانفعال أكبر:
"أنا مستحيل أتجوزها... وإنت إزاي أصلًا عايزني أتجوزها، وإنت عارف كويس إني بحب ميرال، ومش هتجوز غيرها! وأظن إننا اتكلمنا في الموضوع ده من تلات سنين... يبقى ليه دلوقتي بنعيد نفس الكلام؟"

نظر إليه فارس بثبات، ثم أجاب بصوت هادئ:
"لأنك لسه متعرفش الدنيا كويس... وأنا باختارلك الأحسن."

ضحك نور بسخرية خافتة، وهز رأسه غير مصدق ما يسمعه، ثم قال بحدة:
"أنا مش صغير يا بابا... وفاهم الدنيا كويس أوي، وأعرف أختار اللي يناسبني. وخديجة... أنا مش هتجوزها."

صمت لحظة، وهو يحاول كبح غضبه، لكنه لم يستطع، فأكمل بصوت أكثر انفعالًا:
"وعايزني إزاي أصلًا أناسب ناس اتهموني في شرفي؟! هو وبنته كانوا السبب في اللي حصلي... وبسببهم خسرت القضية! إزاي عايزني أبقى نسيبهم بعد كل اللي عملوه فيا؟!"

أجابه فارس بنفس هدوئه، وكأنه لا يريد أن يسمح لغضب ابنه بأن ينتقل إليه:
"أنا ميهمنيش حد فيهم... اللي يهمني خديجة. وإنت بنفسك قولت إنها معملتش حاجة... إنت هتتجوزها هي، مش أبوها."

أغمض نور عينيه لثوانٍ، ثم مسح وجهه بعنف بكفيه، وزفر بضيق شديد قبل أن يقول:
"متقولش هتتجوزها... لأن ده مش هيحصل."

ثم أشار إلى نفسه بحزم، وقال وهو ينظر في عيني والده مباشرة:
"الحاجة الوحيدة اللي هتحصل من كلامك... إني فعلًا هتجوز خلال أسبوع... لكن مش خديجة."

توقف لحظة، ثم قال بثقة لا تقبل النقاش:
"أنا هتجوز ميرال... ومش هتجوز غيرها."

أنهى كلماته، ثم استدار وغادر المكان بخطوات سريعة، دون أن ينتظر رد والده.. وما إن خرج إلى الردهة حتى لمح والدته.

توقفت ياسمين عن السير، ونظرت إليه باستغراب بعدما رأت الضيق المرتسم على ملامحه.. بادلها نظرة سريعة، لكنه لم ينطق بحرف، ثم أكمل طريقه مسرعًا.

ظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى عن ناظريها، ثم التفتت إلى فارس، ودخلت إليه.

كان لا يزال جالسًا في مكانه، بنفس هدوئه، وكأن شيئًا لم يحدث.. وقفت أمامه، فعاد يرفع رأسه إليها.. عقدت حاجبيها، وقالت باستغراب ممزوج بالعتاب:
"أنا مش فاهمة... إنت ليه عايز تجبره على الجوازة دي؟"

صمت فارس للحظات، ثم أجاب بنبرة هادئة:
"لأني باختارله مستقبله... وميرال مش مناسبة ليه."

هزت ياسمين رأسها بعدم اقتناع، ثم قالت:
"يعني إنت فاكر إنك لما تجبره على الجواز من خديجة يبقى ده الحل؟"

توقفت قليلًا، ثم جلست أمامه، وقالت بهدوء أكبر:
"أنا عارفة... ومتأكدة إن خديجة أفضل من ميرال بمليون مرة... لكن مش بالطريقة دي يا فارس."

نظرت إليه ثم أكملت:
"لو ربنا كاتبلهم يبقوا لبعض... هيبقوا لبعض مهما حصل... لكن بلاش تجبرهم. إنت كده ممكن تدمر حياتهم."

ثبت فارس نظره عليها.لم يكن يريد أن يدمر حياة ابنه... بل كان يحاول أن ينقذه.. لكن كيف يشرح لها ذلك؟

تابعت ياسمين حديثها برفق:
"نور بيحب ميرال... والحب مش بإيد الإنسان، بييجي غصب عنه."

ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم سألته بهدوء:
"إنت... لما حبيتني قبل ما نتجوز... كان ينفع تتجوز واحدة غيري؟"

ظل صامتًا، ثم هز رأسه بالنفي.. ابتسمت بحزن، وقالت:
"يبقى إزاي عايزه يتجوز واحدة غير اللي بيحبها؟"

اقتربت منه أكثر، وجلست بجواره، ثم أمسكت يده بين يديها برفق، وقالت:
"اديهم وقت... مين عارف بكرة مخبي إيه."

ظل صامتًا للحظات، ثم قال بصوت خرج منفعلاً وممزوج بالحزن:
"بس... أنا معنديش وقت."

اختفت ابتسامتها في الحال.. تركت يده ببطء، وحدقت فيه بقلق، وقالت:
"يعني إيه... معندكش وقت؟"

أغمض فارس عينيه لثوانٍ، وأخذ نفسًا عميقًا يحاول به أن يسيطر على اضطراب صدره، ثم فتح عينيه من جديد، وقال وهو يتجنب النظر إليها:
"أنا... مش قادر أصبر أكتر من كده على العلاقة دي... أنا مش مرتاح للبنت دي."

ضيقت ياسمين عينيها وهي تراقبه، ثم قالت بحيرة:
"وأنا نفسي أعرف... إنت مش مرتاحلها ليه؟ عشان أسلوبها؟ ولا تصرفاتها؟ ولا لبسها؟... ولا فيه حاجة تانية إنت مخبيها ومش عايز تقولها؟"

رفع عينيه إليها، وقال بجدية شديدة:
"كلها على بعضها... مش قادر أتقبلها، ومش عايزها لابني."

توقف لحظة، ثم أكمل بصوت خافت لكنه حاسم:
"جوايا إحساس... مش مطمني ناحيتها."

نظر بعيدًا، ثم قال وهو يشبك أصابعه ببعضها:
"وأنا... إحساسي عمره ما خيب ظني."

وضعت ياسمين يدها على كتفه، وربتت عليه برفق محاولة تهدئته، وقالت بصوت دافئ:
"طيب... اهدى. واللي ربنا كاتبه... هو اللي هيحصل."

نظر إليها بصمت، ثم شبك أصابعه ببعضها، وأدار وجهه بعيدًا.

كيف يخبرها...أن الوقت الذي يتحدث عنه ليس وقت انتظار زواج نور...بل الوقت المتبقي من عمره؟

كيف يقول لها إن كل يوم يمر، يشعر فيه أن النهاية تقترب أكثر؟

كل ما كان يتمناه...أن يطمئن عليهم قبل أن يرحل.

شعر بوخزة حادة في صدره، فانقبضت ملامحه للحظة، وأغمض عينيه بقوة، محاولًا ابتلاع ألمه، كما اعتاد دائمًا...حتى لا تلاحظ ياسمين شيئًا.. 

                        ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
أدخلها عصام إلى غرفةٍ مهجورة، ثم دفعها بقسوة، فسقطت على الأرض بعنف.

شهقت بألم، وسرعان ما زحفت إلى الخلف بكل ما تملكه من قوة، بينما كانت عيناها لا تفارقانه وهو يدير المفتاح في الباب ويغلقه خلفه ببطء.

استدار إليها...ثم بدأ يقترب بخطواتٍ بطيئة وثابتة، وعلى شفتيه ابتسامة باردة أرعبتها أكثر من صراخه، وقال بفحيحٍ مخيف:
"كل اللي شوفتيه مني... كوم... واللي جاي كوم تاني."

ارتجف جسدها بعنف، واستمرت في التراجع إلى الخلف وهي تسند نفسها بكفيها، حتى وضعت إحدى يديها فوق بطنها بحركة غريزية، وقالت بصوتٍ متقطع من شدة الخوف:
"أنا... أنا حامل... في... ابنك."

توقفت خطواته فجأة.

ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة، وقد انعقد حاجباه، بينما راحت عيناه تتفحصان ملامحها وكأنهما يبحثان عن كذبة.

ثم قال ببطء، ونبرة الشك تملأ صوته:
"حامل... مني؟"

مال برأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة قبل أن يضيف بازدراء:
"ولا... منه؟"

اتسعت عيناها بصدمة، ثم تحولت ملامحها في لحظة إلى غضبٍ ممزوج بالقهر، وقالت وهي تهز رأسها بقوة:
"إنت إزاي لسه بتفكر بالطريقة دي؟! الطفل ده ابنك إنت... أنا محدش لمسني غيرك."

ظل ينظر إليها بصمت، ثم هز رأسه ببطء، وأطلق زفرة طويلة، وقال بنبرة تحمل سخرية واستهزاء:
"والمفروض... أصدقك؟"

رمقته بنظرة امتلأت بالكراهية والاشمئزاز، بينما كانت دموعها تنساب فوق خديها دون توقف.

اقترب منها أكثر...فازدادت هي تراجعًا، حتى اصطدم ظهرها بالحائط، ولم يعد أمامها أي مكان تهرب إليه.

وقف أمامها مباشرة، فرفعت رأسها إليه ببطء، وكانت شفتاها ترتجفان، وأنفاسها تتلاحق من شدة الرعب.

انحنى نحوها فجأة، ثم قبض على شعرها بعنف، فصرخت متألمة، بينما جذب رأسها إليه وهمس بجوار أذنها بصوتٍ تقشعر له الأبدان:
"مش إنتِ اللي كنتِ عايزة تهربي مني؟... ماشي... أنا هوريكي نتيجة اللي عملتيه."

ترك شعرها بعنف، فتراجع جسدها وهي تبكي بشهقات متلاحقة، لكن قبل أن تتمكن من الابتعاد...انهال عليها بالضرب، مستهدفًا بطنها.

ارتفع صراخها في أرجاء الغرفة، ووضعت كلتا يديها فوق بطنها محاولةً حمايتها، بينما كانت تتلوى من شدة الألم وتبكي بحرقة، تتوسله أن يتوقف، لكنه لم يلتفت إلى توسلاتها.

وبعد دقائق...توقف أخيرًا.

كان يلهث بعنف، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، بينما كانت عيناه محمرتين من شدة الغضب.

أما هي...فكانت منكمشة على نفسها، تضم بطنها بكلتا يديها، وتصرخ من الألم، ووجهها قد شحب تمامًا.

وفجأة...شعرت بسائلٍ دافئ يسيل على ساقها.

تجمدت للحظة...ثم أنزلت بصرها ببطء، واتسعت عيناها بصدمة، قبل أن تغمضهما بقهرٍ وانكسار.

انهارت تبكي وهي تدرك... أن طفلها قد فقدته.

ظل عصام ينظر إليها بعينين خاليتين من أي رحمة، ثم أشار إليها بإصبعه، وقال ببرودٍ مخيف:
"لسه... مشوفتيش مني حاجة."

ثم أردف وهو يرمقها بنظرة قاسية:
"وهتفضلي هنا... وكل يوم هتتعذبي بطريقة شكل... ووريني بقى هتهربي مني إزاي... ولا مين هيقدر ينقذك من تحت إيدي."

استدار بعدها وغادر الغرفة.. وقبل أن يغلق الباب...أطفأ الأنوار.

غرقت الغرفة في ظلامٍ دامس.. ثم أغلق الباب خلفه، فدوى صوت انغلاقه داخل المكان كأنه إعلانٌ بانتهاء آخر أمل لديها.

رفعت رأسها تنظر حولها في الظلام، واتسعت عيناها برعب، ثم انفجرت تصرخ وسط شهقاتها:
"لا... متسبنيش... أرجوك... خرجني من هنا!"

لكن لم يجبها أحد.. لم تسمع سوى صدى صوتها المرتد من جدران الغرفة.

انكمشت أكثر على نفسها، واحتضنت بطنها المرتجفة، بينما تعالت شهقات بكائها، وملأ صوت انكسارها المكان بأكمله.. 

              ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

فتحت باب الفيلا ودخلت بخطواتٍ سريعة، ثم أغلقته خلفها وهي تلتقط أنفاسها.. كانت هي نفس الفتاه سارقة السيارة. 

لكنها ما إن رفعت رأسها...حتى تجمدت في مكانها.

كان رجل يجلس على الأريكة بكل هدوء، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وكأنه صاحب المنزل، بعد أن اقتحمه دون استئذان.

لم ينظر إليها، واكتفى بأن قال بصوته الغليظ:
"كنتي فين لحد دلوقتي؟"

زفرت بضيق، ثم تقدمت نحوه بخطوات غاضبة، وألقت مفاتيح السيارة فوق الطاولة بقوة، فصدر عنها صوتٌ حاد قطع الصمت.

وقفت أمامه مباشرة، ونظرت إليه بحدة، وقالت بصوت مرتفع:
"إنت إزاي تدخل بيتي من غير إذني؟! وكام مرة قولتلك... سبوني في حالي! أنا مبقتش عايزة أكمل."

ضحك بسخرية، ثم رفع رأسه إليها أخيرًا، وقال باستهزاء:
"هو دخول الحمام... زي خروجه؟"

وقبل أن ترد...دوى صوتٌ صغير من الغرفة المجاورة:
"ماما!"

التفتت فورًا نحو الصوت، فاتسعت عيناها عندما رأت طفلًا صغيرًا يركض نحوها فاتحًا ذراعيه وهو يناديها بخوف وبكاء:
"ماما!"

تبدلت ملامحها في لحظة، وركضت نحوه وهي تقول بخوفٍ واضح:
"حسن!"

لكن قبل أن تصل إليه...أسرع الرجل، فأمسك الطفل وسحبه إليه بقوة.

توقفت مكانها، واشتعل الغضب في عينيها، ثم صاحت بانفعال:
"ابعد عن ابني!... طلّعوه برا الموضوع ده... ملوش ذنب."

ظل ينظر إليها بثباتٍ بارد، بينما كانت إحدى يديه ممسكة بالطفل، وقال بهدوءٍ أثار غضبها أكثر:
"ابنك هيفضل معانا... لحد ما مهمتك تخلص."

اقتربت منه خطوة، ثم رفعت إصبعها في وجهه وهي ترتجف من شدة الغضب، وقالت بصوتٍ حاد:
"على جثتي!... إنت سامع ولا لأ؟! اللي هيمس شعرة من ابني... همحيه من على وش الأرض."

ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية ساخرة، ثم قال ببرود:
"إنتِ عارفة كويس أوي... إنك متقدريش تعملي أي حاجة."

ثم تبدلت نبرة صوته، وظهر الغضب واضحًا في ملامحه وهو يقول:
"الواد ده لازم توقعيه بأسرع وقت... سامعة ولا لأ؟ خلال فترة صغيرة يكون تحت إيدينا."

ثم مال برأسه وأضاف بنبرة تحمل تهديدًا صريحًا:
"ولو محصلش كده..."

نظر إلى الطفل بين ذراعيه، ثم أعاد بصره إليها وقال ببرودٍ مخيف:
"يبقى اترحمي على ابنك."

حدقت فيه بعينين امتلأتا بالغضب والخوف في آنٍ واحد.

ثم انتقلت نظراتها إلى طفلها، الذي كان يبكي ويرتعش وهو يحاول الإفلات من قبضته.

استدار الرجل، وبدأ يسحبه خلفه متجهًا إلى الخارج.

التفت الطفل إليها وهو يمد يده الصغيرة نحوها، وصرخ باكيًا:
"ماما... متسبنيش... أنا خايف."

قبضت على كفيها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها.. ظل عقلها يعمل بسرعة، وعيناها لا تفارقان ابنها.

وفي لحظة...حسمت قرارها.. مدت يدها ببطء إلى خلف سترتها، وأخرجت سلاحًا كانت تخفيه.. رفعته بكلتا يديها، وثبتت قبضتها رغم ارتجاف أنفاسها.

صوبت نحوه بدقة...ثم ضغطت على الزناد.. دوّت عدة طلقات متتالية داخل الفيلا.

ترنح الرجل للخلف، ثم سقط أرضًا، بينما بدأت الدماء تنتشر من حوله.

أما الطفل...فانفجر في البكاء من شدة الخوف.

ألقت السلاح جانبًا، ثم ركضت إليه بسرعة، وضمته إلى صدرها بقوة، وهي تربت على رأسه محاولة تهدئته، رغم أن يديها كانتا ترتجفان.

همست له بصوتٍ متقطع:
"خلاص... خلاص يا حبيبي... ماما معاك."

ثم حملته بين ذراعيها، وأسرعت خارج الفيلا دون أن تلتفت خلفها.

فتحت باب السيارة بسرعة، وأجلسته في المقعد المجاور، ثم ركبت خلف المقود وأدارت المحرك.

انطلقت السيارة بأقصى سرعة.

كانت أنفاسها متلاحقة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما كانت قبضتاها تشدان بقوة على عجلة القيادة، وعيناها تراقبان الطريق والمرآة في الوقت نفسه، خوفًا من أن يكون الوقت قد تأخر... أو أن يكون أحدهم قد بدأ بالفعل في ملاحقتهما... 

                  ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
نزل فارس درجات الفيلا ببطء، يحمل حقيبة سفره بيده، بينما كانت ياسمين تسير بجواره وهي تنظر إليه بين الحين والآخر بابتسامة هادئة.

توقف عند آخر درجة، ثم وقعت عيناه على نور، الذي كان يجلس على الأريكة ممسكًا بهاتفه، يتظاهر بالانشغال به، متجنبًا النظر إليه.

تنهد فارس بصمت، ووضع حقيبة السفر أرضًا، ثم اقترب منه عدة خطوات وقال بنبرة هادئة:
"أنا وأمك هنسافر كام يوم... يكون خلالهم فكرت كويس في كلامي."

رفع نور رأسه أخيرًا، ونظر إليه بثبات، ثم قال بإصرار لا يخلو من الضيق:
"أنا مش محتاج أفكر... أنا عند قراري... ومش هتجوزها."

ظل فارس يحدق فيه للحظات، ثم تحرك.. انحنى والتقط حقيبة السفر من جديد، وقال بهدوء لم يتغير:
"فكر تاني... لحد ما نرجع."

نقلت ياسمين بصرها بينهما، ثم عقدت حاجبيها وقالت باستغراب:
"بس إنت لحد دلوقتي مقولتش... إحنا رايحين فين؟"

التفت إليها فارس، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، وقال بنبرة حاول أن يجعلها مرحة:
"هتعرفي في الطريق... يلا، معاد الطيارة قرب."

ابتسمت وهي تهز رأسها، ثم اتجهت نحو نور.. انحنت قليلًا، وقبلته على خده بحنان، وقالت وهي تمرر يدها على شعره:
"خد بالك من نفسك... ومن مريم لحد ما نرجع."

اكتفى بهزة خفيفة من رأسه دون أن ينظر إليها، بينما بقيت عيناه معلقتين بشاشة هاتفه.

تبادل فارس وياسمين نظرة صامتة، ثم غادرا المنزل، وأغلق الباب خلفهما.

ظل نور ينظر إلى الباب بعد رحيلهما لثوانٍ طويلة، ثم ألقى الهاتف بجواره وزفر بضيق.

امتزج الغضب بالحزن داخل صدره...كان يعلم أنه أغضب والده، لكنه في المقابل لم يكن قادرًا على تنفيذ ما يطلبه منه.

خرج فارس إلى السيارة، ووضع حقيبة السفر داخل الصندوق الخلفي، ثم أغلقه برفق.

التفت إلى ياسمين، فوجدها قد جلست في المقعد المجاور تنتظره بابتسامة مليئة بالحماس.

ابتسم لها تلقائيًا، ثم استدار، وجلس خلف عجلة القيادة، وأدار المحرك، لتنطلق السيارة بهما.

طوال الطريق...كانت ياسمين تلتفت إلى الطرقات من حولها بين حين وآخر، ثم تعود لتنظر إليه بفضول واضح، لكنها لم تسأله مرة أخرى.

أما هو...فاكتفى بابتسامة هادئة كلما لمح نظراتها.

وبعد فترة...وصلا إلى المطار.

أنجزا إجراءات السفر، ثم مرا عبر نقاط التفتيش، قبل أن يتوجها إلى الطائرة.

جلس كلٌ منهما في مقعده، وربطا حزام الأمان.

ألصقت ياسمين وجهها قليلًا بزجاج النافذة، تنظر إلى الطائرات الواقفة في الخارج، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، وامتلأت عيناها بحماس طفولي.

التفت إليها فارس...وظل يتأمل ابتسامتها للحظات، فارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة.

لكنها لم تدم.. فجأة...انقبضت ملامحه.

ووضع يده على بطنه، بينما انخفض رأسه قليلًا، وكأن ألمًا حادًا باغته دون سابق إنذار.

كانت ياسمين على وشك أن تقول بحماس:
"المكان تحفة من هنا... ولسه الطيارة متحركتش و..."

لكن الكلمات توقفت على شفتيها حين انتبهت إلى شحوب وجهه.. اتسعت عيناها بقلق، وأمسكت يده بسرعة وهي تقول:
"حبيبي... إنت كويس؟"

رفع بصره إليها، ثم رسم ابتسامة صغيرة حاول بها طمأنتها، وقال بصوت هادئ:
"بطني وجعاني شوية... خليكي هنا، هدخل الحمام وهرجع."

ظلت تنظر إليه بعدم اطمئنان.. ابتسم لها مرة أخرى، وأضاف برفق:
"اطمني... مفيش حاجة."

ثم نهض واتجه نحو دورة المياه.. ظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى خلف الباب، بينما بدأ القلق يتسلل إلى قلبها دون سبب واضح.

ما إن أغلق فارس الباب خلفه...حتى أسرع نحو الحوض.
وضع كلتا يديه على حافته بقوة، وانحنى فجأة، ليبدأ في التقيؤ بعنف.

كانت أنفاسه متقطعة، والعرق يتصبب بغزارة فوق جبينه وعنقه.

أغمض عينيه بقوة، وانقبضت عضلات فكه من شدة الألم الذي مزق أحشاءه.

ظل على حاله للحظات...حتى هدأ قليلًا.

فتح صنبور المياه، وغسل وجهه عدة مرات، ثم رفع رأسه ببطء نحو المرآة.. حدق في انعكاسه طويلًا...كان شاحبًا بصورة أخافته هو نفسه.

أخذ نفسًا عميقًا، وحاول أن يستجمع ما تبقى لديه من قوة، ثم مرر يده على وجهه، وأجبر شفتيه على ابتسامة باهتة، حتى لا تلاحظ ياسمين شيئًا.

فتح الباب بعدها، وعاد إلى مقعده.. ما إن جلس بجوارها حتى التفتت إليه سريعًا، وقالت بقلق واضح:
"بقيت كويس دلوقتي؟"

أومأ برأسه بسرعة، وقال مبتسمًا:
"آه... بقيت كويس، متقلقيش."

ظلت تنظر إليه لثوانٍ، وكأنها تحاول التأكد من صدقه.

ثم اقتربت منه فجأة، وأحاطت عنقه بذراعيها، وعانقته بقوة، مغمضة عينيها، وكأنها تحاول أن تقنع قلبها بأنه بخير بالفعل.

ابتسم فارس، وضمها إليه بحنان.. لكنها...شعرت بدقات قلبه.. كانت سريعة بصورة غير طبيعية.

تجمدت في مكانها، ثم ابتعدت قليلًا، ورفعت رأسها لتنظر إليه.

انعقد حاجباها، وامتلأت عيناها بقلقٍ لم تستطع تفسيره.

في تلك اللحظة...بدأت الطائرة تتحرك استعدادًا للإقلاع.

فشدد فارس ذراعيه حولها، يضمها إليه بقوة، وكأنه يريد أن يمنحها شعورًا بالأمان...بينما كان هو نفسه يخفي داخل صدره خوفًا لم يعد قادرًا على مقاومته.

وبعد لحظات...ارتفعت الطائرة عن الأرض، وانطلقت نحو وجهتها، بينما بقي كلٌ منهما غارقًا في أفكاره... لا يعلم ما الذي ينتظره في الأيام القادمة.. 

                             ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

توقفت سيارة أدهم أمام الفيلا، فأطفأ المحرك واستند بظهره إلى المقعد، ثم التفت إليها بابتسامة هادئة.

أمسكت مريم بحقيبتها، ثم التفتت إليه وقالت بابتسامة امتنان صادقة:
"شكرًا."

هز رأسه مبتسمًا، وقال بنبرة دافئة:
"متشكرنيش... اعتبريني زي نور أخوكي. ولو احتجتي أي حاجة في أي وقت... هتلاقيني."

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، وقالت وهي تومئ برأسها:
"شكرًا."

ضحك بخفة وهو يهز رأسه باستسلام، ثم قال بمزاح:
"إحنا لسه هنرجع لنفس النقطة؟ مش قولت بلاش كلمة شكر؟ ده أنا كل اللي عملته إني وصلتِك."

ضحكت مريم، وانعكس صوت ضحكتها الهادئ داخل السيارة، ثم قالت بخجل بسيط:
"طيب أقول إيه يعني؟"

رفع كتفيه مبتسمًا وقال:
"ولا أي حاجة... أهم حاجة متقوليش شكر تاني."

هزت رأسها وهي تبتسم:
"خلاص... حاضر."

اتسعت ابتسامته تلقائيًا، وكأن مجرد موافقتها كانت كافية لتُسعده.

مدت يدها إلى مقبض الباب، وفتحته استعدادًا للنزول، لكنها توقفت فجأة، ثم عادت لتغلقه مرة أخرى، واستدارت نحوه.
رفع حاجبيه باستغراب، فسبقته بالسؤال:
"هو صحيح... نور ساب القضية خلاص؟"

اختفت ابتسامته قليلًا، وتنهد بأسف قبل أن يجيب:
"للأسف... آه. سلّم كل أوراق القضية لمجدي."

انعقد حاجباها بحزن، ثم أومأت في صمت، وقد بدا عليها أنها لم تتوقع ذلك.

عادت تمسك بمقبض الباب، لكن صوته أوقفها مرة أخرى، وكأنه يبحث عن أي سبب يطيل به الحديث معها ولو لدقائق إضافية.

قال محاولًا إخفاء فضوله خلف نبرة عادية:
"بالمناسبة... أخبار نور إيه؟ من بدري مشوفتوش، وبرن عليه مش بيرد."

هزت كتفيها ببساطة وقالت وهي تبتسم ابتسامة صغيرة:
"بصراحة... معرفش. أنا مرجعتش البيت بقالي يومين ولا تلاتة تقريبًا. كنت مشغولة مع صاحبتي في موضوع خاص بالشغل والصحافة، وبعدها روحت قعدت مع ميرال شوية... ومن ساعتها لحد دلوقتي."

ثم رفعت هاتفها المطفأ وقالت وهي تضحك بخفة:
"أكيد عمو فارس كان عمال يتصل بيا... بس التليفون فصل شحن."

ابتسم أدهم وهو يتأمل عفويتها، وشعر أن الحديث معها يمر أسرع مما يتمنى.

قال وهو يشير برأسه نحو الفيلا:
"طيب... ادخلي بقى قبل ما عمو فارس يحاسبني أنا كمان."

ضحكت بخفة، ثم قالت:
"معاك حق."

فتحت الباب أخيرًا، ونزلت من السيارة، ثم أغلقت الباب ولوّحت له بيدها قبل أن تتجه نحو الفيلا.

ظل أدهم يتابعها بعينيه دون أن يشعر بنفسه... كانت خطواتها الهادئة، وطريقتها البسيطة، وحتى التفاتها الأخيرة قبل دخولها الفيلا، كافية لأن ترسم ابتسامة عاشقة على وجهه.

ولم يُبعد نظره عنها إلا بعدما اختفت تمامًا خلف الباب.
تنهد بخفوت، ثم أدار المحرك وانطلقت سيارته بهدوء مبتعدة عن المكان.

على الجانب الآخر من الشارع...كانت هناك سيارة متوقفة في الظل.

يجلس بداخلها يوسف، وقد ثبت عينيه على المشهد بأكمله منذ بدايته.

لم يفته شيء...ولا حتى نظرات أدهم التي كانت تلاحق مريم حتى بعد دخولها الفيلا.

اشتدت قبضة يوسف على عجلة القيادة حتى برزت عروق يده، وانقبض فكه بقوة، بينما انعكست في عينيه نظرة قاتمة لا تبشر بأي خير.

ظل يحدق في باب الفيلا لثوانٍ طويلة، ثم حرك بصره إلى الطريق الذي غادر منه أدهم.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة... لكنها كانت تخفي خلفها شيئًا أخطر بكثير.

ثم أدار محرك سيارته ببطء، وغادر المكان، بينما كانت عيناه لا تزالان تحملان ذلك البريق المظلم الذي ينذر بعاصفة قادمة...

                       ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
بعد ساعات من السفر...

كانت شوارع إيطاليا تلمع بأضواء المساء الهادئة، بينما كانت سيارة فارس تشق الطريق بهدوء.

كانت ياسمين غارقة في نوم عميق، وقد أسندت رأسها على كتفه من شدة إرهاق الرحلة، وأنفاسها المنتظمة تلامس عنقه برفق.

أدار فارس رأسه إليها، فتأمل ملامحها طويلًا... وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحب بالحزن.

رفع يده بحنان، ومرر يده فوق وجنتها، ثم همس بصوت لم تسمعه:
"حتى وإنتِ نايمة... جميلة."

أعاد نظره إلى الطريق، ثم إلى شوارع إيطاليا التي طالما تمنى أن يصحبها إليها.. وبعد دقائق...أوقف السيارة بالقرب من ميناء هادئ، كانت ترسو فيه سفينة سياحية كبيرة الحجم، تتمايل فوق سطح الماء مع حركة الأمواج الخفيفة.

ألقى نظرة عليها.. ما زالت نائمة...ابتسم بحنان، ثم فتح الباب ونزل بهدوء.

دار إلى الجهة الأخرى، وفتح الباب بحذر حتى لا يوقظها.

انحنى قليلًا، ثم حملها بين ذراعيه برفق شديد.. ورغم الألم الذي كان ينهش جسده، ورغم التعب الذي يثقل أنفاسه... لم يسمح لأي شيء أن يظهر على ملامحه.

كل ما كان يشعر به...أنها بين ذراعيه.. صعد بها إلى السفينة، ودخل إحدى الغرف التي سبق أن جهزها.

أنزلها برفق فوق الفراش، ثم جذب الغطاء حتى كتفيها.

ظل واقفًا يتأملها للحظات، قبل أن يبتسم ويغادر الغرفة بهدوء.

كان قد اتفق مسبقًا مع قبطان السفينة على كل شيء.

وبعد دقائق، غادر القبطان والطاقم في قارب صغير، تاركين السفينة بأكملها لفارس وياسمين وحدهما.

توجه فارس إلى غرفة القيادة.. أدار المحرك، وبدأت السفينة تشق المياه ببطء، بينما كانت الأمواج تتراقص حولها في هدوءٍ ساحر.

بعد فترة...

فتحت ياسمين عينيها ببطء، ثم اعتدلت وهي تتثاءب بنعاس.. لكنها تجمدت فجأة.. أخذت تنظر حولها بعدم فهم.

الغرفة ليست غرفتها...ولا الفندق الذي توقعت أن تنزل فيه.

شعرت باهتزاز خفيف تحت قدميها.. عقدت حاجبيها باستغراب، ثم نهضت سريعًا.

فتحت الباب وخرجت وهي تنظر في كل اتجاه بقلق.
ارتفع صوتها وهي تنادي:
"فارس!... فارس... أنت فين؟"

لم يجبها أحد.. تقدمت عدة خطوات...ثم توقفت فجأة عندما وقعت عيناها على البحر الممتد من كل الجهات.

اتسعت عيناها بذهول.. همست لنفسها:
"إحنا... على سفينة؟"

رفعت رأسها أكثر...فوقع بصرها عليه.. كان يقف عند السور، واضعًا كلتا يديه عليه، ينظر إلى صفحة الماء بشرود، بينما كانت نسمات البحر تعبث بشعره.

ابتسمت تلقائيًا.. اقتربت منه بهدوء، ثم وضعت يدها على كتفه برفق.. التفت إليها.. وما إن رآها.... حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامته التي كانت كفيلة دائمًا بأن تطمئن قلبها.

بادلته الابتسامة، ثم أخذت تدير رأسها حولها بانبهار وهي تقول:
"أنا مش مصدقة... إحنا فين؟"

مد ذراعه وجذبها إلى جانبه، ثم قال بهدوء:
"في إيطاليا."

شهقت بخفة، ثم رفعت رأسها إليه بدهشة امتزجت بالسعادة: 
"بجد؟... بس ليه كل ده؟ تعبت نفسك وصرفت فلوس كتير."

ابتسم وهو يهز رأسه نافيًا: 
"في حاجة في الدنيا تغلى عليكي؟... وبعدين أنا وعدت نفسي... أي أمنية تقوليهالي، هحاول أحققها."

اتسعت ابتسامتها فجأة، ثم نظرت إليه بحماس طفولي: 
"يعني... جبتني هنا علشان مشهد تايتنك؟"

ضحك وهو يحيط وجهها بكفيه: 
"آه... اعتبريني مصباح علاء الدين."

ضحكت من قلبها، ثم أحاطت عنقه بذراعيها وقالت بحب:
"أنت أصلًا مش مخليني محتاجة أتمنى حاجة."

ظل ينظر إليها بعشق للحظات، ثم أشار نحو مقدمة السفينة وقال:
"يلا... حققي أمنيتك."

لمعت عيناها بسعادة، واتجهت معه نحو السور.. لكنها عندما نظرت إلى الأسفل، ورأت ارتفاع السفينة، تراجعت خطوة لا إراديًا.

ابتسم فارس.. أمسك يدها برفق، ثم وضع يده الأخرى حول خصرها ليطمئنها.

نظر إليها بعينيه قبل أن يقول:
"وأنا معاكي دايماً."

ابتسمت له بثقة، ثم صعدت بحذر فوق الحافة.. وقفت فوقها، بينما كان فارس خلفها مباشرة، يحيط خصرها بذراعيه حتى لا تفقد توازنها.

أغمضت عينيها.. ورفعت ذراعيها في الهواء.

اندفعت نسمات البحر تداعب وجهها ، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، شعرت معها وكأنها تحلق فوق العالم كله.

ضحكت من قلبها...ضحكة حرة لم يخرج مثلها منها منذ سنوات.. ثم شعرت بذراعي فارس تحتضنانها أكثر من الخلف.

فتحت عينيها ببطء...واستدارت برأسها قليلًا.التقت عيناها بعينيه.. لم يتحدث أيٌّ منهما.. كانت نظراتهما وحدها تكفي.

امتلأت عيناها بالدموع، لكنها كانت دموع سعادة خالصة.. همست بصوت اختنق من شدة تأثرها:
"بحبك... أوي يا فارس."

ابتسم، ثم لامس جبينه جبينها وهمس:
"وأنا... بحبك أضعاف أضعاف حبك ليا."

أغمضت عينيها مرة أخرى، وأسندت رأسها إليه، بينما تركت نفسها تستمتع بتلك اللحظة...لحظةٌ كانت بالنسبة لها حلمًا قديمًا تحقق...

وبالنسبة له...كانت ذكرى أراد أن يتركها في قلبها... قبل أن يرحل عنها .. 

                        ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

في مكانٍ آخر...

وتحديدًا داخل أحد الممرات الجانبية بالمستشفى...كان أحد الأطباء يركض بخطوات متعثرة، يلتفت خلفه كل بضع ثوانٍ، بينما كانت أنفاسه تتلاحق بعنف، والعرق يتصبب من جبينه ووجنتيه.

ارتجفت يداه وهو يتمتم لنفسه بخوف:
"لازم أوصل للأستاذ فارس... لازم يعرف الحقيقة."

لكن...توقفت قدماه فجأة.. تجمد في مكانه عندما وجد رجلًا يقف في منتصف الممر، يسد الطريق أمامه تمامًا.

ارتفع رأس الطبيب ببطء، واتسعت عيناه، بينما أخذ يتراجع خطوة تلو الأخرى.

ابتلع ريقه بصعوبة، وقال بصوتٍ مرتجف:
"إ... إنتوا هتعملوا فيا إيه؟"

اقترب الرجل منه بخطوات هادئة، وابتسامة باردة ترتسم على شفتيه، ثم قال بنبرة أوحت بالخطر:
"قول الأول... كنت رايح فين؟"

ظل الطبيب يتراجع ورغم الرعب الذي كان ينهش قلبه، حاول أن يتمسك بما بقي لديه من شجاعة.. رفع رأسه وقال بانفعال امتزج بالغضب:
"كنت رايح أقول للأستاذ فارس الحقيقة... الراجل تعب سنين عمره كلها عشان يبني المستشفى دي ويرجع ثقة الناس فيها بعد اللي أخوه عمله... وإنتوا دلوقتي عايزين تضيعوا شقى عمره!"

ازدادت نبرته قوة رغم ارتجاف صوته: 
"أنا... مش هسكت... ومش هخليكم........ "

انقطعت كلماته فجأة.. تجمدت ملامحه، واتسعت عيناه في ذهول.

خفض بصره ببطء، وكأن جسده لم يستوعب ما حدث للحظة.
ثم ترنح خطوة إلى الأمام، قبل أن يسقط على ركبتيه، بينما سالت الدماء من فمه، وانهار بعدها على الأرض بلا حراك.

رفع الرجل بصره بهدوء.. كانت تقف خلف الطبيب، وقد سحبت السلاح الأبيض في هدوء تام، دون أن يظهر على وجهها أي انفعال.

ألقت نظرة سريعة إلى الجثة، ثم حولت عينيها إليه وقالت ببرود حاد:
"مش عايزة يفضل وراه أي أثر."

ثم أضافت وهي تنظر إلى كاميرات المراقبة المثبتة في الممر:
"والكاميرات... اتصرف فيها."

أومأ الرجل برأسه في طاعة، دون أن ينطق بكلمة.

أما هي...فاستدارت وغادرت الممر بخطوات ثابتة، وكأن شيئًا لم يحدث...

تعليقات



<>