رواية كلاشينكوف الفصل السابع7 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب

رواية كلاشينكوف الفصل السابع7 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب
​كان الضوء الخافت يتسلل من النافذة، يضيء ملامح الرجلين المتواجهين. أسامة يمسك سلاحه بيده التي تتقن الرماية، والصارم يقف بثبات المعتاد، عيناه تلمعان ببريق لم يشهده أسامة من قبل.
​قال أسامة بصوت متحشرج: "ألقِ سلاحك.. لا أريد قتلك، أريد فقط أن أعرف من أنت."
​ضحك الصارم ضحكة باردة، لكنها هذه المرة خلت من سخريته المعتاد، وبدت أقرب إلى مرارة دفينة: "تسألني من أنا؟ أنت من يلاحقني كظلي منذ شهور. والآن تسألني؟ أنت الضابط الذي يحمل في قلبه غلاً لا ينتهي، وأنا المجرم الذي لا يرى في العالم سوى أعداء."
​تقدم أسامة خطوة بحذر، وعينه تقع على وشم الصارم الذي برز تحت قميصه الممزق قليلاً جراء تسلله. تلك العلامة.. الثعبان الملتف حول البندقية. لكنه لاحظ شيئاً آخر، نُدبة صغيرة خلف أذن الصارم، ندبة كانت والدته تحكي دائماً أنها سببها سقوط أخيه سليمان وهو طفل.
​تراجعت يد أسامة التي تمسك السلاح قليلاً، اتسعت عيناه، وسقطت اللعبة الخشبية من يد الصارم لتتحطم على الأرض. ساد صمت رهيب، وكأن الزمن توقف. الصارم – سليمان – شعر برعشة غريبة، ذكريات مشوشة، رائحة بيت قديم، صوت امرأة تنادي باسمه، صور بدأت تتصارع في عقله مع برمجته القاسية على كره الشرطة.
​صاح أسامة بصوت يملؤه الوهن والأمل: "سليمان؟!"
​تجمد الصارم في مكانه، انخفض سلاحه ببطء، ونظر إلى أسامة وكأنه يرى وجهاً يأتي من حلم طويل. "كيف... كيف عرفت هذا الاسم؟ هذا الاسم دفنته المنظمة في عقولنا!"
​قبل أن يكمل، انكسر زجاج النافذة فجأة مع اقتحام قوة من المرتزقة التابعين لمنظمة "الظلام"؛ فقد كانوا يراقبون الصارم ويشكّون في ولائه بعد أن علموا أنه بدأ يحقق في ماضيه. بدأت نيران الكلاشينكوف تحول الغرفة إلى جحيم.
​سحب أسامة شقيقه الذي كان في حالة ذهول، ودفعه خلف جدار صلب. صرخ أسامة: "سليمان، اسمعني جيداً! أنا أخوك! أبي مات وهو يحمل وصيتك في قلبه! لا وقت للشرح، الآن يجب أن نخرج من هنا!"
​تغيرت نظرة سليمان تماماً؛ تحولت من القسوة إلى شيء جديد، حقيقة كانت مفقودة. أمسك بسلاحه، لكن هذه المرة لم يكن يوجهه نحو الضابط أسامة، بل نحو المرتزقة الذين خانوه. قال بصوت عميق: "أخي؟ إذا كان ما تقوله حقيقياً.. فسنري هؤلاء الجحيم الذي صنعوه لنا!"
​انطلقت الرصاصات، وبدأ الشقيقان – اللذان كانا بالأمس يتبادلان القتل – يواجهان العدومعا لاول مره. 
وسط ضجيج الرصاص وتصاعد الدخان في الغرفة، كان الشقيقان يقاتلان جنباً إلى جنب لأول مرة. كانت اللحظات تمر كأنها دهر، وفجأة، وبينما كان أسامة يغطي تحركات سليمان ليخرج من النافذة، خرج أحد المرتزقة من زاوية مظلمة لم يلحظها أحد.
​لم يطلق الرصاص، بل كان يحمل قبضة حديدية مخصصة للصعق والضرب. بخفة شيطانية، باغت المرتزق أسامة بضربة قوية وعنيفة على مؤخرة رأسه. سقط أسامة أرضاً، غارقاً في دوامة من الظلام، ووقعت عيناه على سليمان وهو يصرخ باسمه، قبل أن يفقد الوعي تماماً.
​سارع المرتزقة الآخرون للانقضاض على سليمان (الصارم). لم يكن الأمر يتعلق بالقتل هذه المرة، بل بالاختطاف. قاوم سليمان ببسالة، لكن عددهم كان كبيراً، فتم تقييده وسحبُه بقوة إلى الخارج، حيث كانت تنتظره سيارة دفع رباعي مظلمة انطلقت به مسرعة نحو المجهول، تاركة أسامة ملقىً على أرضية منزله القديم.
​مرت ساعات قبل أن يفيق أسامة. فتح عينيه بصعوبة، وكان الألم يمزق رأسه كأن خناجر تغرس فيه. تذكر الحقيقة، تذكر وجه أخيه.. قفز واقفاً رغم دواره، وبدأ ينادي: "سليمان! سليمان!"
​لكن المكان كان خالياً إلا من آثار المعركة. جثث المرتزقة كانت ملقاة هنا وهناك، لكن أخاه لم يكن موجوداً. جن جنون أسامة؛ لقد اقترب من الحقيقة، بل لمسها، ثم انتُزعت منه في لمح البصر.
​في تلك اللحظة، رن هاتفه الذي كان ملقىً تحت الطاولة. كان رسالة فيديو قصيرة. فتحها بيده المرتجفة، ليجد "الصارم" مقيداً في غرفة مظلمة، ويبدو عليه آثار تعذيب شديد، وبجانبه زعيم المنظمة – الذي لم يظهر وجهه بالكامل – يقول بصوت مخنوق: 
"الضابط أسامة.. لقد حاولت اللعب بنيران لا تدرك أبعادها. أخوك الآن في حوزتنا، وهو يدفع ثمن خيانته. إذا أردت استعادته، فانتظر تعليماتنا.. ولا تحاول البحث عنه، لأن خطوة واحدة خاطئة ستجعله أشلاءً في طرد بريدي، تماماً كما هددنا والدكما منذ سنوات!"
​انتهى الفيديو، وترك أسامة واقفاً وسط ركام الماضي، والدم يغلي في عروقه. لم يعد الأمر مجرد قضية أمنية، لقد تحولت إلى معركة ثأر شخصية. أخذ أسامة سلاحه، ومسح الدم عن جبهته، ونظر إلى صورة أخيه التي سقطت من جيب "الصارم" أثناء العراك.
​همس أسامة بصوت يملؤه الجمر: "سأحرق هذا التنظيم بمن فيه.. سأستعيدك يا سليمان، ولو كلفني ذلك حياتي."
​​في تلك الغرفة المعتمة التي لا يخرق صمتها سوى صوت قطرات الماء وتنهدات الألم، كان سليمان مقيداً بالحبال إلى كرسي خشبي متين. جراحه تنزف، لكن ألمه الجسدي لم يكن شيئاً قياساً بالزلزال الذي يعصف بعقله؛ لقد عرف للتو أن كل ما عاش من أجله كان كذبة، وأن الشرطة الذين درّوه على كرههم هم أهله الحقيقيون، وأن "المنظمة" التي رعرعته ليست سوى سجانٍ ومختطف.
​فجأة، انفتح الباب الحديدي الثقيل ببطء، يصدر صريراً مرعباً.
​دخل رجل طويل القامة، يرتدي معطفاً أسود ويخفي نصف وجهه بظل قبعة داكنة. تقدم بخطوات بطيئة وثابتة، ووقف أمام سليمان مباشرة. رفع سليمان رأسه بصعوبة بالغة، وبعينين تملؤهما شرارة الغضب، حدق في الرجل الذي طالما اعتبره أباً روحياً وقائداً له.
​مدّ الزعيم يده ببطء، وأزال قبعته، كاشفاً عن وجهه الحقيقي تماماً؛ وجه عجوز تجاعيدها تحكي عقوداً من الإجرام، وعينان باردتان تفوح منهما رائحة الموت.
​ابتسم الزعيم ابتسامة صفراء مريضة، وقال بصوت أجش وهادئ:
"ألم أُحذّرك يا بني... عقل الإنسان مثل قطعة الحديد، إن لم تُشكلها أنت، جاء غيرك ليطبع عليها. وها أنت ذا تعود إلى حظيرة الدم التي صنعناها لك."
​اتسعت عينا سليمان من شدة الصدمة والذهول، وخرج صوته متحشرجاً وسط الدموع والغضب:
"أنت... أنت الذي خطفتني وأنا طفل في مهدي؟! أنت من مزّق عائلتي وقتل أمي وأبي بالحسرة؟!"
​اقترب الزعيم منه أكثر، ووضع يده على كتف سليمان ببرود مجرم محترف، وهمس في أذنه:
"أنا لست فقط من خطفك، أنا من صنعت منك "الصارم".. أتعلم يا سليمان؟ يوم أن قرر والدك ممدوح التوبة والهروب، أقسمت أن أجعل ابنه الأصغر سيفاً أطعن به قلبه كل يوم. والآن، أخوك الأحمق أسامة يظن أنه قادر على إنقاذك؟ دعه يبتلع الطعم، لأن نهايتكم ستكون معاً، هنا، على أيدينا."
​ألقى الزعيم نظرة أخيرة مفعمة بالتهكم، واستدار ليغادر الغرفة، تاركاً سليمان يشتعل بنيران الحقد والرغبة العارمة في الانتقام، ليس فقط من أجل نفسه، بل من أجل دم أمه وأبيه وأخيه الذي ينتظر في الخارج.
​وفي ذات اللحظة، كان أسامة يقف في مديرية الأمن، يمسك بملف القضية المشتعلة، وقد عزم أمره على اقتحام عرين الإمبراطورية السوداء مهما كانت التكاليف. المعركة الكبرى اقتربت، والعدو الأكبر بات معروفاً للجميع.
تعليقات



<>