
انهمرت دموع تاليا كالمطر وهي تجري في شوارع المدينة، لم تكن ترى أمامها من كثرة البكاء، والكلمات تتردد في أذنها كالإعصار. ركبت أول سيارة أجرة تصادفها وارتمت في المقعد الخلفي، تخبئ وجهها بين كفيها وتشهق بنحيب مكتوم جعل السائق ينظر إليها بشفقة عبر المرآة، لكنه لزم الصمت تقديراً لحالتها.
لم يكن أمامها سوى ملجأ واحد، المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان وتنزع فيه قناع القوة.. حضن والدتها.
في حضن الأم.. وداعاً للتماسك
فتحت تاليا باب الشقة بيد ترتعش، وما إن خطت قدمها الداخل ورأت والدتها تجلس على سجادة الصلاة تسبح، حتى انهارت تماماً. ألقت بحقيبتها أرضاً وارتمت عند قدمي والدتها، دافنة رأسها في حجرها، وهي تبكي بكاءً مريرًا هزهز أركان الغرفة.
فزعت الأم، ووضعت سبحتها جانباً، وبدأت تمسح على شعر تاليا الطويل بلهفة وقلب ينفطر على ابنتها:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. مالك يا بنتي؟ في إيه يا تاليا؟ حد جرى له حاجة؟ اتكلمي يا حبيبتي نشفتي دمي!"
لم تكن تاليا قادرة على نطق كلمة واحدة، شهقاتها المتتالية كانت تقطع أنفاسها. ظلت الأم تملس على ظهرها وتقرأ لها ما تيسر من آيات القرآن الكريم لتهدئة روعها، حتى بدأت تاليا تلتقط أنفاسها تدريجياً، وجلست وهي تمسح دموعها بظهر يدها كطفلة صغيرة.
نظرت الأم في عينيها العسليتين المحمرتين وقالت بحنان:
"ها يا تاليا.. هديتي؟ قولي لي بقى، إيه اللي حصل يخليكي بالحالة دي؟ مش كنتِ نازلة تقابلي يوسف عشان موضوع سارة؟"
شرعت تاليا في الحديث، وصوتها يتقطع مع كل جملة:
"يوسف يا ماما.. يوسف طلبني للجواز النهاردة!"
اتسعت عينا الأم بذهول، ولم تنطق، فتابعت تاليا بسرعة والدموع تعود لتغرق وجهها:
"مش منه هو يا ماما.. دي وصية سارة! سارة سابت له رسالة في دفترها قبل ما تموت بأسبوع.. بتقول له فيها لو عيني غمضت خلي تاليا تفتحها لك.. ووصته يديني الشبكة والدبلة اللي كان جايبها لها! سارة اختارتني أكون مكانها!"
أمسكت تاليا بيد والدتها بقوة وتابعت بنبرة يملؤها القهر:
"أنا تعبانة أوي يا ماما.. حاسة إني بموت في اليوم ميت مرة. يوسف مش شايفني أنا، هو شايف سارة.. كل ما يبص في عيني بيشوف شبح صاحبتي. أنا لبست الفستان الأزرق ده عشان سارة كانت بتحبه، وبقلب الشاي زيها.. أنا خسرت نفسي وخايفة أكون مجرد بديل لفراغ مش عارف يملاه!!
سكتت الأم طويلًا، ونظرت إلى المسبحه وهي تسترجع ذكريات سارة ورحيلها المفجع، ثم نظرت إلى ابنتها بنظرة تجمع بين الحنان والحكمة الشديدة. أخذت منديلاً ومسحت به دموع تاليا، ثم أخذت يديها بين كفيها وقالت بصوت هادئ ورصين:
"اسمعيني يا تاليا.. وافتحي لي قلبك وعقلك. سارة الله يرحمها مكنتش مجرد صاحبة، دي كانت أختك، والكل كان عارف غلاوتك عندها. والميت يا بنتي لما بيكتب وصية قبل ما يموت، مبيكونش بيفكر بطريقة أنانية.. سارة كانت شايفة اللي أنتم مش شايفينه. كانت شايفة إن يوسف مش هيقدر يكمل حياته مع حد غريب، وشايفة إنك أنتِ الوحيدة اللي هتحافظي عليه وعلى ذكراها."
تنحنحت الأم وتابعت وعيناها تلمعان بالدموع:
"يا بنتي.. أنا شايفه إن وصية الميت واجبة، وسارة مكانتش بتخرف. هي اختارتك عشان عارفاكي وعارفة أصلك. أما عن يوسف.. فـ يوسف تايه، والوجع معميه، بس سارة مشيت وخلاص، والحي أبقى من الميت. يوسف مش بيحب شبح، يوسف بيدور على الأمان اللي حسه معاكي في فترة تعبه."
هزت تاليا رأسها برفض طفيف، فقاطعتها والدتها بحسم حنون:
"متقاطعيش كلامي يا تاليا.. أنا مش هجبرك على حاجة، ولا يوسف يقدر يجبرك. الزواج ده خطوة العمر. عشان كده، أنا مش عايزاكي تفكري بعاطفتك الخايفة دي.. قومي دلوقتي، اغسلي وشك، واتوضي.. وصلي صلاة استخارة. ارمي حمولك على ربنا، وسلمي له الأمر.. وربنا هو اللي هيدلك ويريّح قلبك ويختار لك الصالح. لو فيه خير ليكي، ربنا هيشيل الخوف من قلبك ويزرع مكانه القبول.. ولو فيه شر، ربنا هيبعده بطريقته."
نظرت تاليا إلى والدتها، وشعرت وكأن كلامها بردٌ وسلامٌ هبط على قلبها المشتعل. نهضت بخطوات متثاقلة، اتجهت تاليا إلى الحمام، فتحت صنبور المياه وجعلت الماء البارد يلامس وجهها الشاحب، وكأنها تغسل به هموم الدنيا وخوفها. توضأت بخشوع، وفي كل غسلة عضو كانت تدعو الله أن يربط على قلبها.
خرجت، وارتدت إسدال الصلاة الأبيض، وفرشت سجادتها في ركن غرفتها الهادئ. وقفت بين يدي الله، وبدأت تصلي ركعتي الاستخارة. في سجودها، انهمرت دموعها بصمت، ولم تجد لساناً بليغاً سوى قلبٍ يصرخ: "اللهم إن كنت تعلم أن زواجي من يوسف خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي.. وإن كنت تعلم أنه شر لي فاصرفه عني واصرفني عنه".
بعد أن سلمت، جلست على السجادة لعدة دقائق تشعر بسكينة غريبة تسري في جسدها لأول مرة منذ أشهر. نهضت وصعدت إلى فراشها، وما إن وضعت رأسها على الوسادة حتى غطت في نوم عميق كأنها لم تنم منذ سنوات.
في منامها، وجدت تاليا نفسها تقف في مكان واسع يملؤه بياض ناصع، هدوء شديد لا يقطعه سوى صوت عصافير تغرد عن بُعد. كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً، وتلتفت حولها بحيرة.
فجأة، ظهرت سارة!
كانت سارة ترتدي ثوباً أبيض يشع نوراً، ووجهها مشرق وضاحك كما لم تره تاليا من قبل، لا أثر للمرض ولا للوجع ولا للحادثة. اقتربت سارة من تاليا بخطوات واسعة وخفيفة، والابتسامة تملأ وجهها.
وقفت سارة أمام تاليا، ونظرت في عينيها بحنان جارف، ثم مدت يدها وأمسكت بيد تاليا اليمين. رفعت سارة يدها الأخرى، وكانت تمسك بها علبة قطيفة زرقاء.. نفس العلبة التي كانت مع يوسف في الكافيه!
فتحت سارة العلبة، وأخرجت منها الدبلة الماسية البراقة. نظرت إلى تاليا وقالت بصوت عذب يملؤه السلام:
"ماتخافيش يا تاليا.. يوسف مش شايفني فيكي، يوسف شايف فيكي النور اللي هيصحي قلبه من تاني. أنا اخترتك عشانك إنتي يا صاحبة عمري.. مش عشاني."
وقبل أن تنطق تاليا بكلمة، أخذت سارة الدبلة ووضعتها ببطء وبكل حنان في إصبع تاليا. انطلقت لمعة قوية من الدبلة أضاءت المكان كله، وضغطت سارة على يد تاليا بقوة وهي تبتسم وتتراجع للخلف قائلة:
"مبروك يا تاليا.. حافظي عليه ويحافظ عليكي."
استيقظت تاليا فجأة وهي تتنفس بسرعة، وجلست في فراشها والدموع في عينيها، لكنها لم تكن دموع خوف أو حزن، بل كانت دموع راحة واطمئنان. نظرت تلقائياً إلى إصبعها البنصر في يدها اليمنى، وكأنها تتوقع رؤية الدبلة حقيقة!
الشمس كانت قد أشرقت وتسللت خيوطها الدافئة إلى الغرفة. شعرت تاليا بنشاط غريب في جسدها، وبأن الحمل الثقيل الذي كان جاثماً على صدرها قد انزاح تماماً. سارت نحو الصالة، لتجد والدتها تجلس وفي يدها كوب من الشاي الدافئ وتنظر إليها بترقب وقلق أمومي.
ابتسمت تاليا لوالدتها، وجلست بجوارها وقصت عليها الرؤيا بالتفصيل.
اتسعت ابتسامة الأم، واغرورقت عيناها بدموع الفرحة، وقالت وهي تحتضن ابنتها:
"الحمد لله يا بنتي.. ربنا ريّح قلبك ودلك على الطريق. الرؤيا واضحة زي الشمس، وسارة الله يرحمها مشيت وهي مطمنة عليكي وعلى يوسف. مفيش مكان للخوف دلوقتي يا تاليا."
أومأت تاليا برأسها بالموافقة، ثم التقطت هاتفها المحمول. وجدت أكثر من خمس عشرة مكالمة فائتة من يوسف، ورسالة نصية أخيرة كتب فيها بقلة حيلة: "أنا آسف يا تاليا لو كنت ضغطت عليكي أو جرحتك.. مش هكلمك تاني عشان مسببلكيش ضيق، بس افتكري دايماً إن وصية سارة مكانتش غلط".
لم تتردد تاليا هذه المرة. ضغطت على زر الاتصال بالرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب.
لم يمر سوى رنتين حتى جاء صوت يوسف ملهوفاً، متعباً، ومبحوحاً كأنه لم ينم هو الآخر:
"ألو.. تاليا؟ إنتي كويسة؟"
أخذت تاليا نفساً عميقاً، وقالت بصوت هادئ، واثق، ونبرة تملؤها السكينة:
"أنا كويسة يا يوسف.. كويسة جداً. أنا صليت استخارة ونمت.. وشوفت سارة."
صمت يوسف تماماً، وكأن أنفاسه تحبست على الطرف الآخر من الهاتف، منتظراً الكلمة الفاصلة.
تابعت تاليا بابتسامة خفيفة ظهرت على جانب وجهها:
"سارة جابت لي الدبلة بنفسها يا يوسف ولبستهالي.. وقالت لي مأخافش. أنا موافقة على الوصية.. وموافقة أكون معاك."
تنهيدة طويلة وحارة خرجت من صدر يوسف، تنهيدة تحمل وجع ثمانية أشهر وضياعها، وقال بصوت يرتجف من شدة الفرحة:
"الحمد لله.. الحمد لله يا تاليا. أنا هكلم والدتك النهاردة وهاجي لكم بالليل.. مش عايز أضيع وقت تاني."
انتهت المكالمة، وبدأت الترتيبات لخطوة جديدة في حياة يوسف وتاليا.. خطوة تجمع بين وفاء الماضي وأمل المستقبل. ولكن، هل ستسير الأمور بهذه السهولة؟ وهل ستتقبل عائلة يوسف وعائلة سارة هذا الزواج المفاجئ؟ أم أن هناك عقبات أخرى في الانتظار؟