رواية عشق بلا حدود الفصل الثاني2 بقلم ملكة الحكايات والروايات

رواية عشق بلا حدود الفصل الثاني2 بقلم ملكة الحكايات والروايات
​مرّت ساعات الليل على تاليا وكأنها دهور. عقارب الساعة كانت تتحرك ببطء قاتل، وتكّاتها تضرب في رأسها كالمطارق. تتقلب في فراشها، تعيد سماع نبرة صوت يوسف المبحوحة والمخلوطة برعشة لم تعهدها فيه من قبل.
"فيه حاجة سارة وصتني أقولها لك..."

​ظلت الفكرة تطاردها: أي وصية هذه التي تتركها راحلة قبل رحيلها بأسبوع؟ ولماذا الآن بعد ثمانية أشهر من الصمت والوجع المشترك؟
​عندما خيوط الفجر الأولى بدأت تتسلل من نافذة غرفتها، استسلمت تاليا لعدم قدرتها على النوم. نهضت، وتوجهت إلى مرآتها. نظرت إلى وجهها الشاحب، وعينيها العسليتين اللتين يحوطهما الإرهاق. لمست خصلات شعرها الأسود الطويل، وتذكرت كم كانت سارة تحب هذا الشعر وتصر على أن تتركه منسدلاً. هل كانت سارة ترى فيها شيئاً لم تكن هي تراه في نفسها؟

​مر اليوم ثقيلاً كجبل. حاولت تاليا أن تشغل نفسها بأي شيء؛ رتبت غرفتها ثلاث مرات، نزلت لتشتري بعض الطلبات للمنزل، لكن عقلها كان في مكان آخر تماماً. في تمام الساعة الخامسة، وقفت أمام خزانتها بحيرة. يدها امتدت تلقائياً نحو فستان باللون الأزرق السماوي—اللون المفضل لسارة. تراجعت خطوة للخلف وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
"هل أنا أفعل هذا لأنني أحبه؟ أم لأنني اعتدت أن أكون ظلها؟"

في النهاية، اختارت الفستان الأزرق، وكأن هناك قوة خفية تدفعها لتنفيذ رغبة لا تفهمها.
​في الجانب الآخر من المدينة، كان يوسف يعيش جحيماً من نوع آخر. لم يذق طعم النوم، ولم يتوقف عن السير ذهاباً وإياباً في صالة شقته. العلبة القطيفة الزرقاء كانت في جيب جاكيته، وثقلها كان يبدو له أثقل من الجبال.
كان يسأل نفسه كل دقيقة: "هل أظلم تاليا معي؟ هل أظلم حب سارة؟ أم أنني أنفذ الحقيقة الوحيدة التي تركتها لي سارة قبل أن ترحل

​في تمام الساعة السادسة إلا خمس دقائق، كان يوسف يجلس في زاوية منعزلة من ذلك الكافيه المطل على النيل—نفس الكافيه الذي شهد كلماتها الأخيرة.
​دقت الساعة السادسة، ولمحت عيناه جسدها وهي تدخل من الباب. قلبه انتفض من مكانه. مشيتها السريعة، رأسها المنخفض قليلاً وهي تنظر في الأرض، وفستانها الأزرق السماوي... في تلك اللحظة، خُيل إليه أن سارة هي من تسير نحوه. مسح على وجهه بقوة ليستفيق من وهمه، مدركاً أن التي تقف أمامه الآن هي تاليا، بلحمها ودمها وحيرتها.
​وقفت تاليا أمام الطاولة، وحاولت أن ترسم ابتسامتها المعتادة التي تظهر على جانب واحد، وقالت بصوت هادئ:
​"مساء الخير يا يوسف. اتأخرت عليك؟"

​يوسف وقف بسرعة، وسحب لها الكرسي:
​"لا أبداً، مساء النور يا تاليا. اتفضلي اقعدي."
​جلس الشابان، وساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت أمواج النيل الهادئة وصوت أنفاسهما المرتبكة. جاء النادل، وطلب يوسف قهوة سادة، بينما طلبت تاليا الشاي. وعندما أحضر النادل الطلبات، امتدت يد تاليا  وضعت ثلاث ملاعق من السكر، وبدأت تقلب... واحد، اثنان، ثلاثة... حتى أكملت سبع لفات بالضبط!

​يوسف كان يراقب يدها، وعيناه تملأهما الدموع. لاحظت تاليا نظراته، فتوقفت فجأة وشعرت بالارتباك:
​"يوسف... مالك؟ بتبص لي كده ليه؟ وصوتك امبارح في التليفون.. أنت قلقتني فعلاً. إيه هي وصية سارة؟"
​فتح صندوق الذكريات
​يوسف أخذ نفساً عميقاً، وشعر بغصة في حلقه. وضع يده في جيبه وأخرج الدفتر الصغير الخاص بسارة، ووضعه على الطاولة بينهما.

​تاليا شهقت بخفوت وهي تتعرف على الدفتر:
​"ده دفتر سارة... كانت دايماً بتكتب فيه خواطرها."
​يوسف أومأ برأسه وقال بصوت متحشرج:
​"الدفتر ده أنا فتحته امبارح بالليل لأول مرة من يوم الحادثة. سارة سابت رسالة في آخر صفحة... رسالة مكتوبة قبل ما تموت بأيام، كأنها كانت حاسة إن عمرها قصير."
​فتح يوسف الدفتر على الصفحة الأخيرة، ووجّه الخط المائل نحو تاليا.

​"اقري يا تاليا... اقري عشان تفهمي أنا ليه طلبت أشوفك."
​امتدت يد تاليا المرتعشة، وسحبت الدفتر. بدأت تقرأ الكلمات المكتوبة بخط صديقة عمرها الراحلة:
​"يا يوسف، لو عيني غمضت، خلي تاليا تفتحها لك. هي الجزء اللي ناقصك... وأنا الجزء اللي هيكملكم. أوعدني تديها الشبكة بتاعتي وتقول لها: سارة اختارتك عشانك إنتي، مش عشاني أنا".

​دمعة ساخنة سقطت من عين تاليا لتستقر على الورقة، ممتزجة بحبر سارة. لم تصدق ما تقرأه. أعادت قراءة السطور مرتين وثلاثة، وقلبها يخفق بشدة لدرجة شعرت معها أن يوسف يمكنه سماع دقاته.
​وفي تلك اللحظة، مد يوسف يده وأخرج العلبة القطيفة الزرقاء، وفتحها ليظهر خاتم الخطوبة الماسي (الدبلة) الذي يبرق تحت إضاءة الكافيه الخافتة.
​يوسف نظر في عينيها مباشرة وقال بصوت يملؤه الصدق والألم معاً:
​"سارة مكنتش بتخرف يا تاليا. سارة كانت شايفانا صح. أنا الـ 8 شهور اللي فاتوا كنت بهرب من نفسي، كنت بقول إني بشوف سارة فيكي. بس الحقيقة.. أنا كنت بشوف تاليا اللي سارة حبتها، وتاليا اللي وقفت جنبي وسندتني في أصعب لحظات حياتي. سارة بتطلب مننا نكون سوا... بتطلب مني أكون ليكي، وتكوني ليا. تاليا... تتجوزيني؟"
​الصدمة والقرار الصعب

​سقطت الكلمة على مسامع تاليا كالصاعقة. اختلطت مشاعرها بشكل جنوني: الحزن على صديقتها، الصدمة من الوصية، والخوف... الخوف الأكبر الذي ينهش روحها.
​سحبت يدها بسرعة للوراء، ونهضت من على الكرسي وهي تهز رأسها برفض وخوف:
​"لا يا يوسف... لا مش هقدر!"
​يوسف نهض وراءها بلهفة:
​"ليه يا تاليا؟ دي وصية سارة! سارة اللي كانت أقرب حد ليكي وليا!"

​دموع تاليا انهمرت بلا توقف وهي تتراجع للخلف:
​"عشان هي وصية سارة بالذات مأقدرش! أنت بتبص لي وشايفها هي! الفستان ده أنا لبسته عشان هي بتحبه، الشاي بقلبه كده عشان هي كانت بتقلبوا كده! أنت مش شايف تاليا يا يوسف... أنت شايف شبح سارة وعايز تتجوزه عشان تعوض غيابها! أنا بحبك... أقصد... أنا كنت بعزك كجوز صاحبتي، ومستحيل أعيش في بيت وأكون مجرد بديل أو نسخة تانية من حد مات!"

​التفتت تاليا وأخذت حقيبتها وجرت مسرعة نحو باب الكافيه، تاركة يوسف واقفاً والعلبة المفتوحة في يده، ونظرات الحاضرين تلاحقهما.
​خرجت تاليا إلى الشارع، والهواء البارد يلفح وجهها، والدموع تعمي عينيها. كانت تجري ولا تدري إلى أين تذهب، وصوت يوسف وهو ينادي باسمها يتردد في أذنها.
​هل ستستسلم تاليا لخوفها من أن تكون مجرد "بديل" لـ سارة وتصر على الرفض؟
أم أن يوسف س يستطيع إثبات حبه لها لشخصها ويقنعها بالزواج تنفيذاً للوصية؟
وما هي الأسرار الأخرى التي قد تخفيها صفحات دفتر سارة؟
تعليقات



<>