رواية كلاشينكوف الفصل الخامس5 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب

رواية كلاشينكوف الفصل الخامس5 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب
​كانت سماء "نجع العزايمة" تئن تحت وطأة الدخان الأسود المتبقي من معركة ليلة أمس، بينما كانت خيوط الفجر الأولى تنفذ ببطء بين الجبال الصعيدية العتيقة، كأنها تحاول غسل عار الليلة السوداء التي كادت تبتلع شرف النجع بأكمله. في سرايا العزايمة، كان الصمت الحذر سيد المكان، وكانت "حنين" تجلس على أطراف الفراش، يغمر وجهها شحوب الخوف، وتضع كفيها المرتجفتين بحذر شديد على بطنها المنتفخ بطفلها الذي لم يأتِ إلى الدنيا بعد، تشبث أنفاسها بمعطف زوجها "أسامة" كأنها تخشى أن تفتح عينها فتجد كابوس المافيا حقيقة ماثلة.
​أما في دار "آل الجبالي"، فكانت الأجواء تشبه برميل بارود على وشك الانفجار.
​وقف "نوح الجبالي" في باحة الدار الكبيرة، يفرك كفيه بقلق بالغ وقد تسللت التجاعيد إلى وجهه أكثر من أي وقت مضى، تلاحقه نظرات العار التي رماها به رجاله قبل خصومه. وما هي إلا لحظات حتى فتح باب السرايا بعنف، ودخل "فاتح" بخطوات واسعة ووجه متجهم كالليل، يحمل بندقيته على كتفه، وعيناه تشتعلان بغضب خامد لم يطفئه برد الفجر.
​تقدم نوح نحوه بصوت منكسر يحاول التجلد:
"فاتح يا ولدي.. اسمعني، الأمور ما كانتش..."
​قاطع فاتح أبيه بحدة، ورفع يده محذراً بصوت أجش هز جدران الدار:
"ولا كلمة يا يابوي! خلاص، الكلام خلص من امبارح. أنت بعت شرفنا عشان طمع قديم، وكنت هترمي حرمة النجع في قبضة شياطين المافيا لولا أن ربنا ستر. أنا نجيت الدار بدمي وسلاحي، بس اعرفها زين يا نوح الجبالي.. من اللحظة دي، كلمتك متبقاش مسموعة عليّ، وأنا بريء من أي خطوة تلطخ اسمنا بدم العار!"
​ترك فاتح أبيه مذهولاً، وخرج كالصاعقة متوجهاً نحو أطراف الجبل ليتبرّد نيران جوفه، تاركاً نوح يلعن طمعه الذي كسرت شوكته أمام صرامة ابنه.
​على الجانب الآخر، داخل غرفة الاستقبال بسرايا العزايمة، كان "الحاج موافي" يجلس ووجهه كقطعة من الصخر، يحيط به عدد من كبار النجع. دخل "أسامة" بخطوات عسكرية ثابتة، يرتدي ملابسه المدنية وقد علت وجهه هالة من الصرامة والهدوء المحسوب. اقترب من حنين، فمد يده بحنان بالغ يربت على كتفها ويطمئنها، بينما كانت المحفظة الجلدية القديمة المهترئة التي تحتوي على صور طفولته وأسراره تبرز بثقلها الواضح من جيب سترته الداخلية، تلك المحفظة التي استعادها من خضم المعركة ولم يفض غلافها الأخير بعد.
​وقف الحاج موافي وقال بصوت وقور يقطر حكمة:
"يا ضابط أسامة، اللي حصل امبارح دليله إن نجعنا بقى مستباح، وإن في ناس وسطنا باعت نفسها للشيطان زي نوح الجبالي ورجالته. بس الأصول تقول إن دارنا ما تنداقش كده بالساهل، وإن حقنا لازم يرجع بالقانون وبسلاحنا لو لزم الأمر."
​نظر أسامة إلى الحاج موافي بعينين ثاقبتين، ورد بنبرة واثقة هادئة:
"اطمن يا حاج موافي.. أنا مش هسيب حق مراتي ولا حق ابني اللي جاي في الطريق، والضربة اللي أخدوها امبارح دي مجرد بداية. 'الصارم' ورجاله فاكرين إنهم يقدروا يلعبوا في بلدنا براحتهم، لكنهم ما يعرفوش إن الأجهزة الأمنية بدأت تطوق خناقهم، والشبكة اللي حواليهم بدأت تضيق."
​في تلك لحظة، نهض أسامة مستعداً للتحرك الميداني نحو القاهرة لإنهاء هذه المأساة وإرسال التعزيزات النهائية، غير مدرك أن القدر يخبئ له لقاءً هادئاً وخاطفاً مع ذلك الشاب الغامض الذي قاتل إلى جواره تحت الرصاص، دون أن يعرف أي منهما هويته الحقيقية أو يتبادلا الأسماء.
​بعيداً عن السرايا، وفي منزل مهجور على أطراف الجبل الصعيدي، كان "الصارم" يجلس على كرسي خشبي متهالك، يلتف حوله عدد قليل من فلول المرتزقة والعملاء الهاربين. كان وجهه مشوهاً بالغضب، وعروق رقبته بارزة من شدة الغيظ بعد خسارته لصفقة العمر وفشل حصار السرايا.
​ضرب الصارم الطاولة بقبضته وصاح بصوت يشبه فحيح الأفعى:
"كل الشغل راح هباءً والسبب... العيل الغبي 'فاتح' والضابط اللي اسمه أسامة! افتكروا إنهم كسبوا المعركة، لكنهم ما يعرفوش إن اللعبة لسه في أولها."
​اقترب منه أحد رجاله الخونة بحذر وقال:
"يا باشا.. الشرطة حوالينا في كل مكان، والنجع كله بقى مقفول، هنعمل إيه الخطوة الجاية؟"
​ابتسم الصارم ابتسامة ماكرة ومرعبة، وقال بصوت خبيث:
"طالما القوة ما جابتش نتيجة، يبقى نلعب على العصب الحساس.. هنخلي العائلتين ياكلوا في بعض من غير ما نوسخ إيدينا، وخلي الضابط أسامة وفاتح يصفوا حساباتهم سوا، لحد ما نحرق النجع على اللي فيه!"
​في هذه الأثناء، كان "فاتح" يتردد وحيداً على ممرات الجبل الصخري، يحمل بندقيته ويدخن سيجارته بعصبية، يفكر في مستقبل نجع عائلته. وبينما كان ساهماً في الأفق، لاحظ سيارة شرطة مدنية متوقفة على بعد مئات الأمتار، ونزل منها ضابط بملابس مدنية دقيقة الحركة والملامح.
​كان هو "أسامة"!
​وقف الاثنان على مسافة قريبة نسبياً، وسط هواء الجبل العليل وغبار المعركة المتبقي، والمحفظة الجلدية مستقرة في جيب أسامة تحمل خبايا الماضي. نظر أسامة إلى فاتح نظرة تقدير لبطولته أمس، ورفع يده بتحية عسكرية صامتة يعبر فيها عن امتنانه لمن حرس بيته وزوجته، بينما بادله فاتح نظرة حادة وعميقة، مرفوع الهامة، يعبر فيها عن احترامه للرجل الذي يدافع عن عرضه،  
وقال بصوت اجش انت فاتح ابن نوح 
ايوه اني حاولت الملم خطيه ابوي وبيعه للارض والعرض 
احنا لو بينا تار قديم مع العزايمه ميتاخدشي من الحريم 
اطمن يا اسامه بيه مراتك في امان" 
​أدار أسامة ظهره وركب سيارته منطلقاً نحو العاصمة، بينما التفت فاتح عائداً لخطواته الجبلية، وكل منهما يعلم في قرارة نفسه أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن السر الكامن في المحفظة القديمة على وشك أن ينفجر وتظهر حقيقه 
مخفيه منذ سنين". 

​بينما كانت عجلات سيارة أسامة تطوي  الطريق الصعيدي متجهة نحو القاهرة، تاركة خلفها غبار النجع وصخب المعركة، كانت الساعات تمر كثقل الجبال على نفوس سكان "نجع العزايمة".
​في قلب سرايا العزايمة، لم تكن دقات قلب "حنين" تهدأ من خوفها؛ فقد كانت وضعت كفيها المرتجفتين على بطنها المنتفخ، تشعر بحركة طفلها الصغير كأنه يشاركها رعب الليالي الفائتة. دخل "الحاج موافي" بخطواته الثقيلة، ورمقها بنظرة حنون خلطتها هيبة الشيوخ، ثم قال بصوته الرخيم الذي يبعث الطمأنينة:
"اهدي يا بنتي، الدمع بلاش، ربك اللي ستر العرض والدار مش هيضيع تعبنا. الضابط أسامة راح يجيب الدعم الكامل وينهي الكابوس ده من جذوره في مصر، ومفيش مخلوق يقدر يطالكم طول ما عرقنا بينبض."
أومأت حنين برأسها بضعف، بينما عادت لتتذكر كيف أنقذها ذلك الغامض "فاتح" وابن عدوهم من الموت المحتم، لتتساءل في سرها عن سر هذا الشاب الذي انتفض للحق رغم أن والده كان على حافة الهاوية.
​على الجانب الآخر، وفي دار آل الجبالي، كان الجو أشبه ببركان خامد يغلي تحت طبقة رقيقة من رماد الصمت.
​جلس "نوح الجبالي" وحيداً في الديوان الواسع، تتقاذفه أفكار الندم والحرقة بعد أن كسر ابنه كلمته وأدار له ظهره. لم يكن يخيفه تهديد الحكومة قدر ما كان يوجعه انكسار هيبته أمام ولده الوحيد "فاتح". وما هي إلا لحظات حتى فتح باب الديوان بقوة، وظهر "فاتح" بوجهه المتجهم ونظراته الحادة التي لا ترحم.
​تقدم فاتح بخطوات ثابتة ووقف أمام أبيه مباشرة، ليرفع صوته بنبرة قاطعة كالسیف:
"يا يابوي، أنا رجعت للدار عشان أقولها لك قدام الكل.. اللي عملته امبارح كان ممكن يمسح تاريخ عيلة الجبالي من على وش الأرض. إحنا أهل شرف وثأر، عمرنا ما كنا تجار حريم ولا خونة للعيش والملح. أنا حذرتك مرة، ودی التانية والأخيرة: لو فكرت تخطو خطوة واحدة مع الصارم أو أعوانه تاني، هعتبر نفسي مش ابنك، وهشيل اسم العيلة من طريقي!"
شحب وجه نوح، وفتحت عيناه على مصراعيها من هول الصدمة وجرأة ابنه، فحاول أن يتكلم، لكن الكلمات استقرت في حلقه، ولم يجد أمامه سوى الصمت المكسور وهو يرى ولده يستدير ويغادر الديوان غاضباً، تاركاً إياه يواجه عواصف ضميره وحده.
​وفي جبال النجع الوعرة، حيث الظلال الطويلة والمخابئ المنسية، كان "الصارم" يخطط لفصله الأخير في هذه المأساة.
​وقف في غرفة مظلمة يحيط بها حفنة من المرتزقة الخائبين،   ابتسم ابتسامه صفراء تعج بالشر:
"فاكرين إنكم كسبتوا المعركة يا أسامة ويا فاتح؟ اللعبة لسه في أولها..
​بات الليل طويلًا على نجع العزايمة، وباتت القلوب محملة بعواصف قادمة لا محالة؛ فبين طفل ينتظر النور في بطن أمه، ومحفظة سرية تحتفظ بأسرار الماضي، وخصومة قديمة تحاول البعث من جديد، كان الجمر يشتعل تحت الرماد في انتظار عودة أسامة من القاهرة لتشتعل شرارة الحقيقة الكبرى.

تعليقات



<>