لم تكن شمس الفجر قد أشرقت بعد، لكن الحريق الذي اشتعل في قلب أسامة كان كفيلاً بإضاءة العتمة. جثا أمام "حنين" المستلقية على الأريكة والوجوم يلف ملامحها الشاحبة، مسك يدها التي ترتجف بشدة وقبلها بنشيج مكتوم، ثم حسم أمره بقرار لا يحتمل النقاش.
رفع رأسه ونظر إلى عينيها بصوت قاطع يحمل كل حنيته وخوفه:
"حنين.. وجودك هنا في القاهرة بقى خطر داهم على حياتك وعلى ابننا. من اللحظة دي، هتسافري لبيت أهلك في البلد.. هناك بين ناسك وأهلك الحراسة هتكون أسهل، والصعيد أمان ليكي وللي في بطنك، وأنا مش هعرف أركز في معركتي دي وأنتِ هنا."
بكت حنين وهي تمسك بتلابيب معطفه، لكن أسامة كان قد أوعز بالفعل لطاقم حراسة خاص بقيادة أوفى رجاله لمرافقتها في سيارة مصفحة. لم يهدأ باله إلا بعد أن رأى الموكب يبتعد عن حدود العاصمة، ليتنفس الصعداء لأول مرة؛ الآن فقط، أصبح بلا نقطة ضعف يُلوى منها ذراعه، والآن فقط، يمكنه أن متفرغاً للمواجهة.
على الجانب الآخر، وفي جبل نائي يتخذ منه أشرس المهربين مقراً خفياً، كان "الصارم" يقف أمام رجاله يتابع تجهيز شحنة أسلحة ضخمة. دخل عليه "الضبع" وعلى وجهه خيبة أمل وقال:
"يا صارم.. الضابط أسامة نقل مراته بره القاهرة خالص تحت حراسة مشددة! الخطة طارت والورقة اللي كنا بنلعب بيها راحت."
لم يبتسم الصارم، بل واصل شحن أجزاء بندقيته الكلاشينكوف بصوت ميكانيكي حاد، ثم قال بصوت كصليل الحديد:
"بالعكس يا ضبع.. الضابط لما يؤمن بيته مش معناه إنه خاف.. معناه إنه قطع آخر خيط بيمنعه من الانتحار. أسامة هيهجم علينا في أي لحظة، جهزوا المين."
لم يكد الصارم ينهي كلماته حتى دوّى انفجار هائل عند البوابة الخارجية للجبل!
انقطعت الكهرباء فجأة، وتصاعدت أدخنة قنابل الغاز. لم ينتظر أسامة صدور الأوامر أو وصول الدعم الكامل، بل اقتحم الموقع برفقة مجموعة خاصة من المباحث في عملية خاطفة كالصاعقة.
اشتعل المكان برصاص الكلاشينكوف المتبادل. تحول المقر إلى جحيم من البارود والشرر المتطاير! صرخ الضبع وهو يتراجع تحت وابل الرصاص، بينما كان الصارم يتحرك بين الصناديق بلياقة ورعب، يطلق النار بدقة قاتلة.
وسط الدخان المكتظ والظلام الدامس الذي تضيئه فقط فوهات الأسلحة، اندفع أسامة نحو عمق الوكر، والغل يغلي في عروقه. وفجأة.. التقى الرجلان!
خرج الصارم من خلف حائط خرساني ليواجه أسامة مباشرة على بعد أمتار قليلة. تبادلا إطلاق النار حتى فرغت خزنتا السلاحين في وقت واحد!
ألقى الصارم بندقيته وانقض على أسامة بلكمة قوية، ليفتتحا قتالاً شرساً بالأيدي والأجساد. ضربات متتالية، ركلات وتحطيم للأغراض حولهما. سحب الصارم خنجره التكتيكي وسدد ضربة خاطفة، لكن أسامة قفز للجانب وتمكن من الإمساك بمعصمه ودفعه بقوة نحو الجدار.
استشرس الصارم وسدد ضربة بمرفقه في فك أسامة، مما جعل أسامة يتراجع خطوتين وهو ينزف من شفته. في هذه اللحظة، تعثر الصارم بقناع الغاز الملقى أرضاً، وسقطت من جيبه الداخلي محفظة جلديّة قديمة جداً ومتهالكة..
قفل الصارم وجهه بغضب وسحب قنبلة دخانية وألقاها أرضاً ليغطي انسحابه مع رجاله عبر ممر جلي خفي قبل وصول سيارات الدعم، تاركاً المكان يشتعل.
سعل أسامة وسط الدخان الكثيف، وحاول مطاردته لكن جرح كتفه نـزف بشدة. وهو يجثو على ركبته، وقعت عيناه على المحفظة الجلدية القديمة التي سقطت من الصارم.
سحبها أسامة بيد ترتجف، وفتحها تحت ضوء كشافه.. لم يجد بها هوية أو أوراقاً رسمية، بل وجد صورة قديمة جداً ومقصوصة .. تظهر فيها يد طفل صغير ممسكة بلعبة خشبية على شكل سيارة!
اتسعت عينا أسامة برعشة زلزلت كيانه.. هذه السيارة الخشبية هي نفسها التي كان يصنعها والده الراحل بيده!
ارتجفت شفتا أسامة وهو يهمس لنفسه وسط أدخنة المعركة:
"المحفظة دي بتاعة الصارم.. اللعبة دي كانت عندنا في البيت! إزاي وصلت لإيد مجرم وسفاك زي ده؟! إيه العلاقة بين الصارم وبين عيلتي؟!"
تراجع الصارم إلى مأمنه في حالة جنون بعد أن اكتشف فقدانه لمحفظته القديمة — الشيء الوحيد الذي يربطه بطفولته المفقودة التي لا يتذكر منها سوى النيران والدماء. ضرب الطاولة بيده يصرخ في الضبع:
"المحفظة لازم ترجع! المحفظة دي فيها سر حياتي كله!"
وفي ذات الوقت، كان أسامة يقف في مكتبه يضع الصورة تحت المجهر، متسائلاً عن الشبح الذي يطارده.. دون أن يدري كلاهما أن الحرب بينهما قد تحولت من مجرد قضية شرطة إلى نبش في قبور الماضي
وصل موكب السيارات المصفحة إلى نجع "العزايمة" في أقصى جنوب الصعيد مع أذان العصر. كانت البيوت المبنية من اللبن والمسلّح تقف شاهدة على زمن لم تتغير فيه الأصول. ترجلت "حنين" بخطوات متثاقلة، تحيط بها حراسة مشددة وجهها أسامة لحمايتها، لكن نظرات أهل القرية المتسائلة كانت تلاحقها كالنار في الهشيم.
عند بوابة السرايا الضخمة، كان في استقبالها خالها "الحاج موافي" بطلعته المهيبة وجلبابه الصعيدي، وعلى وجهه مزيج من الترحيب والتوجس. ارتمت حنين في أحضانه تبكي بحرقة، ليطبطب على ظهرها برفق وهو يحملق في سيارات الحراسة بنظرات لا تبشر بالخير.
دخلت حنين إلى المضيفة الداخلية، وما إن أغلقت الأبواب حتى ضرب الحاج موافي بغضب مكتوم:
"إيه اللي بيحصل يا حنين؟ زوجك الضابط باعتك لينا بأسلحة وحراسة كأننا في جبهة حرب!
حاولت حنين أن تهدئ من روعه وهي تمسك ببطنها المنتفخة:
"يا خالو أسامة بيحميني أنا وابنه.. القضية اللي ماسكها واصلة لناس ما بيرحموش، وهو خايف عليا."
لكن ما لم تكن تعلمه حنين هو أن وصولها للبلدة لم يمر مرور الكرام؛ ففي الطرف الآخر من النجع، داخل بيت "آل الجبالي" العائلة التي بينها وبين عائلة حنين ثأر قديم خامد منذ سنوات — كان يُعقد اجتماع مغلق.
كان "نوح الجبالي" يجلس في صدر المجلس، وأمامه أحد رجال المافيا التابعين لـ "الصارم"!
قال رجل المافيا وهو يضع حقيبة سوداء مليئة بالمال على الطاولة:
"الصارم عارف إن زوجة الضابط أسامة وصلت سرايا موافي العزايمه. القصاص من الضابط مش هيتم في القاهرة، هيتم هنا في قلب أرضكم. إحنا عايزين حنين حية أو ميتة، وفي المقابل.. آل الجبالي هياخدوا تارهم القديم من العزايمة والدعم المالي والأسلحة اللي تخليهم أسياد الجبل كله."
اتسعت عينا نوح الجبالي ببريق الغدر، ومسح على لحيته بابتسامة خبيثة:
"الضابط فاكر إنه بعت مراته لأمان الصعيد.. ميعرفش إنه رماها في بطن الأسد. اعتبر حنين في إيدكم قبل ما يرجع النهار."
في هذه الأثناء بالقاهرة، كان أسامة يقف داخل معمل الأدلة الجنائية، يراقب الخبير وهو يفحص الصورة القديمة واللعبة الخشبية الظاهرة فيها من محفظة "الصارم".
قال الخبير النسيجي وهو يرفع رأسه:
"يا أسامة باشا.. الصورة دي اتصوّرت من أكتر من خمسة وعشرين سنة، لكن المادة الكيميائية اللي مقصوصة بيها الحواف بتدل إنها اتقصت من ألبوم صور كامل
انتفض أسامة من مكانه كأنما كهرباء سرت في جسده:
قبل أن يستوعب أسامة هذالكلام ، اهتز هاتفه برقم مجهول. فتح الخط بنبرة حادة، ليأتيه صوت "الصارم" الميكانيكي البارد، يتخلله صوت صفير الرياح:
"فاكر إنك لما تسفّر وزجتك الصعيد خفيت نقطة ضعفك يا أسامة؟ أنت بس وفرت عليا مشوار القاهرة.. المحفظة والصورة اللي خدتهم من المخزن هترجعهم بنفسك، وإلا أبنك اللي في بطن مراتك هيتولد يتيم ومقطوع الشجرة!"
جن جنون أسامة وصرخ في الهاتف:
"الصارم! لو لمست شعرة واحدة من حنين، أقسم بالله لأحرق الجبل باللي فيه!"
ضحك الصارم ضحكة قصيرة جافة كصليل السلاح:
"العد التنازلي بدأ ياحضره الضابط.. قدامك ست ساعات توصل الصعيد، ويا ت لحق مراتك.. يا تتسلم جثتها مع بقايا أهلك."
أغلق الصارم الخط، وترك أسامة يلهث والغضب يعمي عينيه. لم ينتظر صدور أوامر أو استئذان قياداته؛ سحب سلاحه وخرج كالعاصفة باتجاه سيارته للاتجاه نحو الصعيد، غير مدرك أن الخطوط تتشابك، وأن الشحنة القادمة للصارم وسر الصورة المفقودة وحياة حنين.. جميعها ستقطع شريطها الأخير في أرض "العزايمة"!
ماذا سيحدث عندما يصل أسامة إلى الصعيد ويواجه حلف المافيا وآل الجبالي؟ وكيف ستنجو حنين داخل السرايا المحاصرة؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة.
