
ساد الصمت في المكان...
صمت ثقيل جعل الجميع ينظرون إلى الرجل الواقف أمامهم وكأنهم يحاولون فهم ما يحدث.
أما تميم...
فلم يتحرك.
ظل واقفًا بكل هدوء، وكأنه لم يدخل للتو وسط مواجهة، وكأنه كان يعلم أن ظهوره هنا لن يكون عاديًا.
كانت نظراته ثابتة عليهم، يراقب كل شخص أمامه، يحفظ ملامحهم وتصرفاتهم، وكأنه يجمع معلومات لا يريد لأحد أن يعرفها.
اقترب علي بسرعة .
ـ علي: سيبه...
ترك تميم ذراع سيف بهدوء، ليسقط الأخير أرضًا مرة أخرى، ليتحرك علي نحوه بغضب.
ـ علي: سيف!
اقترب الجميع منه، يحاولون معرفة ما حدث، بينما بقيت ليان في مكانها.
كانت لا تزال تحت تأثير الصدمة.
لم تفهم من هذا الرجل، ولا لماذا ظهر فجأة، ولا كيف استطاع أن يوقف الجميع بهذه الثقة.
أما تميم فظل بعيدًا عنهم، واضعًا يده في جيبه، ونظراته الهادئة كانت أكثر شيء يثير التوتر.
وقف علي وهو يحاول السيطرة على غضبه.
ـ علي: حسابك مش هيكون كويس أبدًا عشان توقع ابن علي الفارس.
لم يتغير شيء في ملامح تميم.
فقط اقترب بخطوات بطيئة، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة جعلت علي يشعر بالاستغراب.
ـ تميم: معايا إذن إني أعمل أي حاجة في أي مكان...
توقف للحظة، ثم نظر إلى سيف الذي كان ينظر له بغضب.
ـ تميم: حتى لو كان الأمر يوصل للقتل.
ساد الصمت من جديد.
لم يكن تهديدًا عاديًا، كانت طريقته في الكلام وكأنه يقول حقيقة يعرفها جيدًا.
ابتلع علي ريقه بصعوبة، بينما شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها.
هذا الرجل...
كان غامضًا بشكل جعلها لا تستطيع أن تثق به أو تخاف منه.
التفت تميم إليها.
وجدها تقف بعيدًا، عيناها مليئتان بالأسئلة.
اقترب منها بهدوء، وأمسك يدها.
ـ تميم: تعالي معايا.
نظرت إلى يده للحظة، ثم إليه، لكنها لم تعترض.
كان هناك شيء في صوته جعلها تذهب خلفه رغم عدم فهمها لأي شيء.
خرجت معه من المكان، حتى وصلا إلى أحد أجزاء القصر البعيدة عن الجميع.
ترك يدها والتفت إليها.
ـ ليان: مين حضرتك؟
نظر لها بهدوء.
ـ تميم: أنا النقيب تميم خالد.
كررت الاسم داخل عقلها.
تميم خالد...
لكنها لم تتذكر أنها سمعت عنه من قبل.
ـ ليان: تمام... بس حضرتك جاي ليه؟
أجاب دون تردد.
ـ تميم: في مهمة لحمايتك.
توقفت للحظة.
وكأن كلماته احتاجت وقتًا حتى تصل إليها.
ـ ليان: حمايتي؟
نظر لها بثبات.
ـ ليان: ليه؟ ومن إيه أصلًا؟
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال:
ـ تميم: مش هتفهمي كل حاجة دلوقتي.
اقترب خطوة.
ـ تميم: لكن اللي أعرفه إنك في خطر... وأنا مهمتي أحميكي.
نظرت له بعدم تصديق.
ـ ليان: خطر؟! أنا مش فاهمة أي حاجة.
ـ تميم: عشان كده مش هينفع تعرفي كل حاجة مرة واحدة.
ـ ليان: بس تحميني من إيه؟
نظر حوله للحظة، ثم عاد بنظره إليها.
ـ تميم: الخطر محاوطك من كل مكان.
شعرت ليان بالضيق.
هي التي عاشت طوال حياتها تحاول أن تبعد نفسها عن المشاكل، أصبحت الآن فجأة هدفًا لخطر لا تعرف عنه شيئًا.
ـ ليان: أنا مش قادرة أستوعب اللي بتقوله.
وقبل أن يكمل...
وصل صوت من الخارج.
تحركت ليان ناحية الباب بتلقائية.
لكن يد تميم أوقفتها بسرعة.
فتح جهاز الاتصال.
ـ تميم: أحمد... إيه النظام عندك؟
جاءه الرد فورًا.
ـ تمام يا فندم.
أغلق الجهاز، ثم نظر إليها.
ـ تميم: اتفضلي ورايا.
تنهدت بضيق.
ـ ليان: حضرتك مش شايف إن الموضوع مبالغ فيه شوية؟
نظر لها دون أن يتأثر.
ـ تميم: مظنش إن في مبالغة في الشغل... وحضرتك كده بتعطليني.
لم تجبه.
فقط نظرت له بضيق وسارت خلفه.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
عاد تميم وليان إلى غرفة الطعام...
كان الجميع ما زالوا جالسين حول الطاولة، لكن بمجرد دخولهما تغيرت الأجواء.
توقفت بعض الأحاديث.
وبدأت النظرات تتجه نحوه.
فالبعض كان يحاول معرفة من هذا الرجل الذي دخل القصر وكأنه صاحب مكان، والبعض الآخر كان يشعر بالانزعاج من وجوده.
أما تميم...
فلم يهتم بأي من تلك النظرات.
تقدم قليلًا ثم أشار إلى الكرسي الخاص بليان.
ـ تميم: اتفضلي.
ذهبت ليان وجلست في مكانها.
أما هو فوقف بالقرب من الباب، يراقب المكان بصمت.
شعرت ليان ببعض الضيق.
وجود شخص يراقبها طوال الوقت لم يكن شيئًا اعتادت عليه.
حاولت أن تتجاهل الأمر، وأمسكت الملعقة لتبدأ تناول الطعام.
لكن قبل أن تفعل...
جاء صوت درة.
ـ درة: بقولك يا ليان...
رفعت ليان عينيها إليها.
ـ ليان: نعم؟
ابتسمت درة ابتسامة هادئة، لكنها لم تكن تحمل أي ود.
ـ درة: إنتِ مش ناوية يا حبيبتي تدي كل واحد فينا حقه من الميراث؟
توقفت يد ليان.
لم تتفاجأ من السؤال فقط...
بل من الطريقة التي قيل بها.
وكأن الأمر محسوم.
ـ ليان: ليه؟
وضعت درة يدها على الطاولة.
ـ درة: عشان زي ما إنتِ عارفة... ده حقنا برضو.
نظرت لها ليان للحظات.
ثم وضعت الملعقة جانبًا.
ـ ليان: أظن لو كان حق... كنتوا خدتوه من الأول.
ساد الصمت للحظة.
ـ ليان: بس جدو الله يرحمه... محدش فيكم حتى كان بيسأل عليه.
تغيرت ملامح درة.
فهي لم تتوقع أن ترد ليان بهذه الطريقة.
ـ درة: أيوه، بس برضو لينا حق.
تنفست ليان بهدوء.
كانت لا تريد الدخول في مشاكل.
لكنها أيضًا لم تعد تتحمل أن يتعامل أحد مع ما تركه جدها وكأنه شيء سهل.
ـ ليان: مش مشكلتي
رفعت سارة عينيها من الطعام، وقالت بسخرية:
ـ سارة: سيبيك منها يا ماما.
ثم نظرت إلى ليان.
ـ سارة: دي معقدة أصلًا... وكمان بتقل أدبها. فين التربية؟
رفعت ليان نظرها إليها.
لكنها لم ترد.
كانت تعلم أن أي كلمة ستفتح بابًا لمشكلة أكبر.
إلا أن درة وقفت بغضب.
ـ درة: ليان... إنتِ كده بتغلطي.
في تلك اللحظة تدخل علي.
ـ علي: خلاص يا درة، اقعدي.
نظرت ليان للجميع.
ثم قالت بهدوء:
ـ ليان: أنا آسفة لو اتعديت حدودي...
توقفت لحظة.
ـ ليان: بس مفيش حد له الحق يقولي على حاجة تخصني وكأنها حق مكتسب ليه.
كانت كلماتها هادئة.
لكنها وصلت بوضوح.
اشتعل الغضب داخل درة.
وفي لحظة...
مدت يدها وضربت الطبق الموجود أمامها.
تحرك الطبق من مكانه.
واندفع باتجاه ليان.
لم تستطع ليان حتى أن تتحرك.
لكن قبل أن يصل إليها...
وقف شخص أمامها.
تميم.
كان واقفًا أمامها يحجب عنها الطبق بجسده.
ساد الصمت.
حتى صوت أنفاسهم كان واضحًا.
نظرت ليان له بصدمة.
لم تفهم كيف تحرك بهذه السرعة.
ـ ليان: إنت كويس؟
لم يلتفت لها.
ـ تميم: أنا تمام.
ثم نظر إلى درة.
تغيرت ملامح وجهه.
لم يكن غاضبًا...
لكن هدوءه كان أكثر إخافة.
ـ تميم: ممكن أرفع ضدك بلاغ بالتعدي على ممتلكات الغير والتعدي لفظيًا وجسديًا.
نظرت له درة بعدم فهم.
ـ درة: إنت مين أصلًا؟
صمتت.
ثم قال:
ـ تميم: لو الطبق ده وقع عليها أو حتى لمسها... الموضوع كان هيتحول لحاجة تانية.
نظرت له بغضب.
ـ درة: إنت بتهددني؟
لم يتغير وجهه.
ـ تميم: أنا بوضحلك العواقب.
تبادلت العائلة النظرات.
لأول مرة يشعرون أن وجوده ليس مجرد وجود حارس.
هناك شيء أكبر.
اقتربت درة من أبنائها.
ـ درة: يلا.
سحبتهم معها، وغادرت القصر وهي غاضبة.
بعد رحيلها...
ظل المكان هادئًا.
نظر علي إلى ليان.
ـ علي: أنا آسف على تصرف درة.
ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة.
لكن التعب كان واضحًا عليها.
ـ ليان: مفيش داعي يا عمو... اتفضل.
خرج علي.
وخلفه سيف الذي ألقى نظرة غاضبة على تميم قبل أن يرحل.
بقيت ليان وحدها معه.
نظرت إليه للحظات.
لم تعرف ماذا تقول.
شكرًا؟
أم تسأله عن كل ما يحدث؟
لكنه سبقها بالكلام.
ـ تميم: إيه جدولك بكرة؟
استغربت السؤال.
ـ ليان: مفيش حاجة.
ـ تميم: ولا أي حاجة؟
ـ ليان: ولا أي حاجة.
أومأ.
ـ تميم: تمام.
ثم أضاف:
ـ تميم: أنا هكون في الطابق المقابل ليكي، الخاص بالحراسة.
نظر إليها.
ـ تميم: لو حصل أي حاجة... هكون قريب.
شعرت ليان بغرابة.
لم تكن معتادة أن يهتم أحد بأمرها لهذه الدرجة.
تحرك تميم ليذهب.
لكن صوتها أوقفه.
ـ ليان: مين بعتك يا تميم؟
توقف.
ظل صامتًا للحظات.
ثم التفت لها.
ـ تميم: دي أوامر.
صمت قليلًا.
ـ تميم: لكن معرفش مين.
ثم تركها وغادر.
بقيت ليان واقفة مكانها.
تفكر في كل شيء.
في وجوده.
في كلامه.
وفي الخطر الذي لا تعرف عنه شيئًا
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
صعدت ليان إلى غرفتها...
لكن النوم لم يكن سهلًا هذه الليلة.
كانت تجلس أمام النافذة، تنظر إلى ظلام القصر الواسع.
ذلك القصر الذي كان دائمًا المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان...
أصبح الآن مليئًا بالأسئلة.
منذ وفاة جدها، وهي تشعر أن هناك شيئًا تغير.
كأن آخر شخص كان يحاول حمايتها رحل، وترك خلفه أسرارًا لا تعرف عنها شيئًا.
وضعت يدها على رأسها بتعب.
ثم تذكرت نظرات تميم.
لم يكن يبدو كشخص جاء لمجرد تنفيذ مهمة.
كان هناك شيء آخر.
شيء جعلها تشعر أنه يعرف عنها أكثر مما تعرف هي عن نفسها.
أغمضت عينيها للحظات.
لكن كلمات جدها عادت إلى عقلها مرة أخرى.
"خدي بالك يا ليان... مش كل الناس كويسة، ولا كل الناس عايزة مصلحتك... ممكن يكونوا عايزين يقربوا منك عشان يأذوكي."
فتحت عينيها بسرعة.
تنهدت وحاولت النوم
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في صباح اليوم التالي...
دخل ضوء الشمس إلى القصر من النوافذ الكبيرة.
استيقظت ليان بعد نوم متقطع.
ارتدت ملابسها ونزلت إلى الأسفل.
كانت مائدة الطعام فارغة إلا منها.
جلست وحدها، تحرك الملعقة في كوبها بشرود.
كانت تحاول أن تقنع نفسها أن كل شيء طبيعي.
لكن وجود تميم جعلها تشعر أن هناك شيئًا سيحدث.
بعد دقائق...
سمعت خطوات قادمة من الدرج.
رفعت نظرها.
كان تميم ينزل.
كان يرتدي ملابس سوداء، ويحمل زجاجة ماء في يده.
بدا هادئًا كعادته.
وكأن الليلة الماضية لم يحدث فيها شيء.
توقفت ليان عن النظر إليه عندما لاحظت أنه انتبه لها.
ـ تميم: صباح الخير.
ـ ليان: صباح النور.
اقترب من الطاولة.
ـ تميم: أنا رايح أتدرب شوية.
ثم أضاف:
ـ تميم: هيكون في حارس احتياطي هنا لحد ما أرجع.
نظرت له باستغراب.
ـ ليان: حضرتك بجد شايف إن ده كله ضروري؟
نظر لها للحظات.
ـ تميم: أيوه.
ـ ليان: حتى وأنا في القصر؟
أجابها بهدوء:
ـ تميم: خصوصًا وإنتِ في القصر.
سكتت.
لم يعجبها الرد، لكنه جعلها تفكر.
حاولت تغيير الموضوع.
ـ ليان: مفيش داعي... مش هيحصل حاجة في الوقت اللي هتغيب فيه.
أخذ تميم زجاجة الماء.
ـ تميم: الاحتياط واجب.
ثم تحرك للخروج.
خرج.
وبقيت ليان تنظر إلى الباب بعد رحيله.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
مر اليوم بهدوء...
أكثر من اللازم.
وهذا ما جعلها تشعر بالقلق.
كانت تتوقع حدوث شيء.
لكن لم يحدث شيء.
حتى جاء الليل.
نزلت ليان من غرفتها.
لم تستطع البقاء داخلها.
كان القصر هادئًا بشكل مخيف.
اتجهت إلى الحديقة.
جلست على المقعد القريب من الأشجار.
كانت تحب هذا المكان منذ طفولتها.
هنا كانت تجلس مع جدها.
وهنا كانت تشعر بالأمان.
نظرت إلى السماء.
وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم أغمضت عينيها.
لكن عقلها لم يتوقف.
تذكرت كل شيء.
حديث درة.
ظهور تميم.
كلمات جدها.
وفكرة أن هناك شخصًا يراقبها من بعيد.
فتحت عينيها فجأة.
شعرت بشيء.
شيء مر بسرعة أمامها.
وقفت بسرعة.
نظرت حولها.
لا شيء.
الحديقة فارغة.
لكن إحساسها لم يختفِ.
وضعت يدها على قلبها.
كانت لا تريد الاعتراف بأنها خائفة.
لكنها شعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل...
أنها ليست وحدها.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قررت العودة إلى الداخل.
تحركت بخطوات سريعة.
لكن قبل أن تصل إلى الباب...
توقفت.
تجمدت في مكانها.
كانت تنظر أمامها بصدمة.
لأن الشخص الذي رأته هناك...
كان آخر شخص تتوقع وجوده.
فتحت فمها لكنها لم تستطع الكلام.
فقط ظلت واقفة تنظر.
وفي تلك اللحظة...
أدركت ليان أن كلمات جدها لم تكن مجرد تحذير.
كان هناك شيء بالفعل.
شيء بدأ يظهر الآن.