رواية لهيب الكبرياء الفصل الرابع4 بقلم ملكة الروايات وساحرة القلوب

رواية لهيب الكبرياء الفصل الرابع4 بقلم ملكة الروايات وساحرة القلوب
​فتحت صالة البورصة أبوابها والسماء لسه محمرة بلون الدم، والجو جوة الصالة كان بيغلي زي البركان قبل ما جرس التداول يرن بثانية واحدة. الشاشات العملاقة كانت بتبث الأرقام باللون الأخضر والأحمر، والمستثمرين والعملاء واقفين على أعصابهم، والتليفونات ما بتبطلش رن كأنها سيمفونية طوارئ.
​دخل فارس من الباب الرئيسي بهيبته الطاغية، يرتدي بدلة كحلي متفصلة بالملي، وحواليه حراسة وسكرتيرين بيمشوا بخطوات سريعة. وشه كان حافظ لجموده الجليدي، بس عينيه الصقريتين كانوا بيمسحوا المكان بحثاً عن شعلة النار اللي قلبث حياته رأسها على عقب في بضع ساعات.
​وفجأة، هدأت الدوشة لثواني.. لفت الرؤوس كلها ناحية المدخل الرئيسي.
​دخلت يارا.
​كانت ماشية بثقة ملوكية تهز الأرض، لابسة بدلة رسمية بيضاء زي الثلج، شعرها مرفوع لورا، وعلى وشها نظرة هدوء مرعبة أصلاب من الحديد. عينيها اتقت بعيني فارس في نص الصالة، واختلطت أنفاسهم في تصادم صامت كاد يظلم الأضواء من حولهم.
​قرب فارس منها بخطوات موزونة لحد ما وقف قدامها، وابتسم ابتسامة ثقة مسمومة وقال بصوت واطي يوصل لها لوحدها:
 "صباح الخير يا يارا.. جيتي تشهدي لحظة سقوط العرش بنفسك؟ البيان الصحفي بتاعي نزل، والبنوك بدأت تطلب الحراسة القضائية على شركتك. فاضل خمس دقايق والشركة هتبقى مجرد ذكريات."
​يارا ما رمشتش، قربت منه نص خطوة وقالت بنبرة قطرت عسلاً وسماً بنفس الوقت:
 "صباح النور يا فارس بيه. التسرع دايماً بيبقى نقطة ضعف الملوك المغرورين. فاكر إنك لما اشتريت ديون الشركة مسكتني من رقبتي؟ أنت بس جمعت كل الديون في مكان واحد.. عشان تسهل عليا ضربتك القاضية."
​ضيق فارس عينيه بشك، وقبل ما ينطق بكلمة، دوي جرس التداول في الصالة ليعلن بداية الجلسة!
​في نفس اللحظة، اتقلبت الشاشات كلها للون الأحمر الدموي بالنسبة لأسهم مجموعة "فارس"! الأرقام بدأت تتهاوى بسرعة جنونية كأنها طالعة من منحدر مالوش نهاية! تعالت الأصوات في الصالة، والمستثمرين بدأوا يصرخوا وينادوا على السمسرة عشان يبيعوا أسهم فارس بأي ثمن!
​اتصدم كريم وسكرتارية فارس، وطلع كريم تليفونه وهو بيترعش وقال بصوت متلخبط:
 "فارس بيه! البنك المركزي أصدر قرار عاجل بتجميد أصول الشريك الأجنبي بتاعنا وفتح تحقيق شامل في التمويلات المشبوهة بناءً على الملف اللي أتقدم الصبح! الأسهم بتنهار.. خسرنا 15% من قيمة المجموعة في أول ثلاث دقايق!"
​تجمدت ملامح فارس بالكامل، والدم جمد في عروقه لثانية. بص ليارا بذهول مجنون وهو مش مصدق إنها جازفت بحرق كل حاجة للدرجة دي!
​ابتسمت يارا ابتسامة انتصار ساحرة وشديدة الخطورة، وقالت وهي بتبص في عينيه بثبات:
 "قلت لك قبل كده.. اللي بيحرق بيته عشان يقتل الثعبان ما بيبكيش على الرماد. أنت بقيت صاحب الديون؟ تمام.. الديون دي بقت عبء على مجموعة أصولك المحتفظ بيها، والبنك المركزي جمد الأصول المشتركة! دلوقتي، أنت مش بس مش هتقدر تحط حراسة على شركتي.. أنت محتاج سيولة فورية تسد بيها انهيار أسهمك قبل ما البورصة توقف التداول على مجموعتك بالكامل!"
​قرب فارس منها خطوة عاصفة، وعينيه بتشتعل بنار الغضب والشغف الأعمى بهذه المرأة اللي قدرت تحطه في زاوية الموت، وهمس بحدة هزت الهواء بينهم:
 "أنتِ دمرتي نفسك عشان تدمريني يا يارا! خطوتك دي هتخسر شركتك باقي قيمتها السوقية!"
​ردت يارا بصوت ناعم ومتهدج من قوة التحدي، ومسكت لياقة سترته بأطراف أصابعها بخفة وثبات:
 "أنا خسرت شركة.. بس أنت هتخسر إمبراطورية كاملة وبنيان سنين! اللعبة اتغيرت يا فارس.. دلوقتي أنت اللي تحت شروطي، وأنت اللي هترجي عشان أوقف النزيف ده!"
​تلاقت نظراتهما بثبات مرعب، وفي وسط غضب فارس الساطع وانهيار الأرقام من حولهم على الشاشات، التمعت في عينيه نظرة جديدة تماماً.. نظرة رجل أدرك إنه قدام إعصار مش هيقدر يروضه غير لما يحتويه بالكامل!
​سحب فارس إيدها ببطء شديد من على لياقته، وضغط على أصابعها بلمسة قوية يملأها التملك والخطورة، وقال بصوت حاسم ورنان:
 "المعركة دي ما خلصتش يا يارا.. أنتِ ولعتي النار في الميدان كله، ودلوقتي هنحترق فيها إحنا الاثنين.. أو نخرج منها سوا ومفيش حد غيرنا على القمة!"
​ابتسمت يارا بثبات ملكي وسحبت إيدها بهدوء، وقالت وهي بتلف عشان تمشي:
 "نشوف مين فينا اللي هيستحمل الحرارة الأول يا فارس بيه!"
​مشت بخطوات واثقة تخرم الصمت والذهول المخيم على صالة البورصة، وسبت وراها فارس واقف مشدود القامة وسط انخفاض الأسهم وصرخات السمسرة، وهو بيشعر لأول مرة في حياته إن قلبه وعقله بقوا أسري في قبضة امرأة واحدة.. حرب الليلة دي تحولت من صراع تجاري إلى ملحمة كبرياء وشغف مش هتنتهي إلا بانهيار واحد فيهم!

فجأة، وبينما الأرقام بتنزل زي الشلال على الشاشات وصوت الفوضى جواه الصالة واصل لقمته، طلع فارس تليفونه الشخصي وضغط على رقم مباشر وهو مثبت عينيه على ظهر يارا اللي بتبتعد بخطوات واثقة.
​رد الطرف التاني فوراً، وجاء صوت رجل كبار ومجرب:
"أهلاً يا فارس.. جرى إيه في البورصة؟ الأخبار اللي طالعة من المركزي مرعبة!"
​قال فارس بصوت هاديء ومريب، هدوء حاد زي المشرط:
 "دكتور فاروق.. صندوق الاستثمار العربي اللي اتفقنا عليه الشهر اللي فات، عاوزك تفعّل البند الطارئ دلوقتي. ادخل بضخ سيولة فورية واشتري كل الأسهم المعروضة للبيع لحساب مجموعتي بالسعر المخفض حالياً."
​سكت الدكتور فاروق لثانية وسأله بدهشة:
 "أنت هتلم الأسهم في عز الانهيار؟! ده انتحار يا فارس! أنت بتشتري والبنك المركزي مجمد الأصول المشتركة!"
​ابتسم فارس ابتسامة خطيرة، وعينيه الصقريتين بتتأمل القاعة، وقال:
 "أنا مش بشتري عشان أنقذ الصفقة الأجنبية يا دكتور.. أنا بشتري عشان ألم 51% من أسهم السوق المفتوحة وأقفل باب التداول! يارا جمدت الأصول الشريكة عشان تضغط عليا، بس ما تعرفش إن السيولة الكاش اللي تحت إيدي تجيب البنك الأجنبي باللي فيه! نفذ فوراً!"
​خلال دقيقتين بس، حصلت المعجزة في الصالة! خطوط الأسهم الحمراء اتجمدت، وبدأت المؤشرات ترفع بسرعة الصاروخ للون الأخضر! ضخ السيولة المفاجئ امتص الصدمة بالكامل، والمستثمرين اللي كانوا بيبيعوا في حالة هلع اتفاجئوا إن في جهة مجهولة بتشفط كل الأسهم وبتقفل التداول بأعلى سعر!
​توقفت يارا عند الباب الخارجي لما سمعت الهمهمات والصرخات اللي اتغيرت نبرتها في ثواني، لفت ببطء، وعينيها اتسعت بصدمة حقيقية وهي بتشوف الشاشات بتتصلح والأرقام بتقفز من جديد!
​كان فارس واقف في نص الصالة، حاطط إيديه في جيوبي بنطاله، وعلى وشه ابتسامة انتصار هادية ومظلمة. مشي بخطوات بطيئة وموزونة لحد ما وصل عندها عند الباب، ووقف قصادها وهو بيهمس بنبرة قطرت ثقة وتملك:
​ "قلت لك يا يارا.. التفاصيل الصغّيرة هي اللي بتكسب الحرب. أنتِ حركتي كارت البنك المركزي عشان تزنقيني في السيولة، بس نسيتي إن المعابد اللي بتبنيها الرجال زيي.. بيبقى فيها ممرات سرية تحت الأرض للهروب وقت الحرائق."
​اترددت أنفاس يارا، والدم غلى في عروقها من المفاجأة، لكن كبرياءها العاتي رفض يدي له إشارة ضعف واحدة. رفعت رأسها وقالت بصوت ناعم ومشهون بالتحدي:
 "أنت بس اشتريت وقت يا فارس.. السيولة دي كشفت ضهرك في سوق دبي، وأي حركة ثانية مني في الساعات الجاية هتخلي الصندوق العربي نفسه يراجع حسابه معاك!"
​قرب فارس منها أكتر، حتى أصبحت أطراف ثوبه تلامس طرف بدلتها البيضاء، ونزل برأسه لمستوى أذنها، وصوته ينساب كالسّم الناعم والشغف الأعمى:
 "يبقي جربي يا يارا.. جربي تضربي تاني. بس المرة الجاية مش هنسيب المعركة للبورصة ولا للصحافة.. المرة الجاية هتبقى بيني وبينك في الأوضة المقفولة، وهنشوف مين فينا اللي هيرفع الراية البيضاء الأول."
​تلاقت نظراتهما بثبات مرعب، واختلطت أنفاسهما المشتعلة في تصادم صامت كاد يضيء العتمة، كبرياء امرأة تأبى الانكسار، وغرور رجل يرفض الهزيمة.
​ابتسمت يارا ابتسامة كالشعلة، وعدلت لياقة بدلتها بثقة مطلقة وقالت:
 "الميدان ما بيتقفلش بفلوس يا فارس بيه.. نلتقي في الجولة الجاية."
​فتحت الباب وخرجت للشارع والشمس بتعكس على بدلتها البيضاء، تاركة خلفها رجلاً يُدرك لأول مرة في حياته أن خصمه ليس مجرد منافس، بل إعصار جارف قد يقتلع قلبه وعقله معاً قبل أن تنتهي هذه الحرب!

تعليقات



<>