
ظل الجميع ينظر إلى كريم في صمت.
كانت الورقة ما تزال على الأرض بينما بدت الصدمة واضحة على وجهه بصورة أثارت القلق أكثر من أي شيء آخر.
نهضت مريم بسرعة والتقطت الرسالة:
-وريني إيه اللي فيها؟ إنت هتفضل ساكت كده كتير؟
مد يده فجأة وانتزعها منها:
- سيبيها.
عقدت حاجبيها:
- يعني إيه أسيبها؟ بقولك وريني مكتوب فيها إيه؟
- قولت سيبيها.
لم يكن صوته مرتفعًا لكنه كان حادًا على نحو غير معتاد.
نظرت جميلة إلى ابنها باستغراب، منذ وفاة والده وهو يحاول أن يبدو متماسكًا أمام الجميع لكن ما رأته الآن لم يكن حزنًا, كان خوفًا، خوفًا حقيقيًا!
قالت بهدوء:
- يا كريم يا ابني... الرسالة فيها إيه؟
أشاح بوجهه وقال:
- مفيهاش حاجة.
ضحكت مريم بسخرية:
- أيوة طبعًا... مفيهاش حاجة عشان كده وشك قلب ألوان, أول ماقريتها ووقعت من إيدك صح؟
رفع رأسه نحوها بغضب:
- مريم بلاش إنتِ دلوقتي.
شعرت جميلة بانقباض في صدرها, كانت تعرف أبناءها جيدًا, وتعرف أن كريم يكذب, ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعرت أنها لا تعرف ما يدور بداخل عقل ابنها.
مرت ثوانٍ ثقيلة قبل أن يتحرك كريم نحو غرفته:
- أنا داخل أنام.
- تنام؟! قالتها مريم بدهشة.
إنت هتنام كده وتسيبنا مش فاهمين حاجة؟
لكنه لم يرد, دخل غرفته وأغلق الباب خلفه.
بقيت جميلة تنظر إلى الباب المغلق طويلًا, ثم قالت بصوت منخفض:
- الرسالة فيها حاجة خوفت أخوكي يا مريم.
هزت مريم رأسها:
- أكيد, بس هعرفها ياماما متقلقيش!
في الداخل كان كريم جالسًا على حافة سريره والرسالة بين يديه.
قرأ السطر الأول مرة أخرى:
"إلى كريم...إذا كنت تقرأ هذه الرسالة فهذا يعني أنني رحلت بالفعل."
أغمض عينيه للحظة.
كان يسمع صوت والده بين الكلمات, كأنه يجلس أمامه, كأنه لم يمت.
تابع القراءة:
"أعرف أنك لم تخبر أحدًا بالحقيقة منذ سبع سنوات!"
سبع سنوات؟ كيف عرف؟ ذلك السر لم يخبر به أحدًا, حتى أمه.
نهض من مكانه وبدأ يدور داخل الغرفة, كانت أنفاسه تتسارع.
كيف عرف والده؟ ولماذا كتب هذا الآن؟ ولماذا انتظر حتى يموت؟
عاد إلى الرسالة:
"هناك أمور يختار الأب أن يتغاضى عنها.ليس لأنه يجهلها...بل لأنه ينتظر من ابنه أن يعترف بها من تلقاء نفسه.
سبع سنوات يا كريم...مدة طويلة جدًا, أكنت تظن أنني لم أعلم؟
لقد عرفت منذ اليوم الأول, ومع ذلك التزمت الصمت, وحتى آخر لحظة، ما زال سؤال واحد يطاردني:
لماذا؟"
ابتلع ريقه بصعوبة ثم ساد الصمت داخل الغرفة, أما في الخارج فكانت جميلة تقف أمام صورة زوجها المعلقة على الجدار.
لم تستطع التخلص من شعور غريب بدأ يتسلل إلى داخلها, لم تكن الرسالة عادية, كانت متأكدة من ذلك.
اقتربت منها مريم:
- ماما.
- نعم؟
- هو بابا كان عارف حاجة عن كريم احنا منعرفهاش؟
التفتت إليها:
- زي إيه؟
هزت كتفيها:
- معرفش, أنا بسأل في العموم يعني.
ثم صمتت قليلًا قبل أن تضيف:
- أصل الموضوع ده وراه حكاية وأنا مش هرتاح إلا لما أعرفها!
لم تجب جميلة. لأنها هي الأخرى بدأت تتساءل.
هل كان زوجها يعرف عن أبنائه أكثر مما أظهر طوال السنوات الماضية؟
وفي تلك اللحظة تحديدًا سمعوا صوت فتح باب الغرفة.
خرج كريم. كان شاحبًا بصورة ملحوظة, نظر إليهما ثم قال:
- أنا خارج شوية.
نهضت جميلة واقتربت منه:
- خارج على فين دلوقتي ياكريم, مش كنت داخل تنام؟
- مشوار.
- دلوقتي؟
- أيوة.
اقتربت منه:
- الرسالة فيها إيه يابني متقلقنيش أكتر من كده!
نظر إليها للحظة طويلة, لحظة جعلتها تشعر أن هناك مسافة ضخمة نشأت بينهما فجأة, ثم قال:
- مفيهاش حاجة مهمة.
وأدار ظهره متجهًا نحو الباب.
لكن قبل أن يغلق الباب خلفه انتبه إلى شيء موضوع أسفله بجوار المدخل.
ظرف أبيض آخر!
تجمد مكانه, اقترب ببطء, وحمله بين يديه, شعر بأن الدم ينسحب من وجهه.
لأن الخط كان نفسه, خط والده ولأن الاسم المكتوب هذه المرة لم يكن اسمه.
بل اسم شقيقته.
"إلى مريم."