
في القصر...
ساد الهدوء أرجاء القصر، وكأن الجدران نفسها ترتدي ثوب الحداد.
لم يعد يُسمع سوى صوت عقارب الساعة، وأنفاس متقطعة يحملها التوتر الذي سيطر على الجميع.
وفي تلك اللحظة...
صدح صوت خطوات هادئة فوق درجات السلم.
التفتت جميع الأنظار نحو الأعلى.
كانت ليان تهبط ببطء، خطوة تلو الأخرى.
لكنها لم تكن الفتاة نفسها التي وقفت أمامهم صباحًا منهارة بعد وفاة جدها.
اختفت ملامح الانكسار، وحل محلها هدوء غريب.
ارتدت معطفًا أسود طويلًا فوق ملابسها، وتركت شعرها الأسود ينسدل بحرية فوق كتفيها، بينما بدت ملامحها جامدة، لا تكشف ما يدور داخلها.
توقفت أمامهم للحظات، ثم جلست بكل هدوء وكأن وجودهم لا يعنيها.
تبادل الجميع النظرات في صمت.
أما دُرة، فلم تتحمل ذلك المشهد طويلًا، فقالت بنبرة لم تخلُ من السخرية:
ـ دُرة: غريبة يعني يا ليان... جدك لسه متوفي من كام ساعة، وإنتِ نازلة عادي كده؟
رفعت ليان رأسها إليها ببطء.
ظلت تنظر إليها لثوانٍ دون أن تنطق.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، باردة، وقالت بهدوء:
ـ ليان: على حد علمي... جدو كان والد حضرتك، صح؟ ولا أنا فاهمة غلط؟
ساد الصمت.
اختفت الكلمات من على ألسنة الجميع.
حتى دُرة نفسها لم تجد ما ترد به.
أما هيثم، فظل يراقب ابنته بصمت، وكأنه يرى شخصًا جديدًا لم يعرفه من قبل.
تنحنح بخفة ثم قال:
ـ هيثم: نزلتي ليه يا ليان؟
حولت نظرها إليه دون أن يتغير تعبير وجهها.
ـ ليان: نازلة أشوف وصية جدو.
ثم التفتت تنظر إلى جميع الموجودين.
ـ ليان: ولا حد عنده مانع؟
لم يجبها أحد.
لكن نظراتهم وحدها كانت كافية لتكشف حجم الضيق والغضب الذي يملأ صدورهم.
أخذت ليان نفسًا عميقًا، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد وهي تتأمل المكان الذي نشأت فيه.
كان القصر يبدو باردًا على غير عادته...
وكأن صاحبه أخذ معه روحه حين رحل.
وقبل أن يتمكن أحد من كسر ذلك الصمت...
انفتح الباب الرئيسي.
دخل المحامي بخطوات ثابتة، يحمل حقيبة جلدية سوداء بين يديه.
تقدم حتى جلس في المقعد المقابل لهم.
وفور جلوسه...
توترت الأجواء أكثر.
بدأ يخرج بعض الأوراق من الحقيبة، ثم عدل نظارته، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
ـ المحامي: بناءً على طلب المرحوم السيد فارس العزمي... سأقوم الآن بقراءة وصيته الأخيرة.
تبادل الجميع النظرات.
كانت دُرة تضم أصابعها بقوة، بينما أخذ علي يضرب الأرض بقدمه في توتر واضح.
أما ليان...
فجلست صامتة تمامًا.
لا يبدو عليها أي اهتمام.
فتح المحامي الورقة الأخيرة، ثم بدأ يقرأ بصوت واضح:
ـ "أنا السيد فارس العزمي، بكامل قواي العقلية، أوصي بأن تنتقل جميع ممتلكاتي، وأصولي، وأسهمي، وجميع ما أملك، إلى حفيدتي ليان هيثم فارس... ولا يحصل أيٌّ من أبنائي على أي جزء من تركتي."
ما إن انتهى...
حتى خيم الصمت.
صمت ثقيل...
وكأن الكلمات سقطت فوق رؤوس الجميع كالصاعقة.
اتسعت أعين دُرة.
أما أميرة، فوضعت يدها فوق فمها من شدة الصدمة.
بينما ظل علي يحدق في المحامي غير مستوعب ما سمعه.
وحدها ليان...
كانت تنظر أمامها في هدوء.
لم تصرخ.
ولم تبتسم.
وكأنها كانت تعلم أن جدها لن يتركها وحدها بعد رحيله.
انتفضت دُرة واقفة وهي تصرخ:
ـ دُرة: مستحيل!
ثم التفتت نحو المحامي بعصبية.
ـ دُرة: ده إزاي يعني؟
أغلق المحامي الملف بهدوء وقال:
ـ المحامي: زي ما حضرتك سمعتي يا مدام دُرة... كل ممتلكات المرحوم بقت باسم الآنسة ليان.
اشتعل الغضب داخل عينيها.
أما ليان...
فنهضت من مكانها بكل هدوء، وعدلت معطفها، ثم قالت بنبرة باردة:
ـ ليان: شرفتوني.
نظرت إليهم واحدًا تلو الآخر.
ثم أكملت:
ـ ليان: اتفضلوا... لأني بصراحة عايزة أرتاح.
تجمد الجميع في أماكنهم.
لم يتوقع أحد أن تستقبل الخبر بهذه البرودة.
استدارت ليان متجهة نحو السلم.
لكنها توقفت قبل أن تصعد.
التفتت إلى المساعدة وقالت بهدوء:
ـ ليان: بعد ما يمشوا... اقفلي باب القصر.
ـ المساعدة: حاضر يا آنسة ليان.
أومأت لها ليان، ثم أكملت صعودها دون أن تنظر خلفها.
وما إن اختفت...
حتى انفجرت دُرة غضبًا.
ـ دُرة: يعني إحنا هنسكت كده؟
رفع هيثم رأسه إليها بإرهاق شديد.
ـ هيثم: أعمل إيه يا دُرة؟ أبوكي كتب كل حاجة باسم بنتي.
ضحكت بسخرية مريرة.
ـ دُرة: لو كنت عرفت تكسب بنتك... مكانش ده كله حصل.
اشتعلت نظرات هيثم بالغضب.
لكنه اكتفى بالقول:
ـ هيثم: مش هرد عليكي.
ثم غادر المكان بخطوات سريعة.
وقفت دُرة تتابعه بعينيها، قبل أن تقترب منها اميره هامسة:
ـ اميره : يعني خلاص... كل حاجة راحت؟
ابتسمت دُرة ابتسامة خبيثة.
ثم قالت بثقة:
ـ دُرة: لأ...
وسكتت لحظة، قبل أن تضيف وهي تنظر نحو الدرج الذي صعدت منه ليان:
ـ دُرة: الحرب لسه ما بدأتش... وحقنا هنرجعه قريب جدًا.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
بعد مرور ثلاث اسابيع ...
داخل قاعةٍ واسعة ازدانت بأعلام الجمهورية وشعارات وزارة الداخلية، جلس عدد كبير من القيادات والضباط، بينما سادت أجواء رسمية امتزجت بالفخر والاحترام.
اعتلى أحد القادة المنصة، ثم أمسك بالميكروفون وقال بصوتٍ قوي:
"يسعدني اليوم أن أكرّم أحد أفضل ضباط هذا العام، بعدما أثبت كفاءةً وشجاعةً استثنائية في واحدة من أخطر العمليات الأمنية التي شهدناها مؤخرًا."
ساد التصفيق في القاعة.
أكمل القائد:
"تمكّن هذا الضابط، برفقة القوة التابعة له، من الإطاحة بإحدى أكبر عصابات تجارة المخدرات، بعد عملية استمرت عدة أشهر، دون خسائر تُذكر."
توقف للحظة، ثم ابتسم وهو يقول:
"فليتفضل... النقيب تميم خالد الجوهري."
انفتح الباب الكبير في نهاية القاعة.
ودخل شاب طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي بدلته بإتقان، بينما انعكس بريق الأوسمة الصغيرة على صدره تحت أضواء القاعة.
كان شعره الأسود مصففًا بعناية، وملامحه هادئة، إلا أن عينيه البنيتين حملتا حزمًا وهيبةً لفتت انتباه الجميع.
تقدم بخطوات ثابتة، لا يظهر على وجهه أي غرور، وكأن ما حققه مجرد واجب يؤديه.
كان هو نفسه الشاب الذي ظهر عندما دوّى صوت إطلاق النار في تلك الليلة الغامضة.
وقف أمام القائد، فألقى له التحية العسكرية بكل احترام.
بادله القائد التحية، ثم سلّمه درع التكريم قائلًا:
ـ القائد: تستحقها يا تميم... رفعت اسم الجهاز، وأثبت إن لسه عندنا رجالة يعتمد عليهم.
ابتسم تميم ابتسامة خفيفة، وقال بهدوء:
ـ تميم: شكرًا يا فندم...
تبادل الحضور النظرات بإعجاب.
همس أحد الضباط الجالسين:
ـ الضابط الأول: الراجل ده عمره ما اتغيّر... كل مرة يحقق إنجاز أكبر من اللي قبله.
ابتسم الآخر وهو يهز رأسه.
ـ الضابط الثاني: عشان كده الكل بيثق فيه.
انتهى التكريم وسط تصفيقٍ حار، وغادر تميم المنصة بهدوئه المعتاد، دون أن يسمح لنظرات الإعجاب أن تغيّر شيئًا من ملامحه.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في مكتب اللواء حسام...
طرق تميم الباب طرقاتٍ خفيفة.
ـ تميم: بعد إذن حضرتك.
ـ حسام: ادخل.
فتح الباب ودخل بخطوات ثابتة، ثم وقف أمام المكتب في وضعٍ مستقيم.
أغلق اللواء الملف الذي كان يطالعه، ثم رفع بصره إليه.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ حسام: ألف مبروك يا تميم... تستحق التكريم.
ـ تميم: الله يبارك في حضرتك يا فندم.
أشار له اللواء بالجلوس.
لكن تميم بقي واقفًا في مكانه.
تنهد اللواء وهو يقول:
ـ حسام: عارف إنك مش بتحب تضيع وقت... فهخش في الموضوع على طول.
انعقد حاجبا تميم في اهتمام.
فتح اللواء أحد الملفات الموضوعة أمامه، ثم دفعه نحوه.
ـ حسام: عندي مهمة جديدة... ومش هيسدها غيرك.
نظر تميم إلى الملف دون أن يفتحه.
ثم قال بهدوء:
ـ تميم: يا فندم... أنا بالفعل ماسك أكتر من قضية، ومكاني الطبيعي في القسم.
هز اللواء رأسه.
ـ حسام: وأنا عارف ده كويس.
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر جدية:
ـ حسام: لكن المهمة دي مختلفة.
رفع تميم عينيه إليه.
ـ تميم: مختلفة إزاي؟
أغلق اللواء الملف مرة أخرى.
ـ حسام: هتعرف كل التفاصيل في وقتها... لكن اللي أقدر أقوله دلوقتي إن حياة شخص مهم جدًا بقت في خطر.
ساد الصمت داخل المكتب.
ظل تميم ينظر إليه لثوانٍ، ثم قال:
ـ تميم: حضرتك عارف إن تخصصي مداهمات وعمليات... مش حراسة شخصية.
ابتسم اللواء ابتسامة خفيفة.
ـ حسام: ومين قال إنك هتبقى مجرد حارس؟
تجهمت ملامح تميم أكثر.
ـ تميم: قصد حضرتك إيه؟
نظر إليه اللواء بثبات، ثم قال:
ـ حسام: المطلوب منك تحمي الهدف...
نظر له تميم
أما اللواء، فاكتفى بإغلاق الملف وهو يقول:
ـ حسام: اسمع كلامي يا تميم... لأن المهمة دي هتغيّر حاجات كتير.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في القصر...
كان الليل قد حلّ على القصر، وسكنت الأصوات في أرجائه.
جلست ليان في غرفتها للحظات طويلة، تنظر من نافذتها إلى الحديقة الواسعة، بينما كانت أفكارها تزدحم داخل رأسها.
رغم هدوئها أمام الجميع...
إلا أن بداخلها كان هناك الكثير من الألم.
فقدان جدها لم يكن أمرًا سهلًا عليها، فهو الشخص الوحيد الذي شعرت معه بالأمان طوال حياتها.
أغمضت عينيها للحظات، ثم نهضت بهدوء.
توضأت، ووقفت تصلي.
كانت تحاول أن تجد راحة قلبها بين كلمات الدعاء.
وبعد وقتٍ قصير...
أنهت صلاتها، وجلست على سجادة الصلاة، ثم أمسكت طرفها تمسح دموعها التي نزلت دون أن تشعر.
همست لنفسها:
ـ ليان: وحشتني يا جدو...
ساد الصمت.
لكنها لم تبكِ طويلًا.
ف ليان تعلمت منذ وقتٍ طويل أن تخفي ضعفها عن الجميع.
وفجأة...
سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
مسحت دموعها بسرعة، ثم قالت:
ـ ليان: ادخلي.
دخلت المساعدة بابتسامة هادئة.
ـ المساعدة: آنسة ليان... الأكل جاهز، اتفضلي عشان تاكلي.
نظرت إليها ليان للحظات، ثم قالت:
ـ ليان: شكرًا... بس ماليش نفس.
اقتربت منها المساعدة قليلًا بنبرة حنونة:
ـ المساعدة: مينفعش تفضلي كده يا حبيبتي... لازم تاكلي حتى لو حاجة بسيطة.تنهدت ليان.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ـ ليان: حاضر... انزلي وأنا جاية.
أومأت المساعدة وخرجت.
وقفت ليان أمام المرآة للحظات، ثم بدلت ملابسها ونزلت إلى الأسفل.
لكن ما إن وصلت إلى آخر الدرج...
حتى توقفت.
كان هناك أشخاص لم تتوقع وجودهم.
رأت عمها علي، ودُرة، وبقية أفراد العائلة يقفون في الصالة.
رفعت حاجبها باستغراب، ثم قالت:
ـ ليان: مفاجأة؟
ابتسمت دُرة ابتسامة لم تفهم ليان معناها.
ـ دُرة: تقدري تقولي كده.
نزلت ليان آخر درجة، ثم وقفت أمامهم.
ـ ليان: آه... واضح.
ثم أضافت ببرود:
ـ ليان: بس حضرتك عارفة إني مش بحب المفاجآت.
تدخل علي وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا:
ـ علي: ليه كده يا ليان؟ ده حتى ابني جه معايا... ولسه واصل من السفر.
نظرت ليان إلى الشاب الواقف بجانبه.
ثم عقدت ذراعيها.
ـ ليان: وأنا مالي؟ هو أنا قولتله ييجي؟
ساد الصمت للحظة.
نظر علي إليها باستغراب.
ـ علي: اتغيرتي أوي يا ليان.
لم تجبه.
فقط أدارت وجهها للجانب الآخر.
لم تنتظر دُرة أكثر، فاتجهت إلى الداخل هي وابنتها، تاركة علي يقف معها وابنه.وابنتها الأخري
نظر علي إلى ابنه وقال:
ـ علي: تعال يا سيف... سلم على بنت عمك.
اقترب سيف منها بابتسامة.
كان يبدو واثقًا من نفسه، ومد يده قائلًا:
ـ سيف: أهلًا يا ليان.
نظرت ليان إلى يده.
ثم رفعت عينيها إليه.
لكنها لم تمد يدها.
ظل سيف واقفًا للحظات، قبل أن ينزل يده بإحراج.
ارتسمت على وجهه ملامح ضيق.
اقترب خطوة منها وقال:
ـ سيف: إنتِ لسه زي ما إنتِ... متكبرة.
لم تهتم ليان برده.
ظلت تنظر إليه بصمت.
وفجأة...
رفع سيف يده محاولًا لمس وجهها.
تراجعت ليان خطوة للخلف.
لكن قبل أن يصل إليها...
توقفت يده.
شعر بقبضة قوية أمسكت معصمه.
تجمد الجميع.
التفت سيف ببطء ليرى من أوقفه.
كان هناك رجل يقف خلفه بثبات.
يرتدي بدلة سوداء رسمية، إحدى يديه داخل جيبه، والأخرى ممسكة بمعصم سيف بقوة.
كانت سماعة صغيرة في أذنه، ونظراته تحمل هدوءًا كبيراً .
حاول سيف سحب يده.
لكن دون فائدة.
قال بغضب:
ـ سيف: إنت مين؟
لم يرد الرجل فورًا.
فقط أخرج بطاقة تعريف من جيبه، ومدها أمامه.
أخذها سيف بتوتر.
وبمجرد أن وقعت عيناه على الاسم...
تغيرت ملامحه.
أما الجميع فظلوا ينظرون إلى ذلك الشخص الغريب الذي ظهر فجأة داخل القصر.
قرأ سيف الاسم بصوت منخفض:
ـ سيف: النقيب...
رفع عينيه إليه بصدمة.
ـ سيف: تميم خالد الجوهري!
ساد الصمت.
أما تميم...
فلم يتحرك.
ظل واقفًا أمامهم بهدوء، وكأنه يعلم أن ظهوره في هذا المكان سيغير كل شيء.