
ساد صمت دافئ ولكنه مفعم بالمرارة في أركان الغرفة. كان صوت أنفاس تاليا المتلاحقة وشهقاتها المكتومة هو الشيء الوحيد الذي يقطع سكون الليل. نظر إليها يوسف وعيناه تلمعان بحزن جارف، شعر بغصة في حلقه وهو يرى الفتاة التي وعد نفسه بأن يحميها، تنهار أمامه خوفاً ورعباً من فكرة أنها "بديل".
أرخى يوسف يديه الممدودتين نحوها ببطء، وتراجع خطوة للخلف ليعطيها مساحتها، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة ومكسورة. بلع ريقه وقال بنبرة صوت خافتة هادئة، يملؤها الحنان الممزوج بالوجع:
"أنا مش هغصبك على حاجة يا تاليا.. ولا عمري هكون الراجل اللي يجبر مراته على وضع هي مش مرتاحة فيه. شوفي اللي يريحك وإيه اللي يطمن قلبك وأنا هعمله."
مسح يوسف على وجهه بقلة حيلة، ثم تابع وهو يشير بيده نحو الباب:
"أنا هاخد حاجتي، وهنام في أوضة الأطفال.. خدي وقتك تماماً لحد ما تهدي وتتعودي على المكان، وتعرفي إنك هنا صاحبة البيت، مش ضيفة ولا بديل لحد."
تحرك يوسف بخطوات مثقلة بالهموم نحو الخزانة، أخرج غطاءً ووسادة، ولم ينظر خلفه حتى لا تزيد رؤية دموعها من عذابه. خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه برفق شديد، تاركاً تاليا وحدها مع جدران صمتها وعقدة ذنبها.
ارتمى يوسف على السرير الصغير في غرفة الأطفال، وضع يده أسفل رأسه وظل ينظر إلى السقف حتى حان موعد الفجر، يسأل نفسه: "هل تسرعنا؟ هل كانت وصية سارة حملاً ثقيلاً فوق طاقتنا؟"
مرت الأيام الأولى للزواج ثقيلة، باردة، وكأنها طقس خريفي لا ينتهي. تحولت الشقة التي كان يُفترض أن تكون عشاً للزوجية إلى ما يشبه الفندق الهادئ.
بدأ يوسف يتبع استراتيجية جديدة للهروب؛ استراتيجية "التعمد في الغياب". كان يستيقظ في الصباح الباكر قبل أن تفتح تاليا عينيها، يرتدي ملابسه على عجلة، ويخرج دون أن يتناول طعام إفطاره. ولم يكن الأمر يقتصر على الصباح، بل بات يتعمد السهر في عمله بالشركة حتى ساعات متأخرة من الليل.
كان يجلس وراء مكتبه والأوراق مكدسة أمامه، يدعي التركيز في ملفات العمل، بينما عقله يسبح في تفاصيل شقته. كان يفعل ذلك حداً وخوفاً؛ لم يكن يريد أن يعود مبكراً فيسبب لها القلق أو الإحراج، كان يود أن يترك لها الشقة بأكملها لتتحرك فيها بحرية، لتعتاد على الزوايا دون أن تشعر بأن وجوده يضغط على أعصابها أو يجبرها على تمثيل دور الزوجة.
في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، كان يوسف يفتح باب الشقة بحذر شديد، ويدخل على أطراف أصابعه كالغريب. ينظر نحو الصالة المظلمة، فيجد أن تاليا قد تركت له ضوءاً خافتاً في المطبخ، ووضعت له عشاءً مغطى بعناية على الطاولة، بينما باب غرفتها مغلق بإحكام.
كان يأكل بضع لقيمات بصمت، ثم يتوجه لسريره الصغير في غرفة الأطفال، والندم ينهش قلبه لأنه يراها تبتعد عنه يوماً بعد يوم.
على الجانب الآخر، لم تكن تاليا في حال أفضل. هذا الهروب المتعمد من يوسف، بدلاً من أن يريحها، بدأ يزرع في قلبها نوعاً آخر من العذاب.
كانت تقضي نهارها بطوله بمفردها في الشقة. تنظف، ترتب، وتطهو ما يحبه يوسف، لكنها في كل مرة تدخل المطبخ لتصنع الشاي، تجد نفسها تقف حائرة أمام علبة السكر.. تتذكر اللفات السبع، فتترك الملعقة وتبكي.
عندما كانت عقارب الساعة تقترب من العاشرة مساءً، يبدأ قلقها يزداد. تجلس في الصالة، تنظر إلى الهاتف وتتمنى أن يتصل بها أو يعود، لكن كبرياءها وخوفها يمنعانها من محادثته. كانت تسأل نفسها بمرارة:
"هل ملّ مني؟ هل اكتشف أنني لست سارة ولن أكونها، فندم على زواجه بي؟"
في إحدى الليالي، وتحديداً في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كانت تاليا تجلس في غرفتها ولم تكن قد نامت بعد. سمعت صوت الباب يفتح، وحركة خطوات يوسف الهادئة. شعرت فجأة برغبة عارمة في كسر هذا الجدار الجليدي.
نهضت من فراشها، وفتحت الباب ببطء. خرجت إلى الصالة ووجدته واقفا في المطبخ، يشرب كوباً من الماء وعلامات الإرهاق الشديد والتعب ترتسم تحت عينيه، وجاكيته ملقى على الكرسي بإهمال.
تنحنحت تاليا بصوت خافت:
"حمد الله على السلامة يا يوسف.. كل ده شغل؟"
التفت يوسف بسرعة، وبدت عليه المفاجأة، وحاول أن يجمع شتات نفسه المتعبة:
"الله يسلمك يا تاليا.. أنا آسف لو كنت صحيتك أو عملت صوت. الشغل الفترة دي ضغط كبير ومش قاد ألحق ورا الملفات."
نظرت تاليا إلى الأرض، وفركت يديها بارتباك، وقالت بنبرة عتاب مخفية:
"بس أنت كل يوم بتتأخر كده.. أنت مبقتش تيجي غير وأنا نايمة، أو فاكرني نايمة. يوسف.. أنت بتهرب مني؟"
وضع يوسف كوب الماء من يده، ونظر إليها مطولاً. رأى وجهها الشاحب، وعينيها العسليتين اللتين اشتاق للنظر إليهما دون خوف. أخذ نفساً عميقاً واقترب منها خطوتين، لكنه توقف في منتصف المسافة وقال بصوت يملؤه الوجع:
"بأهرب منك؟ لا يا تاليا، أنا بهرب عشانك مش منك. أنا بسيبك براحتك عشان خايف أكون حمل عليكي.. خايف عيني تبص لعينك فـ تشوفي فيها اتهام أو تفتكري إني مستني منك تكوني حد تاني. أنا سايبك لحد ما تحسي إنك عايزاني أكون موجود فعلاً.. مش مجرد واجب أو وصية بتنفذيها."
نزلت دمعة ساخنة من عين تاليا، وشعرت كم ظلمته وظلمت نفسها بهذا الحصار النفسي. ساد الصمت مجدداً، صمت يحمل حباً مكبوتاً وخوفاً متبادلاً، وكل منهما ينتظر من الآخر خطوة واحدة لكسر هذا القيد.