
الفصل الخامس:
عرش الظلام:
♕♕♕♕♕♕♕♕♕
ليلة الهدوء قبل العاصفة.. ونداء الحرب
انتهى مجلس النبلاء المرعب، وتفرق اللوردات كالفئران الذعرة، يحمل كل منهم بين ضلوعه خوفاً جديداً من ملكهم الذي غدا أكثر خطورة بعد أن وجد ترياقه.
عاد آرثر بسيلينا إلى الجناح الملكي، لكن الأجواء الليلة لم تكن تحمل قسوة البارحة. أغلق الباب خلفه، وجلس على مقعد خشبي ضخم أمام الشرفة المفتوحة على الليل، وبدا عليه إرهاق شديد لم تره فيه من قبل. الكيان المظلم في صدره كان يئن، ليس رغبة في القتل، بل خوفاً من النور الذي بدأ يستشعر اقترابه من الحدود الشمالية.
اقتربت سيلينا منه بخطوات هادئة. لم تعد تلك الفتاة التي ترتجف خوفاً؛ فموت عائلتها واكتشاف سلالتها أيقظا في داخلها مسؤولية كبرى. جلست على الأرض أمام مقعده، ورفعت يديها النحيلتين لتضعهما فوق ركبتيه العاريتين.
بمجرد تلامس بشرتيهما، أطلق آرثر زفيراً طويلاً، وأسند رأسه إلى الخلف مغمضاً عينيه. "أنتِ تشعرين به.. أليس كذلك؟" سألها بصوت خافت أبحّ.
أومأت سيلينا برأسها، وعيناها الأرجوانيتان تلمعان في الظلام: "الساحرة.. لقد سمعتُ صوتها في رأسي عند غروب الشمس. إنها تجمع جيشاً من الظلام في الغابة المحرمة، وتقول إن لعنتكِ لن تنتهي إلا بدمي".
فتح آرثر عينيه، وفيهما بريق من الغضب الشرس. انحنى نحوها، وقبض على كفيها برفق: "على جثتي! لقد عشت عشرين عاماً وأنا أتحمل هذا الجحيم في جسدي وروحي، كنت أنتظر الموت في كل ليلة. والآن، بعد أن وجدتُ النور الذي يجعلني أتنفس، لن أسمح لعجوز شمطاء أو لجيش من المسوخ أن يسلبوني إياكِ. أنتِ ملكي، سيلينا.. حتى لو اضطررت لحرق الممالك السبع بأكملها لحمايتكِ".
دنت سيلينا منه أكثر، وأسندت جبينها على يده العارية: "قوتي وضيعة يا آرثر.. أنا لا أعرف كيف أقاتل، كل ما أملكه هو لحن وضوء أعمى".
رفع وجهها بأصابعه، ونظر في عمق عينيها: "لحنكِ هو السلاح الأعظم. ظلامي يملك القوة الغاشمة التي تدمر كل شيء، ونوركِ يملك التوجيه والشغاف الذي يمنعني من الجنون. غداً.. سنخرج إلى الحدود الشمالية معاً. سأعلمكِ كيف تطلقين النور من قيدكِ، وسترين كيف يسحق ظلامي كل من يحاول المساس بكِ".
المعركة الأولى: دمج النور والظلام
مع شروق شمس اليوم التالي، لم يكن هناك وقت للاحتفالات الملكية. كانت التقارير من الحدود الشمالية مرعبة؛ قُرى بأكملها تحولت إلى رماد، و"مسوخ الظلام" — وهي كائنات مشوهة صنعتها الساحرة من الطين والدماء الملعونة — بدأت باختراق جدار المقاطعة الأولى.
خرج آرثر على رأس جيشه، يركب جواداً أسود ضخماً، وبجانبه سيلينا برداء حرب أرجواني مصفح بالفضة، وتحمل قيثارتها خلف ظهرها كأنه قوس قتال. خلفهما كان يسير الجنود بخطوات ثقيلة، يملأ قلوبهم الرعب والشك من هذه الملكة الجديدة، لكن خوفهم من آرثر كان كافياً لجعلهم يتبعونه إلى الجحيم.
عندما وصلوا إلى وادي الضباب المتاخم للغابة المحرمة، كان المشهد يحبس الأنفاس.
السماء كانت مغطاة بغيوم سوداء كثيفة، ومن بين الضباب، بدأت تظهر مئات المسوخ ذات العيون الحمراء والمخالب الطويلة، يتقدمها قائد ضخم مصنوع من الصخور البركانية المشتعلة، يصرخ بصوت يهز الأرض.
"ابقِ خلفي!" أمرها آرثر وهو يسحب سيفه الضخم بيده العارية. وفي ثوانٍ، اندفعت طاقة الكيان المظلم من جسده، وتحول السيف الفولاذي إلى نصل من النيران السوداء الحارقة.
اندفع آرثر بجواده نحو قلب جيش المسوخ كالعاصفة المدمرة. مع كل ضربة من سيفه، كان يقطع عشرات الوحوش، واللعنة الزاحفة من يده كانت تحولهم إلى غبار بمجرد اللمس. كان يقاتل بشراسة وحشية، لكن الأعداد كانت هائلة، والمسوخ بدأت تحاصره من كل جانب، وتطلق سموماً سوداء بدأت تنهك جسده البشري.
رأت سيلينا من بعيد أن الهالة السوداء المحيطة بآرثر بدأت تضطرب، والكيان في داخله بدأ يفقد السيطرة، مما قد يجعله يقتل جنوده وعزل نفسه في نوبة جنون.
ترجلت سيلينا عن حصانها، ووقفت فوق صخرة عالية مطلة على الوادي. خَلعت غطاء رأسها، وتركت شعرها يتطاير مع الرياح العاصفة. سحبت قيثارتها القديمة، ووضعت أصابعها على الأوتار.
"يا نور السلالة المفقودة.. استجب لي"، همست وهي تغمض عينيها.
ضربت الوتر الأول بقوة. ولم تخرج نغمة عادية، بل خرجت موجة صوتية مشعة باللون الأرجواني، انتشرت في أرجاء الوادي كدوائر الماء. بمجرد أن لمست هذه الموجة مسوخ الظلام، بدأت الكائنات تصرخ بألم وتتراجع، فظلامها لم يتحمل نقاء الصوت.
ضربت الوتر الثاني، ثم الثالث، وبدأت تعزف "ترتيلة الحرب والنور". ومع كل نغمة، كان جسد سيلينا يشع بضوء أرجواني باهر، حتى بدأت عيناها تطلقان شعاعاً أضاء الوادي المظلم بأكمله.
شعر آرثر باللحن يخترق روحه الثائرة. النيران السوداء حول سيفه لم تنطفئ، بل امتزجت بالنور الأرجواني القادم من سيلينا، ليتحول سيفه إلى سلاح أسطوري ذي لهب بنفسجي مشع. طاقته تضاعفت مئة مرة، واختفى الإرهاق من جسده.
"الآن!" زأر آرثر، ورفع سيفه عالياً ثم ضرب به الأرض بقوة زلزالية.