
( رسالة جميلة)
مرت دقائق طويلة دون أن يتكلم أي منهم.
كانت جميلة تنظر إلى الرسالة الموضوعة فوق الطاولة، بينما بدت مريم شاردة الذهن، وكأن الكلمات ما زالت تتردد داخل رأسها.
وفجأة رن جرس الباب بقوة فانتفض الثلاثة في وقت واحد, ثم اندفع كريم نحوه وفتحه, لكن الممر كان خاليًا.
قطب حاجبيه:
مفيش حد إزاي؟ احنا هنلعب !
ثم انتبه إلى شيء موضوع أمام الباب مباشرة.
كان هناك ظرف آخر, أبيض اللون, أكبر قليلًا.
انحنى والتقطه, شعر بقشعريرة تسري في جسده عندما قرأ الاسم المكتوب عليه.
"إلى جميلة."
عاد إلى غرفة الجلوس ببطء, رفعت جميلة رأسها فور رؤيته:
- إيه ده؟
لم يجب, ومد يده بالظرف نحوها, ثم قال بصوت خافت:
- الرسالة دي ليكي.
شعرت جميلة بانقباض في صدرها:
- ليا أنا؟
مد كريم يده وأعطاها الظرف.
ترددت للحظة.
ثم فتحته, وأخرجت الورقة, ارتجفت أصابعها وهي تبدأ القراءة.
"إلى جميلة...إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فهناك سؤال ربما لم تسأليه لنفسك يومًا. أو ربما خفتِ من إجابته."
قطبت حاجبيها, وأكملت:
لماذا لم تخبري مريم بأبيها الحقيقي؟
تجمدت الغرفة, وانقطع النفس داخل صدور الجميع.
رفعت مريم رأسها فجأة:
- إيه؟!
أما كريم فانتفض من مكانه, وخطف الورقة من يد أمه:
مستحيل! ايه العبث ده!
كانت جميلة شاحبة بصورة مخيفة, كأن الكلمات صفعتها.
تابع كريم القراءة بسرعة:
بعض الحقائق تبقى نائمة سنوات طويلة, لكنها لا تموت أبدًا."
انتهت الرسالة.
فقط, لا تفسير, لا تفاصيل, لا شيء آخر.
ساد صمت ثقيل, ثم انفجرت مريم:
إيه الهبل ده؟! يعني ايه الكلام ده؟
التفتت إلى أمها:
ماما... قولي حاجة!
ظلت جميلة تحدق في الفراغ ثم قالت بصوت مرتجف:
الكلام ده كذب, كذب طبعًا.
اقتربت منها مريم بسرعة.
يعني إيه طبعًا؟!
رفعت جميلة رأسها, بدت غاضبة لأول مرة منذ زمن:
-لأنك بنت محمود, بنت محمود وبس, سمعتي؟
لكن نبرة صوتها لم تمنح مريم الاطمئنان الذي أرادته, بل زادت خوفها.
نظر كريم إلى الورقة مرة أخرى وقال بعصبية:
- بابا عمره ما كان ممكن يكتب حاجة زي دي.
همست مريم:
- أمال مين اللي كتبها؟
- لازم أعرفه!
ساد الصمت بينهم, لكن شيئًا ما كان قد انكسر بالفعل, وللمرة الأولى منذ وفاة محمود...بدأ الشك يتسلل إلى البيت كحية تلتف حول ضحاياها قبل أن تلتهمهم!