رواية عشق بلا حدود الفصل الرابع4 بقلم ملكة الحكايات والروايات

رواية عشق بلا حدود الفصل الرابع4 بقلم ملكة الحكايات والروايات
​مرت الأيام والأسابيع كأنها طيف سريع. ورغم المخاوف والتساؤلات التي دارت في أعين بعض الأقارب، إلا أن موافقة الأهل من الطرفين تمت، مباركةً هذه الزيجة التي رأى فيها الجميع طوق نجاة ليوسف، وسيراً على درب وصية راحلة غالية. تلاقت الرغبات، واختصرت الإجراءات، لتبدّد العتمة التي خيمت على القلوب لثمانية أشهر.
​وجاءت الليلة الموعودة.
​انتهت مراسم الزفاف البسيطة التي اقتصرت على الأهل المقربين مراعاةً لذكرى سارة. وطوال الحفل، كان يوسف ينظر إلى تاليا بنظرات تحمل خليطاً من الامتنان العميق والراحة، بينما كانت تاليا تائهة خلف طرحتها البيضاء، تحاول أن تقنع قلبها المضطرب بأنها تفعل الصواب.
​وقف يوسف أمام باب شقته، والتفت إلى تاليا وابتسامة حانية تزين وجهه. أخذ يدها المرتعشة بين كفيه وضغط عليها برفق:
​"مبروك يا تاليا.. نورتي بيتك يا شريكة عمري."
​أومأت برأسها بخفوت، وحاولت ابتلاع الغصة التي وقفت في حلقها. خطت قدمها اليمنى داخل الشقة، وما إن أُغلق الباب خلفهما، حتى شعرت بجدران المكان تضيق عليها.

​كانت هذه هي الشقة التي شاركت سارة في اختيار ألوان جدرانها، ستائرها، وحتى تفاصيل السجاد الصغير. كل ركن في الصالة كان يصرخ باسم سارة. تحركت تاليا بخطوات ثقيلة كالمقيدة بسلاسل، وجلست على طرف الأريكة، وجسدها يرتجف بالكامل تحت فستان الزفاف الثقيل.
​لاحظ يوسف ارتباكها الشديد، فجلس بجوارها ونزع جاكيت بدلته، وقال بصوت دافئ:

​"عارف إن الخطوة صعبة عليكي يا تاليا، وعارف إن مشاعرك متلخبطة.. بس أنا بوعدك، هعمل كل اللي في مقدرتي عشان أسعدك وعشان أعوضك عن أي لحظة خوف عشتيها."
​نظرت إليه تاليا، ودمعة عنيدة أفلتت من عينها:
​"شكراً يا يوسف.. أنا بس.. محتاجة أدخل أغير فستاني وأرتاح شوية."

​"طبعاً يا حبيبتي، خدي وقتك تماماً.. الغرفة مستنياكي."
​نهضت تاليا، وحملت ذيل فستانها الأبيض، واتجهت نحو غرفة النوم الرئيسية. فتحت الباب، ودخلت، ثم أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها إليه، وأنفاسها تتصاعد وتتلاحق كأنها كانت تركض في ماراثون.

​أضاءت النور الخافت، والتفتت لتنظر إلى الغرفة.
هنا سقطت كل حصونها النفسية.
​وقفت مسمّرة في مكانها وعيناها متسعتان برعب وألم جارف. نظرت إلى الخزانة، ثم إلى مرآة التسريحة، وأخيراً.. وقعت عيناها على "الفراش".

​في تلك اللحظة، تجسدت أمامها الحقيقة المرة التي كانت تهرب منها طوال الأسابيع الماضية. دارت الغرفة بها، وشعرت بروح سارة تحوم حولها. انتابتها حالة من الاختناق الشديد، وتذكرت ضحكات سارة وهي تخبرها عن أحلامها في هذا البيت، تذكرت كيف كانت سارة تصف لها شكل الغرفة التي ستجمعها بيوسف.

​زحفت الدموع بغزارة لتغسل مساحيق التجميل عن وجهها. بدأت تاليا تتنفس بصعوبة، وصوت عقلها يصرخ بقهر:
​"أنا أخدت مكانها!.. أنا دخلت بيتها، ولبست دبلتها، ودلوقتي.. دلوقتي المفروض أخد مكانها في حضن جوزها وفي سريرها؟!.. لا.. مأقدرش.. 

​انحنت تاليا على ركبتيها وسقطت أرضاً بجوار الفراش، دون أن تجرؤ حتى على لمسه. دفت وجهها بين كفيها وأجهشت ببكاء مرير، نحيب مكتوم يمزق الصدر. كانت تشعر بذنب فظيع، كأنها خائنة سرقت حياة صديقتها المقربة، رغم أن صديقتها هي من وهبتها إياها.
​لم تتحمل فكرة أن تضع رأسها على نفس الوسادة، أو أن تعيش دور "الزوجة" في مساحة كانت تخص سارة وحدها. شعرت وكأنها جسد بلا روح، أداة لتنفيذ وصية، وليست امرأة تُحب لذاتها.

​في الخارج، سمع يوسف صوت شهقاتها المكتومة التي لم تستطع حبسها. انقبض قلبه بشدة، واندفع نحو باب الغرفة وطرق عليه بلهفة وقلق عارم:
​"تاليا!.. تاليا إنتي كويسة؟ افتحي يا تاليا مالك؟"
​لم تجب تاليا، بل زاد نحيبها، فما كان من يوسف إلا أن فتح الباب بسرعة ودخل ليرى مشهداً فطر قلبه: عروسه بفستانها الأبيض، منهارة على الأرض تبكي بهستيريا وترفض الاقتراب من الفراش.

​اندفع نحوها وجثا على ركبتيه مستواها، وحاول أن يلمس كتفها ليرفعها، لكنها تراجعت للخلف وهي تهز رأسها برعب وتقول بصوت متقطع من كثرة البكاء:
​"لا يا يوسف.. مأقدرش.. مأقدرش أنام هنا.. السرير ده بتاع سارة.. البيت ده بتاع سارة.. أنا مش قادرة أتنفس.. حاسة إني سرقت مكانها.. أنا بموت يا يوسف!"
​وقف يوسف مذهولاً أمام هذا الانهيار العاطفي، وأدرك في تلك اللحظة أن أشباح الماضي لن تترك عشهم الجديد يهنأ بسهولة، وأن طريق امتلاك قلب تاليا وإخراجها من ذنب "البديل" سيكون أطول وأقسى مما تخيل..

​ ترى، كيف سيتصرف يوسف مع انهيار تاليا في ليلة زفافهما؟
هل سيجبرها على تقبل الواقع، أم سيحتوي خوفها بطريقة غير متوقعة؟
وماذا ستفعل تاليا لتتخلص من عقدة الذنب التي تلاحقها؟
تعليقات



<>