رواية جعلتني مجرما الفصل الخامس والعشرون25 والسادس والعشرون26 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل الخامس والعشرون25 والسادس والعشرون26 بقلم دينا عبد الله
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"

نفض يديه عن عنقها فجأة كمن لمس جمراً مشتعلاً، وتراجع خطوة إلى الوراء، وعيناه متسعتان بجنون الصدمة. في تلك الأثناء، سقطت هي على ركبتيها تسعل بعنف، وقد انقبضت أصابعها حول رقبتها المحتقنة، تكافح لتستنشق الهواء الذي حُرمت منه لثوانٍ.

خرج صوتها متحشرجاً، واهناً كأنفاس احتضار:
 "فـ.. فارس..."

تجمد في مكانه، يحدق في كفيّ ارتجفتا أمامه. ببطءٍ وتثاقل، أخذ يلتفت حوله، وعقله يرفض تصوير الواقع الماثل أمامه. لا نيران تلتهم الخشب، لا عاصفة تزمجر في الأفق، ولا أثر لـ "هاني". كانت السفينة ساكنة، تتهادى فوق الماء بنعومة قاتلة، وكل شيء حولهما مستقر في مكانه.

أنزلت ياسمين يدها ببطء عن عنقها الذي صبغه الاحمرار، ونظرت إليه بعينين يترقرق فيهما رعب، ليس منه، بل عليه.

 تحاملت على ركبتيها واقتربت منه بخطوات وجلة، ثم رفعت كفيها المرتعشتين لتطوقا وجهه الشاحب، وأدارته برفق لتجبره على النظر إليها.

التقت عيناهما؛ كانت عيناه غارقتين في لجة من الخوف الممزوج بحزن عميق، حزن يحمل أسراراً تفوق قدرته على البوح. هتفت بنبرة حانية كالنسمة:
"فارس.. قولي مالك؟ في إيه؟ أنت مخبي عني حاجة؟ أرجوك اتكلم.. متخوفنيش عليك أكتر من كده."

أفلتت عيناه منها ليديرها في الفراغ مجدداً، يتأكد للمرة الألف أن الطيف قد اختفى، وأن هاني ليس هنا. وعندما عادت عيناه المتعبتان إليها، تراءت له صورتها وسط ألسنة اللهب الوهمية وهي تصرخ مستغيثة، فابتلع ريقه بصعوبة، وخرجت كلماته متلعثمة مرتجفة:
"أنتي.. أنتي كويسة؟"

أرخت ياسمين يديها عن وجنتيه، وحدقت في ملامحه المنهكة للحظات ، قبل أن تخونها دموعها وتهبط ساخنة على وجنتيها. قالت بنبرة مخنوقة بالوجع:
"عمري ما هكون كويسة طول ما أنا شايفاك بالمنظر ده يا فارس.. احكيلي، قولي إيه اللي جواك؟"

غرز أنامله بقسوة في فروة رأسه، وشبّك أصابعه بين خصلات شعره كمن يحاول إمساك أفكاره الهاربة. شاح بوجهه بعيداً، وحبست مآقيه دموعاً تعجز عن الهطول من فرط العذاب، قبل أن يعترف بصوتٍ مبحوح كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:
"أنا.. أنا بشوف هاني."

ساد صمت مفاجئ، وارتسمت الحيرة على وجه ياسمين وهي تعقد حاجبيها بغير استيعاب:
"هاني؟!"

هزت رأسها ببطء، محاولة الربط بين الكلمة والواقع، ثم أكملت بنبرة شابتها قشعريرة ذهول:
"بتشوفه ازاي يعني؟!"

اندفعت الكلمات من فمه كشلال تدفق بعد طول احتباس؛ حكا لها عن النيران التي رآها، وعن هاني الذي يطارده ويخنق أنفاسه. أنهى حديثه وهو يهز رأسه يمنة ويسرة بإنكار مجنون، يصارع الحقيقة:
"مستحيل.. مستحيل أكون رجعت لنفس الحالة! أنا خفيت.. خفيت من زمان أوي.. ازاي بعد السنين دي كلها أرجع أتوهم تاني ازاي؟!"

رفعت يدها ثانية، وتلمست وجنته بكفٍ بللتها دموعها التي لم تتوقف، وقالت بنبرة متوسلة باكية:
"اهدأ يا حبيبي.. أرجوك اهدأ.. يمكن عشان مضغوط في الشغل؟ يمكن قلة النوم هي السبب؟"

هز رأسه برفض قاطع، حاسمًا للمبررات الواهية، فيما أفلتت دمعة وحيدة من طرف عينه لتسيل على وجهه، وقال بصوت  موجوع:
"لا.. مش ضغط شغل. طول عمري مضغوط في الشغل، ومحصلش ده.. ليه دلوقتي بالذات ليه؟"

مدت إبهامها وتمسكت بطرف اصبعها لتمسح دمعته، ثم خطت خطوة إضافية محت بها أي مسافة تفصل بينهما، والتصقت به كأنها تحميه من شياطين عقله، وقالت همساً:
"طيب ممكن تهدى شوية؟ أنا مش قادرة أتحمل أشوفك كده."

لم يجد ملاذاً سوى الامتثال؛ أحنى رأسه وأسند جبهته المتعرقة على جبهتها، وتنهد بنبرة مليئة بالندم والانكسار:
"أنا أسف.. مكنتش قاصد أأذيكي.. والله ما كنت قاصد."

أغمضت عينيها، وهزت رأسها ببطء وهي تهمس بالقرب من شفتيه:
"أنت بس انسى اللي حصل.. كأنه محصلش وحاول تهدى، وكل حاجة هتبقى كويسة.. أنا جنبك، وهفضل معاك مهما حصل ومش هسيبك أبداً."

لم يقو حتى على الكلام؛ اكتفى بهز رأسه في صمت مستسلم. وفي تلك اللحظة، لفت ذراعيها حول عنقه، وجذبت رأسه ليتوسد كتفها، وأخذت تربت على ظهره بكف حانية، تحاول بذل كل ما تملك من قوة لتخفيف وجعه.

أغمض فارس عينيه بشدة، ودفن وجهه في عنقها، مستنشقاً رائحتها التي تمثل حبل نجاته الوحيد، متشبثاً بها وكأنه يغرق في بحر من العذاب... 

                      ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

فتحت خديجة باب السيارة ودخلت ، ثم أغلقته خلفها بنعومة. كان نور يجلس خلف عجلة القيادة، ملامحه هادئة تماماً ولا يظهر عليها أي تعبير، ولم يلتفت حتى لينظر إليها.

 نظرت إليه لثوانٍ، لكنه ظل ثابتاً، فأبعدت بصرها عنه ثم قالت بصوت خافت:
"عارفة إني مهما قولت مش هتقتنع بكلامي."

سكتت لحظة، وبلعت ريقها قبل أن تضيف بنبرة أكثر ثقة:
"زي ما أنا عارفة برضه ومتأكدة، إنك مستحيل تعمل كده مع شمس."

التفتت إليه مجدداً، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها وهي تتابع برجاء:
"بس كفاية كده.. خرجهم من السجن يا نور عشان خاطري."

ظل نور ينظر أمامه إلى الطريق، ولم يتحرك ظل ساكناً. مرت لحظات من الصمت قبل أن يتحدث بنفس الهدوء الذي يزيد من توترها، ودون أن يوجه نظره إليها:
"واللي عملوه فيا؟ واللي اتقال عني؟"

أخفضت خديجة رأسها وهي تشعر بالعجز، ولم تدرِ بماذا تجيبه. هنا التفت إليها نور أخيراً، وتغيرت ملامحه الهادئة فجأة إلى الغضب، وجز على أسنانه وهو يقول بنبرة حادة:
"أبوكي كان عايز يقتلني!"

ظلت خديجة مخفضة رأسها، ونزلت دموعها ساخنة لتختفي تحت نقابها. رفعت عينيها إليه مليئة بالرجاء وقالت بصوت يرتجف:
"اللي عملوه صعب إنك تغفرلهم.. أنا عارفة. بس خرجهم عشان خاطري يا نور.. بابا بيخسر شغله، وماما في البيت تعبانة ومنهارة ومش عارفة تعمل إيه.. وأنا مش قادرة أتحمل أشوفها بالمنظر ده."

حدق نور في عينيها اللتين يغمرهما الحزن والدموع. شعر بضعفها، فضغط على قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصله، ثم أشاح بوجهه بعيداً ورجع بظهره إلى الخلف وهو يزفر بضيق شديد ليريح رأسه على المقعد.

ظلت تنظر إليه بلهفة، وتتعلق بأي أمل أو إشارة منه تدل على أنه سيوافق. فجأة، أخرج هاتفه من جيبه، وفتح باب السيارة ونزل منها. ابتعد بضع خطوات تحت نظراتها القلقة، وأجرى مكالمة سريعة لم تسمع منها شيئاً، ثم عاد ودخل السيارة من جديد وجلس مكانه.

ظلت تراقبه في صمت تام وهي تحبس أنفاسها. وجه بصره إليها، وتنهد بتعب قائلًا:
"عملت كده عشانك أنتي بس.. لولا كده أنا كنت سبتهم يعفنوا في السجن."

اتسعت عيناها بفرحة، وابتسمت من قلبها أسفل نقابها. شعر نور بفرحتها وابتسامتها التي ظهرت واضحة في لمعة عينيها، فقالت له بنبرة ممتنة:
"شكراً.."

هز رأسه بهدوء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى. لكن فجأة، خطر على باله شيء، وسألها دون تفكير أو تردد:
"عايز اعرف.. إيه الكلام اللي أبوكي قاله ده؟"

حدقت به للحظات، ثم أشاحت بوجهها سريعاً نحو النافذة بارتباك واضح وقالت متلعثمة:
"كلام؟ كلام إيه؟"

لاحظ نور ارتباكها وحركتها السريعة، فقال بنبرة جادة وهو يضيق عينيه:
"أنتي عارفة كويس يا خديجة أنا بتكلم عن إيه."

نظرت إليه وكادت أن تدافع أو تغير الموضوع، لكنه قاطعها بصوت حازم:
"عايز الحقيقة يا خديجة من غير كدب.. أنا مش متعود إنك تكدبي عليا."

ساد الصمت بينهما مجدداً. كانت رغبتها القوية تدفعها للاعتراف وقول كل شيء، لكن كبرياءها وكرامتها وقفا حاجزاً بينها وبين ذلك.

 تمالكت نفسها في اللحظة الأخيرة، وأخذت نفساً لتتكلم بصوت حاولت بكل قوتها أن تظهره ثابتاً:
"مفيش أي حاجة من اللي بابا قالها صح.. هو كان متعصب وخلط الأمور في بعضها. وإحنا لما انفصلنا وقتها أنا قولتلك إنه مفيش حاجة وإننا كنا إحنا الاتنين مجبورين.. ولحد دلوقتي هقول نفس الكلام."

ظل يراقب عينيها بدقة ونبرة صوتها، محاولاً أن يتأكد إن كانت تقول الحقيقة أم تداري شيئاً. 

أما هي، فظلت تنظر إليه بثبات وتحدٍّ، رغم أنها من الداخل كانت تنهار تماماً. 

هز نور رأسه بصمت دون أن يضيف أي كلمة . 

نظرت خديجة إلى الطريق أمامها في صمت، وكانت تشبك أصابع يديها ببعضها وتضغط عليها بتوتر. أغمضت عينيها وأخذت نفساً عميقاً لتستعيد هدوءها.

انتبه نور إلى حركة أصابعها المتشابكة ثم نظر إلى عينيها المغلقتين. في تلك اللحظة فتحت عينيها ونظرت إليه، فمال برأسه وهو يطيل النظر في ملامحها بطريقة غريبة. استغربت نظراته المفاجئة وكادت أن تسأله، لكنه هتف بها فجأة بصوت متحفز ومذعور:
"وطي رأسك!"

عقدت حاجبيها بعدم فهم ولم تتحرك، فصاح بها بقوة وهو يمد يده بسرعة ليمسك رأسها ويخفضه للأسفل، بينما انحنى بجسده فوقها لحمايتها:
"بقولك وطي رأسك!"

قبل أن تنطق بحرف واحد، انطلقت صرخة رعب من حنجرتها حين دوى صوت إطلاق نار كثيف، واخترقت الرصاصات زجاج السيارة من الجانب لتخرج من الجانب الآخر، محطمة كل شيء، دون أن يصاب أي منهما بأذى.

ظل نور منحنياً فوق خديجة، يحميها بجسده، بينما كانت ترتجف تحته وتتشبث بملابسه دون وعي: 
"نور!"

"وطي راسك!"
صاح بها بحدة، ثم رفع جسده قليلًا، ومد يده إلى مقود السيارة وأدار المحرك بسرعة.

انطلقت السيارة بعنف، بينما واصلت الرصاصات مطاردتهما، ارتطمت إحداها بجانب السيارة، وأخرى اخترقت الزجاج الخلفي، فشهقت خديجة وخفضت رأسها أكثر، وهي تضع ذراعيها فوق رأسها لتحمي نفسها.

أما نور، فلم يلتفت إليها.. ظل يثبت عينيه على الطريق أمامه، ويداه تقبضان على المقود بقوة، يقود بسرعة جنونية محاولًا إخراجهما من مرمى النيران.

مرت عدة دقائق قبل أن يبتعد عن المكان قليلًا، عندها ألقى عليها نظرة سريعة، يتفقدها بعينيه: 
"إنتِ كويسة؟"

رفعت خديجة رأسها ببطء.. كان وجهها شاحبًا، وأنفاسها متقطعة، وما زال الخوف عالقًا في عينيها. هزت رأسها دون أن تستطيع إخراج كلمة واحدة.

عاد نور ببصره إلى الطريق، لكنه لم يطمئن تمامًا.. ظل يقود بسرعة، وقد تحولت ملامحه إلى غضبٍ قاتم، قبل أن يرفع عينيه إلى مرآة السيارة.

تجمدت نظراته.. كانت سيارتان تلاحقانهما.. ومن كل سيارة، ظهر رجل يحمل سلاحًا، يطلق الرصاص باتجاههما دون توقف.

انتبهت خديجة إلى ما يراه، فرفعت عينيها نحو المرآة هي الأخرى.

وفي اللحظة التالية...انفجرت المرآة أمام وجهها.. ارتطمت بها رصاصة، وتناثرت شظايا الزجاج في أرجاء السيارة.

صرخت خديجة بفزع، ورفعت يديها إلى وجهها وعينيها، بينما انحرف نور برأسه نحوها في خوف حقيقي: 
"إنتِ كويسة جرالك حاجة؟!"

أبعدت يديها ببطء، وهي تلتقط أنفاسها المرتجفة: 
"أنا كويسة... متقلقش."

ظل يرمقها لثانية أخرى ليتأكد من عدم إصابتها، ثم أعاد عينيه إلى الطريق.. ترددت خديجة قليلًا، قبل أن تسأله بقلق:
"بس مين دول.. مش إنت سبت القضية؟"

قبض نور على المقود بقوة أكبر، وظل يتابع الطريق أمامه محاولًا الإفلات من السيارتين.
"مش عارف..."

ثم أضاف بنبرةٍ حازمة:
"بس هعرف."

لم تمر سوى لحظات حتى صوب أحد الرجال سلاحه نحو عجلة السيارة.. أطلق النار.. انفجر أحد الإطارات، وفقد نور السيطرة على السيارة فجأة.

انحرف المقود بعنف بين يديه، وأخذت السيارة تنحرف يمينًا ويسارًا، بينما صرخت خديجة وتشبثت بمقعدها.

حاول نور السيطرة عليها بكل قوته، وضغط على المكابح، حتى توقفت أخيرًا بعد مسافة طويلة.. ظل للحظات عاجزًا عن الحركة.

كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه تخرج متقطعة من شدة التوتر، بينما ظل ممسكًا بالمقود، حتى هدأت السيارة تمامًا.

ثم أخرج سلاحه من خلف ملابسه، وأخذ يجهزه بسرعة.. نظرت خديجة إلى السلاح، ثم رفعت عينيها إليه بقلق:
"إنت هتعمل إيه؟"

لم يجبها فورًا.. أنهى تجهيز سلاحه، ثم التفت إليها ورفع إصبعه محذرًا:
"مهما حصل... إياكي تنزلي من العربية. سامعة؟"

اتسعت عيناها... قائلة: 
"بس..."

قاطعها بحدة:
"كلامي يتنفذ. إياكي تنزلي من العربية، وخليكي بعيدة عن الشبابيك."

نظرت إليه بخوف، وقد فهمت من نبرته أن الأمر أخطر مما يحاول أن يظهر لها.

فتح باب السيارة ونزل بسرعة.. أغلقه خلفه، ثم انحنى قليلًا، متخذًا السيارة ساترًا يحميه من الرصاص.

توقفت السيارتان على مسافة غير بعيدة منه.

لم ينزل منهما أحد، باستثناء الرجلين اللذين يحملان الأسلحة، وقد بقيا خلف أبواب السيارتين، يصوبان سلاحيهما باتجاه سيارة نور.

خفض نور جسده، وأخذ يراقبهما بحذر من خلف السيارة.. ثم ألقى نظرة سريعة نحو خديجة.. كانت ما تزال في الداخل.

لم يكن يريد أن يبتعد عنها، لكنه أدرك أن بقاءه بجوار السيارة سيجعلها هدفًا مباشرًا.

رفع عينيه إلى المكان المحيط به.. كانت هناك سيارة متوقفة على مسافة قريبة.

ثبت نظره عليها للحظات، ثم عاد ينظر إلى السيارتين اللتين تلاحقانه.. كان عليه أن يبعدهما عن خديجة.

اتخذ نور قراره.. انحنى أكثر خلف السيارة، محاولًا أن يجعل جسده بعيدًا عن مرمى النيران، ثم بدأ يتحرك بحذر وسرعة في الوقت نفسه. لكن ما إن لمح الرجال يتحركون نحوه ويرفعون أسلحتهم، حتى انطلقت الرصاصات في اتجاهه.

اندفع نور بسرعة واختبأ خلف السيارة قبل أن تصيبه إحدى الرصاصات، بينما ارتجفت خديجة في مكانها، ورفعت رأسها قليلًا لتنظر إليه. كانت عيناها متسعتين من الخوف، وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها. 

أخذ نور نفسًا عميقًا، محاولًا تهدئة أنفاسه المتسارعة، ثم رفع رأسه قليلًا بحذر. أمسك سلاحه بإحكام، وثبّت نظره على أحد الرجال، وما إن سنحت له الفرصة حتى رفع سلاحه وأطلق النار.

أصابته الرصاصة في رأسه، فسقط الرجل أرضًا بلا حراك.

لم يمنحه الآخر فرصة لالتقاط أنفاسه، فأطلق النار نحوه، فانخفض نور بسرعة واختبأ خلف السيارة، بينما ارتطمت الرصاصات بهيكلها.

هز نور رأسه، ثم قال بنبرة ساخرة رغم خطورة الموقف:
"أدي أول واحد."

وبينما كان منشغلًا بتبادل إطلاق النار مع الرجل الآخر، فُتح باب السيارة من الجهة المقابلة.

نزل أحد الرجال منها، ثم انحنى سريعًا حتى لا يراه نور، وبدأ يركض باتجاه خديجة بخطوات سريعة وحذرة.

في الوقت نفسه، ترجل باقي الرجال من سياراتهم، ورفعوا أسلحتهم في اتجاه نور، ثم أطلقوا النار جميعًا دفعة واحدة.

انهمرت الرصاصات في اتجاهه، فاضطر إلى الاحتماء خلف السيارة، منشغلًا بتفاديها والرد على مصدرها.

وفي تلك اللحظة، فتح الرجل باب السيارة بعنف، ومد يده وأمسك بذراع خديجة بقوة.

التفتت إليه خديجة، فتجمدت ملامحها للحظة، واتسعت عيناها بصدمة ورعب: 

"سيبني!"
صرخت بها وهي تحاول الإفلات من قبضته، وتشبثت بمقعد السيارة بيدها الأخرى، لكن الرجل لم يتركها.

بل رفع يده وصفعها على وجهها بقوة.. ارتد رأسها إلى الجانب من شدة الضربة، وشعرت بلسعة حارقة امتدت عبر وجهها، قبل أن يسحبها الرجل بعنف إلى خارج السيارة.

توقفت أنفاس نور للحظة حين سمع صرختها.. رفع رأسه بسرعة، متجاهلًا الرصاصات التي كانت تنهمر في اتجاهه، واتسعت عيناه بصدمة حين رأى الرجال يسحبونها بعيدًا، باتجاه سياراتهم.

في تلك اللحظة، تبدّل كل شيء.

تلاشت أصوات الرصاص من حوله، وكأن العالم كله انكمش في صورة واحدة أمام عينيه؛ خديجة وهي تُسحب بعيدًا عنه، والرجل يقبض على ذراعها بعنف، بينما كانت تقاومه مذعورة.

عندها فقط أدرك نور الحقيقة.. لم يكن هو الهدف.. لقد كانوا هنا من أجل خديجة.. 

               ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

دخل لؤي الغرفة، وبرفقته حسن، الذي ما إن وقعت عيناه على والدته حتى اندفع راكضًا نحوها.

أغلق لؤي الباب خلفه، ثم اتجه ووقف بالقرب منهما، بينما جلس حسن بجوار والدته، وعيناه تلمعان بالدموع.. رفع وجهه إليها، وقال بقلقٍ واضح:
"إنتِ كويسة يا ماما؟"

هزّت رأسها ببطء، ورسمت ابتسامةً صغيرة على شفتيها، رغم الألم الذي كان ينهش كتفها .. ثم رفعت عينيها نحو لؤي، وقالت بصوتٍ ممتن:
"شكرًا على اهتمامك بحسن... ومساعدتك ليا."

نظر إليها لؤي لثوانٍ، ثم رفع حاجبه، وقال ببرودٍ متعمد:
"والله أنا لو عليّا أسيبك تموتي عادي... لكن ما هانش عليّا الواد الصغير ده يتوجع عليكي."

ازدادت ابتسامتها اتساعًا قليلًا، رغم الألم، ثم قالت:
"أياً كان السبب... فشكرًا."

اقترب لؤي منها خطوة، وتبدلت ملامحه إلى الجدية، بينما ثبت عينيه عليها وقال:
"أنا عايز أعرف إنتِ مين... وبتعملي معايا كده ليه؟ إنتِ تعرفيني منين؟ ومتقوليش إنك متعرفينيش، لأن كل تصرفاتك بتقول عكس كده."

رفعت جسدها بصعوبة، فارتسم الألم على ملامحها، وانقبض فكها وهي تحاول تجاهل الوجع المتصاعد من كتفها. ثم نظرت إليه مباشرةً وقالت:
"كل اللي كنت بعمله معاك كان مقصود... وأنا أعرف عنك كل حاجة، بكل تفاصيلك."

انقبضت قبضة لؤي إلى جواره، وقال بضيقٍ بدأ يتسلل إلى نبرته:
"وإنتِ عايزة مني إيه؟"

ساد الصمت للحظات.. ظلت أسيل تنظر إليه، وكأنها تحاول اختيار كلماتها بعناية، ثم قالت بصوتٍ خافت:
"مش أنا... هما."

عقد لؤي حاجبيه بعدم فهم، وقال:
"هما مين؟"

نظرت إليه أسيل طويلًا، لكنها ظلت صامتة.. ازداد توتره، فتقدم منها أكثر، ثم أمسك بذراعها بعنف، وقال بنبرةٍ حادة:
"ردي عليّا! هما مين؟ وعايزين مني إيه؟"

نهض حسن فجأة، واندفع نحو لؤي، ثم بدأ يضربه بيديه الصغيرتين محاولًا إبعاده عن والدته، وصاح بصوتٍ مرتجف:
"ابعد عنها! مش هسمحلك تأذيها!"

توقف لؤي للحظة، ثم ترك ذراع أسيل، ونظر إلى حسن، قبل أن يعيد عينيه إليها بغضبٍ مشتعل، وصاح:
"ردي عليّا!"

نظرت إليه أسيل لثوانٍ، ثم قالت:
"البنت اللي جاتلك إنت وتُقى عشان تساعدوها... والبنت اللي اكتشفت إنها كانت لعبة، وإنك وقعت فيها..."

توقفت لحظة، بينما ظلت عينا لؤي معلقتين بها، وكأن شيئًا داخله بدأ يربط الخيوط ببعضها.. ثم أضافت بصوتٍ خافت:
"البنت دي... أنا."

اتسعت عينا لؤي بصدمة، وتجمدت ملامحه للحظات.. ثم ازدادت قبضته انغلاقًا حتى ابيضّت مفاصل أصابعه.

قالت أسيل بندمٍ واضح، وهي تخفض عينيها قليلًا:
"عارفة إن اللي عملته مش سهل... بس كنت مجبورة أعمل كل ده. ما كانش بإيدي أعترض، ولا كان في إيدي أي حاجة أعملها."

جزّ لؤي على أسنانه، وقال بغضب:
"ومين اللي جابرك تعملي فيا كده؟ مين اللي بيديكي الأوامر وإنتِ بتنفذيها؟"

صمتت أسيل لحظة، وكأن مجرد نطق الإجابة كان ثقيلاً عليها، ثم قالت:
"طليقي."

ضاقت ملامح لؤي، وبدا أنه لم يستوعب مقصدها بالكامل.

أما أسيل، فنهضت من فوق الفراش بصعوبة، وهي تضع يدها على كتفها المصاب، فانكمشت ملامحها من شدة الألم، لكنها تماسكت.

ثم التفتت إلى حسن، وقالت:
"يلا يا حسن."

نهض حسن على الفور.. وقفت أسيل، وما إن استدارت حتى وجدت لؤي واقفًا أمامها مباشرةً، فلم يعد يفصل بينهما شيئاً. 

ثبت عينيه عليها، وقال بصرامة:
"إنتِ مش هتمشي غير لما تقوليلي على كل حاجة."

رفعت أسيل عينيها إليه، وكانت نظرتها هذه المرة قوية، رغم الإرهاق الذي أنهك جسدها، وقالت:
"أنا معنديش أكتر من كده أقولهولك."

ارتفعت نبرته، ومد يده وأمسك بذراعها بقوة:
"لا، عندك كتير! مش هتتحركي من هنا غير لما أعرف كل حاجة! مين طليقك؟ وعايز مني إيه؟ ويعرفني منين أصلًا؟"

نزعت أسيل ذراعها من قبضته بقوة، ثم رفعت عينيها إليه بحدة، وقالت:
"وأنا قولتلك اللي عندي... قولته."

توقفت لحظة، ثم تابعت بنبرةٍ أكثر حسمًا:
"ومن ناحيتي، فاطمن... مش هتشوفني تاني. عشان هبعد عنك وعنهم. أنا كل اللي يهمني ابني وسلامته وبس."

ثم أمسكت بيد حسن، وأضافت بمرارة:
"وإنتوا... اصطفّوا مع بعض."

أنهت كلماتها، ثم استدارت وغادرت المكان برفقة حسن، رغم إرهاقها الشديد والألم الذي كان ينهش كتفها مع كل خطوة.

ظل لؤي واقفًا في مكانه، يراقبها حتى غابت عن ناظريه.

وبعد أن اختفت تمامًا من أمامه، قبض يده بقوة، وارتسم على وجهه غضبٌ قاتم.

كان يشعر أن الحقيقة أصبحت أمامه... لكنه لم يمتلك منها سوى أجزاءٍ ناقصة، وألف سؤالٍ بلا إجابة.. 

                       ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وضع معتز يده على موضع جرحه، فانقبض وجهه بألمٍ شديد، بينما راقبه أدهم بقلق.. ثم قال بجدية:
"إحنا محتاجين أدلة قوية تثبت الكلام ده... لأننا مستحيل نقبض عليه من غير أي دليل."

نظرت مريم إلى أدهم، وقالت بحزم:
"وده اللي لازم نعمله. نلاقي أي دليل ضده، وكمان ننقذ مرام... اللي الله أعلم هي فين دلوقتي، ولا بيعمل فيها إيه."

ضمّ معتز قبضته بقوة، واشتعل الغضب في عينيه.. لكن الغضب لم يكن الشعور الوحيد الذي يعتصره.

تجمعت الدموع في عينيه، وامتلأت ملامحه بالألم كلما تذكّر الكدمات التي غطت جسد مرام، والخوف الذي كان يسكن نظراتها، والحزن الذي ارتسم على ملامحها.

لقد عاشت كل ذلك وحدها...وهو لم يكن بجانبها.

مسح دمعةً انزلقت من عينه، ثم رفع رأسه، وقد تبدلت ملامحه إلى غضبٍ قاتم،  يتوعد عصام بأن يدفع ثمن كل ما فعله.

أسند يده إلى الفراش، وحاول أن ينهض، لكن الألم الذي اخترق جسده أجبره على التوقف.. أسرعت مريم نحوه، وقالت بقلق:
"استنى! إنت رايح فين؟ الجرح لسه ما خفش... لو اتحركت، احتمال تنزف."

أبعدها معتز عنه برفق، ثم وقف رغم الألم.

أغمض عينيه للحظات، وانقبض فكه وهو يحاول السيطرة على الوجع الذي مزّق جسده، لكنه سرعان ما فتح عينيه وقال بصوتٍ متعب، لكنه حاسم:
"مش هرتاح... ولا ههدى... غير لما ألاقيها، والوسخ ده يدفع تمن اللي عمله."

هزّ أدهم رأسه، ثم قال بصرامة:
"لكن بالقانون يا معتز. الهمجية وتصرفات المجرمين هتوديك في داهية. هتاخد حقك وحق مرام... لكن بالقانون."

أومأت مريم موافقة، وقالت بنبرةٍ هادئة:
"أدهم معاه حق. ما تضيعش نفسك في سبيل الانتقام. اقعد مع نفسك وفكر بهدوء... وإحنا معاك لحد ما نرجعها."

ظل معتز صامتًا.. حدّق أمامه بشرود، لكن عينيه لم تكونا شاردتين تمامًا؛ كان هناك شيء آخر يدور في ذهنه.

شيء لم يخبرهما به.. شيء ينوي فعله.. ثم التفت إليهما، وقال بامتنانٍ صادق:
"بشكركم على وقفتكم جنبي... من غيركم، الله أعلم كان هيجرالي إيه."

ابتسمت مريم، ثم قالت بعتابٍ لطيف:
"إحنا إخوات يا معتز، ومفيش شكر بينا. ولا إنت مش بتعتبرني من أهلك؟"

هزّ معتز رأسه بسرعة، وقال:
"لا طبعًا! إنتِ واحدة مننا... وربنا يعلم مكانتك من مكانة نور بالظبط."

ضحكت مريم بخفة، وقالت:
"ده العشم برضه."

ابتسم أدهم، ثم قال:
"طيب ارتاح إنت دلوقتي، وفكّر على رواقة هتعمل إيه، وبلّغنا."

أومأ معتز بهدوء.. غادر أدهم الغرفة، بينما بقيت مريم للحظات، ثم نظرت إلى معتز وقالت:
"إحنا معاك في أي حاجة... وعصام ده هيقع نتيجة أعماله."

هزّ معتز رأسه بهدوء، وقال:
"إن شاء الله."

ثم خرجت مريم وأغلقت الباب خلفها.. جلس معتز على حافة الفراش، وأطلق زفيرًا عميقًا مليئة بالألم.

كانت يده تستقر فوق موضع جرحه، بينما انشغل عقله بمرام.

كيف حالها الآن؟
ماذا يفعل بها عصام؟
هل هي بخير؟

ظلّت الأسئلة تنهش عقله، بينما كان عاجزًا عن الوصول إليها.

في الخارج، كان أدهم واقفًا أمام الغرفة.. توقفت مريم بجانبه، ثم قالت:
"أنا آسفة لو أزعجتك... بس نور، رنّيت عليه، ما فتحش، وما كانش قدامي حد غيرك."

ابتسم أدهم تلقائيًا، والتفت إليها، وقال دون أن يفكر:
"يا ريت أكون أول واحد ييجي في بالك على طول."

نظرت إليه مريم بصمت.. وبمجرد أن أدرك أدهم ما قاله، اتسعت عيناه قليلًا، ثم حمحم بإحراج، وقال سريعًا:
"أقصد يعني... لو احتجتي أي حاجة، ما تتردديش. أنا موجود زي نور."

ابتسمت مريم، وهزّت رأسها بصمت.. ولكي يخرج أدهم من ذلك الموقف المحرج، سألها سريعًا:
"لكن قوليلي... عرفتي مكان معتز إزاي؟"

ابتسمت مريم بثقة، وقالت:
"لحقت رجالة عصام، ومشيت وراهم لحد ما عرفت مكانه. رنّيت على نور عشان كنت خايفة شوية، ومش هقدر عليهم لوحدي... لكنه ما ردش عليّا، فرنّيت عليك."

هزّ أدهم رأسه بإعجاب، وقال:
"جدعة."

رفعت مريم رأسها بغرورٍ مصطنع، وارتسمت على شفتيها ابتسامة منتصرة.

حدّق أدهم بها للحظات.. كان يتأمل ملامحها وابتسامتها دون وعي، وقد امتلأت نظراته بحبٍ صامت لم يستطع إخفاءه.

لكن مريم التفتت إليه، ولاحظت نظراته.. تجمد أدهم للحظة حين أدرك أنها ضبطته متلبسًا بالنظر إليها، فحكّ فروة رأسه بحرج، ثم حمحم محاولًا إخفاء ارتباكه.

                  ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

فكّر نور بسرعة.. لو اندفع خلف خديجة الآن، فلن يمنحه الرجال فرصة للوصول إليها. أسلحتهم كانت موجهة نحوه من كل جانب، وأي حركة متهورة قد تجعله هدفًا سهلًا لهم.

أما لو بقي في مكانه أكثر...فقد يأخذونها بعيدًا عنه.

شدّ نور على سلاحه، وانقبض فكه بينما راحت عيناه تتحركان بسرعة بين الرجال، يبحث عن ثغرة واحدة فقط.. ثغرة يستطيع من خلالها الوصول إليها.

رفع رأسه بحذر شديد، وأخذ يدقق النظر في الرجل الذي كان يسحب خديجة بعنف نحو السيارة.

كانت خديجة تقاومه بكل ما تملك، وملامحها غارقة في الرعب. كانت تحاول أن تلتفت نحو نور، لكن الرجل كان يشدها بعنف، بينما كانت خطواتها تتعثر من شدة خوفها.

"نور!"
خرج اسمُه من فمها في صرخة مذعورة.

تعلقت عيناها به للحظة.وفي تلك اللحظة، التقت عيناه بعينيها.. رأى الخوف فيهما.. رأى رجاءً صامتًا.

اشتعل شيء ما في صدر نور.. انحنى بسرعة، محاولًا تفادي الرصاصات التي كانت تنهمر في اتجاهه، ثم رفع سلاحه نحو الرجل الذي يمسك بخديجة.

ثبت قدميه جيدًا، وأحكم قبضته حول سلاحه، بينما أصبح كل شيء من حوله ضبابيًا.

لم يعد يرى الرجال.ولا السيارات.ولا يسمع سوى صوت أنفاسه المتسارعة.كان يرى هدفًا واحدًا فقط.. الرجل.. وخديجة التي تقف أمامه.

ضيّق عينيه، وثبّت سلاحه بدقة شديدة، ثم أطلق النار.. انطلقت الرصاصة.. أصابت الرجل في ظهره.

صرخ الرجل صرخةً مدوية، وارتخت قبضته عن خديجة، قبل أن يترنح إلى الأمام ويسقط على الأرض.

لم يستطع النهوض.. لم تنتظر خديجة لحظة واحدة.. استغلت الفرصة، واندفعت راكضة بعيدًا عنهم.

كانت تركض بكل قوتها، وأنفاسها تتقطع، وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها. التفتت خلفها، فرأت أحد الرجال يترك نور ويتجه نحوها.

اتسعت عيناها رعبًا.. ثم أسرعت أكثر.. كانت قدماها تتحركان دون أن تشعر بهما، بينما كانت تلتفت خلفها بين لحظة وأخرى، فتراه يقترب منها.

أما نور، فما إن لمح الرجل يبتعد خلف خديجة حتى رفع سلاحه دون تردد... أطلق النار.. أصاب الرجل الأول.. ثم أطلق مرة أخرى.. فأصاب الثاني.

تساقط الرجال واحدًا تلو الآخر، بينما كان نور يتحرك بحذر، يطلق النار ويغيّر موضعه في كل مرة.

لكن بقي رجل واحد.. كان يطلق النار من سلاحه الرشاش بلا توقف.

انهمرت الطلقات بسرعة، وارتطمت بالسيارة من حول نور، فالتصق بجسدها محتميًا خلفها.

كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، بينما ظل ممسكًا بسلاحه، وعيناه مثبتتين على الرجل.

لم يكن ينتظر سوى لحظة واحدة.. ظل الرجل يضغط على الزناد بعنف، يطلق الرصاصات المتتالية، حتى توقف السلاح فجأة.

صمت المكان.. حدّق الرجل في سلاحه بارتباك، ثم أخذ يحاول إطلاق النار مرة أخرى، لكن دون جدوى.

نفدت ذخيرته.. ارتسمت ابتسامة واثقة على شفتي نور.. كان يتوقع ذلك.

انتظر حتى تأكد من أن الرجل أصبح عاجزًا عن إطلاق النار، ثم خرج بسرعة خاطفة من خلف السيارة.

رفع سلاحه وأطلق النار.. أصابت الرصاصة الرجل في صدره، فتراجع إلى الخلف قبل أن يسقط أرضًا.

خفض نور سلاحه، وأخذ نفسًا سريعًا، ثم أخفاه خلف ملابسه.

لم يلتفت إلى الرجال من حوله.. لم يهتم إن كانوا أحياءً أو أمواتًا.. كل ما كان يهمه الآن...خديجة.

رفع رأسه، فرأى الرجل الذي كان يطاردها يبتعد بها عن المكان.. اشتعل القلق في عينيه.. ثم اندفع راكضًا خلفهما.

كان يركض بأقصى سرعته، بينما تتردد في رأسه صرختها الأخيرة.

"نور!"

شدّ قبضته، وتسارعت خطواته أكثر.. لن يسمح لأحد بأن يأذيها.... 

           ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

في المسجد، وبعد أن فرغ آدم من صلاته وقرأ ما تيسّر له من آيات الله، جلس في مكانه يردّد أذكاره بهدوء، بينما كان السكون يخيّم على المكان من حوله. لكن صوته الخافت انقطع حين التقطت أذناه صوت رجلٍ خلفه يدعو ربه، وكان صوته مخنوقًا بالبكاء.

لم يلتفت آدم إليه، بل ظلّ على حاله، يحرّك شفتيه بالأذكار بصمت، بينما كان يستمع إلى الرجل الذي بدا أن شيئًا يثقُل على صدره، وأنه لم يجد مكانًا يفرغ فيه ما بداخله سوى بين يدي الله.

كان ذلك الرجل مؤمن.

رفع رأسه إلى أعلى، واغرورقت عيناه بالدموع التي سرعان ما بدأت تنساب على وجنتيه، ثم قال بصوتٍ متقطعٍ مثقلٍ بالخجل والندم:
"أنا عارف إني عملت ذنوب كتير... ذنوب يمكن متتغفرش. لكن طالب منك حاجة يا رب، وعارف إنك مش هترد دعائي... أنا خجلان من نفسي أوي من كتر الذنوب اللي عملتها، بس طلبي ده مش ليا."

توقّف مؤمن للحظات، وكأن الكلمات أصبحت عاجزة عن الخروج من حلقه، ثم ابتلع غصته وأكمل بصوتٍ أكثر ألمًا:
"ده لأخويا وصاحبي وسندي بعد أبويا... فارس. مش طالب منك غير إنك تشفيه يا رب. اتعذب كتير في حياته... يا رب اشفيه، وما تحرمنيش منه، ولا تحرم أهله منه."

تساقطت دموعه بغزارة، وانخفض صوته أكثر، بينما وضع يده على صدره كأن الألم الذي يشعر به لم يكن في قلبه فقط، بل في جسده كله: 
"لو بإيدي... كنت فديته بعمري كله. مش خسارة فيه. وقف جنبي كتير في حياتي... وقف معايا لما أهلي اتوفوا، وما سبنيش لحظة. حتى لما غلطت وارتكبت أكبر ذنب في حياتي، ما لقيتش حد أقوله غيره."

ارتجف صوته، ورفع عينيه إلى السماء، بينما ازدادت دموعه انهمارًا: 
"فيا رب... مش عشاني، عشان مراته وابنه... خد من عمري واديه."

لم يستطع آدم منع نفسه من التأثر.

رفع يده ومسح دمعةً سقطت من عينه، ثم ظل صامتًا للحظات، بينما كانت كلمات مؤمن تتردد في داخله. لم يكن يعرف فارس، ولا يعرف شيئًا عن قصتهما، لكنه شعر بصدق الدعاء، وبذلك الحب النادر الذي جعل رجلًا يتمنى أن يُنتزع من عمره ليُمنح لصديقه.

وحين سكت مؤمن، بقيت دموعه تتساقط رغم ذلك، وكأنه لم يعد قادرًا على إيقافها. 

عندها دار آدم بوجهه نحوه.

كان مؤمن لا يزال رافعًا عينيه إلى السماء، وملامحه غارقة في الحزن، فابتسم آدم له ابتسامةً هادئة، ثم قال بنبرةٍ مطمئنة:
"هيستجيب."

التفت مؤمن إليه، فالتقت عيناه بوجه آدم، الذي كان ينظر إليه بابتسامة صادقة، ثم أضاف:
"دعاؤك مستجاب بإذن الله... خليك واثق من ربنا."

مسح مؤمن دموعه بظهر يده، لكنه لم يستطع إخفاء الحزن عن ملامحه، وقال بصوتٍ منكسر:
"إزاي هيستجيب لواحد زيي؟"

رفع آدم عينيه إلى أعلى، وقال بهدوء:
"رحمة الله واسعة... إنه غفور رحيم. كل الناس بتغلط وبتعمل ذنوب، لكن الأهم إننا نتوب عن الذنوب دي ونستغفر ربنا. وأكيد ربنا هيغفر طالما ندمت واستغفرت وتبت."

ظل مؤمن ينظر إليه بصمت، وكأن كلماته تسللت إلى مكانٍ عميق داخله، ثم رفع رأسه إلى السماء من جديد، وأغمض عينيه، وبدأ يدعو في صمت، طالبًا رحمة ربه ومغفرته، ومتوسلًا إليه أن يستجيب دعاءه ويشفي صديقه.

ظل آدم يراقبه للحظات، ثم قال بصوتٍ هادئ:
"هدعي معاك إن ربنا يشفي صاحبك... كثرة الدعاء بتغير القدر، وهخليه دعاء ثابت كل يوم."

خفض مؤمن رأسه، ونظر إليه، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة ممتنة، ثم قال:
"جزاك الله خير يا بني... ويبارك لك في والديك على حسن تربيتهم ليك. في الزمن ده دلوقتي بقى نادر لما تلاقي الشباب يدخلوا المساجد."

ابتسم آدم بحزن، وانخفضت عيناه قليلًا قبل أن يقول:
"بابا متوفي من وأنا صغير... ماما هي اللي علمتني وربتني على التزامي وقربي من ربنا."

هزّ مؤمن رأسه بأسى، وقال:
"ربنا يرحمه... ويبارك لك في والدتك."

رفع آدم عينيه إلى السماء، وقال بهدوء:
"اللهم آمين."

نهض مؤمن بعدها، واستعد للمغادرة، لكنه توقف قبل أن يبتعد، ثم التفت إلى آدم وسأله:
"إنت اسمك إيه؟"

نظر إليه آدم، وارتسمت على وجهه ابتسامة جميلة، ثم أجابه:
"آدم."

بادله مؤمن الابتسامة، وهزّ رأسه، ثم غادر المسجد.

ظل أدهم يتابعه بعينيه حتى غاب عن ناظريه، ثم اتسعت ابتسامته قليلًا، ورفع عينيه إلى السماء، وأطلق تنهيدةً عميقة..... 

                    ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

أمسك الرجل بذراع خديجة، فاستدارت إليه بسرعة خاطفة، ثم رفعت قدمها وركلته بقوة بين ركبتيه.

تأوّه الرجل وانحنى إلى الأمام من شدة الألم، فاستغلت خديجة لحظته تلك، وسحبت السلاح من يده بسرعة، ثم ابتعدت عنه خطوتين وهي ترفعه في اتجاهه.

كانت يداها ترتجفان بعنف، حتى كاد السلاح يسقط منهما.

رفع الرجل جسده ببطء، ورفع عينيه إليها، وقد اشتعل الغضب في ملامحه. ثم بدأ يتقدم نحوها بخطوات ثقيلة، بينما أخذت خديجة تتراجع إلى الخلف، وعيناها لا تفارقان السلاح الموجه نحوه.

قالت بصوتٍ مرتجف، حاولت أن تجعله حازمًا:
"ابعد عني... وإلا هقتلك."

ضحك الرجل بسخرية، وكأن تهديدها لم يكن يعني له شيئًا... ولم يتوقف.. بل اقترب منها أكثر.

تراجعت خديجة خطوة أخرى، حتى شعرت أن ظهرها على وشك الاصطدام بشيء خلفها، واشتدت قبضتها حول السلاح، بينما كانت أنفاسها تتسارع.

وفجأة...دوّى صوت طلقة رصاص.. تجمّد الرجل في مكانه.. اتسعت عيناه للحظة، ثم ترنح جسده وسقط على الأرض.

تجمدت خديجة بدورها، وظلت تحدق فيه بصدمة، قبل أن تنخفض عيناها ببطء نحو السلاح المرتجف بين يديها.

لم تكن قد أطلقت النار.. لم تضغط حتى على الزناد.

رفعت رأسها بسرعة، فوجدت نور واقفًا على مسافة قريبة منها، يخفض سلاحه بعد أن أصاب الرجل.

حدقت فيه للحظات، وكأنها لم تستوعب بعد ما حدث، ثم أسرع نور نحوها.

كان القلق واضحًا في عينيه، وراح يتفحصها بنظرات سريعة من رأسها حتى قدميها، وكأنه يبحث عن أي إصابة بها.

قال بلهفة:
"إنتِ كويسة؟ عملك حاجة؟"

هزّت خديجة رأسها بسرعة، بينما كانت لا تزال تلتقط أنفاسها بصعوبة، وقالت:
"أنا كويسة... ملحقش يعمل حاجة."

ظل نور يحدق بها لثوانٍ، وكأنه يتأكد بنفسه من صدق كلماتها، ثم أطلق زفيرًا مرتاحًا، وأومأ برأسه: 
"طيب... يلا نمشي من هنا قبل ما يحصل لكِ أي حاجة، لأنهم......."

توقف فجأة.. انقطعت كلماته.. اتسعت عيناه، وتجمد جسده في مكانه.. شعر بشيء ساخن يخترق جسده.. في البداية لم يستوعب ما حدث.

ثم جاء الألم.. ألمٌ حادٌ ومفاجئ مزّق جسده من الداخل، كأن نارًا اخترقت لحمه في لحظة واحدة. انحبس نفسه داخل صدره، وانخفضت عيناه ببطء، وكأنه كان يحاول التأكد من أن ما شعر به لم يكن وهمًا.

لكن الألم كان حقيقيًا.. كانت الرصاصة قد اخترقت جسده.. ارتجفت أنفاسه، وتشنجت عضلاته، بينما بدأ جسده يفقد قوته تدريجيًا.

رفعت خديجة عينيها إليه، ولاحظت التغير المفاجئ في ملامحه.

"نور؟"
خرج صوتها خافتًا في البداية.. ثم اتسعت عيناها حين رأت الألم يمر عبر وجهه، ورأت جسده يترنح أمامها.

التفتت خلفه بسرعة.. كان أحد الرجال الذين أطلق نور النار عليهم لا يزال حيًا.

 رفع الرجل سلاحه مرة أخرى.. لكن خديجة لم تفكر.. لم تتردد.. هزّت رأسها بعنف، ورفعت السلاح الذي بين يديها، ثم أطلقت النار بشكلٍ عشوائي.

انطلقت الرصاصات، وأصابت إحداها الرجل.. تراجع إلى الخلف، ثم سقط على الأرض.

أما نور...فقد سقط على ركبتيه.. انخفض جسده فجأة.. حاول أن يلتقط أنفاسه، لكن صدره لم يعد يستجيب له كما ينبغي.

سمع صوت خديجة.. كان بعيدًا.. مشوشًا.. وكأنه يأتيه من مكانٍ آخر.

"نور؟"

حاول أن يرفع عينيه إليها.. حاول أن يقول شيئًا.. لكن الكلمات لم تخرج.

مال جسده إلى الأمام، ثم ارتخى تمامًا، وسقط على الأرض.

اتسعت عينا خديجة برعب.. سقط السلاح من يدها، وارتطم بالأرض، ثم اندفعت نحوه بسرعة، وجثت على ركبتيها بجواره.

كانت دموعها قد بدأت تتساقط دون توقف، وارتجفت يداها وهي تقترب منه، وكأنها تخشى أن تلمسه . 

وضعت يدها على وجهه، ثم هزته برفق، قبل أن يزداد خوفها حين لم تجد منه استجابة.

"نور... افتح عينيك."
ارتجف صوتها، وانحنت نحوه أكثر، بينما كانت دموعها تتساقط على وجهه.

"نور، رد عليّا..."
الفصل السادس والعشرون 
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"

وضعت خديجة يدها المرتجفة على وجه نور، ثم هزته برفق، وعيناها معلقتان بوجهه تنتظران أي استجابة... أي حركة... أي رمشة عين تطمئنها أنه لا يزال معها.

"نور... افتح عينيك."
خرج صوتها مرتجفًا، يكاد يختنق بالبكاء، وانحنت نحوه أكثر، بينما كانت دموعها تتساقط فوق وجهه . 

"نور... رد عليّا..."
لم يجبها.. ازداد اضطرابها، فأمسكت وجهه بكلتا يديها، وهزته بقوة أكبر وهي تصرخ باسمه:
"نور!"

ارتد صدى صوتها في المكان الخالي، لكنه لم يقابل إلا بصمتٍ موجع.

توقفت للحظة، ونظرت حولها بعينين ضائعتين، فلم تجد أحدًا... لا سيارة تمر، ولا شخصًا يقترب، ولا أي أمل يلوح في الأفق.

عادت ببصرها إليه، وقد انهارت آخر ذرةٍ من تماسكها.

مررت كفها المرتجفة على خده، ثم قالت بين شهقاتها المتلاحقة:
"لو سامعني... رد عليّا... أو افتح عينيك... متسبنيش."

ظل ساكنًا.. لم يتحرك.. ولم يصدر عنه أي رد.

أما الدم، فكان لا يزال يتدفق من جرحه بغزارة، حتى بدأت ملابسه تتشبع به شيئًا فشيئًا.

أسندته برفق إلى الأرض، ثم مسحت دموعها بكفيها المرتجفتين، وكأنها تحاول إجبار نفسها على التماسك.

نهضت بصعوبة، وأخذت تدور بعينيها في كل الاتجاهات، تبحث بجنون عن أي شخص.

أي شخص يمكنه إنقاذه.. ابتعدت عنه عدة خطوات، ثم أخذت تصرخ بأعلى صوتها، وقد اختلطت كلماتها بشهقاتها:
"حد يساعدنا!... أرجوكم!"

التفتت في كل اتجاه، ثم صرخت مرة أخرى، وقد بدأ اليأس يتسلل إلى قلبها:
"مفيش أي حد هنا؟!"

لكن...لم يجبها أحد.. لم تسمع سوى صدى صوتها يعود إليها، وكأن المكان كله قد خلا من البشر.

انهارت من جديد، وعادت تركض نحوه، ثم جثت على ركبتيها، ورفعت رأسه برفق لتضعه فوق ساقيها.

ضمت وجهه بين كفيها، وقالت وهي تبكي بحرقة:
"متقلقش... هتبقى كويس... بس إنت استحمل شوية... أوعى تستسلم... سامعني؟ أوعى تسيبني."

وفي مكانٍ غير بعيد، كان رجل يقف في الظل،يراقبهم  بصمت، دون أن تشعر بوجوده.

ظل يتابع انهيارها للحظات، ثم رفع هاتفه إلى أذنه، وقال بصوتٍ هادئ:

"Le policier qui était avec elle a été touché par des balles... On dirait qu'il est mort."
"أُصيب الشرطي الذي كان معها بالرصاص... ويبدو أنه قد مات."

جاءه صوت امرأة من الطرف الآخر، باردًا وخاليًا من أي انفعال:

"Et elle ?"
"وماذا عنها؟"

رفع الرجل عينيه نحو خديجة.

كانت لا تزال تحتضن نور، ثم تنهض بين الحين والآخر وهي تصرخ طالبةً النجدة، قبل أن تعود إليه مرة أخرى وهي تبكي في عجز.

فقال:

"Elle essaie de trouver quelqu'un pour les aider... Finis-en avec elle."
"إنها تحاول العثور على شخصٍ يساعدهما... اقضِ عليها."

ساد الصمت لثوانٍ.. ثم جاءه صوت المرأة هادئًا، لكنه يحمل قسوةً مرعبة:

"Non... non. Change de plan. Laisse-la en vie... Mais coupe-lui toutes les issues. Je ne veux pas qu'elle trouve un moyen de l'aider ou de contacter qui que ce soit."
"لا... لا. غيّر الخطة. اتركها على قيد الحياة... لكن أغلق أمامها جميع السبل. لا أريدها أن تجد وسيلةً لمساعدته أو للتواصل مع أي شخص."

انعقدت ملامح الرجل باستغراب، وقال:

"N'était-ce pas elle notre cible ? Devions-nous nous débarrasser d'elle ?"
"أليست هي هدفنا؟ ألم يكن من المفترض أن نتخلص منها؟"

ارتسمت على شفتي المرأة ابتسامة خبيثة، ثم أجابت :

"Je ne veux pas qu'elle meure. Je veux qu'elle souffre... Et il n'y a pas de douleur plus terrible que celle qu'elle ressent en ce moment, surtout s'il meurt."
"لا أريدها أن تموت... أريدها أن تتألم. ولا يوجد ألم أشد من الذي تعيشه الآن... خصوصًا إذا مات هو."

ساد الصمت مجددًا.. ثم تنهد الرجل قائلًا:

"Très bien. Je vais lui couper toutes les issues. J'empêcherai quiconque de l'approcher, et je l'empêcherai de contacter qui que ce soit."
"حسنًا. سأغلق أمامها جميع السبل. سأمنع أي شخص من الاقتراب منها، وسأمنعها من التواصل مع أي أحد."

أنهى المكالمة، ثم أعاد نظره إلى خديجة للحظات.

كانت لا تزال تبكي، تحتضن نور بكل ما أوتيت من قوة، غير مدركة أن هناك من يراقبها، وأنها أصبحت الآن محاصرة... وأن كل طريقٍ قد يقود إلى نجاتها، قد أُغلق بالفعل.

استدار الرجل في هدوء، ثم ابتعد عن المكان.... 

                      ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

أخذت ليلى جاكت مؤمن، وبدأت ترتبه مع باقي ملابسه استعدادًا لوضعه داخل خزانة الملابس. وما إن هزته برفق، حتى سقطت منه صورة صغيرة على الأرض.

توقفت في مكانها، وعقدت حاجبيها باستغراب.. وضعت الجاكت على الفراش، ثم انحنت والتقطت الصورة ببطء، وقلبتها لترى ما بداخلها.

وفي اللحظة التي وقعت عيناها عليها...تجمدت.

اتسعت حدقتاها بصدمة، وانخفضت يدها المرتجفة إلى جوارها، بينما شعرت وكأن شيئًا انكسر داخل قلبها.

بدأت الدموع تتجمع في عينيها دون أن تشعر.. في تلك الأثناء، دخل مؤمن الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء.

ما إن التفت إليها حتى لاحظ دموعها.. انعقدت ملامحه بقلق، واقترب منها بخطوات سريعة، لكنه توقف فجأة حين رفعت الصورة أمامه.

تبع نظراتها...ثم نظر إلى الصورة.. كانت صورة سلمى.

رفعت ليلى عينيها إليه، بينما كانت الدموع تنساب على وجنتيها، وقالت بصوتٍ مكسور:
"ممكن أعرف... دي بتعمل إيه في جيبك؟"

ظل مؤمن صامتًا.. تحركت شفتاه وكأنه يريد أن يتحدث، لكن الكلمات خانته.. لم يعرف بماذا يجيبها.

وضعت ليلى يدها على فمها، تحاول كتم شهقاتها، لكنها فشلت.. وقالت بصوتٍ يرتجف من شدة الوجع:
"إنت... لسه بتحبها يا مؤمن؟"

رفع مؤمن عينيه إليها، وكان الحزن يملأ ملامحه، وقال بصوتٍ خافت:
"ليلى... أنا..."

لكنها لم تتركه يكمل.. ألقت الصورة نحوه بعنف، وهي تصرخ:
"إياك تكدب عليّا!"

ارتطمت الصورة بالأرض، بينما كانت شهقاتها تعلو أكثر فأكثر.. ثم قالت وهي تنظر إليه بعينين غارقتين في الدموع:
"كل تصرفاتك كانت بتقولي كده... صوتك وإنت بتناديها وإنت نايم... كنت بكدب وداني وأقول إنك مش في وعيك، وغصب عنك."

توقفت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ اختنق بالبكاء:
"ولما كنت بغيب، بدل ما تنادي عليّا باسمي... كنت بتناديني باسمها."

انكسرت نبرتها أكثر وهي تشير إلى الصورة الملقاة على الأرض.
"لا كمان... محتفظ بصورتها في جيبك."

خفض مؤمن رأسه.. لم يجد كلمة واحدة يدافع بها عن نفسه.. كان صمته وحده كافيًا ليطعن قلبها.

حدقت فيه طويلًا، وكأنها كانت تنتظر منه أن ينفي... أن يقول أي شيء يبدد ذلك الألم.

لكنه ظل صامتًا.. فقالت بصوتٍ موجوع:
"يعني... طول السنين دي كلها... مقدرتش تنساها؟"

ابتلعت غصتها بصعوبة، ثم همست:
"ومقدرتش... تحبني يا مؤمن؟"

أغمض مؤمن عينيه للحظة، ثم قال بصوتٍ اختلط فيه الندم بالألم:
"أنا بحبك يا ليلى..."

رفعت رأسها إليه، ثم صاحت بانهيار:
"كداب!"

اهتز صوتها مع شهقاتها، وأشارت إليه بيدٍ مرتجفة.
"وعنيك فضحاك... إنت عمرك ما حبيتني يا مؤمن."

أخذت نفسًا متقطعًا، ثم أكملت:
"إنت اتجوزتني بس عشان تنساها... وللأسف أنا فشلت."

انهمرت دموعها بغزارة، وهي تقول:
"مقدرتش أخد مكانها... ولا قدرت أخليك تحبني، رغم إني ما قصرتش معاك في أي حاجة."

اقترب منها مؤمن بسرعة، وأمسك كتفيها برفق، وقد امتلأت عيناه بالندم.. قال بصوتٍ متوسل:
"أوعي تقولي كده... إنتِ متعرفيش أنا بحبك قد إيه."

نزعت يديه عنها بقوة، ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة، لكنها كانت ابتسامة يملؤها الوجع والانكسار.. وقالت وهي تنظر في عينيه:
"بتضحك على نفسك... ولا عليّا؟"

ثم أضافت، ودموعها لم تتوقف عن الانهمار:
"طول عمري كنت بتمنى تحبني... زي ما أنا بحبك."

توقفت لحظة، وكأن الكلمات أصبحت تثقل صدرها: 
"لكن للأسف... حبي ليك كان من طرف واحد... ولسه من طرف واحد."

ارتعش صوتها وهي تتابع:
"رغم كل السنين اللي عشناها... ورغم كل اللي بينا... مقدرتش يوم أدخل قلبك."

لم تمنحه فرصة للرد.. استدارت بسرعة، وغادرت الغرفة وهي تمسح دموعها بعجز، ثم أغلقت الباب خلفها بقوة.

ظل مؤمن واقفًا في مكانه، يحدق في الباب الذي خرجت منه.. أغمض عينيه بقوة، وانقبض صدره بألمٍ خانق.

ثم فتحهما ببطء، وانخفضت عيناه نحو الأرض.. كانت صورة سلمى لا تزال ملقاة ظل ينظر إليها طويلًا.

ثم انحنى والتقطها بيدٍ مرتجفة.. حدق في ملامحها للحظات، لكن هذه المرة لم يكن في عينيه حنين...كان هناك وجع، وندم، وشعور ثقيل بالذنب.

انسابت دمعة من عينه دون أن يشعر، ثم تبعتها أخرى، بينما بقي واقفًا في منتصف الغرفة، عاجزًا عن ملاحقة ليلى... وعاجزًا أيضًا عن الهروب من ماضيه الذي يهدم حاضره.... 

                  ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت نادين تسير في أرجاء المنزل ذهابًا وإيابًا بخطواتٍ متسارعة، تعقد أصابعها وتفكها في توتر، بينما كانت عيناها لا تفارقان شاشة هاتفها. بين الحين والآخر ترفع رأسها نحو الباب، ثم تعود لتنظر إلى الهاتف من جديد، وقلبها يزداد قلقًا مع كل دقيقة تمر.. همست لنفسها بقلق:
"ردي يا خديجة..."

لكن لم يصلها أي رد.. وفجأة...سمعت صوت باب المنزل يُفتح.

انتفض قلبها، والتفتت بسرعة، وقد ارتسم الأمل على وجهها، وظنت أن خديجة عادت أخيرًا.

لكن سرعان ما تجمدت ابتسامتها.. اتسعت عيناها بدهشة عندما رأت سيف يدخل وحده.

كان وجهه متجهمًا، وعيناه تشتعلان غضبًا، بينما كانت ملامحه تنطق بالرغبة في الانتقام.. ورغم ذلك...لم تستطع نادين إخفاء ارتياحها لرؤيته سالمًا.

امتلأت عيناها بالدموع، واندفعت نحوه مسرعة، ثم وقفت أمامه، وراحت تتفحص وجهه وجسده بعينيها المرتجفتين، وكأنها تتأكد بنفسها أنه لم يُصب بأذى.

وقالت بصوتٍ اختلطت فيه الراحة بالخوف:
"أخيرًا... طمني يا حبيبي... إنت كويس؟"

ضم سيف قبضته بقوة حتى برزت عروق يده، وانقبض فكّه، وقال بصوتٍ يغلي بالغضب:
"هخليه يدفع تمن اللي عمله... وغالي أوي."

شعرت نادين بانقباضٍ في قلبها، لكنها سرعان ما نظرت خلفه بلهفة، تبحث بعينيها عن وجهٍ آخر.

لم تجد أحدًا.. عادت تنظر إليه، وسألته بقلقٍ متزايد:
"شمس فين؟... هي ما خرجتش معاك؟"

ساد الصمت لثوانٍ.. خفض سيف بصره، ثم قال بصوتٍ جامد:
"لا... عطى أوامر يخرجوني لوحدي... وشمس لسه محبوسة."

ثم رفع رأسه، واشتعلت عيناه من جديد، وقال بنبرةٍ تحمل وعيدًا صريحًا:
"لكن مش كتير... هطلعها... وهخليه يندم على كل اللي عمله."

أومأت نادين برأسها في صمت، محاولةً أن تتمسك بالأمل، بينما كان القلق ينهش قلبها.

نظر سيف حوله سريعًا، ثم عاد ببصره إليها وسألها:
"أومال خديجة فين؟"

أرجعت نادين خصلةً من شعرها خلف أذنها في حركةٍ لا إرادية، وقالت بتردد:
"راحت تقابل نور... عشان تقنعه يخرجك."

ثم حاولت أن ترسم ابتسامةً خفيفة وهي تضيف:
"وأظن إنك دلوقتي هنا... عشان قدرت تقنعه."

لكن ما إن أنهت كلماتها حتى تبدلت ملامح سيف تمامًا.. اتسعت عيناه بغضب، وارتفع صوته وهو يصيح:
"وإنتِ تخليها تروح تقابله لوحدها ليه؟! نسيتي اللي عمله في شمس؟! تبعتي له التانية؟! إنتِ بتفكري إزاي؟!"

ارتجفت نادين من نبرة صوته، وامتلأت عيناها بالدموع، وقالت وهي تحاول الدفاع عن نفسها:
"هي اللي أصرت تروح... وما كانش في طريقة تانية نطلعك بيها غير كده."

ازداد غضب سيف، وانقبضت قبضته أكثر، حتى ابيضّت مفاصل أصابعه.. ثم سألها بلهجةٍ حادة:
"خرجت من إمتى؟"

ابتلعت نادين ريقها بصعوبة، وقالت بتوتر:
"من بدري أوي... ولسه مرجعتش. وبقالي شوية باتصل بيها... لكنها مبتردش."
نظر إليها سيف للحظة، ثم اتسعت عيناه بصدمة امتزجت بالغضب: 
"يعني إيه مبتردش؟!"

خرج صوته أعلى من السابق، وقد بدأ القلق يزحف إلى قلبه رغم محاولته إخفاءه.. ثم أكمل بغضبٍ عارم:
"الغلط منك... إنك بعتيها تقابل الوسخ ده لوحدها!"

لم ينتظر منها ردًا.. استدار بعنف، واتجه إلى الباب بخطواتٍ سريعة، ثم غادر المنزل، وقد سيطر عليه القلق والغضب في آنٍ واحد.

وقفت نادين مكانها، تحدق في الباب الذي خرج منه حتى اختفى عن أنظارها.

ثم انخفضت كتفاها في استسلام، وانسابت دموعها على وجنتيها.

نظرت إلى هاتفها بيدٍ مرتجفة، وأعادت الاتصال بخديجة مرةً أخرى.

وضعت الهاتف على أذنها، وهي تدعو بصمت أن تسمع صوتها هذه المرة.. لكن...ظل الهاتف يرن...دون أي رد.

               ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت نسرين تجلس أمام المرآة في هدوء، تطلي أظافرها بعناية.. وفجأة...دوّى صوت عدة طلقات نارية في الخارج.

انتفض جسدها بعنف، وارتجفت يدها، فانسكب طلاء الأظافر على أصابعها. اتسعت عيناها بذعر، ورفعت رأسها تنظر نحو الباب، بينما بدأت دقات قلبها تتسارع بشكل مخيف.

"إيه اللي بيحصل؟"
همست بها لنفسها، لكن لم يمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى جاءها الجواب.

اندفع باب الغرفة بعنفٍ هائل، حتى تحطم وتناثر الخشب في أرجائها.

شهقت نسرين بفزع، وتراجعت إلى الخلف خطوة.

دخل معتز.. كان يقف في منتصف الباب، وأنفاسه متسارعة، بينما كانت إحدى يديه تضغط بقوة على موضع جرحه، وقد بدأت الدماء تنزف منه من جديد بسبب حركته العنيفة.

ارتسم الألم بوضوح على ملامحه، وانقبض فكه بقوة، لكن رغم ذلك لم يتراجع.. كان الألم ينهش جسده...إلا أن الغضب الذي يشتعل بداخله كان أقوى بكثير.

رفعت نسرين عينيها إليه، وما إن التقت نظراتهما حتى شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

لم ترَ الغضب وحده في عينيه...بل رأت رغبة حقيقية في الانتقام.

استدارت بسرعة، وحاولت الركض نحو الباب. لكنها لم تبتعد سوى خطوات قليلة.

اندفع أحد رجال معتز خلفها، وأمسكها من شعرها بعنف.

صرخت صرخةً مدوية، وارتفع رأسها إلى الخلف من شدة الألم، بينما راحت تضرب يده بكلتا يديها محاولةً الإفلات.

لكن دون جدوى.. سحبها خلفه بقسوة، وهي تتعثر في خطواتها وتصرخ باكية، حتى ألقاها أرضًا عند قدمي معتز.

رفعت نسرين رأسها إليه، وقد التصقت خصلات شعرها بوجهها المبتل بالدموع.

أما معتز...فكان ينظر إليها بعينين تشتعلان غضبًا.. اقترب منها خطوة، ثم انحنى قليلًا، وقال بصوتٍ منخفض، لكنه كان أشبه بفحيحٍ مرعب:
"خلينا نشوف... إنتِ غالية عند أخوكي فعلًا، وهيحاول ينقذك... ولا هيرميكي زي الكلاب."

ارتجف جسد نسرين، وقالت وسط شهقاتها المتلاحقة:
"أنا... أنا مالي؟! إنت عايز مني إيه؟"

لكن معتز لم يجبها.. ظل ينظر إليها في صمتٍ مخيف،أشار بعينيه إلى رجاله.

فأمسكها الرجل مرة أخرى، وسحبها بعنف، ثم وضع يده على فمها، مانعًا صرخاتها التي تحولت إلى أنينٍ مكتوم.

كانت تقاوم بكل ما أوتيت من قوة، تضربه وتحاول الإفلات منه، لكن قبضته كانت أقوى منها بكثير.

وبمجرد خروجها إلى الخارج...تجمدت في مكانها.

اتسعت عيناها برعبٍ حقيقي وهي تنظر حولها.. كان عددٌ من الحراس ملقى على الأرض، غارقين في دمائهم، بينما انتشر رجال معتز في أرجاء المكان.

وقفوا في صمتٍ وهيبة، يرتدون جلابيبهم الصعيدية، وملامحهم الحادة الجامدة، يحملون أسلحتهم بثبات، وكأنهم جيشٌ ينفذون أوامر قائدهم 

ارتجف جسد نسرين أكثر.. شعرت أن الهرب أصبح مستحيلًا.. فتح أحد الرجال باب السيارة، ثم دفعها إلى الداخل بقوة.

ارتطم جسدها بالمقعد، وقبل أن تستعيد توازنها، استدار السائق وأدار المحرك، لتنطلق السيارة بسرعة.

حاولت نسرين فتح الباب والفرار.. لكن في اللحظة نفسها...امتدت يد معتز، وأمسكت شعرها بعنف.

صرخت من شدة الألم، قبل أن يجذبها نحوه بقوة، ثم ارتطم رأسها بهيكل السيارة الحديدي.

دوّى صوت الارتطام داخل السيارة.. شهقت بألم، وتشوشت الرؤية أمام عينيها.

وضعت يدها على رأسها، بينما أخذت أنفاسها تتباطأ، وبدأ كل شيء من حولها يضطرب.. أصبحت الأصوات بعيدة...والصورة أمامها ضبابية.. ثم أخذ وعيها يتلاشى تدريجيًا.

ظل معتز يحدق فيها بوجهٍ جامد، وعينين لا تحملان أي شفقة.. كانت ملامحه غامضة.  وقال بصوتٍ خافت، لكنه كان مليئًا بالوعيد:
"أقسم بالله... لأدفعك التمن غالي."

                  ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت مريم تقف في منتصف غرفة المعيشة، تضم الهاتف إلى أذنها، بينما بدت ملامحها مشدودة بالقلق.. قالت وهي تسير ببطء ذهابًا وإيابًا:
"معرفش أنا كمان راح فين... ولا حتى قال هيعمل إيه. خرج من غير ما يقول لحد."

جاءها صوت أدهم من الطرف الآخر هادئًا، لكنه لم يستطع إخفاء القلق الذي يعتصره على معتز:
"جرحه لسه مفتوح... ولو فضل يتحرك بالشكل ده، احتمال ينزف أو يحصله حاجة."

تنهدت مريم وهمّت أن ترد، لكن صوت باب المنزل وهو يُفتح قطع حديثها.. التفتت بسرعة نحو الباب، ثم قالت على عجل:
"طيب... هكلمك بعدين."

أغلقت الهاتف، واتجهت أنظارها نحو المدخل.

دخلت ياسمين أولًا، وخلفها فارس، وهو يجر حقيبة السفر بيده، وقد بدت على ملامحه علامات الإرهاق بعد رحلة طويلة.

وما إن رأتهما مريم حتى تبدلت ملامحها بالكامل.. ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها، واندفعت نحوهما بخطواتٍ سريعة.

ألقت نفسها بين ذراعي ياسمين، واحتضنتها بقوة، وقالت بفرحةٍ صادقة:
"البيت كان وحش أوي من غيركم... أخيرًا رجعتوا."

ابتسمت ياسمين بحنان، وربتت على ظهرها، بينما بادلتها العناق.

ابتعدت عنها مريم، ثم التفتت إلى فارس، وارتمت بين ذراعيه هي الأخرى: 
"وحشتوني أوي."

ضحك فارس بخفة، وربت على ظهرها بحنان، وقال مبتسمًا:
"وإنتوا كمان."

تراجعت مريم خطوة، وأخذت تنظر إليهما بعينين تلمعان بالحماس، وقالت بلهفة طفولية:
"أنا عايزة أعرف كل حاجة... روحتوا فين؟ وعملتوا إيه؟ احكولي كل حاجة... كل حاجة."

ضحكت ياسمين، وقد بدا عليها الإرهاق، ثم جلست على الأريكة وهي تقول:
"حاضر... بس الأول نرتاح شوية، السفر متعب أوي."

أومأ فارس موافقًا، وكاد يتحدث...لكن فجأة...انفتح باب المنزل بعنف، حتى ارتطم بالحائط بقوة.

التفت الجميع في آنٍ واحد.. دخل سيف بخطواتٍ سريعة وعنيفة، وملامحه مشتعلة بالغضب، وعيناه تقدحان شررًا، وصاح بصوتٍ دوّى في أرجاء المنزل:
"بنتي فين؟!... ابنك عمل إيه في بنتي؟!"

انتفضت ياسمين من مكانها بفزع، واتسعت عيناها بصدمة من طريقة دخوله وصراخه.. أما مريم، فوقفت مشدوهة، لا تستوعب ما يحدث.

في المقابل...ظل فارس ثابتًا في مكانه، ينظر إليه بهدوءٍ ظاهري، لكنه كان يخفي خلفه غضبًا مكتومًا.. اقترب منه ببطء، ثم قال بنبرةٍ باردة:
"وليك عين تيجي وتقف قدامي... بعد اللي عملته في ابني؟"

اشتدت ملامح سيف، وانقبضت قبضتاه بقوة، حتى برزت عروق يديه، وقال من بين أسنانه:
"ولسه هعمل فيه أكتر... لو بنتي خديجة ما ظهرتش."

ثم أشار إليه بإصبعه، وأردف بصوتٍ امتلأ بالوعيد:
"ويكون في علمك... لو ابنك عمل لبنتي أي حاجة... أقسم بالله يا فارس... هقتلهولك."

وفي لحظة...اندفع فارس نحوه كالسهم.. أمسكه من عنقه بعنف، حتى اختلت وقفة سيف، واشتعلت نظرات فارس بغضبٍ لم تره ياسمين في عينيه من قبل.

وقال بصوتٍ منخفض، لكنه كان أشد رعبًا من الصراخ:
"المرة اللي فاتت... عدّيت وسكت."

اقترب منه أكثر، وشدد قبضته على عنقه، ثم أردف بفحيح:
"لكن وحياة العِشرة والصحبة اللي بينا... لو مسيت شعرة من ابني تاني... أنا هدفنك بالحيا."

شهقت ياسمين، وأسرعت نحوهما، تدفع فارس بكل قوتها حتى أبعدته عن سيف.

كانت تنظر إليهما بذهول، وعيناها تمتلئان بالصدمة والحزن وعدم التصديق.. ثم صاحت بانفعال:
"في إيه؟!... إنتوا الاتنين من إمتى بتتكلموا مع بعض كأنكم أعداء؟! حد يفهمني... في إيه؟!"

أطلق سيف ضحكة ساخرة خالية من أي مرح، ثم نظر إليها وقال:
"يعني عايزة تفهميني إنك مش عارفة ابنك عمل إيه؟"

عقدت ياسمين حاجبيها في حيرة، وقالت بارتباك:
"ابني عمل إيه؟... أنا مش فاهمة حاجة."

تنهد سيف، ثم بدأ يقص عليها كل ما حدث.... كيف احتُجز هو وشمس، وكيف خرج من السجن اليوم، بينما لا تزال خديجة مفقودة.

كانت ياسمين تستمع إليه وعيناها تتسعان أكثر مع كل كلمة.. رفعت يدها إلى فمها، وقد شحب وجهها تمامًا.

هزت رأسها أكثر من مرة، غير مصدقة ما تسمعه.. ثم أكمل سيف بصوتٍ يملؤه القلق:
"ودلوقتي... بنتي خديجة مختفية."

ابتلع ريقه بصعوبة، وأضاف:
"وآخر مرة خرجت... كانت رايحة تقابل ابنك، عشان تقنعه يخرجنا من السجن."

أغمض فارس عينيه للحظة، ثم فتحهما وهو يجاهد للسيطرة على أعصابه، وقال بصوتٍ متماسك:
"إنت عايز توصل لإيه بالظبط؟"

نظر إليه سيف بحدة، وقال:
"عايز أوصل لبنتي."

ثم أردف بنبرةٍ قاطعة:
"ولو كان ابنك عمل فيها أي حاجة... أنا مش هرحمه. حطوا الكلام ده في بالكم."

استدار بعنف، وغادر المنزل دون أن ينتظر ردًا.. ساد الصمت.. لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاس ياسمين المتسارعة.

التفتت إلى فارس ببطء، وقد امتلأت عيناها بالدموع، وقالت بصوتٍ مخنوق:
"إنت... كنت عارف بكل ده؟... ومقولتليش يا فارس؟"

ظل فارس ينظر إليها في صمت.. لم يجد ما يقوله.. اقتربت مريم منها، وربتت على كتفها بحنان، وقالت محاولةً تهدئتها:
"أكيد مكانش عايز يقلقك."

ثم أضافت بسرعة:
"وبعدين نور معملش حاجة... كل اللي حصل ده بسبب الحرباية شمس."

تنهدت بحزن، وأكملت:
"كفاية ضغط على نور اكتر من كده... هو هيلاقي منين ولامنين كفاية إن القضية كمان اتسحبت منه، و..."

قاطعها فارس فجأة، وقد انعقدت ملامحه بصدمة:
"القضية... اتسحبت منه؟"

التفتت إليه مريم، وأومأت برأسها، وقالت:
"أيوه... بسبب المشاكل الكتير اللي كانت بتحصل معاه. مكانش قادر يركز في شغله، فعشان كده اتسحبت منه."

ساد الصمت من جديد.. أخرجت ياسمين هاتفها بيدٍ مرتجفة، ومسحت دموعها سريعًا، ثم ضغطت على اسم نور.

انتظرت...رن الهاتف مرة.. ثم الثانية.. ثم الثالثة.. لكن...لم يجب.. أغلقت عينيها للحظة، بينما ازداد القلق يعتصر قلبها.

أما فارس...فظل واقفًا في مكانه، يفكر فيما سمعه.

ورغم القلق الذي بدأ يتسلل إلى داخله بسبب اختفاء نور وعدم رده، إلا أن جزءًا آخر منه شعر براحةٍ خفية عندما علم أن القضية لم تعد بين يدي ابنه.

فقد كانت تلك القضية بالنسبة إليه كابوسًا لا يستيقظ منه ابداً... 

                      ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

رفعت خديجة جسد نور بحذر شديد، وأسندته إليها وهي ترتجف، ثم مررت يدها المرتعشة على ظهره تبحث عن موضع الإصابة.

ما إن وقعت عيناها عليها حتى شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.

كانت الرصاصة قد استقرت في الجزء العلوي من ظهره، أسفل لوح الكتف الأيسر مباشرة، بينما كانت الدماء تتدفق منها بغزارة، تلطخ ملابسه وتنساب على الأرض دون أن تتوقف.

اتسعت عيناها، وتسارعت أنفاسها، وانهمرت دموعها بغزارة وهي تحدق في الجرح.

كانت تعرف أن تلك الإصابة ليست بسيطة.. احتمال أن تكون الرصاصة قد أصابت الرئة... أو اقتربت من القلب.

ولم يكن أمامه وقتٌ طويل.. بحاجة إلى مستشفى... وبأسرع وقت.

ارتجفت شفتاها، وأعادت إسناده إلى الأرض برفقٍ شديد، وكأنها تخشى أن تزيد ألمه ولو بقدر ضئيل.

ثم مررت أطراف أصابعها على وجهه الشاحب، وأزاحت خصلةً من شعره التصقت بجبينه المبتل بالعرق، وقالت بصوتٍ متقطع بين شهقاتها:
"إياك تستسلم يا نور... خليك هنا... أنا هشوف أي حد يساعدنا."

ظلت تنظر إليه للحظات.. لم تكن تريد الابتعاد عنه.. كانت تشعر أن مجرد تركه وحده، ولو لدقيقة، قد يسلبها إياه إلى الأبد.

لكنها لم تجد خيارًا آخر.

نهضت بصعوبة، وظلت تنظر إليه وهي تتراجع للخلف بخطوات مترددة، قبل أن تستدير وتركض بأقصى ما تستطيع، بينما كان قلبها يتمزق مع كل خطوة تبتعدها عنه.

وصلت إلى السيارة التي جاءا بها، وفتحت الباب بعنف، ثم أخذت تفتش في كل مكان بجنون.

بين المقاعد...داخل الأبواب...أسفل المقعد...في حقيبتها...لكن...هاتفها لم يكن موجودًا.

ازدادت أنفاسها اضطرابًا، فأسرعت تبحث عن هاتف نور أيضًا.

قلبت السيارة رأسًا على عقب.. لكنها لم تجده هو الآخر.

تراجعت خطوة، ثم ركـلت باب السيارة بكل ما أوتيت من قوة، وصرخت باختناق، وقد بدأت تشعر بالعجز يطبق على صدرها.

رفعت رأسها فجأة نحو سيارات الرجال الذين هاجموهما.

لمعت في عينيها بارقة أمل.. ركضت إليها بسرعة، وهي تلهث، وفتحت باب أول سيارة.

ثم الثانية.. ثم الثالثة.. كانت تنوي أخذ أي سيارة والهروب بنور إلى أقرب مستشفى.

لكنها توقفت فجأة.. حدقت في العجلات.. كانت جميعها فارغة من الهواء.

تراجعت ببطء، وشعرت بأن أنفاسها تنقطع.. لم يكن ذلك صدفة...بل كان مقصودًا.

رفعت رأسها تنظر حولها، ثم أطلقت صرخة موجوعة شقت سكون المكان.

ركضت في الطريق بجنون، تلوح بيديها، وتنظر في كل الاتجاهات.. كانت تبحث عن أي سيارة...أي إنسان...أي فرصة تنقذ بها نور.

لكن الطريق كان خاليًا تمامًا.. لا سيارات.. لا مارة.. لا صوت سوى أنفاسها المتقطعة وبكائها.

وكأن المكان كله قد أُفرغ من البشر.

وفي مكانٍ بعيد، كان ذلك الرجل يقف يراقبها من خلف الأشجار، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة.

رفع يده قليلًا، ليظهر الهاتفان اللذان أخذهما من السيارة قبل وصولها.. هاتف خديجة...وهاتف نور.

نظر إليهما، ثم قال بابتسامة خبيثة:
"خلينا نشوف... هتنقذيه إزاي."

بعد دقائق بدت لها كأنها عمرٌ كامل، أدركت خديجة أنها لن تجد أحدًا.

استدارت، ثم ركضت عائدة بكل ما بقي لديها من قوة.. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسها تكاد تخنقها، وقد أصبحت رؤيتها مشوشة من كثرة البكاء.

وحين وصلت...وقع بصرها على الرجلين اللذين هاجماهما.

أسرعت نحوهما، وجثت على ركبتيها، وبدأت تفتش ملابسهما بلهفة.. في الجيوب...داخل الجاكيت...كانت تبحث عن هاتف.. أي هاتف.. لكنها لم تجد شيئًا.

وفجأة...توقفت.. التفتت بسرعة.. كان نور قد حرك أصابعه حركةً خفيفة.

ثم حاول أن يفتح عينيه.. شهقت خديجة، ونهضت تركض نحوه، لكنها تعثرت في الطريق وسقطت على ركبتيها.

لم تهتم.

نهضت فورًا، وأكملت ركضها حتى وصلت إليه، ثم جثت بجواره، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ضعيفة اختلطت بدموعها.

قالت بصوتٍ واهن، يكاد يختنق من شدة التأثر:
"نور... إنت سامعني؟"

فتح جفنيه بصعوبة بالغة.. كانت الرؤية أمامه ضبابية، وكل شيء يدور من حوله.

لم يستطع تمييز ملامحها بوضوح.. سمع صوتها.... لكن وكأنه يأتيه من مكان بعيد.

حاول أن يجيبها.. حرك شفتيه بصعوبة.. إلا أن لسانه كان ثقيلًا.. وعجز عن النطق. 

كان كل نفس يسحبه أشبه بطعنة جديدة تمزق صدره من الداخل.

شعر بحرارة الدماء تغادر جسده شيئًا فشيئًا.. وبرودة غريبة بدأت تزحف إلى أطرافه.

ازدادت أنفاسه صعوبة، وكل شهيق كان يملأ رئتيه بألم حارق، حتى شعر وكأن الهواء نفسه أصبح يعذبه.

انسابت دمعة من طرف عينه دون إرادة منه.. لم تكن دمعة ضعف...بل دمعة رجل أنهكه الألم، وأصبح يشعر أن روحه تُنتزع منه ببطء.

رفعت خديجة رأسه قليلًا، وأسندته إلى ساقها، ثم مسحت دموعه بأطراف أصابعها برفق، وكأنها تخشى أن تؤلمه أكثر.

وقالت وهي تحاول أن تبدو قوية رغم انهيارها:
"متقلقش... هتبقى كويس... هنطلع من هنا، وكل حاجة هتبقى تمام."

ارتجف صوتها في آخر كلماتها، لكنها أجبرت نفسها على الابتسام.. ثم أضافت وهي تبكي:
"حاول تتنفس براحة... ومتحاولش تتحرك... عشان الوجع ميزيدش."

أخذت نفسًا عميقًا تحاول به أن تستعيد تماسكها.

ثم بدأت تفك أزرار قميصه بسرعة، ويدها ترتجف بشدة.

نزعت القميص عنه، ثم مزقت قطعة منه بأسنانها ويديها، وضغطت بها على موضع الإصابة بكلتا يديها، محاولةً إيقاف النزيف.

تأوه نور تأوهًا خافتًا، وانكمشت ملامحه من شدة الألم.

شعر وكأن الضغط على الجرح يشعل نارًا جديدة داخل جسده.. لكن حتى الصراخ...لم يعد يملك له قوة.

كانت يده ترتفع أحيانًا بصورة لا إرادية، وكأنه يحاول الإمساك بيدها، ثم تسقط مرة أخرى بعدما يخونه جسده.

لاحظت خديجة أن جفنيه بدآ يثقلان من جديد.

فتركت إحدى يديها على الجرح، بينما أخذت بالأخرى تربت على خده برفق، تهز وجهه قليلًا حتى لا يفقد وعيه.

وقالت وهي تبكي بحرقة:
"نور... اسمعني... أوعى... أوعى تفكر تسيبني... سامعني؟"

بدأت دموعها تتساقط فوق وجهه.. ثم مررت أصابعها على خده، ولم تعد قادرة على كتمان ما بداخلها.

خرجت كلماتها ممزقة، يختلط فيها الحب بالخوف والانهيار:
"أنا مش هقدر أعيش من غيرك..."

شهقت بقوة، ثم أكملت وهي تنظر إليه بعينين غارقتين في الدموع:
"سألتني قبل كده إذا كان كلام بابا صح ولا لأ..."

توقفت لحظة، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:
"أيوه... كان صح."

أمسكت وجهه بين كفيها، وكأنها تخشى أن يبتعد عنها: 
"أنا بحبك يا نور... بحبك."

خرج اعترافها ممزوجًا بالبكاء: 
"ومش هقدر أعيش من غيرك... هموت لو جرالك حاجة."

انحنت حتى لامس جبينها جبينه، وقالت بانهيار كامل:
"إنت سامعني؟... أوعى تسيبني... أوعى تغمض عينك... أنا مش هسمحلك تبعد عني... ومش هسمحلك تسيبني... فاهم؟"

حاول نور أن يفتح عينيه مرة أخرى.. كانت كلماتها تصل إليه بصعوبة، لكنها كانت الشيء الوحيد الذي يتمسك به وسط ذلك الظلام الذي أخذ يبتلعه تدريجيًا.

حرك أصابعه بصعوبة شديدة، حتى لامست أطراف أصابعه يدها المرتجفة.

لكن جسده خانه.. ارتخت أصابعه ببطء، وعادت جفونه تثقل من جديد.... 

                        ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت تقي ولؤي يجلسان فوق مقدمة السيارة في هدوء، يحمل كلٌ منهما مثلجاته، بينما خيم الصمت بينهما للحظات.

تنهدت تقي تنهيدة طويلة، وهي تحرك الملعقة داخل المثلجات دون اهتمام، ثم قالت بحيرة، وما زالت غير مستوعبة ما حدث:
"مش مصدقة إننا اتخدعنا في البنت دي."

هزت رأسها في دهشة، ثم التفتت إلى لؤي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة، وقالت وهي تكتم ضحكتها:
"بس جامدة بصراحة... وعجبني اللي عملته فيك."

نظر إليها لؤي بطرف عينه، ثم رفع حاجبه باستهجان وقال ببرود:
"ده كل اللي فكرتي فيه؟"

ثم زفر ببطء، واختفت ملامح المزاح من وجهه، وحدق أمامه بشرود وهو يقول بجدية:
"اللي لازم نفكر فيه دلوقتي... مين طليقها؟ وعايز مننا إيه؟ وهل ليه علاقة بالراجل المقنع ده... ولا إيه الدنيا بالظبط؟"

هزت تقي رأسها وهي تفكر في الأمر، ثم زفرت بتعب، وأسندت ظهرها إلى زجاج السيارة، ورفعت بصرها إلى السماء قبل أن تقول بصوتٍ هادئ:
"متعرفش ماما وبابا زعلانين من بعض ليه؟"

التفت إليها لؤي باستغراب، وعقد حاجبيه قائلًا:
"لا... ليه؟ حصل حاجة؟"

هزت رأسها بالنفي، ورفعت كفيها في حيرة: 
"معرفش... بس سمعت صوت ماما وهي بتزعق، ومفهمتش كانوا بيتخانقوا على إيه... وبعدها خرجت من الأوضة وهي زعلانة وبتعيط."

أسند لؤي ظهره إلى السيارة مثلها، ثم رفع عينيه إلى السماء، وقال وهو يزفر بضيق:
"عشان كده أنا مش عايز أتجوز... كل شوية نكد، ومشاكل، وصداع، وهم."

التفتت إليه ببطء، ورفعت أحد حاجبيها وهي تضيق عينيها في غيظ مصطنع: 
"إنت قصدك إننا إحنا نكديين؟"

أجابها ببساطة، وكأنه يقول حقيقة لا تقبل النقاش:
"إنتوا المادة الخام للنكد."

حدقت فيه بنظرات غيظ، وفتحت فمها لترد، لكنها تمالكت نفسها في اللحظة الأخيرة.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم صمتت قليلًا، وكأنها تجمع شجاعتها، قبل أن تقول بتردد:
"بخصوص الجواز والارتباط..."

توقفت لحظة، وهي تعبث بطرف الملعقة في ارتباك، ثم أكملت:
"في واحد... عايز ييجي يقابل بابا."

رفعت عينيها إليه وأضافت:
"كنت هتكلم مع بابا... بس بعد ما اتخانق مع ماما، نفسي اتسدت."

استدار إليها لؤي بسرعة، واتسعت عيناه بدهشة حقيقية.
"نعم؟!"

ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال باستجواب:
"ومين ده بقى إن شاء الله؟ وأنا معرفوش ليه؟ وإنتِ تعرفيه من إمتى أصلًا؟"

ابتسمت تقي بخجل، ثم رفعت بصرها إلى السماء، وكأنها تستعيد ذكرياتها معه، وقالت بشرودٍ خفيف:
"واحد... غريب الأطوار كده."

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها دون أن تشعر: 
"ظهر فجأة في حياتي... وكل مرة بشوفه، بحس إن في حاجة جوايا بتتغير ناحيته."

ضحكت بخفة وهي تهز رأسها: 
"رغم إنه مستفز جدًا... وببقى عايزة أخنقه."

رمقها لؤي بنظرة لم تعجبه تلك الابتسامة.. ثم أمسك بطرف ملابسها يجذبها نحوه قليلًا، وقال بضيقٍ واضح:
"نعم يا ختي؟! مين الواد ده يا بت؟"

أبعدت يده عنها بسرعة، وهي تنظر إليه بغيظ: 
"أوعى يا عم كده... بهدلت هدومي."

ثم تابعت وهي تبتسم:
"وبعدين أنا أصلًا لسه معرفوش كويس... إحنا متقابلناش غير مرتين تلاتة."

تنهدت وأضافت:
"طلب يقابل بابا... ونتخطب الأول، ونتعرف على بعض بشكل رسمي."

ثم هزت كتفيها ببساطة: 
"لو ارتحنا لبعض نتجوز... ولو ملقيناش توافق، كل واحد يشوف حياته."

ظل لؤي ينظر إليها للحظات، ثم رفع طرف شفته ساخرًا وقال:
"واسمه إيه بقى ان شاء الله؟"

اتسعت ابتسامتها وقالت بحماس:
"اسمه... مهران."

توقفت لحظة، ثم أكملت بفخر وكأنها تقدم شخصية مهمة:
"مهران العزيز."

اعتدل لؤي في جلسته، ثم قال وهو يحدق بها:
"ومنين بقى سي مهران ده؟"

حمحمت تقي في حرج، ثم قالت بصوتٍ منخفض:
"إيطاليا."

شهق لؤي، ونهض واقفًا في لحظة، حتى كادت المثلجات تسقط من يده: 
"نعم يا ختي؟! من إيطاليا؟!"

أومأت برأسها، ثم بدأت تحكي له كل ما تعرفه عنه.. منذ أول لقاء بينهما...حين هزمها في السباق.. ثم اللقاء الثاني.. وآخر مرة رأته فيها.

كانت تتحدث بحماس، بينما كان لؤي يستمع إليها في صمت، وكلما أكملت جزءًا من الحكاية، ازدادت ملامحه عبوسًا.

وبعد أن انتهت...ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال بجدية:
"أنا مش مرتاح للواد ده."

أومأت تقي موافقة، وقالت:
"وأنا زيك."

ثم تنهدت: 
"بس قولت أديه فرصة... وأشوف آخرته إيه."

ظل صامتًا قليلًا، ثم قال بحزم:
"المرة الجاية لما تقابليه... هكون معاكي."

ثم أضاف وهو ينظر إليها بجدية الأخ الأكبر:
"عشان أنا مش مطمن له."

ابتسمت تقي ابتسامة دافئة، وهزت رأسها موافقة.. عاد الصمت بينهما مرة أخرى.

ظل لؤي ينظر إلى السماء لثوانٍ، قبل أن يقول وكأنه تذكر أمرًا فجأة:
"هو الواد معتز فين؟ غايب بقاله فترة... مشفتوش."

ثم عقد حاجبيه: 
"ولا هو بيرجع البيت وأنا مش باخد بالي؟"

رفعت تقي كتفيها في حيرة، وقالت:
"مش عارفة."

ثم أضافت وهي تفكر:
"بس الغريب... إنه كل مرة كان بييجي مع بابا، كان يفضل يزن عليه عشان يرجع البلد، ومبيكملش يومين هنا."

هزت رأسها باستغراب: 
"إنما المرة دي... مختفي، ومش بيزن عشان يرجع زي كل مرة."

أومأ لؤي موافقًا، وقال بشرود:
"حتى بابا..."

توقف لحظة، ثم أكمل:
"كان مقرر يرجع البلد... لكن فجأة غير رأيه."

تنهد وهو يهز رأسه: 
"مش عارف ليه."

تنهدت تقي هي الأخرى، ونظرت إلى المنزل ثم قالت بصوتٍ خافت:
"البيت ده... بقى غريب أوي."

                    ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت مرام مستلقية على الأرض، وجسدها الهزيل بالكاد يقوى على الحركة.. بدت وكأن الحياة تنسحب منها تدريجياً. 

شحب وجهها حتى أصبح شبيهًا بورقةٍ جافة فقدت لونها، وغارت عيناها داخل محجريهما، بينما تشققت شفتاها من شدة العطش والإرهاق.

كانت تضم بطنها بكلتا يديها، تعتصرها بين ذراعيها المرتجفتين، وكأنها تحاول تخفيف ذلك الألم الذي يمزق أحشاءها بلا رحمة.

أما جسدها...فقد أنهكه النزيف المستمر، حتى فقد معظم قوته، وصارت أنفاسها ضعيفة ومتقطعة، بالكاد تُسمع.

انفتح باب الغرفة بصريرٍ حاد، ودخل أحد رجال عصام.. ضغط على مفتاح الكهرباء، فغمر الضوء المكان.

لكن مرام...لم تتحرك.. لم ترفع رأسها.. بل لم تحاول حتى أن تنظر إليه.. لم يعد بداخلها ما يكفي من القوة لفعل ذلك.

اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، ثم انحنى بجوارها، وأخرج حقنة من جيبه.

أمسك بذراعها الهزيل، وغرس الإبرة في جلدها ببرودٍ تام، وحقنها بنفس المادة التي اعتاد إعطاءها لها في الأيام السابقة.

لم تُبدِ أي مقاومة.. حتى الألم...لم تعد تملك القدرة على التعبير عنه.

ظل يراقبها للحظات، يتأكد من انتهاء الحقنة، ثم وقف في مكانه.

في تلك اللحظة...دخل عصام إلى الغرفة.. كانت خطواته هادئة، وملامحه خالية تمامًا من أي تعبير وقعت عيناه عليها، ثم قال ببرود:
"لسه عايشة؟"

ابتسم الرجل بسخرية، وألقى نظرة سريعة على مرام قبل أن يجيبه:
"مظنش هتفضل كتير."

هز رأسه باستخفاف، ثم أضاف:
"دي بالكتير... آخرها النهارده... يا بكرة."

ظل عصام ينظر إليها للحظات طويلة دون أن تهتز له ملامح.. وفجأة...اهتز هاتفه داخل جيبه.. أخرجه ببطء، ونظر إلى الشاشة.

رقم مجهول.. رفع عينيه نحو الرجل، وأشار إليه بإيماءة مقتضبة: 
"اطفي النور... واقفل الباب عليها كويس."

أومأ الرجل بطاعة، وأطفأ الضوء، فعادت الغرفة تغرق في ظلامها من جديد، ثم أغلق الباب بإحكام.

في الخارج...رفع عصام الهاتف إلى أذنه.. لكن قبل أن ينطق بحرف...جاءه صوت معتز من الطرف الآخر، حادًا، غاضبًا :
"إنت لو فاكر إنك خلصت مني... تبقى غلطان."

صمت لحظة، ثم أكمل بصوتٍ يفيض بالوعيد:
"وهفضل وراك... لحد ما ألاقيها."

تجمد عصام في مكانه.. واتسعت عيناه بصدمةٍ حقيقية.. أنزل الهاتف قليلًا، وحدق في الشاشة بعدم تصديق.

كيف...؟
كيف لا يزال حيًا؟
لقد كان متأكدًا أن إصابته كفيلة بقتله.

ابتلع ريقه بصعوبة، ثم أعاد الهاتف إلى أذنه، دون أن ينطق.. واصل معتز حديثه، وكانت نبرته أشد قسوة من ذي قبل:
"أختك... الست نسرين... معايا."

توقفت أنفاس عصام للحظة.. ثم أردف معتز، وهو يشدد على كل كلمة:
"ترجعلي مرام..."

صمت ثانية، قبل أن يقول بفحيحٍ مخيف:
"أرجعلك أختك."

ثم أضاف بلهجةٍ لا تعرف التردد:
"إنما لو مرجعتش مرام..."

اشتدت نبرة صوته حتى أصبحت أشبه بالحكم الأخير:
"يبقى اقرأ على روح أختك الفاتحة."

وفي اللحظة نفسها...اخترق أذني عصام صوت نسرين.

كانت تصرخ باكية، وصوتها يرتجف من الخوف والألم، تستغيث وتبكي في انهيار، حتى بدا صوتها كافيًا ليؤكد أنها بالفعل بين أيديهم.

انقبض فك عصام بعنف، واتسعت عيناه أكثر.. كاد يتحدث...
لكن...انقطع الاتصال.

ظل الهاتف ملتصقًا بأذنه لعدة ثوانٍ، يستمع إلى الصمت.. ثم أنزله ببطء.. كانت الصدمة مرسومة بوضوح على وجهه لأول مرة.

لم يعد قادرًا على استيعاب ما حدث.. ولا كيف انقلبت الأمور بهذه السرعة.

ظل واقفًا في مكانه، محدقًا في الهاتف بذهول، بينما بدأت أفكاره تتصادم داخل رأسه بعنف، رافضة تصديق أن معتز... ما زال حيًا.

                ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
وقف الرجل على بُعدٍ منهما، يراقب المشهد بصمت، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ شيطانية منتصرة، وكانت عيناه تلمعان بشماتةٍ باردة، وكأنه يستمتع بكل لحظةٍ من عذابها.

في المقابل...كان نور ينظر إلى خديجة.. كانت نظراته باهتة، تكاد الحياة تنطفئ منهما، بينما صدره يعلو ويهبط بصعوبةٍ بالغة، وكل نفسٍ يلتقطه كان يبدو وكأنه معركةٌ يخوضها ضد الموت.

سمعت خديجة صوت أنفاسه المتقطعة، فوضعت يدها على فمها، تحاول كتم شهقاتها، لكن دموعها انهمرت بغزارة، حتى أصبحت رؤيتها مشوشة.

كان قلبها يتمزق وهي تنظر إليه.. عاجزة.... لا تملك شيئًا تنقذه به.. لا مستشفى...لا هاتف...لا سيارة...ولا حتى إنسان يمر ليقدم لهما المساعدة.

كل الأبواب أُغلقت في وجههما.. وهي لا تستطيع سوى مشاهدته وهو يتألم أمام عينيها.

حاول نور أن يسحب نفسًا آخر...لكن صدره انقبض بعنف.

ارتعش جسده ارتعاشةً خفيفة، وارتسم الألم بوضوح على ملامحه الشاحبة.

تحركت شفتاه بصعوبة، وكأنه يحاول أن يقول شيئًا...لكن صوته اختنق داخل صدره، ولم يخرج منه سوى زفيرٍ ضعيفٍ متقطع.

ثم...ارتخت عضلات جسده تدريجيًا.. واستسلم رأسه بين ذراعيها.. وأغلقت عيناه ببطء.

حدقت خديجة فيه لثوانٍ، وكأن عقلها يرفض استيعاب ما رأته.

اتسعت عيناها، وهزت رأسها بعنف وهي تتمتم بصوتٍ مرتجف:
"لا... لا..."

ثم أمسكت وجهه بكلتا يديها، تهزه في يأس، بينما شهقاتها تمزق صدرها.. وصاحت بانهيار:
"افتح عينيك يا نور... بالله عليك افتح عينيك... متسبنيش... عشان خاطري... متسبنيش!"

لكن...لم يجبها.

كانت يده التي كانت قبل لحظات تحاول التشبث بها، ترتخي ببطء.. وانفلتت أصابعه من بين أصابعها، وسقطت بلا حراك.

شعرت خديجة وكأن روحها هي الأخرى قد انسحبت من جسدها.

شهقت شهقةً مؤلمة، ثم رفعت رأسها نحو السماء، وقد اختلطت دموعها بصراخها، وهتفت بكل ما بقي في قلبها من وجع:
"لا يا رب... لااااا!"

ثم انطلقت من أعماقها صرخةٌ ممزقة، دوّت في المكان كله، صرخة إنسانٍ فقد آخر ما يملك:
"آآآآآآآآه!"

كانت صرخةً تحمل كل الألم...كل العجز...وكل الانكسار.

أما الرجل الذي كان يراقب المشهد من بعيد...فلم تهتز له شعرة.

بل اتسعت ابتسامته أكثر، وأخرج هاتفه بهدوء، ثم رفعه إلى أذنه.. وحين جاءه الرد، قال بصوتٍ هادئ، امتزج فيه الانتصار بالشماتة:

"Il est mort."
"لقد مات."

تعليقات



<>