
الحلقه الثالثه:
عرش الظلام:
♕♕♕♕♕♕♕♕
أما آرثر.. فقد شعر بصدمة زلزلت كيانه. اللعنة التي كانت تحرق يده وتشعره بنيران تنهش عظامه، همدت تماماً. الوشم الأسود المتحرك تحت جلده توقف عن الحركة، وبدأ يتراجع ويتحول إلى لون رمادي هادئ. شعر بسلام داخلي عميق لم يذق مثله منذ طفولته، كأن روحه المعذبة وجدت أخيراً مرساها.
نظر آرثر إلى يدهما المتشابكتين، ثم رفع نظره ببطء نحو عينيها الأرجوانيتين المشعتين. كانت أنفاسه متلاحقة، ليس من الغضب، بل من الذهول.
"أنتِ.." تمتم بصوت مرتعش، وهو يشد على كفها برفق، دون قفاز، ودون لعنة. "أنتِ لم تموتي.. لم يحدث لكِ شيء".
سحبت سيلينا يدها منه ببطء وهي تتنفس بصعوبة، وتنظر إلى كفها وكأنها لا تصدق:
"ماذا.. ماذا فعلت بي؟ ما هذه الحرارة؟"
أممسك آرثر بمعصمها مجدداً بيده العارية، دون خوف هذه المرة، وجذبها نحو صدره بقوة حتى اصطدمت به. انحنى لمستواها، وكانت عيناه الرماديتان تلمعان ببريق وحشي من الفرح والتملك المطلق.
"الآن فهمت.." همس وعروق عنقه بارزة من شدة الانفعال. "أنتِ لستِ مجرد عازفة.. وأنتِ لستِ جارية قُدمت لي بالصدفة. أنتِ الترياق الذي انتظرته طوال حياتي.. أنتِ رفيقتي المقدرة، الوحيدة التي يمكنها لمس الوحش دون أن تموت".
تراجعت سيلينا برأسها إلى الخلف وهي تشعر بالخوف من نبرة التملك في صوته:
"أنا لست رفيقة لأحد! أنا أريد العودة إلى عائلتي، إلى وادي الصمت!"
احتدت ملامح آرثر، واختفت اللين من عينيه ليحل محلها قناع الملك القاسي مجدداً. ضغط على معصمها وقال بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش:
"وادي الصمت نسيكِ منذ اللحظة التي دخلتِ فيها قصري. من الآن فصاعداً، مكانكِ هنا.. بجانبي، على هذا العرش الملعون. وأي محاولة منكِ للهرب، سأجعل واديكِ بأكمله يدفع ثمنها رماداً!"
أفلتها بقسوة، وتركها تسقط على السرير الضخم في منتصف الغرفة، ثم التفت والتقط قفازه الأرضي، وخرج من الجناح مغلقاً الباب وراءه بقوة، تاركاً سيلينا في الظلام.. أسيرة لعالم لم تكن تعلم بوجوده قط.
بينما في الأسفل، في سراديب القصر المظلمة، كان الوزير توماس يقف أمام زنزانة أحد العازفين القدامى، ويوجه سيفه نحو عنقه وهو يسأله بنبرة حاقدة:
"تكلم أيها العجوز.. تلك الفتاة ذات العيون الأرجوانية، هل هي من بقايا سلالة 'النور المفقودة' التي أمرنا بإبادتها قبل عشرين عاماً؟"
مرت ساعات الليل على سيلينا كأنها دهر كامل. كانت تقبع فوق ذلك السرير الضخم، تضُم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها الأرجوانيتان معلقتان بالباب الخشبي، تترقب عودة "ملك الرماد" في أي لحظة. الحرارة الغريبة التي سرت في جسدها بعد لمسته لم تنطفئ بعد؛ كانت تنبض تحت جلدها كأنها توقظ شيئاً كان نائماً في أعماقها منذ ولادتها.
مع اقتراب الفجر، انبعث صوت حركة خافتة من خلف الستائر المخملية السوداء التي تغطي الجدار الجانبي للغرفة، وليس من الباب الرئيسي.
انتفضت سيلينا واقفة، والتقطت خنجراً صغيراً للزينة كان موضوعاً فوق الطاولة. "من هناك؟" هتفت بنبرة ترتجف لكنها محملة بالتحدي.
تحركت الستارة ببطء، وخرج من خلفها فتى صغير السن، يرتدي ملابس خدم القصر، وكانت علامات الرعب تكسو وجهه الشاحب. أشار إليها بيده كي تصمت همساً: "اششش.. أرجوكِ يا سيدتي، لا تصرخي! أنا لست هنا لإيذائكِ.. أنا هنا لإنقاذكِ".
أخفضت سيلينا الخنجر قليلاً لكن نظراتها ظلت مرتابة: "من أنت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟ الملك أغلق الباب بالمفتاح!"
اقترب الفتى بخطوات سريعة وقال بصوت يرتجف: "أنا إدوار، أحد خدم السرداب السفلي. هناك ممرات سرية نتحرك عبرها لخدمة الأجنحة الملكية لا يعلمها سوى قلة. يا سيدتي، عليكِ الهروب الآن! الوزير توماس يخطط لقتلكِ الليلة.. لقد علم من تكونين!"
اتسعت عينا سيلينا بصدمة: "يعلم من أكون؟ أنا مجرد عازفة عمياء..!"
"أنتِ لستِ عازفة!" قاطعها إدوار وهو يلتفت خلفه برعب. "الوزير يعذب رفاقكِ في القبو الآن. لقد اعترف العجوز قبل أن يموت.. أنتِ الفتاة الوحيدة الناجية من مجزرة 'سلالة النور' قبل عشرين عاماً! عيناكِ الأرجوانيتان هما الدليل. الوزير هو من أباد عائلتكِ في الماضي لكي لا يظهر ترياق يلغي لعنة الملك، فهو يريد بقاء الملك ملعوناً وضعيفاً ليتحكم بالعرش!"
شعرت سيلينا وكأن الأرض تدور بها. ذكريات طفولتها الضبابية، نيران الحرائق، صراخ والدتها، ووصية جدتها بأن تخفي عينيها دائماً بالرباط الحريري.. كل شيء بات واضحاً الآن كالشمس. لم تكن تحمي نفسها من الضوء، بل كانت تحمي نفسها من الموت!
"امشي معي بسرعة قبل أن يصل حراس الوزير"، قال إدوار وهو يسحبها نحو الممر السري خلف الستارة.
لم تجد سيلينا خياراً آخر. دلفا معاً إلى داخل ممر ضيق ومظلم، تفوح منه رائحة الرطوبة والعفن. كانت تمشي خلف الفتى وهي تتلمس الجدران الصخرية الباردة، وقلبها يدق بعنف. لكن غريزتها وبصيرتها الروحية بدأتا تعطيانها إشارات غريبة.. هالتها الأرجوانية كانت تضطرب بشدة، كأن هناك خطراً يقترب، ليس من الخلف، بل من الأمام!
فجأة، توقف إدوار عن المشي في نهاية الممر حيث توجد قاعة دائرية صغيرة تحت الأرض.
التفت الفتى إليها، لكن ملامح الخوف على وجهه اختفت تماماً، وحلت محلها ابتسامة خبيثة ومظلمة. "اعتذري مني يا ليدي سيلينا.. لكن الوزير دفع لي مكافأة تكفيني طوال حياتي مقابل إحضاركِ إلى هنا".
قبل أن تنطق سيلينا بكلمة، خرج من خلف الأعمدة المظلمة أربعة جنود ضخام الأجسام، يرتدون دروعاً سوداء لا تحمل شعار الملك، وفي مقدمتهم كان يقف الوزير توماس بملامحه الحادة وعينيه الباردتين كالأفاعي.
"أهلاً بكِ يا بقايا النور المفقود"، قال توماس وهو يسحب سيفه ببطء، ويصدر صوتاً معدنياً مرعباً. "لقد بحثت عنكِ لعشرين عاماً، وظننت أنني طهرت الأرض من سلالتكِ المقيتة. لم أكن أعلم أن حاكم وادي الصمت كان يخبئكِ طوال هذا الوقت".
تراجعت سيلينا خطوة إلى الوراء، لكن الجدار صصدها. "لماذا تفعل هذا؟ أنا لم أؤذِ أحداً!"
"وجودكِ في حد ذاته أيتها الفتاة هو أكبر أذى لمخططاتي"، قال الوزير بنبرة حاقدة وهو يتقدم نحوها. "الملك آرثر يجب أن يبقى وحشاً يحرق كل من يلمسه، يجب أن يبقى معزولاً ومكروهاً من الشعب حتى يأكله جنون الكيان المظلم ويموت، لأرث أنا العرش! لمستكِ الشافية له ستدمر كل ما بنيته في سنوات. لذلك.. موتكِ هنا، في هذا السرداب المهجور، لن يعلم به أحد.. وسأخبر الملك أنكِ هربتِ وسقطتِ من الجرف بالخارج".
رفع الوزير سيفه عالياً، ووجهه نحو صدر سيلينا. في تلك اللحظة من الرعب المطلق، لم تجد سيلينا ما تدافع به عن نفسها سوى صرخة نابعة من أعماق روحها. أغلقت عينيها بقوة، وفجأة، اندفعت من جسدها طاقة أرجوانية مشعة، ضوء باهر وقوي تسبب في تعمية مؤقتة للجنود والوزير، الذين تراجعوا للخلف وهم يغطون وجوههم بصرخات ألم.
"اقتلوها! لا تدعوها تفلت!" صرخ توماس بغضب أعمى.
تقدم أحد الجنود وهو يلوح بسيفه نحو عنقها وعيناه شبه مغلقتين. لكن قبل أن يلمس السيف جسد سيلينا.. حدث ما زلزل أركان السرداب بأكمله.
دوى صوت انفجار هائل، وتحطم الجدار الجانبي للممر الصخري إلى قطع صغيرة متطايرة. ومن بين الغبار الكثيف والنيران المتصاعدة، ظهر جسد ضخم مرعب.. كان الملك آرثر!
لم يكن آرثر في حالته الطبيعية؛ كان الكيان المظلم قد تلبسه بالكامل بسبب شعوره بخطر يهدد رفيقته. كانت عيناه تشتعلان بلون أحمر دموي، والدخان الأسود الكثيف يتصاعد من جسده كالعاصفة، ويده اليمنى العارية كانت تشع بوشم اللعنة الأسود الذي يتحرك كأنه كائن حي متعطش للدماء.
"تومااااس!" زأر آرثر بصوت رعدي هز جدران القصر، صوت لم يكن بشرياً على الإطلاق.
تراجع الوزير للخلف برعب حقيقي، وسقط السيف من يده. "جـ.. جلالتك! هذا ليس كما تبدو عليه الأمور.. الفتاة كانت تحاول الهرب وأنا..!"
لم يمنحه آرثر فرصة لإكمال كذبه. في لمح البصر، اندفع الملك نحو الجنود بسرعة البرق. امتدت يده الملعونة العارية وقبضت على عنق الجند الأول؛ وفي غضون ثوانٍ معدودة، تحول جلد الجندي إلى اللون الأسود المتفحم، وصرخ صرخة مكتومة قبل أن يسقط جثة هامدة بلا روح.
التفت آرثر نحو الجنديين الآخرين، وبضربة واحدة من سيفه الضخم قطع رأسيهما، بينما فر الفتى إدوار هارباً في دهاليز المظلمة.
التفت الملك آرثر نحو الوزير توماس، الذي كان يزحف على الأرض رعباً وهو يتوسل: "أرجوك يا جلالة الملك.. العفو.. أنا خدمتك لسنوات..!"
اقترب آرثر منه وعيناه الحمراوان تفيضان بالموت. "لقد تجرأت على لمس ما هو لي"، قال آرثر بصوت منخفض ومرعب. امتدت يده الملعونة لتقبض على وجه الوزير، وبدأت اللعنة تلتهم جسد توماس ببطء وتعذيب، ليموت ساقطاً في رماد أفعاله.
بعد أن انتهت المعركة وساد الصمت المطبق، التفت آرثر ببطء نحو سيلينا. كان لا يزال تحت تأثير طاقة الكيان المظلم، يتنفس بصعوبة، والهالة السوداء تحيط به كأنه شيطان خارج من الجحيم. بدأ يتقدم نحوها بخطوات ثقيلة، وعيناه الحمراوان مثبتتان عليها، ولم تكن واضحة إن كان سيحميها أم أن جنون الكيان سيجعله يؤذيها.
خافت سيلينا وتراجعت، لكنه حاصرها بين جسده والجدار البارد. رفع يده العارية الملطخة بالدماء واللعنة نحو وجهها.
"هل ستقتلني أنا أيضاً؟" سألته سيلينا بنبرة باكية، وهي تنظر مباشرة في عينيه الحمراوين بعينيها الأرجوانيتين المشعتين.
لم يتكلم آرثر، بل وضعت كفه العارية على وجنتها. وبمجرد اللمس.. حدث السحر مجدداً.
تراجعت النيران الحمراء من عيني الملك لتعود إلى لونهما الرمادي العاصف، واختفى الدخان الأسود وهدأت أنفاسه فوراً. سقطت كل أسلحته النفسية أمام لمستها، ومال برأسه المتعب ليضعه على كتفها النحيل، هامساً بصوت مجهد ومليء بالتملك:
"لقد كادوا يأخذونكِ مني.. ومن يلمس أشيائي، أحرق سلالته حتى الرماد. أنتِ ملكي يا سيلينا.. ونوركِ هذا لن يغادر ظلامي أبداً".