رواية رساله لم ترسل الفصل الخامس5الاخير بقلم يارا علاء الدين

رواية رساله لم ترسل الفصل الخامس5الاخير بقلم يارا علاء الدين
                (الحقيقة)

مر أسبوعان, أسبوعان من الأسئلة, أسبوعان من الشك, أسبوعان لم يعد فيهما البيت كما كان.

كانت جميلة تجلس في غرفة الجلوس تحدق في صورة محمود المعلقة على الحائط وتبكي في صمت, لم تصدق لماذا يطعنها زوجها وأقرب الناس إليها في شرفها بعد موته؟ هل تستحق منه ذلك؟
أما مريم فكانت تجلس بعيدًا عنها, تتجنبها طيلة الفترة السابقة, فهناك شيء ما انكسر بينهما.

بينما كريم كان يقضي معظم وقته خارج المنزل، يحاول الوصول إلى أي شيء يفسر ما يحدث.

وفي مساء هادئ...رن جرس الباب, نظر الثلاثة إلى بعضهم.
تجمدت ملامحهم فمنذ بدأت الرسائل أصبح صوت الجرس وحده كافيًا لإثارة الرعب.
نهض كريم مسرعًا, واتجه إلى الباب وفتحه.

لكن هذه المرة لم يكن الباب خاليًا, كان هناك رجل يقف أمامه, في منتصف الثلاثينيات, وجهه هادئ, لكن عينيه تحملان شيئًا قاسيًا.

قال الرجل:
بيت الأستاذ محمود الجندي؟
أيوة, مين حضرتك؟
نظر الرجل إلى الداخل, ثم قال:

أعتقد إن الوقت جه عشان تعرفوا الحقيقة, ثم دخل دون كلمة أخرى!

جلس الأربعة في غرفة الجلوس, لم يتكلم أحد.
كان سيف ينظر إلى صورة محمود المعلقة على الجدار, ثم ابتسم بسخرية وقال:
أول مرة أشوف صورته عن قرب.

قطبت مريم حاجبيها:

إنت تعرف بابا؟

أخرج سيف ظرفًا قديمًا من حقيبته, كان مهترئ الحواف, وكأنه انتقل بين أيد كثيرة, وضعه فوق الطاولة وقال:

أبوكم هو اللي عرفني.

نظروا إليه بدهشة, فأكمل:
قبل ما يموت بشهور كان بيدور عليا, ولما لقاني... اداني الرسالة دي.

رفعت جميلة رأسها:

رسالة؟

هز رأسه:

اعتراف, اعتراف بالجريمة اللي عملها.

شعرت مريم بأن قلبها بدأ يخفق بقوة, أما كريم فظل ينظر إليه دون أن يرمش.
تابع سيف:
قبل ما تسمعوا مني... اسمعوا منه هو.

أمسك بالجواب ثم بدأ يقرأ:
"إلى سيف عبد الرازق كامل...
إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فأنا على الأغلب لم أعد موجودًا.

وأظن أن من حقك أخيرًا أن تعرف الحقيقة, قبل اثنين وعشرين عامًا كنت عائدًا إلى القاهرة ليلًا بسيارتي, وفي الطريق الصحراوي رأيت حادثًا مروعًا!

سيارة تحولت إلى حطام, توقفت لأساعد المصابين, كنت أول شخص يصل إلى المكان, ورأيت السائق الذي تسبب في الحادث, كان شابًا في أوائل العشرينات, مذعورًا, لكنه لم يكن مصابًا بشدة.

عرفت اسمه لاحقًا, وعرفت أنه ابن رجل الأعمال المشهور منصور النشرتي, بعد أقل من ساعة وصل رجال والده, وقبل أن تبدأ التحقيقات كانوا قد رتبوا كل شيء, ووجدوا ضحية أخرى!

تجمدت ملامح الجميع, لكن سيف تابع:

في السيارة الأخرى كانت هناك ضحايا أخرى, من بينهم والدك, ووالدتك, رأيتهم بعيني, ورأيت من قتلهم, كنت الشاهد الوحيد.

شهقت جميلة بصوت مسموع, أما سيف فأكمل :

وعندما جاء وقت الاعتراف, كذبت, قلت إنني لم أر السائق بوضوح.

وخلال دقائق ضاع حقهم, أرجوا منك أن تسامحني, وستجد مع هذا الجواب كل المعلومات عن القاتل الحقيقي, أعرف أنه قد فات الأوان, لكن لاحيلة لي دون ذلك"

سادت لحظة صمت طويلة, ثم أخرج سيف ظرفًا آخر, أبيض اللون مغلقًا.
وقال:
ودي الرسالة التانية, الرسالة اللي طلب مني أوصلها ليكم بعد ما يموت.
لكن...
رفع كريم رأسه:

لكن إيه؟
نظر سيف إلى الجميع:

لكن أنا كان ليا رأي تاني!
اتسعت عينا مريم وسألته :

يعني ايه رأي تاني؟
تكلم بصوت حاد للمرة الأولى:
أنا عشت طول عمري متعذب بسبب قرار أخده أبوكم في دقيقة واحدة, عيلتي كلها راحت!
وأول ما عرفت الحقيقة...ما قدرتش أسامحه, وأظن ده حقي, ولا قدرت أسلمكم الرسالة ببساطة.

كنت عايزكم تعرفوه, عايزكم تشوفوا إن الإنسان اللي بتحبوه مش ملاك زي ما انتوا فاهمين, عايزكم تحسوا بجزء صغير من العذاب اللي عشته سنين!
ساد الصمت, ثم أكمل:
الرسايل اللي وصلت لكم...أنا اللي كتبتها.

شعرت جميلة بالصدمة, أما مريم فهتفت:

إيه؟ إنت اللي كتبتها مش بابا؟ وليه عملت كده؟
أما جميلة فلم تردد سوى بجملة واحدة:

يعني كلام النسب ده كذب صح؟

هز رأسه:

أيوة.. ثم ابتلع ريقه وأكمل:
كان لازم أزرع الشك جواكم, كان لازم تعيشوا جزء من اللي عيشته!

وقفت جميلة فجأة, كأن شيئًا انفجر داخلها:

أيوة؟!

ارتفع صوتها لأول مرة.

أيوة وخلاص؟!

تابعت وهي تشير إليه بيد مرتعشة:

إنت عارف أنا عشت الأسبوعين دول إزاي؟

عارف يعني إيه بنت تبص لأمها وكأنها غريبة عنها؟

عارف يعني إيه أشوف بنتي بتهرب مني كل ما عيني تيجي في عينها؟

عارف يعني إيه تطلب مني تحليل عشان تتأكد هي بنتي ولا لأ؟

انهمرت دموعها:

كنت كل يوم أبص لصورة محمود وأسأل نفسي...
هو شك فيا فعلًا؟ بعد العمر ده كله؟

خفض سيف عينيه
أما جميلة فأكملت:

كان من حقك تكره محمود, كان من حقك تغضب.
لكن مش من حقك تدمرنا إحنا.
ساد الصمت.

ولأول مرة اختفت الحدة من وجه سيف, وقال بصوت منخفض:

عندك حق.

أما مريم فاتجهت نحو أمها ببطء, ثم جلست بجوارها لأول مرة منذ أيام.
وأمسكت يدها بقوة وكأنها تعتذر دون كلمات.
عندها فقط بدأت جميلة تبكي.

ماهي إلا دقائق حتى دفع  سيف الظرف الأخير نحو كريم:
الظرف ده يخصكم!

فتح كريم الظرف بيد مرتجفة, وأخرج الرسالة, ثم بدأ يقرأ.
"إلى عائلتي...إذا وصلت إليكم هذه الرسالة، فهذا يعني أن سيف نفذ آخر طلب لي, 
أعرف أنكم ستغضبون مني, وأعرف أن صورتكم عني لن تبقى كما كانت, لكنني تعبت من الهرب."

ساد الصمت ثم أردف:

"قبل اثنين وعشرين عامًا كنت شاهدًا على حادث غيّر حياة عائلة بأكملها
انهمرت عيون جميلة على وجنتيها دون صوت, وأكمل كريم.

" رأيت كل شيء, لكنني..كذبت..
لم أفعل ذلك لأنني طمعت في شيء, بل لأنني كنت خائفًا, كانت أمكم حاملاً في مريم, وهددوني, ولأول مرة في حياتي اخترت الخوف !
توقفت أنفاس الجميع.

أما سيف فظل صامتًا, كأنه يسمع الاعتراف للمرة الأولى, ثم أردف كريم:

"لم أقتل أحدًا, لكنني تركت القاتل يمشي حرًا, وعشت عمري كله أدفع ثمن ذلك, سامحوني"
توقفت جميلة عن البكاء للحظة, لأن كريم توقف هو الآخر.

كان يحدق في سطر معين, شحب وجهه, ثم أكمل بصوت مرتجف.

"كريم...إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فأنت تعرف أنني لم أتحدث عن نفسي فقط."

رفع الجميع رؤوسهم, أما كريم فتجمد مكانه, وأكمل:

"أعرف الحقيقة التي أخفيتها أنت منذ سبع سنوات."
شعرت مريم بالصدمة, ونظرت إلى أخيها, أما جميلة فحدقت فيه.

"أعرف حادثة المعادي, أعرف أنك رأيت المخطئ, ورأيت المصابين, ثم اخترت الصمت, اخترته مثلي تمامًا"
رفع كريم رأسه ببطء, وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع.

قالت جميلة بصوت مرتعش:

حادثة إيه؟ الكلام ده صحيح؟ 
أغمض عينيه, ثم هز رأسه:

اه.

انفجرت مريم:

يعني ايه؟ يعني انت كان فيه حادثة وإنت كمان سكت ياكريم؟ إزاي تعمل كده؟
تنهد كريم, وشعر أن الحمل الذي أخفاه سبع سنوات يسقط أخيرًا, وقال:

كنت راكب جنبه, هو اللي كان سايق وهو اللي غلط مش أنا, أنا بس سكت, خوفت, زي ما بابا خاف.

سقطت دموعه:

وكل يوم كنت بقول لنفسي إن الموضوع انتهى... بس عمره ما انتهى.

ساد الصمت, ثم عاد إلى الرسالة:

"كنت أراك يا كريم, وأرى نفسي القديمة فيك, ولهذا لم أتكلم, كنت أنتظر أن تملك الشجاعة التي لم أملكها أنا."

ارتعش صوت كريم وهو يقرأ السطر الأخير.
"أرجو أن تكون أفضل مني, وتعترف قبل فوات الأوان"
انتهت الرسالة, ولم يتكلم أحد.
كانت الحقيقة أخيرًا هناك عارية, مؤلمة, لكن كاملة.
نهض سيف ببطء, واتجه نحو الباب, وقبل أن يخرج قال:
أنا ما جيتش عشان أنتقم منكم , أنا جيت عشان أوريكم الحقيقة, أنا هخرج من هنا وهودّي الجواب ده للنيابة عشان الحق يرجع لصحابه.
ثم خرج, وأغلق الباب خلفه.
نظر الثلاثة إلى صورة محمود, ولأول مرة...
لم يروا الرجل المثالي, ولا الرجل الشرير.

رأوا إنسانًا, خاف, فأخطأ, ودفع ثمن خطئه حتى آخر يوم في حياته.

وفي تلك الليلة...لم يعد هناك أي سر.

فقط الحقيقة, وأحيانًا..تكون الحقيقة أثقل من كل الأكاذيب.
                       تمت بحمد الله 

تعليقات



<>