
مرت أيام على معركة البورصة، والهدوء المريب ساد الساحة كأنه الهدوء الذي يسبق الإعصار. لكن تحت هذا السكون، كانت هناك مشاعر أخرى تشتبك وتتغير ببطء شديد، مشاعر لم يستطع أي منهما اعترافها حتى لنفسه.
في ليلة ممطرة، كانت يارا تجلس في مكتبها الخاص بالشركة، تُراجع بعض الأوراق الروتينية بإرهاق واضح. النور الخافت يضيء وجهها الشاحب، وعيناها اللتان طالما أطلقتا الشرار، باتتا تحملان تعباً أضناه الصمود الطويل.
فجأة، انفتح باب المكتب بهدوء. رفعت رأسها بسرعة لتجد فارساً يقف عند العتبة، بدون حراسته ولا بدله الرسمية المشدودة، كان يرتدي قميصاً أسود بسيطاً، ووجهه خالياً من تلك الابتسامة التهكمية التي طالما استفزتها.
قامت يارا من مكانها وسندت يديها على المكتب، وحاولت استدعاء نبرتها الصلبة:
"فارس بيه؟ افتكرت إننا اتفقنا إن اللقاء الجاي هيكون في الميدان.. مش في مكتبي وفي الوقت ده."
لم يرد فارس فوراً، مشى بخطوات هادئة وموزونة داخل الغرفة، وعيناه تتأملان وجهها المرهق بكثير من العناق والاهتمام الخفي. وقف أمام المكتب مباشرة، ونظر إلى الحلقات السوداء الخفيفة تحت عينيها وقال بصوت خفيض ودافئ، خالي تماماً من نبرة التحدي:
"الميدان مبيفصلش يا يارا.. بس المحاربين بيحتاجوا يستريحوا شوية."
ترددت أنفاس يارا، واستغربت هذه النبرة الجديدة تماماً عليه. ضيقت عينيها وقالت بشك:
"جاي لية يا فارس؟ جاي تطمن إن ضربتك الأخيرة عملت أثرها؟"
وضع فارس يده في جيب بنطاله، وابتسم ابتسامة هادئة أظهرت تجاعيد لطيفة حول عينيه لأول مرة، وقال بصوت انساب كالموسيقى في هدوء الأوضة:
"جاي عشان شفت النور المفتوح في مكتبك وأنا معدي من الشارع.. وجاي أقولك إنك كسبتي احترامي الكامل. أنا عشت عمري كله وسط رجال وأعمال، محدش قدر يقف قصادي بالطريقة دي ولا يخليني أسهر أفكر في الخطوة الجاية زي ما عملتي."
ساد الصمت الغرفة لثوانٍ، صمت مختلف هذه المرة.. لم يكن خانقاً، بل كان محصناً بدفء غريب. شعرت يارا بجدار كبريائها الخرساني يبدأ في التصدع قليلاً أمام هذه الصراحة المفاجئة.
رفعت عينيها لتلتقي بعينيه، وقالت بصوت هادئ ومتهدج:
"وأنا كمان يا فارس.. عمري ما شفت راجل بذكائك وقوتك. بس الحرب دي إحنا اللي اخترناها."
قرب فارس منها ببطء، وتجاوز المكتب ليقف بجانبها تماماً. المسافة بينهما هذه المرة لم تكن ساحة حرب، بل كانت مساحة تتولد فيها حرارة من نوع آخر. مد يده بخفة شديدة، ولأول مرة، لامست أطراف أصابعه الدافئة وجنتها برقة أذابت الثلج المتراكم بينهما.
لم تتراجع يارا، ولم تبتعد.. بل أغمضت عينيها لثانية واحدة تستشعر دفء لمسته التي أزاحت عن كاهلها تعب الأيام الماضية.
همس فارس وهو ينظر في عمق عينيها بشغف صادق وهادئ:
"الحرب دي بدأت بدوافع غلط يا يارا.. بدأت بغرور رجل وكبرياء امرأة. بس اللي بيني وبينك دلوقتي أكبر من الشركة، وأكبر من الأسهم.. أنا بقيت بشوف فيكي المكان الوحيد اللي بكون فيه على طبيعتي من غير أقنعة."
نظرت إليه يارا، وبدأت الابتسامة تترسم على شفتيها، ابتسامة حقيقية خالية من السم والتحدي، وقالت بصوت ناعم كالحرير:
"وده معناه إن فارس بيه بيسلم؟"
ضحك فارس ضحكة خفيفة ودافئة خرجت من أعماق قلبه، وقال وهو يمسك يدها بين يديه بقوة وحنان:
"الفارس مبيسلمش يا يارا.. الفارس بيكسب شريكته. اللعبة لسه مخلصتش، بس القواعد اتغيرت.. من النهاردة، إحنا مش أخصام.. إحنا اتنين بينوروا الضلمة لبعض."
تلاقت نظراتهما في تلك اللحظة الحرجة، واختلطت أنفاسهما ولكن هذه المرة بدفء حارق، يسقط معه كبرياء الحرب ليفسح المجال لنار من الحب الصادق بدأت تشتعل في أعمق نقطة بداخليهما، تاركة خلفها الأوراق والديون، ليصبحا معاً في مواجهة العالم بأسره!
تراجعت يارا خطوة لورا بخوف ظهر في عينيها لأول مرة، ونفضت إيدها من بين إيديه بحركة سريعة كأنها اتلسعت بالنار. رفعت رأسها وكبرياؤها المنيع بيرجع يتسلح من تاني، وقالت بصوت متهدج ومشهون بالشك والتحدي:
"أنت خسرت المعركة يا فارس بيه.. وقولت تكسبها بالحب! فاكر إن اللعبة دي ممكن تمشي عليا؟ فاكر إنك لما تخلع قناع القسوة وتلبس وش الحنين، هضعف وأسلم لك المفاتيح اللي عجزت تأخدها بالقوة؟"
اتجمعت الغيوم في عينين فارس، وبص لإيدها اللي انسحبت ببطء، بس المرة دي ما ظهرش على وشه غضب ولا تكشيرة غرور.. ظهر وجع خفي حاول يداريه ورا هدوءه. أخد نفس عميق وخطا خطوة للورا هو كمان عشان يديها مساحتها، وقال بنبرة دافية بس مليانة حسرة:
"لو كنت بفرك في الحب ككارت في اللعبة يا يارا، كنت لعبته من أول يوم. أنا مش محتاج أمثل عشان أخد شركة ولا أكسر منافس.. أنا اللي وقفت قدام بياض عينيكي وشفت الضعف والخوف اللي مخبياهم ورا ساتر الحديد ده."
ضايقت يارا عينيها والدموع اتجمعت فيهم ضد رغبتها، وقالت بصوت ناعم بيترعش من قوة المشاعر المتضاربة جواها:
"أنا مش ضعيفة يا فارس! ولا عمري هكون الضلع المكسور في معادلتك.. أنت جيت هنا بالليل عشان تهز ثباتي، عشان تخليني أتردد قبل الخطوة الجاية!"
قرب فارس منها ببطء شديد، حاطط إيديه في جيوبه، ووقف قصادها وعينيه بتتأمل وشها بكثير من الصدق والرجاء، وقال بصوت خفيض يلمس الروح:
— "التردد مش عيب يا يارا لما تكوني واقفة على حافة حاجة أكبر منا إحنا الاتنين. أنتِ خايفة مش مني.. أنتِ خايفة من إحساسك، خايفة لتكتشفي إن الشخص اللي بتحاربيه طول الوقت ده هو الوحيد اللي فاهمك بجد، والوحيد اللي يقدر يشيل معاكي الحمل ده من غير ما يطلب مقابل."
أطرق يارا رأسها للأرض لثواني، وأنفاسها المتسارعة كانت الصوت الوحيد اللي بيكسر سكون الأوضة والمطر بيخبط على شباك المكتب. كانت حاسة بزلزال جواها.. كبرياء سنين وحماية لإرث أبوها في كفة، والمشاعر الدفينة اللي صحيت في قلبها في كفة تانية.
رفعت عينيها وبصت له بثبات جديد، هادي وخالي من السم:
"لو كلامك صح يا فارس.. ولو المشاعر دي حقيقية ومش جولة جديدة في الحرب.. أثبت لي."
التمع الشغف في عينين فارس، وقال بحدة وجدية:
"أطلبيني بأي حاجة يا يارا.. وأنا قدامك."
ابتسمت يارا ابتسامة صغيرة مليانة وجع وكبرياء، وقالت وهي بتشاور على الباب:
"انسحب من قضية الحراسة القضائية بكره الصبح.. أرفع إيدك عن مديونيات الشركة، وسيب الميدان مفتوح للصحافة والجمهور يتفرجوا. لو بتدور على يارا الشريكة ومش المنافسة.. سيبني أقف على رجلي بجد، من غير ما تكون دي محاولة منك لإنقاذي أو امتلاكي."
ساد الصمت الأوضة لثواني طويلة، صمت تقيل بيختبر صدق كل كلمة اتقالت في الليلة دي. بص لها فارس بعمق، وكأنه بيوزن الدنيا كلها في كفة والست اللي واقفة قدامه في كفة تانية.
أخيراً، هز رأسه ببطء، وابتسم ابتسامة دافية مليانة حنان وقال:
"بكره الساعة تسعة الصبح.. المحامي بتاعي هيتنازل عن كل الإجراءات الضاغطة، وهسيبلك الساحة كاملة يا يارا. مش ضعف مني.. ولا اعتراف بهزيمة، بس عشان تعرفي إن القفص اللي كنتِ خايفة منه، أنا اللي هكسر أقفاله بإيديا."
مشى ناحية الباب بخطوات هادية، وقبل ما يفتح الباب، لفت وشه وقال بصوت وصل لقلبها مباشرة:
"بس افتكري يا يارا.. لما الحرب تخلص وتهدأ الدوشة، هكون مستنيكي عند نفس النقطة.. مش كخصم، كراجل مش عاوز من الدنيا دي غير إنك تصدقية."
فتح الباب وخرج في ضلمة الممر، وساب يارا واقفة في نص المكتب، المطر بره بيغسل زجاج الشباك، وهي بتلمس بأصابعها المكان اللي لمس فيه وجنتها.. حاسة لأول مرة من سنين إن الحرب الحقيقية مش مع فارس، دي جوة قلبها اللي بدأ يسلم لشعلة حب ما بترحمش!
ماذا سيفعل فارس ليثبت ليارا ان نيران الحب بدات
تجتاح قلبه وروحه