
مرّت ثلاثة أشهر على تلك الليلة العصيبة في جبال دهب. ثلاثة أشهر كانت كفيلة بأن تلتئم جراح جسد يوسف، وتتبدد معها آخر غيوم الماضي المظلم بعد أن أودع سليم الرشيدي خلف قضبان السجن ليواجه حكم الإعدام جزاءً لما اقترفته يداه بحق سارة وما حاول فعله بتاليا.
عادت الحياة لتدب في أركان منزل يوسف وتاليا بالقاهرة، لكنها لم تكن كالسابق؛ بل كانت حياةً يملؤها السكون والأمان الدافئ، كأنما خُلقت الطمأنينة لتستقر في قلوبهما أخيراً.
في صباح يوم جمعة مشمس، كانت تفوح من المطبخ رائحة القهوة مع خليط من المخبوزات الطازجة. كانت السيدة نادية تجلس في غرفة المعيشة، وقد استعادت صحتها ونضارة وجهها بفضل الرعاية والحب اللذين غمرتها بهما تاليا. لم تعد السيدة نادية مجرد ذكرى من الماضي، بل أصبحت بمثابة الأم الروحية لهذا البيت.
دخل يوسف إلى الغرفة حاملاً بيده باقة صغيرة من زهور الياسمين النضرة، واقترب من السيدة نادية وقبل رأسها بحنان قائلاً:
"صباح الخير يا أمي.. عاملة إيه النهارده؟"
ابتسمت السيدة نادية برضا وقالت:
"صباح النور يا حبيبي. أنا في نعمة وفضل.. طول ما أنا شايفاك مبسوط والضحكة رجعت لوشك، أنا بكون في أوج سعادتي. ربنا يخليلك تاليا يا ابني، هي السند والخير اللي دخل حياتنا."
في تلك اللحظة، خرجت تاليا من المطبخ ممسكة بوجبة الإفطار، وكانت ترتدي فستاناً أبيض فضفاضاً يبرز جمال وجهها العسلي. التقت عيناها بعيني يوسف، فابتسم لها بوجدانٍ يفيض عشقاً، واقترب منها ليأخذ من يدها الأطباق ويضعها على الطاولة، ثم قدم لها باقة الياسمين وهو يهمس بجانب أذنها:
"صباح الياسمين على أحلى حاجة حصلت في دنيتي."
استنشقت تاليا عبير الزهور بعمق، ونظرت إليه بعينين تلمعان ببريق خاص، واكتفت بابتسامة غامضة تحمل خلفها سراً كبيراً.
البشارة السعيدة.. نبض يحيي الآمال
بعد تناول الإفطار في جو عائلي دافئ، طلبت تاليا من يوسف أن يرافقها إلى غرفتهما للحظات. دخل يوسف وهو يشعر ببعض الفضول من نظراتها المرتبكة والمتحمسة في آن واحد.
أغلقت تاليا الباب، والتفتت إليه، ثم أخرجت من جيب فستانها علبة صغيرة مخملية وقدمتها له بيدين ترتجفان من فرط المشاعر.
"إيه ده يا تاليا؟" سأل يوسف بابتسامة وهو يفتح العلبة.
لم يجد في العلبة مجوهرات، بل وجد اختبار حمل منزلياً يظهر عليه خطان وامتياز واضح باللون الوردي، وبجانبه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط يدها الرقيق: "(بابا يوسف.. أنا جاي في الطريق عشان أكمل فرحتكم)".
تسمر يوسف في مكانه لثوانٍ بدت دهرًا. اتسعت عيناه بذهول، ونظر إلى الاختبار ثم إلى بطن تاليا، وكأنه يحاول استيعاب حجم الكرم الإلهي الذي يغمر قلبه الآن. شرد في فكرة أن رحماً جديداً يحمل قطعه منه ومن الإنسانة التي أحبها وأنقذت روحه.
"تاليا.. إنتي.. إنتي بتتكلمي جد؟" سألها وصوته يتهدج وعيناه تلتمعان بالدموع.
أومأت تاليا برأسها وهي تبكي فرحاً: "آه يا يوسف.. أنا حامل. هنبقى بابا وماما."
ولم تكد تنهي جملتها حتى جذبها يوسف إلى أحضانه بقوة جارفة، ورفعها عن الأرض وهو يدور بها في أرجاء الغرفة، ممتزجةً ضحكاته بدموعه التي انهمرت لأول مرة من شدة الفرح الساحق. أنزلها برفق وجثا على ركبتيه أمامها، ووضع رأسه على بطنها يقبله بخشوع وهمس:
"الحمد لله.. الحمد لله يا رب. كنت فاكر إن دنيتي اسودت، بس ربنا عوضني بيكي ودلوقتي بطفلنا.. أنا مش هسيبكم أبداً، هكون ليكم الأمان والسند طول عمري."
شروق شمس جديده
خرج الاثنان معاً متشابكي الأيدي ليزفا البشرى للسيدة نادية، التي استقبلت الخبر بالزغاريد والدموع، داعيةً لهما بالبركة والستر، وشاكرةً الله أن عينها رأت سعادة يوسف تكتمل قبل مماتها.
في المساء، وقف يوسف وتاليا في شرفة منزلهما، والنسيم العليل يداعب خصلات شعرها. أحاط يوسف خصرها بذراعيه ببطء وحذر، واضعاً يده فوق يدها المستقرة على بطنها.
نظرت تاليا إلى السماء الصافية وقالت براحة:
"القلوب طابت يا يوسف.. والماضي بقا مجرد درس علّمنا نقدر الحاضر."
التفت إليها يوسف، وطبع قبلة طويلة ورقيقة على شفتيها، قبلة حملت عهد الوفاء الأبدي، وهمس لها وعيناه تعكسان ضوء النجوم:
"إنتي الحاضر والمستقبل، وإنتي الربيع اللي مش هيخلص من حياتي.. بحبك يا ملكة قلبي، وبحب ياسمينتنا الصغيرة اللي بتكبر جواكي."
ومع خيوط الليل الهادئة، أغلقت الرواية أوراقها على مشهد عائلة صغيرة ولدت من رحم المعاناة، لتثبت أن الحب الحقيقي الصادق قادر على ترميم أعتى الانكسارات، وأن الفجر لا بد أن يشرق مهما طال ظلام الليل
تمت بحمد الله