رواية ثمن العروس الفصل التاسع عشر19 بقلم اماني السيد

رواية ثمن العروس بقلم اماني السيد 
رواية ثمن العروس الفصل التاسع عشر19 بقلم اماني السيد
ظل كريم جالسًا في مكتبه بعد خروج ليلى، وعيناه معلقتان بالباب الذي أغلقته خلفها.
مد يده إلى الملف الموجود أمامه، لكنه لم يفتحه.
كان ذهنه مشغولًا بكلامها.
هو يعرف ليلى جيدًا... ويعرف أنها عندما تضع شيئًا في رأسها، من الصعب أن تتراجع عنه.
لكن هذه المرة الأمر مختلف.
لأن غزل لم تكن بالنسبة إليها مجرد زميلة في مشروع.
كانت زوجة مختار. وهنا بدأت المشكلة.
تنهد كريم، وأسند ظهره إلى مقعده، ثم قال في نفسه:
"الشغل عمره ما بيبوظ من المنافسة... الشغل بيبوظ لما المنافسة تتحول لحسابات شخصية."
ظل صامتًا للحظات.
كان يعرف أن اختلاف الآراء داخل أي مشروع أمر طبيعي، بل ومطلوب أحيانًا.
لكن أن تدخل الغيرة، والماضي، والعلاقات الشخصية في القرارات المهنية...
فهنا يبدأ كل شيء في الانهيار.
فتح الملف أخيرًا، وقلب صفحاته ببطء.
كانت خطة غزل قوية فعلًا، وكذلك بعض اقتراحات ليلى.
وكان من الممكن أن يستفيد المشروع من وجود الاثنين معًا.
لكن إذا بدأت كل واحدة منهما تتعامل مع الأخرى باعتبارها خصمًا شخصيًا، فلن يعود أي قرار متعلقًا بالمشروع وحده.
رفع كريم عينيه عن الأوراق، وتمتم:
ـ لو كل واحدة فيهم فضلت عايزة تثبت إنها أحسن من التانية... المشروع نفسه هو اللي هيدفع التمن.
ثم تذكر نظرة ليلى وهي تتحدث عن غزل.
لم تكن نظرة منافسة.
كانت رغبة واضحة في التقليل منها.
هز رأسه بضيق.
ـ دي مش منافسة... دي تصفية حسابات.
أمسك هاتفه، وكاد يتصل بها ليطلب منها التراجع عن فكرتها، لكنه توقف.
كان يعلم أن منعها الآن لن يحل المشكلة.
بل ربما يجعلها تبحث عن طريقة أخرى.
لذلك قرر شيئًا آخر.
في الاجتماع القادم...
لن يسمح بأن يتحول الأمر إلى معركة شخصية أمام المستثمرين.
سيترك لكل واحدة منهما مساحة كاملة لتعرض رأيها، لكنه سيضع حدودًا واضحة.
فالمشروع أكبر من غزل وليلى.وأكبر من مختار.
وأكبر حتى منه شخصيًا.
ثم أغلق الملف وقال لنفسه بحزم:
ـ اللي يدخل الشغل بمشاعره... لازم يعرف إن أول حاجة هتضيع منه هي الشغل نفسه.
عاد إلى عمله، لكن شعورًا بالقلق ظل يرافقه.
كان يعرف أن الاجتماع القادم لن يكون عاديًا...
وأن عليه أن يكون أكثر حذرًا من أي وقت مضى.

ظلَّ كريم جالسًا في مكتبه، وقد استقر في داخله شعورٌ غامض بأن شيئًا ما يوشك على الانفجار.
رفع هاتفه، وبقي للحظات يقلب الأسماء أمامه، قبل أن يتوقف عند اسم مختار.
ضغط زر الاتصال.
رن الهاتف مرة... ثم ثانية... ثم انقطع الاتصال فجأة.
ظهرت أمامه العبارة التي جعلته يعقد حاجبيه:
الهاتف مغلق.
ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم أعاد المحاولة.
النتيجة نفسها.
ـ غريبة...
قالها وهو يضع الهاتف على المكتب، ثم رفعه من جديد وكأنه لم يقتنع.
اختار اسم غزل هذه المرة، وضغط الاتصال.
انتظر.
رن الهاتف لثوانٍ قليلة، ثم جاءه الرد ذاته.
الهاتف مغلق.
استند كريم إلى ظهر مقعده، ومرر يده على ذقنه في تفكير.
ـ الاتنين تليفوناتهم مقفولة؟
عاد بذاكرته إلى الأمس، فتذكر كيف غادرت غزل الشركة بصحبة مختار، 
ارتسمت على شفتيه ابتسامة عابرة.
لكن الابتسامة لم تدم طويلًا
سرعان ما عادت ملامحه إلى الجدية، حين تذكر حديث ليلى قبل قليل، وطريقتها الواضحة في الحديث عن غزل، ورغبتها الصريحة في التقليل منها أمام الجميع.
رفع كريم عينيه إلى الملفات المكدسة أمامه.
كان المشروع على أعتاب مرحلة مهمة، وأي صدام شخصي بين المرأتين قد يحوّل النجاح المتوقع إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها.
أمسك الهاتف مرة أخرى، وكتب رسالة إلى مختار، ثم توقف قبل أن يرسلها.
ماذا سيقول له؟
إن ليلى تخطط لإحراج غزل؟
وإنه لا يثق في أن الأمر سيبقى داخل حدود العمل؟
أغلق شاشة الهاتف دون أن يرسل شيئًا.
ـ هبعت لمختار رساله ولما يفتح الموبايل يبقى يشوفها 
ثم تنهد، وأعاد فتح ملف المشروع.
لم يكن يعلم أن غياب مختار وغزل عن الشركة لم يمنح ليلى وقتًا للتراجع...
بل منحها وقتًا أطول للاستعداد.
وفي مكان آخر، كان مختار وغزل يعيشان يومهما بعيدًا عن كل شيء...
بينما كانت في القاهرة مواجهة جديدة تُحاك بصمت، تنتظر فقط عودتهما حتى تبدأ.
جلس مختار على طرف المقعد الخشبي المطل على البحر، يراقب غزل وهي تقف أمامه، تترك للهواء الشديد الحرية كي يلعب بطرف فستانها وشعرها. كانت تبدو لأول مرة منذ أشهر طويلة متخففة من كل شيء؛ لا ملفات، ولا حسابات ليلى، ولا ضغوط الاجتماعات القادمة.
اقترب منها بخطوات هادئة حتى أصبح يقف خلفها تمامًا، ثم حاط خصرها بيديه بلطف، ودفن وجهه في انحناءة رقبتها ليستنشق عبيرها الشذي الممزوج برائحة اليود والنسيم.
ابتسمت غزل وهي تغمض عينيها، وأسندت رأسها للخلف على صدره، مشابكةً أصابعها بأصابعه:
ـ الموبايلات المقفولة دي أحسن قرار أخدناه النهاردة يا مختار.. بحس إننا لما بنقفلها، العالم كله بياخد استراحة وبيرحمنا.
همس مختار بجانب أذنها، وصوته يحمل دفئًا أذاب كل بقايا القلق في قلبها:
ـ العالم يروح وييجي زي ما هو عايز يا غزل.. المهم عندي إنك هنا، في حضني، بعيد عن كل الهيصة دي.
التفتت في حضنه لتبادله النظر، ورفعت يدها لتلمس وجنته بأطراف أصابعها، وكأنها تتأكد أن هذا الهدوء حقيقة وليس مجرد استراحة قصيرة قبل العاصفة. ابتسمت برقة وقالت:
ـ تفتكر لما نرجع القاهره، الهدوء ده هيفضل معانا؟
رفع مختار يدها إلى شفتيه وقبّل باطن كفها ببطء شديد، متأملًا عينيها بثبات قبل أن يجيبها بنبرة قاطعة:
ـ طول ما إنتي معايا، ومش شاغلة بالك غير بيا.. القاهره وكل اللي فيها مش هيقدروا يمسوا شعرة منك. أنا معاكي يا غزل، ومش هسمح لأي حاجة أو أي حد يسرق مننا اللحظة دي.
اتسعت ابتسامتها، وجذبت يده لتضعها على قلبها الذي كان يدق بتسارع واضح:
ـ حاسة إن الشغل والمنافسة وكل الحسابات بقت صغيرة أوي لما بقيت جنبك كده.
شدّها مختار إليه أكثر، ليتلاشى أي فارق بينهما، ثم طبع قبلة حانية على جبهتها طال أثرها، قبل أن يهمس وهو يتأمل وجهها تحت أشعة الشمس الغاربة:
ـ الشغل بيتعوض يا حبيبتي.. لكن الأيام دي مش بتتعوض. سيبك من كريم، ومن ليلى، ومن أي حد بيحاول يتعفرت في القاهرة.. النهاردة إنتي واخدة وقتي وقلبي، ومفيش قوة على الأرض هتعرف تطلعنا من اللحظة دي.
ضحكت غزل بصفاء من قلبها، واستكانت تمامًا بين يديه، تاركةً رأسها يستريح على صدره، فيما كان صخب البحر من حولهما هو الصوت الوحيد الذي يغطي على كل ما ينتظرهما في الغد.
مرَّ اليومان سريعًا، وكأن الوقت قرر أن يمنحهما هدنة قصيرة من كل ما أثقل علاقتهما.
وفي صباح اليوم الثالث، كانت سيارة مختار تشق طريق العودة إلى القاهرة.
جلست غزل إلى جواره، وقد بدت عليها ملامح هادئة لم تكن تفارقها منذ أن غادرا الساحل. لم يتحدثا كثيرًا في الطريق، لكن الصمت بينهما لم يعد يحمل ذلك التوتر القديم.
جلست غزل إلى جواره، وقد بدت عليها ملامح هادئة لم تكن تفارقها منذ أن غادرا الساحل. لم يتحدثا كثيرًا في الطريق، لكن الصمت بينهما لم يعد يحمل ذلك التوتر القديم، بل كان صمتًا مشبعًا بالسكينة والرضا، كأنهما في فقاعةٍ خاصة بهما، يعزلان أنفسهم عن صخب العالم.
كانت الطريق السريع يمتد أمامهما، وأضواء السيارات المارة بجوارهما تومض خاطفة، لكن اهتمام مختار كان منصبًا كليًا على ما بداخل السيارة. لم تمر دقائق إلا ومد يده اليمنى بهدوء، باحثًا عن كف غزل بين المقعدين. حين التقت أصابعه بأصابعها، تنهد بعمق، ثم جذب يدها بلطف ليرفعها إلى شفتيه ويطبع عليها قبلة دافئة وطويلة، وكأنه يختم بها عهدًا جديدًا.
التفتت غزل إليه، وابتسامة خجولة ترتسم على وجهها، ليرد عليها بابتسامة أخرى ملؤها العشق، ثم همس بصوتٍ رخيم:
ـ عارفة؟ أنا بقالي سنين بمشي الطريق ده، بس عمري ما حسيته قصير كده.. كأن الوقت بيجري عشان ميبعدنيش عنك ثانية واحدة.
لم تجبه بكلمات، بل ضغطت على يده بحنان، مكتفيةً بالنظر إلى ملامح وجهه التي بدت أكثر ارتياحًا مما كانت عليه في أي وقت مضى. استمر هو في القيادة بيد واحدة، بينما احتفظ بيده الأخرى متمسكة بيدها، يداعب أصابعها بإبهامه بحركات دائرية هادئة.
وبعد قليل، توقفت السيارة عند إشارة مرور، فاستغل الفرصة؛ التفت إليها تمامًا، وأمسك كفها بكلتا يديه، وقبل باطن كفها مرة أخرى، ثم قبل أصابعها واحدة تلو الأخرى، وهو لا يرفع عينيه عن عينيها:
ـ أنا مش خايف من اللي مستنينا في القاهرة.. عارف ليه؟ لأن وجودك جنبي بيخلي كل المشاكل تبان تافهة.. إنتي النور اللي بيطمن قلبي يا غزل، ومستعد أواجه أي حد طول ما إيدي في إيدك.
ضحكت غزل بخفة، وشعرت بحرارة كلماته تتغلغل في أعماقها، وقالت بصوتٍ متهدج:
ـ خايفة اللحظة دي تخلص يا مختار.. خايفة نرجع للواقع وتفاصيل الشغل اللي بتسرقنا من بعض.
قرب يدها التي يمسكها إلى صدره، ووضعها فوق قلبه الذي كان ينبض بانتظام، وقال بحزم رومانسي:
ـ الواقع مش إحنا.. الواقع هو اللي بنبني إحنا الاتنين. طول ما إيدك في إيدي، مفيش قوة في الدنيا تقدر تسرقنا من بعض.
ثم عاد للقيادة، ومع كل كيلومتر يقطعه، كان يعود ليمسك يدها، يقبلها، ويهمس لها بكلمات الغزل التي لم يجد فرصة ليقولها وسط ضجيج الحياة، وكأنه يحاول أن يغلف قلبه وقلبها بأكبر قدر من الأمان، قبل أن تبتلعهما أضواء المدينة وصخبها من جديد.

كانت السيارة قد قطعت آخر كيلومترات الطريق، حتى ظهرت أمامهما بوابة فيلا عائلة غزل.
رفعت غزل عينيها نحو المنزل، وشعرت بشيء من التوتر يمر في صدرها.
لاحظ مختار ذلك، فالتفت إليها للحظة.
ـ مالك؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ـ مفيش... بس حاسة إني راجعة لهم بحاجة مختلفة.
ـ عشان إحنا فعلًا راجعين بحاجة مختلفة.
توقفت السيارة أمام البوابة، ثم دخلت إلى الحديقة الواسعة، قبل أن يوقفها مختار أمام المدخل.
ما إن ترجل الاثنان حتى خرج أحد العاملين لاستقبالهما، ثم أسرع بإبلاغ العائلة بعودتهما.
لم تمر سوى دقائق، حتى ظهرت والدة غزل، وخلفها والدها.
توقفت الأم للحظة عندما رأت مختار ينزل من السيارة، ثم نظرت إلى ابنتها.
كان واضحًا أن الاثنين عادا معًا من السفر.
اقتربت منهما وهي تقول بلهفة:
ـ حمد لله على السلامة يا حبايبي.
ابتسم مختار.
ـ الله يسلمك يا طنط.
احتضنت غزل والدتها، بينما صافح مختار والدها باحترام.
ـ حمد لله على السلامة يا مختار.
ـ الله يسلمك يا عمي.
دخل الجميع إلى غرفة الجلوس، وجلست غزل إلى جوار والدتها، بينما جلس مختار أمام والدها
كانت والدتها تنظر إليهما بين لحظة وأخرى، وكأنها تحاول قراءة ما حدث خلال اليومين الماضيين.
وأخيرًا لم تستطع أن تمنع نفسها من السؤال:
ـ إنتوا كنتوا فين اليومين دول؟
تبادل مختار وغزل نظرة قصيرة.
ثم ابتسم مختار وقال:
ـ كنا محتاجين نبعد شوية عن كل حاجة... واتكلمنا.
رفع والد غزل حاجبه.
ـ واتكلمتوا في إيه؟
أجاب مختار بهدوء:
ـ في كل حاجة.
ثم نظر إلى غزل قبل أن يقول:
ـ وقررنا ندي نفسنا فرصة حقيقية.
ساد الصمت لثوانٍ.ثم اتسعت ابتسامة والدتها.
ـ يعني... رجعتوا لبعض؟
أومأت غزل 
ـ أيوه يا ماما.
لم تستطع والدتها إخفاء فرحتها، فاحتضنت ابنتها بقوة.
ـ الحمد لله... الحمد لله يا بنتي.
أما والدها، فابتسم ونظر إلى مختار.
ـ أهم حاجة إن القرار يكون قراركم إنتوا الاتنين.
ـ هو فعلًا قرارنا يا عمي.
قالها مختار بثبات.
ـ وإحنا عايزين نبدأ من جديد، من غير ما نفضل عايشين في اللي حصل قبل كده.
ابتسم والد غزل برضا.
ـ ربنا يوفقكم.
ساد الجو دفء واضح، وتحولت الجلسة إلى حديث عائلي بعيد عن التوتر الذي لازمهم طوال الفترة الماضية.
وبعد قليل، التفتت والدة غزل إليها.
ـ طب وإنتِ هتفضلي معانا؟
تبادلت غزل النظرات مع مختار، ثم قالت:
ـ لا... أنا هطلع أجيب حاجتي.
ابتسمت والدتها بفهم.
ـ يعني راجعة معاه؟
أومأت غزل.
ـ أيوه.
نهضت واتجهت إلى غرفتها.
وقفت أمام خزانتها للحظات، ثم بدأت تجمع ملابسها وأغراضها في حقيبة كبيرة.
هذه المرة لم تكن تجمعها وهي غاضبة أو مجروحة...
بل كانت تعرف تمامًا إلى أين ستذهب.
إلى بيت زوجها.
إلى حياة قررت أن تمنحها فرصة جديدة.
وبعد دقائق، حملت حقيبتها ونزلت إلى الأسفل.
كان مختار قد وقف استعدادًا للمغادرة.
وما إن رآها حتى اتجه إليها وأخذ الحقيبة من يدها.
ـ هاتي.
ـ لسه هتشيلها برضه؟
ـ طول ما أنا معاكي... آه.
ابتسمت والدتها وهي تراقبهما.
ـ ربنا يهديكم لبعض يا ولاد.
قال والد غزل:
ـ خليكوا على اتفاقكم... اللي فات خلاص، واللي جاي أهم.
أومأ مختار.
ـ إن شاء الله يا عمي.
احتضنت غزل والدتها، ثم اقتربت من والدها وقبلت رأسه 
ـ خلي بالك من نفسك يا بابا.
ـ وإنتِ خلي بالك من نفسك.
ثم التفت إلى مختار.
ـ وخلي بالك منها..
ـ دي في عيني.
خرج الاثنان من الفيلا معًا.وضع مختار حقيبتها في السيارة، ثم فتح لها الباب وانتظر حتى جلست.
وبعد أن استقر خلف عجلة القيادة، نظر إليها مبتسمًا.
ـ جاهزة؟
نظرت إليه، ثم ابتسمت 
ـ جاهزة.
تحركت السيارة مبتعدة عن فيلا عائلتها، بينما كانت غزل تنظر إليها من المرآة حتى اختفت خلفهما.
هذه المرة لم تكن ذاهبة إلى فيلا مختار كزوجة تحاول التمسك بزواج يتداعى...
بل كانت ذاهبة إليها وهي تحمل قرارًا جديدًا.
قرار أن تبدأ معه من البداية.
لم يستغرق الطريق وقتًا طويلًا، حتى انعطفت السيارة إلى الطريق المؤدي إلى فيلا عائلة مختار.
كانت غزل تتابع المكان من خلف زجاج السيارة، وقد تسلل إلى قلبها شعور غريب؛ مزيج من الحنين والتوتر، وكأنها تعود إلى مكان تعرفه جيدًا، لكنها هذه المرة تعود إليه بقلب مختلف.
ما إن توقفت السيارة أمام الفيلا، حتى كان والد مختار وأخته يقفان عند المدخل، بعدما أخبرهما مختار في الطريق أنه سيعود برفقة غزل.
ترجل مختار أولًا، ثم اتجه إلى الجهة الأخرى وفتح لها الباب.
نزلت غزل، وما إن رفعت عينيها حتى وجدت والد مختار يبتسم لها.
تقدم نحوها بخطوات سريعة.
ـ حمد لله على السلامة يا غزل.
ابتسمت بخجل.
ـ الله يسلم حضرتك.
فتح ذراعيه مرحبًا بها.
ـ نورتِ بيتك يا بنتي.
تأثرت غزل بكلماته، وابتسمت ابتسامة واسعة.
أما أخته، فاقتربت منها واحتضنتها بحماس.
ـ وحشتيني أوي!
ضحكت غزل وهي تبادلها العناق.
ـ وإنتِ كمان وحشتيني.
ابتعدت الأخت قليلًا، ثم نظرت إلى مختار بنظرة ذات معنى.
ـ أخيرًا رجعتوا لبعض بقى!
ضحك مختار.
ـ أهو رجعنا.
ربت والده على كتفه.
ـ الحمد لله.
ثم نظر إلى غزل بحنان.
ـ البيت كان ناقص من غيرك.
خفضت غزل عينيها بخجل.
ـ وأنا كمان البيت وحشني.
التقطت أخت مختار الجملة بسرعة، وقالت بمزاح:
ـ البيت بس؟
رفعت غزل عينيها إليها، بينما انفجر مختار ضاحكًا.
ـ بطلي رغي.
ضحكت أخته.
ـ خلاص يا سيدي، مش هقول حاجة.
دخل الجميع إلى الفيلا وسط أجواء مليئة بالفرحة.
كانت والدته قد خرجت من الداخل فور سماع أصواتهم، وما إن رأت غزل حتى توقفت للحظة، قبل أن تقترب منها وتحتضنها بقوة.
ـ حمد لله على السلامة يا حبيبتي.
قالت غزل بتأثر:
ـ الله يسلمك يا طنط.
أمسكت والدة مختار بيدها، ونظرت إليها طويلًا.
ـ رجعتي لنا تاني.
ابتسمت غزل.
ـ أيوه.
ـ البيت نور بيكي.
كان مختار يقف بعيدًا قليلًا يراقب المشهد، وبدت على وجهه راحة واضحة.
للمرة الأولى منذ فترة طويلة، رأى عائلته مجتمعة حول غزل دون توتر أو خوف من أن ينتهي الأمر برحيلها مرة أخرى.
اقترب والده منه، وربت على كتفه.
ـ ربنا يسعدكم يا ابني.
نظر مختار إلى غزل.
ـ إن شاء الله.
ثم حمل حقيبتها بنفسه، وصعد بها الدرج.
كانت غزل تسير إلى جواره، بينما كانت تسمع ضحكات عائلتهما من الأسفل.
وعندما وصلا إلى أعلى الدرج، التفت مختار إليها.
ـ مبسوطة إنك رجعتي؟
ابتسمت وهي تنظر إليه.
ـ أكتر مما تتخيل.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء:
ـ وأنا كمان.
ثم فتح باب الغرفة، ودخلت غزل إلى جانب زوجها...
لكن هذه المرة، لم يكن دخولها إلى الفيلا مجرد عودة إلى بيت قديم.
كان بداية جديدة، أمام عائلته كلها، وباختيارها هي.

بمجرد أن أغلق مختار باب الغرفة خلفه، وكأنه يغلق خلفه كل ضجيج العالم، والتوترات، وحتى نظرات العائلة الفضولية والمحبة في الأسفل، تنفس بعمق وهو يضع حقيبة غزل جانبًا. التفت إليها، فوجدها تقف في منتصف الغرفة، تراقب المكان وكأنها تراه لأول مرة، أو ربما كأنها تعيد اكتشاف نفسها فيه.
اقترب منها ببطء، وكأن خطواته مدروسة لتقليل المسافة التي كانت تفصلهما. لم يتحدث فورًا، بل اكتفى بالتأمل في ملامحها التي كانت تعكس مزيجًا من الهدوء والارتباك الرقيق. حين أصبح أمامها مباشرة، مد يده برقة وأزاح خصلة شعر تجمعت على وجهها خلف أذنها، تاركًا أصابعه تلامس وجنتها ببطء شديد.
ـ لسه مش مصدق..
همس بها بصوت أجشٍ من فرط المشاعر، وهو ينظر في عينيها اللتين كانتا تلمعان ببريق خاص.
ابتسمت غزل، ووضعت يدها فوق يده التي لا تزال تلمس وجهها، ثم أغمضت عينيها مستسلمة للمسته الحانية:
ـ مش مصدق إيه؟
ـ إني أخيرًا هنا.. معاكي.. في أوضتنا، من غير ما يكون في مسافة بيننا، ولا عتاب، ولا خوف. كنت حاسس إن اللحظة دي بعيدة أوي، لدرجة إني كنت بخاف أحلم بيها.
فتحت غزل عينيها، ونظرت إليه بحبٍ خالص، ثم تحركت لتقترب منه أكثر، فوضعت يديها على صدره، تشعر بانتظام دقات قلبه تحت قميصه.
ـ كنت حاسة زيك.. بس كل اللي فات ده، حتى الوجع اللي عشنا فيه، هو اللي خلاني أحس بقيمة اللحظة دي.
شدها مختار من خصرها برفق وقربها منه أكثر، حتى تلاشت المسافة تمامًا. انحنى قليلاً ليضع جبينه على جبينها، مغمغمًا بصوت دافئ كنسيم البحر الذي تركاه خلفهما:
ـ أوعدك يا غزل، إن من هنا ورايح، الأوضة دي، والبيت ده، وحياتنا كلها، مش هتدخلها غير السعادة. مش هسمح لأي حاجة توجعك تاني، ولا هسمح لنفسي إني أكون سبب في دمعة واحدة تنزل منك. إنتي قلبي، والقلب مبيوجعش نفسه.
ضحكت غزل بخفة، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها من دفء أنفاسه. رفعت يديها لتطوق عنقه، وتسحب رأسه قليلًا إليها:
ـ مش عايزة وعود كبيرة يا مختار.. كل اللي عايزاه، هو إنك تفضل دايماً جنبي، زي ما كنت في الطريق النهاردة. إيدك في إيدي، وعينك في عيني. ده كفاية أوي عشان أحس إني ملكت الدنيا.
أمسك وجهها بكفيه، وتأملها لحظة طويلة وكأنه يحفظ تفاصيل وجهها وكأنها المرة الأولى التي يراها فيها، ثم طبع قبلة رقيقة على أرنبة أنفها، قبل أن يهمس بجانب شفتيها:
ـ طول ما فيا نفس، إيدي هتفضل ماسكة إيدك.
مال عليها وقبلها قبلة طال أثرها، حملت في طياتها اعتذارًا صامتًا عن كل ما مضى، ووعدًا ببدءٍ جديد. وفي سكون الغرفة، لم يكن هناك سوى صوت أنفاسهما المتسارعة قليلًا، وشعور غامر بالطمأنينة بأن كل شيء، أخيرًا، قد عاد إلى نصابه الصحيح.
ابتعد مختار عنها ببطء، وعيناه لا تزالان تشعان بتلك النظرة الدافئة، فيما استكانت غزل في حضنه لثوانٍ، وهي تنظر إليه بابتسامةٍ هادئة.
تحرك مختار نحو التسريحة ليضع هاتفه الذي كان مغلقًا طوال الطريق. أخرج الكابل ووصله بالشاحن، ثم ضغط على زر التشغيل.
لم تكد الشاشة تضيء حتى انهالت التنبيهات متتابعة، مصحوبة بنغمات متتالية ملأت سكون الغرفة. ارتفع حاجب مختار وهو يطالع الشاشة، فوجد عدة مكالمات مفقودة من كريم، تلتها رسائل نصية قصيرة وحازمة:
"مختار.. لما تفتح الموبايل كلمني ضروري."
"أول ما تفضى اتصل بيا يا مختار، الموضوع مهم وما يستناش."
لاحظت غزل التغير المفاجئ في ملامحه وجمود نظرته نحو الشاشة، فاقتربت منه بخطوات هادئة، وضعت يدها على كتفه وسألته بنبرة شابها قلق مكتوم:
ـ في إيه يا مختار؟ مين بيكلمك؟
التفت إليها مختار وحاول أن يهدئ من روعها بابتسامة خفيفة، لكن عينيه لم تخفيا الجدية التي طرأت عليهما.
ـ ده كريم.. طالبني أكتر من مرة، وكاتب إن الموضوع مهم وعايزني أكلمه فورًا.
تبادلت غزل معه النظرات، وشعرت أن ظلال العمل ومشاكل القاهرة التي هربا منها لعدة أيام بدأت تتسلل مجددًا إلى مساحتهما الخاصة.
ضغط مختار على اسم كريم، وأعاد الاتصال به، وهو يمرر يده الأخرى ليحيط خصر غزل ويشدها إليه، وكأنه يطمئنها ويطمئن نفسه بوجودها بجانبه قبل أن يبدأ المواجهة.
رن الهاتف مرة... ثم ثانية... وجاء صوت كريم سريعًا ومشدودًا فور فتح الخط:
ـ أخيرًا يا مختار! حمد الله على السلامة.. الموبايلات كانت مقفولة ليه كل ده؟ 
تعليقات



<>