رواية عشق بلا حدود الفصل السادس6 بقلم ملكة الحكايات والروايات

رواية عشق بلا حدود الفصل السادس6 بقلم ملكة الحكايات والروايات
​استمرت الأيام على هذا الحال، يوسف غارق في عمله وفي هروبه النبيل، وتاليا غارقة في أفكارها التي تكاد تفتك برأسها. لكن هذا الجفاء المصطنع لم يكن إلا قشرة واهية تخفي تحتها بركاناً من المشاعر المكتومة والشوق الذي بدأ يتسلل إلى قلبيهما دون إذن.
​في أحد الأيام، عاد يوسف إلى المنزل في وقت مبكر على غير عادته، حيث شعر بإرهاق شديد لم يمكنه من البقاء في المكتب. دخل الشقة بهدوء، ليجد أن أنوار الصالة خافتة، وصوت مياه الحمام يتدفق خلف الباب المغلق، معلناً أن تاليا تأخذ حماماً دافئاً لتريح أعصابها المشدودة.
​في الداخل، كانت تاليا تقف تحت المياه الدافئة، تحاول أن تغسل الأفكار التي لا تتوقف عن ملاحقتها. لكن فجأة، شعرت الشقة وكأنها تدور بها. ضغط الهواء انخفض، وبخار الماء الكثيف ملأ الأجواء حتى كادت تختنق. أحست بثقل شديد في رأسها، وزغللة في عينيها العسليتين، وجسدها بدأ يرتجف ولم تعد قادرة على حمل نفسها.

​حاولت أن تمسك بمقبض الباب لتخرج، لكن قواها خانتها تماماً. خرجت من فمها صرخة خافتة ومكتومة:
​"يوسف...

​في الخارج، كان يوسف قد جلس ليتناول جرعة ماء، لكن أذنيه التقطت تلك النبرة المرتجفة وصوت ارتطام خفيف بجدار الحمام. انتفض قلبه من مكانه، وألقى بالكوب وتحرك بدافع الخوف والرعب نحو الباب

​طرق الباب بقوة وهو يصرخ:
​"تاليا! تاليا إنتي كويسة؟ سامعاني؟"
​لم يأته رد سوى صوت أنفاس متقطعة، فلم يتردد لثانية واحدة. دفع الباب بكل قوته ليتأكد من سلامتها.
​فتح يوسف الباب، لينقشع بخار الماء ويكشف عن تاليا وهي تستند إلى الجدار بضعف شديد، تكاد تسقط أرضاً. كانت قد ارتدت على عجلة قميص نومها البسيط باللون الأبيض الناعم، وشعرها الأسود الطويل مبلل وينسدل على كتفيها، وقطرات الماء تترقرق على وجهها الشاحب الذي زاده الدوار رقة.
​اندفع يوسف نحوها بلهفة العاشق وخوف الزوج، وقبل أن تلامس الأرض، كانت ذراعاه القويتان قد أحاطتا بها، ليرفعها ويضمها إلى صدره بقوة.

​في تلك اللحظة، اختفت كل أشباح الماضي، وتبخرت كل المخاوف. لم تكن هناك سارة، ولم يكن هناك شعور بالذنب، بل كان هناك يوسف وتاليا فقط. عندما التقت أجسادهما، وانغمرت تاليا في حضنه، استنشق يوسف نفساً عميقاً، فامتزجت أنفاسه بعبيرها الخاص—رائحة الياسمين المنعشة والخاصة بها تماماً، رائحة لم تكن تشبه أحداً غيرها.

​نظرت تاليا إليه بعينين ناعستين من أثر الدوار، وبدأت الرؤية تتضح أمامها، لتجد وجه يوسف قريباً منها لدرجة شعرت معها بنبضات قلبه المتسارعة التي تكاد تخترق ضلوعه.
​تحدث يوسف بصوت مبحوح وخافت، يملؤه القلق والشغف:
​"تاليا.. إنتي كويسة؟ طمنيني عليكي."

​أومأت برأسها ببطء، وشعرت لأول مرة منذ أشهر بالأمان الحقيقي في هذا الحضن. لم تحاول الابتعاد، بل استسلمت تماماً لدفء يديه.
​شعر يوسف برعشة جسدها في أحضانه، ونظر إلى شفتيها المرتجفتين، فلم يعد قادراً على كبح جماح مشاعره التي حبسها طوال ثمانية أشهر. انحنى ببطء، وتلاقت نظراتهما في حوار صامت طويل، أدركت فيه تاليا أن هذا الرجل لا يرى فيها شبحاً، بل يراها هي.. تاليا بكل تفاصيلها.

​طبع يوسف قبلة رقيقة وحانية على جبينها، ثم انتقل ببطء ليقبل وجنتيها المبللتين بقطرات الماء، حتى ذابت كل المسافات وجدران الجليد بينهما في قبلة طويلة وعميقة، اختصرت كل كلمات العتاب والشوق والاعتذار التي لم يقدروا على نطقها.

​شعرت تاليا بأن كل مخاوفها وعقدة ذنبها تتبخر تحت تأثير لمساته الحانية. أحاطت رقبته بيديها المرتعشتين، مستسلمة تماماً لهذا الشعور الذي أكد لها أنها ليست بديلاً، بل هي البداية الجديدة التي أرادها الله وأرادتها سارة لهما.

​حملها يوسف برفق متوجهاً بها نحو غرفتهما، واضعاً إياها على الفراش برقة شديدة، وظل بجوارها يملس على شعرها الأسود الطويل، وعيناه لا تفارق عينيها، وهو يهمس لها:
​"أنا بحبك إنتي يا تاليا.. بحبك لابعد حدود السما."
​هل ستكون هذه الليلة هي النهاية الحقيقية لذكراهم الأليمة وبداية حياة زوجية سعيدة؟
وكيف ستتغير معاملة يوسف وتاليا لبعضهما البعض بعد أن ذاب الجليد وانكشفت الحقيقة؟

تعليقات



<>