رواية جعلتني مجرما الفصل الثالث والثلاثون33 والرابع والثلاثون34 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل الثالث والثلاثون33 والرابع والثلاثون34 بقلم دينا عبد الله

"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
كانت مريم جالسة على المقعد في مكان عمل خديجة، بمصلحة الطب الشرعي، بعدما أجرت لها خديجة جميع الفحوصات التي طلبتها منها.

ظلت مريم صامتة، تحدّق أمامها بعينين شاردتين، بينما أصابعها متشابكة فوق حجرها، ترتجف بين الحين والآخر دون أن تشعر.

وبعد قليل، جاءت خديجة وهي تحمل ملفًا بين يديها، ثم جلست إلى جوارها وفتحته وهي تقول بهدوء:
"وثقت كل الفحوصات في التقرير الطبي ده... دلوقتي لازم نروح نبلغ، وتقولي كل حاجة تعرفيها، حتى المكان اللي خدك فيه وكل التفاصيل دي تقوليها... أظنك يعني صحفية وعارفة الحاجات دي كويس."

نظرت إليها مريم، وكان الخوف واضحًا في عينيها وملامحها، واكتفت بهز رأسها هزة خفيفة، عاجزة عن إخراج كلمة واحدة.

مدّت خديجة يدها وأمسكت بيدها، وضغطت عليها برفق، ثم قالت مطمئنة:
"أنا معاكي... متخافيش."

أومأت لها مريم، فنهضت خديجة وسحبتها معها برفق، ثم قالت:
"يلا، تعالي معايا."

تحركت مريم إلى جوارها، لكنهما لم تبتعدا كثيرًا قبل أن يرن هاتفها.. توقفت مريم مكانها، لكنها لم تنظر إلى الهاتف.. التفتت إليها خديجة وقالت:
"شوفي مين بيتصل."

أجابتها مريم بحزن، وهي تخفض عينيها:
"دي أكيد عمتو ياسمين... عمالة تتصل بيا، بس أنا خايفة أرد... مش عارفة هقولها إيه."

تغيّرت ملامح خديجة حزنًا عليها، وظلت صامتة للحظة، قبل أن يرن الهاتف مرة أخرى.. مدّت يدها نحو مريم وقالت:
"هاتي أنا هكلمها... تلاقيها قلقانة عليكي."

أخرجت مريم الهاتف من جيبها بيد مرتجفة، ثم نظرت إلى الشاشة.. وفجأة، اتسعت عيناها في خوف، وتجمعت الدموع فيهما.

لاحظت خديجة التغيّر المفاجئ في ملامحها، فقالت بلهفة:
"مالك مين اللي بيرن؟"

رفعت مريم عينيها إليها، وتحركت شفتاها بصعوبة قبل أن تقول بصوت مرتجف:
"يـ... يوسف."

اندهشت خديجة، وظلت تنظر إليها للحظة وكأنها لم تتوقع أن يكون هو المتصل، ثم قالت بحزم:
"ردي... شوفي هيقولك إيه."

نظرت إليها مريم بتردد، وظلت تحدّق في الهاتف وكأن مجرد الرد عليه يرعبها.

ربّتت خديجة على كتفها، وقالت بنبرة مطمئنة:
"متخافيش... أنا معاكي."

حركت مريم يدها ببطء، وبإصبع مرتجف فتحت المكالمة.. جاء صوت يوسف من الطرف الآخر، ساخرًا:
"إيه يا قلبي؟ كل ده تفكير عشان تردي عليا؟... على العموم هعذرك عشان الوضع اللي إنتِ فيه دلوقتي."

صمت لحظة، ثم تابع متسائلًا بتصنّع:
"إلا قوليلي يا... خديجة، إنتِ واخداها ورايحة على فين؟"

تجمدت خديجة في مكانها، وتبادلت النظرات مع مريم في صدمة.

كيف عرف أنها معها؟

راحت عينا الاثنتين تتنقلان في المكان بقلق، تتفقدان أرجاءه، تحاولان معرفة ما إذا كان هناك من يراقبهما.

وصلتهما ضحكة يوسف الساخرة، قبل أن يقول:
"أوعي تفتكري إنك كده بتساعديها... تؤتؤ. أنصحك تبعدي عنها يا خديجة، إنتِ متتوقعيش أنا ممكن أعمل فيكي إيه."

ضمت خديجة قبضتها بغضب، واشتدت ملامحها وهي تقول بحدة:
"أوعى إنتَ تفتكر إني هخاف منك يلااا، ده في أحلامك... إنت اللي خلي بالك، عشان إنت متعرفش أنا ممكن أعمل إيه."

ضحك يوسف مجددًا، ثم تنهد وكأنه يستمتع باستفزازها:
"طيب، أمنشوف... بس قبل ما تتكلمي أو تعملي أي حاجة، شوفوا كده اللي بعته ليكي يا مريم على الواتس."

تبادلت مريم وخديجة نظرة قلقة.. وفجأة، انقطع الاتصال.

أسرعت مريم بفتح تطبيق واتساب، وقفت خديجة إلى جوارها تنظر إلى الشاشة معها.

وما إن ظهرت أمامهما حتى اتسعت أعينهما في صدمة شديدة.

كانت مجموعة من الفيديوهات، مفبركة بعناية، تظهر مريم تقوم بتصرفات لم تفعلها قط.

وضعت مريم يدها على فمها لتكتم شهقة خرجت منها، بينما انهمرت دموعها على وجنتيها دون توقف.

رفعت عينيها إلى خديجة، وقالت بصوت مختنق بالبكاء:
"مش حقيقية... والله العظيم أنا معملتش كده! كل الفيديوهات دي كدب... أنا أصلًا كنت غايبة عن الوعي لما اتهجم عليا. خبط راسي جامد وأغمى عليا، ومش فاكرة أي حاجة... ولما صحيت استوعبت اللي هو عمله فيا... إنما الفيديوهات دي كدب، والله العظيم."

مدّت خديجة يديها واحتضنت بهما وجه مريم، ومسحت دموعها بإبهاميها، بينما تجمعت الدموع في عينيها هي الأخرى حزنًا عليها.

قالت لها بثبات، محاولة أن تمنحها بعض الأمان:
"من غير ما تحلفي... أنا واثقة فيكي."

هزت مريم رأسها بخوف، واستمرت دموعها في الانهمار، ثم قالت بصوت متهدج:
"افرضي نشر الفيديوهات دي؟ محدش هيصدقني... مستقبلي وحياتي كلها هتدمر يا خديجة. مش هعرف أبص في عيون الناس بعد كده."

فتحت خديجة فمها لترد عليها، لكن هاتف مريم رن من جديد.. تجمدتا معًا.. كان يوسف.

أخذت خديجة الهاتف من يد مريم، وردت عليه فورًا، وقد اشتعل الغضب في عينيها:
"إنت سافل وحقير... ومتربتش! إنت مش بتخاف من ربنا؟ اعمل حساب لآخرتك يا أخي!"

ساد الصمت لثوانٍ من الطرف الآخر، ثم جاء صوت يوسف، هادئًا بصورة أثارت القشعريرة، قبل أن يقول بنبرة شيطانية خبيثة:
"إنتوا خافوا مني... الفيديوهات دي في ظرف لحظة واحدة أرفعها على جميع مواقع السوشيال ميديا، وخلال وقت قياسي جدًا هتبقى ترند يا صحفية مريم... أصل الناس اليومين دول بيموتوا في الفضايح."

ردت خديجة بحدة، متحدية إياه:
"تصدق خوفنا منك."

ضحك يوسف بخبث، ثم قال:
"بلاش تقوي قلبك عليا يا خديجة... عشان إنتِ متعرفيش لسه أنا ممكن أعمل إيه."

صمت لحظة، ثم أضاف وكأنه يتعمد أن يثبت لهما أنه يعرف كل خطوة تقومان بها:
"آه صحيح... بما إنك مردتيش عليا، أنا هجاوبك وأقولك إنتِ واخدة مريم على فين... بعد ما بقى معاكي تقرير طب شرعي بحالتها، رايحة طبعًا تبلغي عني، مش كده؟"

نظرت مريم إلى خديجة بخوف ودهشة، واتسعت عيناها وهي تستوعب أنه يعرف تحركاتهما حتى داخل مصلحة الطب الشرعي.

تابع يوسف دون أن يمنحهما فرصة للكلام:
"يلا، واقفة ليه؟ روحي بلّغي... كده كده أنا مش هتضر في حاجة. الدور والباقي بقى على الصحفية."

توقف لحظة، ثم قال باستخفاف:
"أصل الراجل مهما عمل، المجتمع مش بيعيبه... وعلى رأي المثل الراجل ميعيبوش غير جيبه."

ارتجفت ملامح مريم، بينما قبضت خديجة على الهاتف بقوة.

استمر يوسف بنبرته المستفزة:
"إنما إنتوا البنات... تؤتؤ. البنت فيكم لو اتفضحت، هيفضلوا يتكلموا عنها، وحالها هيقف، ومحدش هيقبل يتجوزها، ومش هتعرف أصلًا تخرج وتبص للناس."

شعرت مريم بأنفاسها تضيق، وأخذت دموعها تتساقط بصمت.

أنهى يوسف حديثه بنبرة باردة:
"فقبل ما تعملي كده، فكري... ودوريها في عقلك كويس، وإنتِ حرة."

ثم ضحك ضحكة خبيثة وأضاف:
"باي باي يا قلبي."

وانقطع الاتصال.

أنزلت خديجة الهاتف ببطء، وظلت تحدق في شاشته للحظات، بينما كانت مريم تنظر إليها بعينين زائغتين، وقد بدا الخوف يسلب منها القدرة على التفكير.

حاولت أن تقف، لكن ساقيها لم تحملاها.

سقطت على ركبتيها فوق الأرض، وانفجرت في بكاء حاد، وهي تضم ذراعيها إلى جسدها من شدة الانهيار.

جثت خديجة أمامها فورًا، واحتضنتها بقوة، بينما تساقطت دموعها هي الأخرى، وقالت بصوت مفعم بالحزن وهي تربت على ظهرها:
"أوعي تخافي... كل ده هيعدي، صدقيني. ومفيش حاجة هتحصل بإذن الله... ربنا معانا، ومش هيسيبنا، وهينصرنا."

تعلقت مريم بها ودفنت وجهها في كتفها، وازدادت شهقاتها وهي تبكي بحرقة، كان خوفها من القادم أكبر من قدرتها على احتماله..... 

              ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان نور جالسًا خلف مكتبه في قسم الشرطة، شاردًا في الفراغ أمامه، بينما كانت كلمات والده تتردد داخل رأسه بلا توقف، تعود إليه مرةً تلو الأخرى . 

لم يشعر بالدموع وهي تنساب على وجنتيه إلا بعدما لامست إحداها طرف فكه.

أغمض عينيه للحظة، وكلما تخيّل فكرة ابتعاد والده عنه إلى الأبد، انقبض قلبه بألمٍ لم يستطع احتماله.

فارس لم يكن مجرد أب بالنسبة له... كان سند ظهره، وصديقه، وأخاه. كان الشخص الذي يلجأ إليه في كل شيء، والذي اعتاد وجوده إلى جواره حتى أصبح جزءًا من حياته لا يتخيّلها بدونه.

فإن اختفى فارس... سيختفي معه كل شيء.

رفع يده ومسح وجهه بعنف، ثم أخذ يهز رأسه رافضًا تلك الفكرة، وكأنه يحاول طردها من عقله بالقوة.
"مش هيحصل... مش هيحصله حاجة."

تمتم بها لنفسه بصوت خافت، محاولًا التشبث بكلماته وكأنها الحقيقة الوحيدة التي يمكنه تصديقها.

بعد لحظات، دوّى طرق خفيف على الباب، ثم انفتح.. رفع نور عينيه نحو الباب، فوجد عسكريًا يدخل إلى المكتب، وبرفقته شمس.

توقفت عيناه عليها للحظات.. لم تكن تلك شمس التي اعتاد رؤيتها.

بدت وكأنها شخص آخر تمامًا؛ هالات سوداء غائرة تحيط بعينيها، وشحوب أطفأ لون وجهها، وشعر مبعثر فقد عنايته، وملابس غير نظيفة بدت عليها آثار الأيام التي قضتها خلف القضبان.

اختفت أناقتها، واختفى معها ذلك الغرور الذي كانت تتباهى به دائمًا بجمالها وملابسها ورائحة عطرها.

وما إن وقعت عيناها على نور حتى اتسعتا في صدمة، بينما ظل هو جالسًا في مكانه، ينظر إليها بهدوء غريب، دون أن تتحرك ملامحه أو يظهر على وجهه أي تعاطف.

تركها العسكري وخرج، ثم أغلق الباب خلفه.

وبمجرد أن أصبحا وحدهما، اندفعت شمس نحوه.

ركضت بخطوات متعثرة حتى وصلت إليه، ثم هوت على ركبتيها أمامه، وانفجرت في البكاء، وقد انهارت كل محاولاتها للتظاهر بالقوة.

رفعت وجهها إليه، وكانت الدموع تغرق عينيها، ثم أمسكت بطرف يده وهي تقول بصوت مرتجف تقطعه شهقاتها:
"أرجوك يا نور... خرجني من هنا. والله اتعلمت الدرس وندمت... مش هعمل كده تاني، والله العظيم مش هعمل كده تاني... بالله عليك خرجني من هنا."

ظل نور ينظر إليها لثوانٍ، ثم مال بجزئه العلوي نحوها، وثبت عينيه في عينيها بنظرة حادة جعلتها تخفض عينيها للحظة.

قال ببرود، وفي صوته نبرة شماتة واضحة:
"شوفتي بقى جزاء اللي يلعب معايا آخرته إيه؟... مع إن اللي عملته معاكي ده أقل حاجة عندي."

ارتجفت شمس، وزادت شهقاتها، ثم أمسكت يده بكلتا يديها وراحت تقبّلها في توسّل، وكأنها لم تعد تملك أي وسيلة أخرى للخروج من ذلك المكان: 
"أبوس إيدك... خرجني من هنا وأنا مش هعمل كده تاني. واللي إنت عايزه أنا هعمله... لكن مترجعنيش السجن تاني، أرجوك."

سحب نور يده منها بهدوء، ثم عاد بظهره إلى الخلف، وأسند جسده إلى المقعد.

ظل صامتًا للحظات، يراقبها وهي تحدق فيه بترقب، وكأن مصيرها كله أصبح معلقًا على الكلمة التي ستخرج من فمه.

وأخيرًا قال بنبرة هادئة:
"هخرجك... والنهارده كمان."

توقفت شهقاتها للحظة، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.

ثم لمعت عيناها بفرحة مفاجئة، وارتسمت ابتسامة صغيرة مرتعشة على وجهها وسط دموعها، قبل أن تمسح وجنتيها سريعًا وتسأله بلهفة:
"بجد هتخرجني؟"

هز نور رأسه بهدوء، ثم أردف:
"آه... هخرجك، لكن هتخرجي من هنا على طول وتحكي الحقيقة للكل، خصوصًا لأبوكي اللي معرفش يربيكي ده... تقوليلهم الحقيقة."

هزت شمس رأسها بسرعة، دون أن تفكر حتى في شروطه، وكأن مجرد فكرة خروجها من السجن جعلتها توافق على أي شيء.
"حاضر... حاضر، والله هقولهم على كل حاجة. وإنك معملتليش أي حاجة من اللي أنا قولتها... هعمل كل اللي إنت عايزه."

وضع نور قدمًا فوق الأخرى، وأسند ظهره إلى المقعد، ثم ثبت عينيه عليها ببرود.

لكن تلك النظرة وحدها كانت كافية لتربك شمس، فتلاشت ابتسامتها تدريجيًا، وتوترت ملامحها وهي تحدق فيهبحذر. 

                       ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرج مؤمن من منزله، وكان على وشك أن يستقل سيارته، لكنه توقف فجأة حين وجد آدم واقفًا أمامه.

عقد حاجبيه باستغراب، وألقى عليه نظرة سريعة قبل أن يغلق باب السيارة، ثم اتجه نحوه بخطوات مترددة.

كان آدم ينظر إليه بحزن شديد، والدموع متجمعة في عينيه، ظل واقفًا هنا طويلًا ينتظر هذه اللحظة. ارتجفت شفتاه قليلًا قبل أن يقول بصوت متردد اختلط فيه الشوق بالخوف:
"إزيك يا... بابا؟"

اتسعت عينا مؤمن لحظة سماعه تلك الكلمة.. بابا.

تلك الكلمة التي شعر لوهلة أنها أعادت إلى ذاكرته شيئًا ظل يدفنه لسنوات... ربما كان بداخله إحساس بحقيقة آدم، لكنه كان يرفض الاعتراف بها، أو ربما كان يعرفها جيدًا ويحاول إنكارها بكل ما أوتي من قوة.

ظل صامتًا.. لم يرد، ولم تتغير ملامحه.

كان آدم يحدق فيه بأمل ضعيف، ينتظر منه كلمة واحدة... أي كلمة.

لكن الصمت طال، حتى انطفأ ذلك الأمل في عينيه تدريجيًا، وقال بحزن:
"طبيعي متعرفنيش... ما إنتَ راميني ليك سنين طويلة، مش هاين عليك حتى تبص عليا بصّة واحدة."

ظل مؤمن ينظر إليه بوجه خالٍ من التعبير، وكأنه يتعمد بناء حاجز بينه وبين كل كلمة يقولها آدم.

وبعد لحظات، تحدث أخيرًا بصوت جاف:
"امشي."

اندهش آدم، وكأن الكلمة أصابته في مقتل، وانسابت دمعة وحيدة على خده وهو يحدق فيه بعدم تصديق: 
"امشي؟... ده كل اللي إنت عايز تقولهولي؟"

ضم مؤمن قبضته بقوة، واشتدت ملامحه غضبًا، حتى برز التوتر في فكه، ثم جزّ على أسنانه وقال بحدة:
"أنا معنديش حاجة أقولها لك أصلًا... خد بعضك زي الشاطر كده وارجع عند أمك، هي أولى بيك."

انكسر قلب آدم أكثر.

انهمرت دموعه بغزارة، لكنه حاول أن يخفي ألمه خلف ابتسامة موجوعة، وقال بصوت متهدج:
"إنت عارف... لو كنت مثلًا قلتلي حقك عليا يا ابني، كنت مجبور... وخدتني في حضنك مثلًا يعني... كنت والله هسامحك على كل حاجة. والله العظيم كنت هسامحك."

ظل مؤمن ينظر إليه ببرود، ثم قال دون أن يطرف له جفن:
"ومين قالك إني عايزك تسامحني... أمك..."

توقف عن الحديث فجأة حين التقطت أذنه صوت خطوات تقترب منهما.

التفت خلفه، فوجد لؤي يقترب منهما.

اقترب لؤي حتى وقف أمامهما، ثم نظر إلى والده، قبل أن ينتقل ببصره إلى آدم، فتوقفت عيناه عند ملامحه الحزينة ودموعه التي لم تتوقف.

لم يفهم من يكون، ولا ماذا يريد من والده.. نظر إلى مؤمن باستغراب وسأله:
"مين ده يا بابا؟"

تجمد آدم في مكانه.. كانت الكلمة التي خرجت من فم لؤي أشد إيلامًا من أي شيء آخر.

"بابا."
إذًا لديه ابن آخر... وربما أكثر.

ابن يعتني به، ويحتضنه، ويعيش معه تحت سقف واحد، ويناديه بأبٍ دون خوف أو تردد.

فلماذا هو وحده؟
لماذا يكرهه إلى هذا الحد؟
ماذا فعل له حتى يحرمه من أبسط حقوقه عليه؟

حاول آدم أن يبتلع غصة اختنقت بها حنجرته، بينما أجاب مؤمن لؤي بهدوء:
"متشغلش بالك... روح إنت دلوقتي."

نظر لؤي إلى آدم مرة أخرى، وما زال عاجزًا عن تفسير ذلك الشعور الغريب الذي انتابه تجاهه، ثم أومأ برأسه بهدوء وغادر.

ظل مؤمن يتابعه بعينيه حتى ابتعد، ثم ألقى نظرة سريعة نحو منزله، وكأنه يتأكد من عدم وجود أحد آخر يراقبهما.

كان آدم على وشك أن يتحدث، لكنه لم يمهله.

أمسكه مؤمن من ذراعه بقوة، وسحبه بعنف إلى خارج بوابة سور منزله، ثم دفعه بعيدًا عنه ورفع إصبعه في وجهه، وقد اشتعل الغضب في عينيه:
"اسمع ياض انت... مش عايز أشوف وشك تاني، إنت سامع ولا لأ؟! غور من وشي!"

تراجع آدم خطوة، وهو ينظر إليه بصدمة، لا يستوعب تعامل والده معه.

كانت دموعه تنهمر دون إرادة منه، ثم خرج صوته ضعيفًا ومكسورًا:
"هو إنت مش حاسس بالندم على اللي بتعمله فيا؟... طيب إنت بتعرف تنام؟ إزاي بتنام وضميرك مرتاح؟... بيجيلك نوم إزاي؟"

اقترب مؤمن منه بخطوات غاضبة، وقال بقسوة لم يترك فيها مجالًا للأمل:
"آه، بنام عادي... ومش ندمان."

توقفت أنفاس آدم للحظة.. تابع مؤمن دون رحمة:
"أمك هي اللي خلتك عايش، ورفضت تنزلك لما كانت حامل فيك... يبقى متعتبنيش. روح عاتبها هي... قولها خليتني ليه عايش؟"

اقترب منه خطوة أخرى، ثم أمسكه من رقبته بعنف، وضغط عليها بقسوة، وهو يحدق في عينيه بغضب:
"لكن لو شوفت وشك تاني... ورحمة أبويا، أنا اللي هقتلك بإيدي."

ثم تركه فجأة ودفعه إلى الخلف بعنف.. تراجع آدم مترنحًا، وظل ينظر إليه بصدمة شديدة.

لم يتحدث.. لم يعد قادرًا على الكلام أصلًا.

فقط انهمرت دموعه في صمت، وكانت عيناه وحدهما كفيلتين بحكاية كل ما عجز لسانه عن قوله؛ وجع سنوات طويلة، واحتياج طفل لم يجد أباه، وأمل صغير جاء به إلى هنا... ثم تحطم أمام عينيه.

صاح مؤمن فيه بغضب:
"إنت لسه واقف؟! بقولك غور من وشي!"

ظل آدم واقفًا في مكانه، عاجزًا عن تحريك قدميه.. كان جزء منه يريد أن يكذب نفسه.

أن يصدق أن كل ما قاله والده مجرد غضب، وأنه بعد لحظات سيهدأ، ثم يقترب منه ويحتضنه ويخبره بأنه لن يتركه مرة أخرى... وأنه سيعوضه عن كل تلك السنوات التي عاشها بدونه.

لكن مؤمن لم يكن ينظر إليه إلا بقسوة.. وحين وجده لا يزال واقفًا، أمسكه من ذراعه ودفعه بعيدًا عنه بعنف، قائلًا:
"بقولك غور بقى!"

فقد آدم توازنه وسقط على الأرض بقوة، وارتطم ذراعه بالأرض.

شهق من الألم، وأمسك ذراعه تلقائيًا، ثم أغمض عينيه بقوة، محاولًا كتم أنينه.

أما مؤمن، فلم يلتفت إليه.

استدار ودخل إلى منزله، ثم أغلق البوابة خلفه بعنف، فارتج صوتها في المكان.

رفع آدم رأسه ببطء، وظل يحدق في البوابة المغلقة أمامه.

كان ينظر إليها وكأنها لم تغلق أمامه بوابة منزل فقط... بل أغلقت في وجهه آخر أمل كان متعلقًا به.

مسح دموعه بيده، ثم حاول النهوض رغم الألم الذي امتد في ذراعه.

وقف بصعوبة، وظل يمسك ذراعه المصابة، ثم ألقى نظرة أخيرة على البوابة.

تعلقت عيناه بها لثوانٍ طويلة، ينتظر أن تُفتح من جديد.. لكنها لم تُفتح.

خفض رأسه، واستدار وغادر بخطوات بطيئة و بقلبٍ مكسور.. 

                 ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت تقي جالسة في أحد الكافيهات، وأمامها كوب النسكافيه الذي لم تشرب منه سوى القليل. رفعت الكوب إلى شفتيها واحتست رشفة صغيرة، ثم أعادته إلى مكانه بهدوء.

التقطت هاتفها، وأخذت تحدق في الشاشة لثوانٍ، قبل أن تفتح قائمة الأسماء وتتوقف عند اسم مهران.

مرّت فترة منذ آخر مرة رأته فيها أو تحدثت معه؛ تحديدًا منذ أخبرته أنها ستتحدث مع والدها بشأنه... ومنذ ذلك اليوم اختفى تمامًا.

أغلقت الهاتف، وظلت تحدق في شاشته السوداء المغلقة بشرود.

وفجأة، ظهر انعكاس وجه على الشاشة.

اتسعت عيناها قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة جميلة دون أن تشعر.

ظنت للحظة أنها تتخيله... لكنها حين رمشت وعادت تنظر إلى الشاشة، أدركت أن الأمر لم يكن خيالًا.

كان مهران يقف خلفها بالفعل.. اقترب منها حتى صار وجهه بمحاذاة أذنها، وقال بصوت منخفض يحمل ابتسامة واضحة:
"واضح إنك اشتقتي إلي."

انتفضت تقي قليلًا، ثم التفتت خلفها بسرعة ونهضت من مكانها بدهشة.

وحين أدركت أنه أمامها بالفعل، حاولت إخفاء ارتباكها، وتظاهرت بالبرود وهي تقول:
"هو إنت؟"

ابتسم مهران ابتسامة جميلة، ظهرت معها غمازاته، ثم قال بثقة:
"أجل، أنا هنا... كنتِ تفكرين بي، وها قد ظهرت لكِ."

اتسعت عيناها بدهشة من ثقته الغريبة في نفسه، ثم عقدت حاجبيها وقالت بضيق مصطنع:
"وأنا أفكر فيك إنت ليه؟"

هز رأسه بابتسامة واسعة، وأدخل إحدى يديه في جيبه، ثم قال ببساطة:
"على كل حال... أنا أيضًا أفكر بكِ دائمًا."

نظرت إليه تقي بفضول، وقد أثارت كلماته اهتمامها، فسألته:
"بتفكر فيا... في إيه يعني بالظبط؟"

غمز لها، ثم قال بنبرة مرحة:
"أفكر في كيف ستكونين عروسًا جميلة... وأفكر كيف ستكونين زوجة مثالية لي، وأيضًا كيف سأتعامل معك حينما تصبحين زوجتي ونكون معًا في منزل واحد."

ضاقت ملامحها، ونظرت إليه بشك واضح قبل أن تقول:
"عندي شك إن كلامك فيه قلة أدب... بس معنديش دليل."

انفجر مهران في ضحكة من قلبه، ثم هز رأسه نافيًا:
"لا إطلاقًا."

ضيقت عينيها أكثر، وكأنها تحاول فك شفرة كلامه، ثم قالت:
"أومال قصدك إيه بـ كيف ستتعامل معي بعد الزواج؟"

هز رأسه بابتسامة واسعة وقال:
"أقصد بتصرفاتي بشكل عام."

صمتت لحظة، ثم مالت برأسها قليلًا وسألته:
"ممم... وهتتعامل معايا إزاي يعني؟"

توقفت ابتسامته للحظة، وانخفض بصره قليلًا، قبل أن يرفعه إليها من جديد.. استقر نظره في عينيها، وكانت نظراته تحمل حبًا صريحًا لم يستطع إخفاءه، ثم قال بهدوء:
"سأعاملك معاملة الملكات... فأنتِ لا يليق بكِ إلا ذلك."

ظلت تقي تحدق فيه طويلًا.. لم تعرف ماذا تقول.. تسللت كلماته إلى قلبها دون استئذان، وتركت داخله شعورًا غريبًا لم تعتده.

هل كانت الفترة التي غاب فيها عنها و تفكيرها به كانت تشتاق إليه فعلًا؟

ربما كانت الإجابة واضحة، لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بها حتى لنفسها.

أبعدت بصرها عنه سريعًا، ثم تنحنحت بخفة، ورفعت حاجبها قائلة:
"وإنت واثق من نفسك أوي إننا هنتجوز؟"

هز مهران رأسه بثقة كاملة، لا يرى في الأمر احتمالًا آخر:
"أجل."

عقدت ملامحها من ثقته، ثم قالت:
"على فكرة، أنا لسه مقولتش لبابا... واحتمال كبير ميوافقش أصلًا."

تنهد مهران بابتسامة هادئة، وقال بثقة:
"لا تقلقي... اتركي الأمر لي."

رفعت حاجبها باستغراب:
"هتعمل إيه يعني؟"

ازدادت ابتسامته غموضًا، ثم قال:
"لا تشغلي بالك بذلك... أنا سأتولى الأمر."

ظل ينظر إليها للحظات، ثم تغيرت ملامحه قليلًا، واختفت منها تلك الدعابة وهو يقول:
"المهم الآن... هناك شيء مهم يجب أن أخبرك به."

عقدت تقي ملامحها باهتمام، وقالت:
"قول."

قال مهران بجدية وهدوء:
"ستذهبين مع أخيك معتز والفتاة التي معه إلى الصعيد، أليس كذلك؟"

اتسعت عيناها بدهشة، وسألته بسرعة:
"وإنت عرفت إزاي؟"

هز رأسه بهدوء، وكأنه لا يريد الخوض في الأمر الآن:
"دعي هذا الآن... عصام الهاشمي اتفق مع رجاله على أن يلحقوا بكم إلى هناك، ويتخلصوا منكم قبل وصولكم إلى أرض الصعيد."

تجمدت تقي مكانها.. اختفت الابتسامة من وجهها تمامًا، واتسعت عيناها وهي تنظر إليه بصدمة:
"إنت بتقول إيه؟... وعرفت منين الحاجات دي كلها؟"

أجابها بهدوء:
"سأخبرك لاحقًا، أما الأهم الآن فهو أن تخبري أخاكِ بذلك، وأن تكونوا حذرين... ذلك المجرم يمكنه فعل أي شيء."

عقدت تقي حاجبيها، وتعلقت عيناها بوجهه محاولة فهم ما يقوله:
"مجرم؟... إنت في تلميحات كده في كلامك أنا مش فهماها. إنت تعرف عصام ولا إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة."

هز مهران رأسه بهدوء، وقال:
"وعد مني، سأخبرك بكل شيء... لكن ليس الآن. الأهم من ذلك أن تكونوا حذرين، خصوصًا أنتِ."

توقف للحظة، ثم ظهرت في عينيه نظرة حادة وهو يكمل:
"وأنا لن أتركك... إن مسّك أحد بمكروه، سأمحيه من على وجه الأرض."

ارتسمت على شفتي تقي ابتسامة جانبية، وعادت روحها المرحة إليها قليلًا، فقالت بثقة:
"أنا مش بخاف... انا يتخاف مني. وإنت كمان خاف على نفسك مني... أسلحتي حادة وهتعورك جامد."

ابتسم مهران ابتسامة مماثلة، وقال بنبرة تحمل إيحاءً مرحًا:
"أخرجي عينيكِ من هذا الموضوع، وأي أسلحة أخرى أنا قادر عليها."

رمقته تقي بنظرة طويلة، وعيناها اللتان لطالما أسرتاه، ثم صمتت ولم تجد ردًا مناسبًا.

ازدادت ابتسامته حين لاحظ صمتها، فعرفت أنها وقعت في فخ كلماته مرة أخرى.

أبعدت نظرها عنه بسرعة، ثم ألقت نظرة على كوب النسكافيه أمامها، قبل أن تعود بعينيها إليه وتقول بنبرة متحدية:
"ابقى حاسب إنت بقى... ولا عندك مانع؟"

هز مهران رأسه بثقة، وكانت عيناه تلمعان بعشق واضح:
"أنا، وممتلكاتي ومالي، وكل ما يخصني... فهو لكِ."

حدقت فيه تقي لثوانٍ، ثم هزت رأسها بيأس وهي تبتسم رغمًا عنها:
"يا بني اتقل شوية... متبقاش مدلوق أوي كده. اتقل شوية."

ثم أخذت حقيبتها، وحملتها على كتفها، وغادرت المكان وهي تهز رأسها، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة لم تستطع إخفاءها مهما حاولت.

ظل مهران يتابعها بعينيه حتى ابتعدت، ثم أطلق زفرة طويلة، وأسند جسده إلى المقعد، وقال لنفسه بنبرة مستسلمة:
"أخبريني ماذا أفعل... لقد أرهقني عشقكِ."
 
                 ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان فارس يجلس مع سيف ونادين، بينما خيّم على المكان صمت ثقيل لم يكن يشبه جلساتهم القديمة.

رفع فارس كوب الشاي إلى فمه، واحتسى منه رشفة صغيرة، ثم أعاده إلى الطاولة أمامه بهدوء. ظل صامتًا لثوانٍ، وكأنه يرتب كلماته قبل أن يرفع عينيه إلى سيف ويقول بنبرة هادئة يغلب عليها العتاب:
"إحنا الفترة الأخيرة بعدنا عن بعض أوي يا سيف... وبقى في بينا مشاكل ومسافات المفروض متبقاش بينا يا صاحبي."

ظل سيف صامتًا قليلًا، ثم رفع عينيه إليه وقال بمرارة:
"ابنك اللي وصلنا لهنا يا فارس."

تنفس فارس بعمق، وحاول أن يتمالك أعصابه، ثم قال:
"ابني ملوش دعوة يا سيف... أنا كان ممكن أقطع علاقتي بيك نهائي بعد اللي عملته فيه، لكني عملت حساب العِشرة والصحوبية اللي بينا... إنما إنت يا سيف معملتش حساب لأي حاجة."

تدخلت نادين، وقد امتزج الضيق في صوتها بالعتاب، وقالت:
"واللي عمله ابنك ده عادي؟ دمر نفسية بنتي، وحبس خاله، وبنتي لحد دلوقتي محبوسة ومش عارفين نخرجها، والله أعلم حالتها عاملة إزاي."

رفع فارس عينيه إليها، ونظر لها بثبات قبل أن يقول دون تردد:
"بنتك عايزة تتربى."

اتسعت عينا نادين من وقع كلماته، بينما اشتعل الغضب في عيني سيف، وقال بحدة:
"أنا مسمحلكش يا فارس تتكلم عن بنتي بالأسلوب ده."

أغمض فارس عينيه للحظة، ثم هز رأسه بهدوء، محاولًا السيطرة على نفسه، قبل أن يفتحهما من جديد ويقول:
"أنا مش جاي أزود المشاكل والمسافات ما بينا... بالعكس، أنا جاي أقوي علاقتنا وأرجعها زي الأول يا سيف. مش مهم مين غلط في الولاد... هيتخانقوا عادي وهيرجعوا تاني عادي. لكن ذنب صحوبيتنا إيه يا سيف؟ كل ما هما يتخانقوا، هنبعد عن بعض يا صاحبي؟"

ظل سيف ينظر بعيدًا، وكأن كلمات فارس لامست شيئًا بداخله، ثم عاد ينظر إليه وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
"حقك عليا يا صاحبي... بس ابنك هو اللي نرفزني وعصبني، واللي عمله في بنتي مش سهل يا فارس. حط نفسك مكاني وقولي هتتصرف إزاي؟"

صمت فارس للحظة، ثم أطلق زفرة طويلة وقال:
"فكك من الكلام اللي مش هيقدم ولا هيأخر... خلينا في اللي أنا جاي لك عشانه."

عقد سيف حاجبيه وسأله:
"اللي هو؟"

رجع فارس بظهره إلى الخلف، ثم قال بهدوء وثقة:
"أنا طالب إيد بنتك خديجة لابني."

تجمدت ملامح نادين، واتسعت عيناها في صدمة، بينما بقي سيف لثوانٍ عاجزًا عن استيعاب ما سمعه.

ثم قال بدهشة:
"لابنك إزاي وابنك خاطب يا فارس؟!"

تدخلت نادين سريعًا، وقالت بقلق واضح:
"وكلنا عارفين كويس إنه بيحب خطيبته جدًا ومش هيتجوز غيرها... بدليل كسر قلب بنتي زمان، وسابها ورجع لخطيبته. هنكرر الموضوع تاني دلوقتي وبنتي تتكسر تاني؟ خديجة مش هتتحمل كل ده."

نظر فارس إليهما بهدوء، ثم قال:
"اعتبروه فسخ الخطوبة منها... وخديجة هتبقى أمانة عندي، ومش هسمح لأي حاجة تجرحها تاني... وده وعد مني."

ظل سيف صامتًا للحظات، ثم هز رأسه بأسف وقال:
"أنا آسف يا صاحبي، بس أنا مش موافق... لأن اللي بتقوله ده عكس اللي هيحصل. ابنك مش بيحبها، ومستحيل هو أصلًا يوافق عليها ويسيب خطيبته. ولو افترضنا إنك قدرت تقنعه... مهما عملت، ابنك مش هيحبها وهيجرحها طول ما هي معاه."

توقف للحظة، وانخفض صوته وهو يقول بحزن:
"كفاية إنها لحد دلوقتي مش عارفة تتعافى من اللي حصل لما كسرها زمان... وأنا مش هسمح إن ده يتكرر تاني. مش هقدر أستحمل أشوف بنتي بتعاني قدام عيني وأفضل ساكت."

أومأ فارس بتفهم وقال:
"حقك... وأي حد مكانك هيبقى خايف على بنته. بس أنا اللي بقولهالك يا سيف، اللي حصل زمان مش هيتكرر تاني، وده وعد مني... إنت مش واثق فيا ولا إيه؟"

تبادل سيف ونادين النظرات... ثم نظرت نادين إلى فارس، وقالت بحزن:
"إنت عارف كويس يا فارس إننا بنثق فيك أكتر من أي حد... لكن ابنك؟ لا... مضمنش بنتي معاه، بسبب اللي عمله مع بنتي شمس."

مسح فارس وجهه بضيق ونفاد صبر، ثم قال:
"ابني معملش حاجة لشمس بنتكوا... بتكدب عليكم."

كاد سيف أن يرد عليه، لكن جرس الباب قاطعه.. التفت الجميع ناحية الباب، وخرجت الخادمة لفتحه.

وبعد لحظات، ظهرت شمس أمامهم.. نهض سيف ونادين في اللحظة نفسها.

وما إن رأتها نادين حتى تبدلت ملامحها بالكامل، واندفعت نحوها مسرعة، ثم احتضنتها بقوة، وكأنها تريد التأكد بنفسها أنها بخير.

أبعدتها عنها قليلًا، وأخذت تتفحص وجهها وجسدها بقلق شديد، وهي تقول:
"قلبي وقف من الخوف عليكي... قوليلي، حد عملك حاجة؟ حد قرب منك؟"

هزت شمس رأسها نافية، بينما عادت نادين واحتضنتها من جديد، والدموع تلمع في عينيها من شدة فرحتها بعودتها.

اقترب سيف منها، ونهض فارس هو الآخر واقترب منهم... وفي تلك اللحظة دخل نور.

وقعت عيناه على والده، فابتسم فارس له ابتسامة صغيرة، تحمل معنى واضحًا؛ وكأنه يقول له إنه أحسن التصرف حين أخرج شمس.

وقف نور إلى جوار والده، بينما ابتعدت شمس قليلًا عن والدتها.

اقترب سيف منها واحتضنها هو الآخر باشتياق، ثم أبعدها عنه وأخذ يتفحص وجهها بعينين ممتلئتين بالقلق:
"إنتِ كويسة؟"

أومأت له شمس.. ثم وقعت عيناها على نور.

كان واقفًا في مكانه، ينظر إليها بصمت، منتظرًا منها أن تقول الحقيقة.

شابكت شمس أصابعها أمام جسدها، وبدأ الارتباك يظهر على ملامحها، ثم نظرت إلى والدها وقالت بتردد:
"في حاجة لازم أقولها لكم."

عقد سيف ملامحه، وأمسك كتفيها بقلق:
"قولي... حد عملك حاجة؟ احكي."

هزت رأسها بسرعة، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها قبل أن تنساب على وجنتيها: 
"لا... بس أنا عايزة أقول إن... إن نور معملليش حاجة."

توقفت لحظة، وكأن الاعتراف أثقل من قدرتها على الكلام، ثم تابعت بصوت باكٍ:
"وكل اللي أنا قولته كان كدبة مني... عشان أنتقم منه."

اتسعت عينا سيف ونادين في صدمة.

أمسك سيف ذراع ابنته، فانتفضت شمس من الخوف، وقال بانفعال:
"هو اللي قالك تقولي كده عشان يخرجك من السجن، صح؟"

هزت رأسها بسرعة، وقالت وهي تبكي:
"لا... هو مقليش حاجة."

ثم بدأت شمس تحكي لهما كل شيء؛ عن الصورة التي التقطتها لنور مع خديجة، وكيف أرسلتها إلى ميرال، ثم عن مواجهته لها وضربه إياها على وجهها، وكيف قررت الانتقام منه، فألفت عنه كل تلك الأكاذيب، فقط لتنتقم منه.

أنهت كلامها، ثم تراجعت إلى الخلف بخوف، وكأنها تستعد للعقاب الذي تعرف أنها تستحقه.

وضعت نادين يدها على فمها، وظلت تحدق في ابنتها بعدم تصديق، بينما كان سيف ينظر إليها بصدمة شديدة، وكأنها وضعت والدها في موقف لم يتخيل يومًا أن يجد نفسه فيه.

تقدم خطوة نحوها، ورفع يده بغضب، وكان على وشك ضربها، لكن فارس أمسك يده سريعًا وأوقفه، قائلًا بحدة:
"خلاص... اللي حصل حصل. المهم إنها اعترفت بغلطتها."

نظر سيف إلى شمس، والغضب يشتعل في عينيه، وقال:
"أنا ربيتك على كده؟! إنتِ متخيلة كم المشاكل اللي حصلتلي بسبب كدبك ده؟"

ثم أشار بيده نحو نور، وصاح بغضب:
"وده اللي كنت هقتله بسببك! صغرتيني وعملتي مشاكل بيني وبين صاحبي... وفي الآخر بتقوليلي كدب؟!"

خفضت شمس رأسها، وانهمرت دموعها أكثر، بينما هزت نادين رأسها بأسى، وامتلأت عيناها بالدموع والخذلان:
"ليه يا بنتي تعملي كده؟ ليه استفدتي إيه؟ حرام عليكي."

حاول سيف الاقتراب من شمس مرة أخرى، وقد عجز عن السيطرة على غضبه، لكن فارس أمسكه وأرجعه إلى الخلف بصعوبة، وصاح فيه:
"مقولنا خلاص بقى!"

ثم التفت إلى شمس وقال بحزم:
"اطلعي على أوضتك... امشي."

هزت شمس رأسها وسط بكائها، ثم ركضت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها.

ترك فارس سيف، ثم قال له بنبرة أكثر هدوءًا:
"عصبيتك عليها ملهاش أي لازمة... والضرب مش بيربي. اقعد معاها واتكلموا بالراحة، وفهمها غلطها."

أدار سيف وجهه بعيدًا، ولم تكن لديه الجرأة على النظر في عيني صديقه بعد ما قالته ابنته. 

تنهد فارس، ثم قال:
"همشي دلوقتي... وهنكمل كلامنا بعدين."

نظر نور إلى الجميع للحظة.. كان قد أظهر الحقيقة كاملة، وأثبت براءته من كل الاتهامات التي وُجهت إليه.. ثم اتجه مع والده نحو الباب، وخرج معه، قبل أن يُغلق الباب خلفهما.

جلست نادين على الأريكة، وما زالت غير قادرة على تصديق ما فعلته ابنتها.

أما سيف، فظل واقفًا في مكانه، يحدق في باب غرفة شمس المغلق، وضم قبضته بقوة....... 

                    ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

توقفت سيارة خديجة أمام المنزل، فنزلت منها، ثم تبعتها مريم بخطوات بطيئة مترددة. أغلقت خديجة باب السيارة، ثم التفتت إليها، وظلت تنظر إلى وجهها القَلِق للحظات قبل أن تسألها:
"إنتِ متأكدة يا مريم إنك مش عايزة نبلغ دلوقتي؟"

نظرت مريم إليها، وكان الخوف واضحًا في عينيها، ثم قالت بنبرة مترددة:
"مش عارفة... بس لو بلغنا، هينشر الفيديوهات يا خديجة."

هزت خديجة رأسها بتفهم، ثم قالت وهي تحاول أن تبدو مطمئنة:
"من ناحية الفيديوهات... أنا فكرت، وإن شاء الله ده هيبقى الحل."

تعلقت مريم بكلماتها كأنها وجدت أخيرًا حبل نجاة، وأمسكت بذراع خديجة بسرعة، وقالت بلهفة:
"إيه هو؟ قوليلي."

أمسكت خديجة يدها وضغطت عليها برفق، ثم قالت:
"بصي... أنا بحثت على الإنترنت، لقيت اتنين بيساعدوا البنات اللي بيتعرضوا للابتزاز الإلكتروني. نتواصل معاهم ونخليهم يساعدونا."

صمتت مريم، وظلت تنظر إليها بتفكير وقلق، قبل أن تقول:
"أنا سمعت عنهم... لكن نضمنهم إزاي؟ افرضي هما بياخدوا الفيديوهات دي ويعملوا بيها مصايب بعد كده؟"

هزت خديجة رأسها نافية، وقالت:
"لا، معتقدش كده. أنا شوفت بنات كتير بيدعموهم بعد ما ساعدوهم، وسمعت كمان إن كل حاجة هتبقى بشكل سري ومحدش هيعرف."

نظرت مريم حولها بارتباك، وكأنها تخشى أن يكون يوسف قريبًا منهما، ثم قالت بصوت خافت:
"طيب افرضي يوسف عرف باللي إحنا هنعمله وسبقنا ونزل الفيديوهات؟"

صمتت خديجة لحظات، وعقدت حاجبيها وهي تفكر في الأمر، ثم قالت بنبرة هادئة:
"بصي... ادخلي إنتِ دلوقتي، خديلك دش وارتاحي شوية، وبكرة هنشوف هنعمل إيه، تمام؟ ومتقلقيش... مش هسيبك، وهفضل جنبك."

ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه مريم، لكن عينيها امتلأتا بالدموع من شدة تأثرها بكلمات خديجة.

فجأة اندفعت نحوها واحتضنتها بقوة، وقالت بحزن شديد:
"حقيقي... أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه."

بادلتها خديجة العناق، وراحت تربت على ظهرها بحنان، قائلة:
"إحنا أخوات... مشاكلِك هي مشاكلي، وراحتك من راحتي."

ابتعدت مريم عنها ببطء، ومسحت دموعها، ثم اتجهت إلى داخل المنزل بخطوات هادئة.

ظلت خديجة تتابعها بعينيها حتى دخلت وأغلقت الباب خلفها.

كانت على وشك أن تستقل سيارتها، لكنها توقفت حين رأت سيارة نور تتوقف أمام المنزل.

نزل منها نور، وتبعه فارس.

اقترب الاثنان منها، فنظر إليها فارس بابتسامة ودودة وقال:
"إزيك يا خديجة؟"

ابتسمت خديجة أسفل نقابها، وقالت:
"بخير الحمد لله."

انتقلت عيناها تلقائيًا إلى نور.. توقفت نظراتهما لثوانٍ قليلة.

نظر إليها نور بصمت، دون أن ينطق بكلمة واحدة، ثم أشاح بوجهه وتركهما، واتجه إلى داخل المنزل.

خفضت خديجة بصرها بحزن، وتابعت خطواته بعينيها حتى اختفى خلف الباب.

لاحظ فارس نظرتها، فظل ينظر إليها للحظات، ثم قال:
"عايز أتكلم معاكي في موضوع... ممكن؟"

رفعت خديجة بصرها إليه، وحاولت أن تخفي حزنها بابتسامة صغيرة، وقالت:
"طبعًا يا عمي... هو ده محتاج سؤال؟"

هز فارس رأسه بابتسامة خفيفة، ثم أشار لها أن تتبعه.

في الداخل، ما إن رأت ياسمين مريم حتى نهضت من مكانها بسرعة واتجهت إليها، وأخذت تتفحصها بعينيها بقلق ولهفة: 
"إنتِ كنتي فين يا بنتي؟ قلقتيني عليكي... بتصل بيكي ومش بتردي عليا ليه؟"

نظرت مريم إليها للحظات... لم تعرف ماذا تقول.

وفجأة، وكأنها لم تعد قادرة على كتمان ما بداخلها، ارتمت في أحضانها وانفجرت في البكاء.

تفاجأت ياسمين من رد فعلها، واتسعت عيناها بقلق، ثم احتضنتها سريعًا وراحت تربت على ظهرها:
"مالك يا مريم؟ في إيه يا حبيبتي؟ احكيلي... حد زعلك؟ حد قالك حاجة؟"

لم تجبها مريم.

على العكس، تشبثت بها أكثر، وضمتها بقوة وكأنها كانت في حاجة ماسة إلى هذا الحضن، بينما ازدادت شهقاتها دون إرادة منها.

زاد قلق ياسمين، وظلت تحاول معرفة ما بها، لكن مريم لم تستطع قول شيء.

في تلك اللحظة، دخل نور وأغلق الباب خلفه.

توقفت عيناه عند والدته وهي تحتضن مريم التي كانت تبكي، فعقد حاجبيه باستغراب، ثم أسرع نحوهما: 
"هو في إيه؟"

هزت ياسمين رأسها بقلق وقالت:
"مش عارفة."

ابتعدت مريم عن ياسمين قليلًا، ومسحت دموعها بسرعة حين شعرت بنظرات نور عليها.

اقترب منها نور، وكان القلق واضحًا في صوته:
"مالك يا مريم؟"

هزت رأسها سريعًا، محاولة إخفاء ارتباكها، وقالت بصوت مرتجف:
"مفيش حاجة... أنا بس... يعني افتكرت ماما وبابا وتيتا، بس... مفيش حاجة."

ثم عادت لمسح دموعها التي تساقطت من جديد رغم محاولتها منعها.

اقتربت منها ياسمين، ووضعت يدها على كتفها بحنان، وقالت:
"كل ما تفتكريهم ادعيلهم بالرحمة... هما دلوقتي في مكان أحسن يا حبيبتي."

هزت مريم رأسها بحزن، بينما ظل نور ينظر إليها بصمت.

كانت ملامحه قد تغيرت تمامًا.. فراق الأهل ليس أمرًا سهلًا...وفجأة تذكر كلمات والده... تذكر مرضه.. وتذكر أنه لم يتبقَّ له سوى أيام معدودة.

انقبض قلبه، وشعر بغصة خانقة في حلقه، قبل أن تنزل دمعة من عينيه دون أن يشعر.

لن يتحمل فراقه...لن يتحمل أن يأتي اليوم الذي يبحث فيه عن والده فلا يجده.

أشاح وجهه سريعًا حتى لا يراه أحد، ثم استدار وغادر المكان دون أن ينطق بكلمة واحدة، وصعد إلى غرفته بخطوات مثقلة.

ظلت ياسمين تتابعه بعينيها باستغراب، وقد ازدادت حيرتها أكثر.

لم تعد تفهم أيًّا ممن حولها.. أولًا فارس...ثم مريم...والآن نور.

ما الذي يحدث معهم جميعًا؟
ولماذا تشعر أن كل واحد منهم يخفي عنها شيئًا؟

                ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرجت ميرال بعد انتهاء عرض أزيائها، وما إن ظهرت أمام الحضور حتى تجمع حولها الصحفيون، وتزاحمت الأسئلة من كل جانب. سألها بعضهم عن العرض، وآخرون عن التصاميم الجديدة، قبل أن تبدأ الأسئلة تدريجيًا في الانتقال إلى حياتها الشخصية.

تقدم أحد الصحفيين منها وسألها بابتسامة:
"في أخبار انتشرت الفترة الأخيرة إن معاد فرحك قرب."

ازدادت ابتسامتها اتساعًا، وهزت رأسها قائلة بسعادة واضحة:
"أيوه، ده فعلًا... قرب جدًا."

سألتها إحدى الصحفيات بفضول:
"بعد قد إيه بالظبط؟ شهر ولا أقل من كده؟"

ضحكت ميرال بخفة، ثم قالت:
"لا، شهر إيه؟ ده بعيد أوي... أقل من كده إن شاء الله."

توالت عليها الأسئلة، فأجابت عنها بابتسامة، قبل أن يفسح حراسها الطريق لها.

فتح أحدهم باب سيارتها، فاستقلت ميرال السيارة دون أن تتوقع أن تجد نور بداخلها.

وما إن رأته حتى أشرقت ملامحها، وجلست بجواره وهي تنظر إليه بحماس واضح، وقالت بلهفة:
"الكل كان بيسأل فرحنا إمتى... الكل متحمس لليوم ده! وأنا مش قادرة أقولك أنا فرحانة ومتحمسة قد إيه يا نور."

لكن ابتسامتها بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا حين لاحظت جموده.

كان يجلس بجوارها ساكنًا، وملامحه خالية من أي تعبير، على عكس عادته تمامًا.

راقبته ميرال للحظات، ثم عقدت حاجبيها وسألته بقلق:
"مالك يا نور؟"

قال نور دون أن ينظر إليها، وبصوت هادئ خالٍ من المشاعر:
"هتجوز بكرة."

اتسعت عيناها، ثم لمعتا بفرحة أكبر، وكأنها لم تستوعب سرعة ما أخبرها به، وصفقت بيديها بحماس:
"بكرة بكرة؟! مش مصدقة إننا هنتجوز!"

لكن نور قاطع فرحتها بنفس الجمود:
"من خديجة."

تجمدت يداها في الهواء... اتسعت عيناها في صدمة، وكأن الكلمات احتاجت وقتًا حتى تصل إلى عقلها: 
"نعم؟"

نظر إليها نور أخيرًا، وكانت ملامحه تحمل حزنًا عميقًا حاول جاهدًا إخفاءه، ثم قال:
"زي ما سمعتي... هتجوز خديجة بكرة."

تجمعت الدموع في عينيها، وظلت تحدق فيه غير مصدقة، قبل أن تنساب أول دمعة على وجنتها.. قالت بصوت مرتجف:
"نور... إنت بتهزر، صح؟ بالله عليك قولي إنك بتهزر."

ظل ينظر إليها في صمت.. هزت ميرال رأسها بعنف، وانهمرت دموعها بغزارة، ثم قالت وسط بكائها:
"إنت مستحيل تعمل فيا كده يا نور؟! طيب وعدك ليا؟ حبنا؟ كل ده راح فين؟ عشان خاطري قولي إنك مش هتتجوزها."

ارتفعت نبرة صوتها، وارتجف صوتها من شدة الانفعال:
"قولي مش هتتجوزها! مش هتتجوز حد غيري!"

أشاح نور بوجهه عنها، وعجز عن النظر إلى عينيها المليئتين بالدموع، ثم قال بحزن:
"صدقيني... أنا مجبور. مش بإيدي أعمل أي حاجة."

شهقت ميرال من بين بكائها، وقالت بانفعال:
"يعني إيه مجبور؟! إيه اللي يجبرك تتخلى عني؟! تتخلى عن حبك ليا وعن أحلامنا اللي بنيناها سوا؟! قولي... إيه اللي جابرك؟"

رفع نور عينيه إليها، وكانت الدموع قد تجمعت فيهما.

كان على وشك أن يخبرها بمرض والده، أن يخبرها بالحقيقة التي تمزق قلبه، لكنه تذكر قسمه لفارس.

كان والده قد أجبره على أن يقسم ألا يخبر أحدًا بمرضه.

ابتلع غصته، وأدار وجهه للحظات حتى يستعيد تماسكه، ثم عاد ينظر إليها وقال بصوت خافت:
"مش هينفع أقولك دلوقتي... لكن اللي عايزك تعرفيه وتتأكدي منه إني بحبك يا ميرال، وجوازي من خديجة مش هيأثر ولا هيقلل من حبي ليكي."

نظرت إليه وكأنها لم تصدق ما سمعته، ثم هزت رأسها بعنف، وازدادت دموعها انهمارًا:
"لو بتحبني بجد يا نور... متتجوزهاش. عشان خاطري يا نور، أنا مش هقدر أستحمل أشوف واحدة غيري في حياتك... بلاش تعمل فيا كده."

مد يده إليها ومسح دموعها برفق، وصوته يختنق بالألم:
"صدقيني... والله العظيم غصب عني، ومش هينفع متجوزهاش."

أبعدت يده عن وجهها بعصبية، ثم نظرت إليه بعينين حمراوين من شدة البكاء، وقالت بصوت مرتجف:
"يبقى خلاص يا نور... اختار واحدة مننا. يا تتجوزني أنا يا هي."

صمتت للحظة، ثم اقتربت منه قليلًا، وكأنها تتشبث بآخر أمل لها:
"لكن خلي بالك... لو اتجوزتها، إنت مش هتشوف وشي تاني. وده هيكون آخر لقاء بينا."

ثم قالت وهي تبكي:
"اختار... أنا ولا هي يا نور؟"

ظل نور ينظر إليها.. كانت نظراتها تحمل إصرارًا واضحًا، وكانت تنتظر منه أن يختارها.

لكن قلبه كان ممزقًا بين حبه لها وبين وعده لوالده.. أبعد بصره عنها وأغمض عينيه.

عاد إلى ذهنه وجه فارس وكلماته، وتذكر أن هذا الزواج هو أمنية والده وطلبه الأخير منه.

فتح عينيه ببطء، وانسابت دمعة على وجنته رغم محاولته منعها.. نظر إلى ميرال، وقال بصوت مكسور:
"هتجوز خديجة يا ميرال."

توقفت أنفاسها للحظة.

نظرت إليه بصدمة شديدة، كانت تتوقع أن يختارها هي، ولم يخطر ببالها للحظة أن يكون اختياره لغيرها.

ظل نور ينظر إليها لحظات، ثم عجز عن تحمل نظرتها.

فتح باب السيارة ونزل منها.

وقف للحظة بجوار الباب، وألقى عليها نظرة أخيرة امتلأت بالحزن والعجز، ثم أغلق الباب واتجه بعيدًا، وهو يمسح دموعه التي سقطت رغمًا عنه.

ما إن ابتعد حتى رفعت ميرال يدها ومسحت دموعها بعنف.

تبدلت ملامحها تمامًا، وتحول انكسارها إلى غضب اشتعل في عينيها.

حدقت أمامها، وضغطت على شفتيها، ثم قالت من بين أسنانها:
"بتتحديني يا خديجة؟"

صمتت لحظة، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة: 
"ماشي... هتشوفي أنا هعمل إيه."

                     ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان آدم يسير في منتصف الطريق، ولأول مرة في حياته يجد نفسه حائرًا إلى هذا الحد؛ لا يعرف ماذا يفعل، ولا إلى أين يذهب، ولا حتى ماذا يريد.

كان يسير بلا وعي، تاركًا لقدميه حرية اختيار الطريق، فكل ما كان يريده هو أن يبتعد... عن المكان الذي شهد انكساره، وعن الكلمات التي مزقت قلبه.

لم تتوقف دموعه عن الانهمار، وكلما تذكر كلمات والده، طريقته القاسية معه، ونظراته الخالية من أي رحمة، ازداد وجع قلبه.

كيف استطاع والده أن يكون بهذه القسوة معه؟

كيف استطاع أن ينظر إلى ابنه بهذه الطريقة وكأنه شخص غريب لا يعني له شيئًا؟

توقفت قدماه فجأة من تلقاء نفسيهما.. رفع آدم عينيه، فوجد مسجدًا بجواره.

ظل واقفًا للحظات ينظر إليه بصمت.. أي طريق كان سيسلكه؟ وأين كانت ستأخذه خطواته؟

لم يكن يعرف.

لكن رغم كل الحيرة التي كانت تملأه، انتهى به الطريق إلى هنا... إلى بيت من بيوت الله.

شعر وكأنها إشارة من الله إليه؛ وكأن الله يخبره أنه معه، وأنه لن يتركه مهما تخلى عنه الجميع.

تحركت قدماه ببطء نحو المسجد.

دخل، فوجد عددًا قليلًا من المصلين، يجلس كل واحد منهم في مكان بعيد عن الآخر، منشغلًا بدعائه ومناجاته لربه.

ظل آدم واقفًا للحظات، يتأمل المكان في صمت، قبل أن يتجه إلى إحدى الزوايا ويجلس فيها.

رفع رأسه نحو النافذة، وأخذ ينظر إلى السماء بعينين غارقتين في الدموع.

حاول أن يتمالك نفسه...لكنه لم يستطع.

انفجر في البكاء، ووضع يده فوق قلبه الذي أثقلته الصدمات، ثم قال بصوت متقطع من شدة الوجع:
"أنا ذنبي إيه؟... ذنبي إيه في كل ده؟ ليه بيعاملني كده؟ أنا عملت له إيه؟... ليه مش بيحبني زي ابنه؟ لييييه؟"

ارتجف صوته في آخر كلمة، وانحنى قليلًا وهو يحاول التقاط أنفاسه.. ثم ضغط بيده على صدره أكثر، وقال بألم:
"وجودي في الدنيا دي كان غلطة..."

سكت للحظات، وكأنه يحاول ابتلاع الغصة العالقة في حلقه، ثم رفع عينيه إلى السماء من جديد، وقال:
"طول السنين دي كلها كنت فاكر إنه ميت... وكنت بدعيله."

انهمرت دموعه أكثر: 
"في الآخر يطلع عايش، وعنده بيت... وعنده أولاد... وأنا؟"

ضحك ضحكة قصيرة موجوعة، سرعان ما تحولت إلى شهقة باكية: 
"راميني، ولا سائل عني، ومش طايقني..."

هز رأسه بعدم تصديق، ثم قال بانهيار:
"طيب ذنبي إيه في غلطة هما عملوها؟ أنا ذنبي إيه يا رب؟... أتعاقب على ذنبهم ليه؟ أتعاقب على حاجة أنا معملتهاش ليه؟"

ارتفع صوته قليلًا، ثم انخفض وهو يبكي:
"ليه يا رب؟"

أغمض عينيه، وأخفض رأسه، وترك دموعه تنهمر بلا مقاومة.

وبعد لحظات، شعر بأحدهم يجلس إلى جواره.

فتح عينيه ببطء، فوجد رجلًا مسنًا يجلس بجانبه، يستند إلى عكازه.

نظر الرجل إليه بعينين حانيتين، ثم ربت على يده برفق وقال بابتسامة هادئة:
"اوعى تيأس من رحمة ربنا يا بني... مهما ابتلى العبد من ابتلاءات، ففيها خير ليه."

صمت قليلًا، ثم تابع بنبرة مطمئنة:
"عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ، ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ، ولا حَزَنٍ، ولا أذًى، ولا غَمٍّ، حتى الشوكةِ يُشاكُها، إلا كفَّر اللهُ بها من خطاياه»."

ظل آدم ينظر إليه ودموعه تنساب على وجنتيه في صمت.

رفع الرجل عينيه إلى السماء، وارتسمت على وجهه ابتسامة راضية، ثم قال:
"احمد ربنا على كل شيء... حتى الابتلاء احمده عليه. وإن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه."

ثم عاد بنظره إلى آدم، وضغط على يده برفق:
"خلي أملك في ربنا كبير يا بني. وإنت شكلك بني آدم طيب وقريب من ربنا... ادعيله. هيخفف عنك، وهيطبطب عليك أحسن من مية بني آدم حواليك."

ربت على يده مرة أخرى، ثم استند إلى عكازه ونهض ببطء... تركه وغادر، بينما ظل آدم جالسًا في مكانه، يتابعه بعينيه حتى ابتعد.

رفع رأسه نحو السماء مرة أخرى.. هذه المرة لم يتحدث.

فقط أغمض عينيه، وبدأ يدعو ربه في صمت، بينما ظلت دموعه تنساب على خديه.

ولأول مرة منذ أن عرف الحقيقة... شعر أن هناك من يستطيع أن يسمع وجعه حتى لو لم يستطع هو أن يشرحه لأحد..... 

                   ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان فارس يجلس برفقة نور وياسمين ومريم في منزل سيف، بينما جلس سيف في مواجهتهم، وإلى جواره خديجة، في حين كانت شمس تجلس بجانب والدتها نادين، متجنبة النظر إلى والدها خوفًا من غضبه.

ساد المكان صمت قصير، قبل أن يقطعه فارس وهو ينظر إلى سيف بترقب:
"ها... قولت إيه يا سيف؟"

ظل سيف ينظر إليه للحظات دون أن يجيبه، ثم أدار وجهه ناحية خديجة وقال بهدوء:
"اسمع رأيها الأول."

انتقلت أنظار الجميع إلى خديجة.

نظر إليها فارس منتظرًا إجابتها، بينما بقيت هي صامتة للحظات.

أغمضت عينيها بحزن، وعاد إلى ذاكرتها حديث فارس معها حين طلب منها أن يتحدث معها على انفراد، وأخبرها عن مرضه، وعن الزواج، وعن خوفه على ابنه، وأنه لن يطمئن عليه إلا معها.

فتحت عينيها ببطء، وقد امتلأتا بالحزن.. لم يكن حزنها بسبب الزواج...بل بسبب فكرة أن يبتعد فارس عنهم.

فارس لم يكن بالنسبة إليها مجرد والد نور، بل كان بمثابة والد لها، وربما أكثر من ذلك.

رفعت عينيها إليه، فرأت نظراته المعلقة بها، وكأنه ينتظر منها إجابة ستحدد الكثير.

تدخلت ياسمين بابتسامة مشجعة، محاولة أن تخفف عنها ثقل اللحظة:
"عايزين نسمع رأيك يا خديجة."

التفتت خديجة ببطء نحو نور.

كان يجلس في مكانه، وملامحه جامدة لا تكشف شيئًا، لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا آخر تمامًا.. كان يتمنى في داخله أن ترفض.

لم يكن يريد أن يظلمها بزواج لا يملك فيه قلبه، ولم يكن يريد أن تتحمل هي نتيجة قرار لم يكن لها ذنب فيه.

تنهدت خديجة ببطء، ثم قالت وهي تحاول أن تجعل نبرتها طبيعية:
"أنا... موافقة."

اتسعت عينا نادين، بينما نظرت شمس إلى خديجة بدهشة واضحة، وكأنها لم تتوقع موافقتها بهذه السرعة.

أما سيف، فلم تتغير ملامحه كثيرًا، فقد كان يتوقع موافقتها، وظن أن حبها الشديد لنور هو ما دفعها إلى قبول الزواج.

ابتسم فارس براحة واضحة، بينما أشرقت ملامح مريم بسعادة، وظهرت ابتسامة واسعة على وجهها.

أما نور، فبقي على حاله، جامد الملامح، وكأن شيئًا لم يحدث.

صمت سيف قليلًا، ثم نظر إلى فارس وقال:
"لكن يا فارس... مش شايف إن بكرة مستعجل أوي على الفرح؟ مش هنلحق نجهز حاجة."

ابتسم فارس ابتسامة خفيفة، وقال بهدوء:
"وإحنا مش عايزين منكم أي حاجة يا سيف... كفاية علينا خديجة."

 أومأ سيف بهدوء.. بعدها رفع عينيه إلى نور، وقال:
"وإنت مش عايز تقول حاجة؟"

نظر نور إلى سيف للحظات، ثم قال ببرود:
"عايزني أقول إيه يعني؟"

ابتسم سيف ابتسامة صغيرة، وكأنه يحاول أن يستدرجه لمعرفة رأيه الحقيقي والتأكد من أنه موافق على الزواج، حتى يطمئن على ابنته:
"مش هتتناقش في تفاصيل الفرح ولا أي حاجة من دي؟"

هز نور رأسه بهدوء، وقال:
"اللي هتقول عليه العروسة... موافقين عليه."

التفتت ياسمين إلى نادين، وقد امتلأت ملامحها بالفرحة، وقالت بمزاح:
"مش هتعملي زغرودة ولا إيه؟"

ابتسمت نادين، ثم رفعت صوتها بزغرودة طويلة ملأت أرجاء المنزل.

أما خديجة، فبقيت جالسة في مكانها، تحاول أن تخفي اضطراب قلبها، بينما كان نور ينظر أمامه في صمت، يحمل داخله ألف شعور لا يستطيع البوح بواحد منها.... 

                ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت ميرال تقف في منتصف غرفتها، والهاتف ملتصق بأذنها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة لا تحمل أي خير.

قالت بنبرة حازمة امتزج بها الخبث:
"مش عايزة غلطة... إنت فاهم ولا لأ؟"

استمعت إلى الطرف الآخر للحظات، ثم أنهت المكالمة، وأنزلت الهاتف ببطء.

اتسعت ابتسامتها أكثر، واشتعلت عيناها بمكر واضح، ثم تمتمت:
"إنتِ فعلًا بكرة هتلبسي الأبيض يا خديجة... لكن مش فستان فرحك."

توقفت لحظة، ثم مالت برأسها قليلًا وقالت بابتسامة شيطانية:
"هتلبسي كفنك."

وانطلقت من بين شفتيها ضحكة خبيثة........ 

الفصل الرابع والثلاثون 
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
كانت أميرة تدخل غرفة آدم بخطوات مترددة، والندم والحزن يثقلان قلبها، بينما كانت الدموع متجمعة في عينيها، تكاد تنساب مع كل نفس مضطرب تأخذه.

لكنها ما إن رفعت بصرها حتى اتسعت عيناها بصدمة حين وجدته واقفًا أمام الخزانة، يضع ملابسه داخل حقيبة سفر مفتوحة فوق الفراش.

توقفت للحظة مكانها، وكأن قدميها تجمدتا أسفلها، ثم أسرعت نحوه بخوف، وقالت بصوت مرتجف اختنق بالبكاء:
"إنت رايح على فين يا آدم؟"

لم يلتفت إليها.. ظل يطوي ملابسه بيدين متوترتين، وحركاته سريعة وعصبية... ولم يجبها.

حدقت فيه أميرة بعينين ممتلئتين بالدموع، ثم ابتلعت غصة مؤلمة في حلقها، بينما اتجه آدم إلى الخزانة وأخذ منها باقي ملابسه وألقاها داخل حقيبته دون اهتمام بترتيبها.

شعرت أميرة بقلبها يتمزق وهي تراه يستعد للرحيل.

مدت يدها ببطء، وأمسكت بكتفه، وقالت وهي تحاول أن تمنع صوتها من الانهيار:
"آدم..."

لكن قبل أن تكمل، أبعد يدها عنه بعنف.. استدار إليها فجأة، فارتدت أميرة خطوة إلى الخلف من شدة المفاجأة.

كانت عيناه حمراوين من كثرة البكاء، وملامحه شاحبة ومنهكة، والدموع عالقة في عينيه قبل أن تنساب على خديه.

نظر إليها نظرة مليئة بالخذلان، وقال بصوت حاد، لكنه كان يرتجف من شدة الوجع:
"ابعدي عني... إنتِ السبب في كل اللي بيحصلي."

هزت أميرة رأسها بعنف، وتساقطت دموعها وهي ترفع يديها أمامها وكأنها تتوسل إليه أن يصدقها:
"لا... لا يا بني، أنا مليش ذنب... والله العظيم مليش ذنب في اللي حصل."

ظل آدم يحدق فيها للحظات... كانت عضلات فكه مشدودة، وأنفاسه متقطعة، وكأنه يحاول أن يحبس كل ما بداخله، لكنه لم يستطع.

سألها بصوت مكسور، بينما انحدرت دمعة جديدة على وجهه:
"سبتيني عايش ليه؟"

ارتعشت شفتاه قبل أن يكمل:
"مش هو قالك تنزليني لما كنتِ حامل فيا؟... معملتيش اللي قالك عليه ليه؟"

اقترب منها خطوة، ونظراته تحمل ألف سؤال وألف سنة من الوجع:
"ليه سبتيني عايش؟"

شهقت أميرة، ووضعت يدها على صدرها، وكأن سؤاله طعنها في قلبها.. هزت رأسها بعنف، وانفجرت دموعها:
"مقدرتش... مقدرتش أعمل كده!"

ارتجف صوتها وهي تقول:
"حرام عليا لو كنت عملتها... كنت عايزني أقتل روح ربنا خلقها؟!"

مسحت دموعها بيد مرتجفة، ثم نظرت إليه بعينين منكسرَتين:
"إنت عارف يا آدم إنه حرام، ومش محتاج أقولك الكلام ده... يبقا إزاي كنت عايزني أعمل كده؟"

ظل آدم ينظر إليها، ودموعه تتساقط في صمت.. ثم ضحك ضحكة قصيرة موجوعة ، وهز رأسه:
"حرام؟"

رفع عينيه إليها، وقال بصوت يرتجف من الغضب والألم:
"طيب واللي إنتوا عملتوه مش حرام برضه؟"

وضع يده على صدره، وضغط فوق قلبه وكأنه يحاول تخفيف الألم الذي يعصف به:
"والوجع اللي أنا حاسس بيه دلوقتي... مش حرام عليكم برضه تعملوا فيا كده؟"

هزت أميرة رأسها بعنف، وبدأ صوت بكائها يعلو:
"متلومنيش يا آدم! اللي حصل مكنش بإرادتي.. والله العظيم مليش ذنب فيه!"

اقتربت منه، لكن آدم تراجع خطوة، فثبتت مكانها.. قالت بصوت متوسل:
"دفعت طول عمري تمن غلطة أنا معملتهاش... خسرت مستقبلي وأهلي، خسرت كل حاجة..."

ارتجفت شفتاها وهي تكمل:
"فبلاش إنت كمان يا بني تبعد عني... أنا أخسر الدنيا كلها، لكن إنت لا..."

توقفت للحظة، ثم وضعت يدها على قلبها وقالت بحرقة:
"إنت لا يا آدم."

هز آدم رأسه ببطء، تساقطت دموعه بغزارة، وقال بصوت مبحوح:
"وأنا ذنبي إيه.. ذنبي إيه أعيش طول عمري موجوع بسببكم؟"

ثم مسح وجهه بيده بعنف، وقال:
"أنا دلوقتي لما ببص لنفسي في المراية بدايق... أنا كرهت نفسي أوي."

توقفت أنفاس أميرة للحظة.

أكمل وهو يضع يده على صدره:
"كرهت نفسي من اللحظة اللي عرفتيني فيها حقيقتي..."

خفض عينيه، وكأنه يخجل من الكلمة نفسها:
"ابن حرام."

لم تستطع أميرة الرد... ظلت واقفة أمامه، ودموعها تنساب بصمت، بينما كان هو يشيح بوجهه عنها.. قال بصوت مكسور:
"وهعيش طول عمري موجوع بسبب الجملة دي."

مسح دموعه بعنف، ثم أغلق حقيبته وسحبها من فوق الفراش.. استدار نحو الباب، لكن أميرة أسرعت ووقفت أمامه.

فتحت ذراعيها قليلًا تريد منعه من الرحيل، وقالت وسط شهقاتها:
"عشان خاطري يا بني... متسبنيش وتمشي."

لم يجبها.. فقط رفع عينيه إليها للحظات، وكانت نظرته مليئة بالحزن، ثم تجاوزها بصمت.

استدارت أميرة خلفه، وانهارت نبرتها تمامًا:
"آدم... أرجوك متعملش فيا كده!"

ركضت خلفه خطوتين، ثم توقفت وهي تقول:
"متمشيش وتسيبني لوحدي."

لكن آدم توقف فجأة... كان فارس يقف أمامه.

نظر فارس إلى أميرة، ثم إلى آدم، ولاحظ الحقيبة في يده وعينيه المتورمتين من البكاء.. قال بهدوء:
"سبينا لوحدنا شوية."

مسحت أميرة دموعها بسرعة، وهزت رأسها... وقبل أن تخرج، ألقت نظرة أخيرة على آدم، كانت مليئة بالخوف والرجاء، لكنه لم ينظر إليها.

غادرت وأغلقت الباب... اقترب فارس من آدم وأمسكه من ذراعه برفق، ثم أعاده إلى الغرفة وأغلق الباب خلفهما.

نظر إلى الحقيبة، ثم رفع عينيه إليه:
"ممكن أعرف إنت رايح على فين؟"

رفع آدم عينيه إليه، وتعلقت الدموع بأهدابه، ثم قال بحزن:
"إنت كمان كنت عارف... ومخبي عليا؟"

مد فارس يده إليه وقال بنبرة هادئة:
"طيب تعالى نقعد الأول و..."

لكن آدم أبعد يده عنه فجأة، وارتفعت نبرته دون أن يشعر:
"رد عليا!"

اقترب منه خطوة، وعيناه مليئتان بالخذلان:
"إنت كمان كنت عارف؟"

نظر فارس إليه طويلًا، ثم أطرق رأسه للحظة، قبل أن يهز رأسه ببطء:
"آه... كنت عارف يا آدم."

انهمرت دموع آدم فورًا.. حدق في فارس وكأنه لم يكن يتمنى سماع ذالك منه.. قال بصوت منكسر:
"مقولتليش ليه؟"

ابتلع ريقه بصعوبة، ثم تابع:
"معرفتنيش الحقيقة من بدري ليه.. يعني إنتوا مبسوطين وإنتوا شايفيني موجوع دلوقتي؟"

هز فارس رأسه سريعًا، وقال بحزن:
"آدم... إنت عارف إني بعتبرك زي ابني وأكتر، وبحس بوجعك وفرحك وبكل حاجة إنت بتحس بيها."

هز آدم رأسه، وابتسامة ساخرة مؤلمة ظهرت على وجهه:
"إنت لو كنت بتعتبرني زي ابنك... كنت قولتلي الحقيقة من زمان."

ثبت نظره عليه، ثم قال:
"كنت عرفتني إن أبويا عايش ومبسوط مع أولاده ومراته، وراميني أنا..."

توقف للحظة، وارتعش صوته:
"كنت عرفتني إن أبويا بيكرهني ومش عايزني بسبب غلطة عملها... وإني مش زي واحد من عياله."

خفض فارس عينيه بحزن، ثم قال:
"يا ما نصحت أميرة وقلتلها تقولك، لكن رفضت... ورفضت تخليني أنا أقولك عشان كانت خايفة عليك."

ضحك آدم بسخرية موجوعة، ومسح دموعه:
"خايفة عليا.. خايفة عليا من إيه؟"

ثم هز رأسه وقال:
"هي لو كانت خايفة عليا بجد كانت قالتلي من زمان... لكنها كانت خايفة من حاجة واحدة بس."

اشتدت ملامحه غضبًا:
"خايفة إني أعرف بغلطتها هي وهو."

وفجأة رفع فارس يده وصفعه على وجهه بقوة.

تجمد آدم مكانه.. رفع يده ببطء إلى خده، وعيناه متسعتان من الصدمة، بينما انهمرت دموعه دون توقف.

كان فارس يحدق فيه بغضب، لكن عينيه كانتا ممتلئتين بالدموع.. رفع إصبعه أمامه وقال بصوت حازم:
"أنا هراعي الحالة اللي إنت فيها، وإنك بتتكلم وإنت مش عارف بتقول إيه..."

توقف لحظة، ثم قال بصرامة:
"لكن أوعى تقول كلمة غلط عن أمك."

خفض يده، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع:
"الست دي اتحملت وعانت وشالت حمل ما يشيلوش راجل بشنبات.. خسرت أهلها وعمرها ومستقبلها... وعلمتك وربتك أحسن تربية."

انخفض صوته، وظهر الحزن في ملامحه:
"عاشت طول عمرها بتتعذب وهي لوحدها عشان تحافظ عليك وتكبرك."

ثم قال بحدة:
"لو عايز تلوم حد، روح لوم أبوك... اللي دمر حياتها وسابها ومشي."

صمت قليلًا، ثم مسح دمعة نزلت على خده وقال:
"أنا لما كلمتني وقالتلي إنك عرفت، سبت كل اللي ورايا وجيتلك."

اقترب منه، ووضع يده على كتفه:
"متخليش الشيطان يغيرك يا آدم... أمك دي إنت تشيلها فوق راسك، وتحب على إيديها كل يوم، وتشكرها على تربيتها ليك.. حفظتك القرآن، علمتك تصلي، علمتك إزاي تكون مسلم صالح، بتخاف ربنا وتراعيه في كل حاجة بتعملها."

أشار إلى صدره:
"عرفت تعملك كل ده في أصعب أيام حياتها.. بص حواليك وشوف اللي في سنك بيعملوا إيه، وتربيتهم عاملة إزاي، رغم عيشتهم المرتاحة وأهلهم اللي حواليهم... لكن ولا واحد منهم قريب من ربه، ولا بيصلي أصلًا."

أنزل آدم يده ببطء، وظل صامتًا، وعيناه غارقتان في الدموع.

نظر إليه فارس طويلًا، ثم قال بصوت مبحوح:
"أنا حاسس بيك وعارف إنت قد إيه موجوع دلوقتي..."

اقترب منه أكثر:
"لكن خلي إيمانك في ربنا كبير... ومتحملش على أمك أكتر من كده.. هي ملهاش حد غيرك."

انخفض رأس آدم، وانهمرت دموعه... اقترب فارس منه وجذبه إلى صدره.

في اللحظة الأولى ظل آدم ساكنًا، ثم انهار تمامًا.

أمسك بملابس فارس بقوة، ودفن وجهه في صدره، وانفجر في بكاء شديد، كان ينتظر منذ عرف الحقيقة شخصًا يسمح له أخيرًا أن ينهار أمامه.

شدد فارس ذراعيه حوله، وربت على ظهره ببطء، وأغمض عينيه، بينما تساقطت دموعه هو الآخر.

ظل آدم يبكي ويشهق بين ذراعيه، يخرج كل الألم الذي ظل حبيسًا بداخله.

وفجأة فُتح الباب... كانت أميرة تقف عنده، والدموع تملأ وجهها.

نظر إليها فارس، ثم أبعد آدم عنه برفق، ومسح دموعه بإبهامه، وقال وهو يشير إلى والدته:
"روح بوس راسها واعتذر منها... يلا."

رفع آدم عينيه إلى أميرة.. كانت تقف أمامه وهي تبكي، ويداها متشابكتان أمام صدرها من شدة التوتر.

اقترب منها آدم بخطوات بطيئة، وما إن وقف أمامها حتى احتضنها بقوة..قال بصوت مختنق بالبكاء:
"سامحيني يا أمي."

شهقت أميرة، ثم احتضنته بكل قوتها، ودفنت وجهها في كتفه وهي تبكي:
"إنت اللي سامحني يا بني... سامحني."

ظل الاثنان متعانقين، بينما وقف فارس أمامهما، يمسح دموعه بصمت، ونظراته تحمل حزنًا عميقًا على الاثنين.

               ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

طرق معتز الباب طرقًا خفيفًا، ثم فتحه ودخل، وكانت تقي تسير إلى جواره.

كانت نورهان تجلس فوق الفراش بعدما تناولت وجبة غذائها وجرعة دوائها، وأسندت ظهرها إلى الوسادة خلفها، بينما بدت آثار الإرهاق واضحة على ملامحها الشاحبة. كانت عيناها تحملان شيئًا من الحذر، وكأنها لا تزال غير قادرة على الشعور بالأمان الكامل حتى وهي داخل الغرفة.

ما إن وقع بصرها عليهما حتى رفعت عينيها نحوهما، وظلت تراقبهما في صمت.

لم يقترب معتز منها، بل توقف بعيدًا عنها، تاركًا بينهما مسافة كافية حتى لا تشعر بالضغط أو الخوف. اكتفى بالنظر إليها بنظرات هادئة، محاولًا أن يجعل وجوده أقل إزعاجًا لها.

أما تقي، فتقدمت نحوها بخطوات بطيئة، وكانت ابتسامتها هادئة ومطمئنة. توقفت على مسافة منها، ثم سألتها بنبرة رقيقة:
"ممكن أقعد جنبك؟"

نظرت إليها نورهان بتردد، وتحركت عيناها بين وجه تقي والمكان المجاور لها، وكأنها تفكر للحظات قبل أن تقرر. ثم هزت رأسها بهدوء، وأشارت بيدها إلى طرف الفراش، محددة لها مكانًا بعيدًا عنها.

فهمت تقي ما تريده فورًا، فأومأت لها بتفهم دون أن تطرح أي سؤال، ثم جلست في المكان الذي أشارت إليه، محافظة على المسافة التي طلبتها منها.

ساد الصمت بينهما للحظات، بينما كانت نورهان تحرك أصابعها بتوتر فوق طرف الغطاء، وتقي تراقبها في هدوء، محاولة ألا تجعلها تشعر بأنها تحت المراقبة.

بعد لحظات، قالت تقي بنبرة هادئة، وهي تشير بيدها إلى معتز:
"معتز قالي إنك عايزاني أجي معاكم، وشرحلي القصة... وأنا وافقت."

رفعت نورهان عينيها إليها، ثم هزت رأسها ببطء دون أن تتحدث، وكأنها تشكرها على موافقتها.

نظرت تقي إلى معتز للحظة، ثم عادت ببصرها إلى نورهان وقالت:
"لكن طبعًا المشوار ده هيتأجل بعد فرح نور وخديجة، لأنه مش حلو لو سافرنا دلوقتي."

أومأ معتز موافقًا، ثم حك فروة رأسه بحيرة، وظهرت على وجهه ملامح عدم الاستيعاب وهو يقول:
"مع إني لسه مش مستوعب الفرح ده إزاي وكيف وليه بالسرعة دي... أنا لما أمي قالتلي، اتصدمت. إزاي يعني؟"

ابتسمت تقي ابتسامة خفيفة، ثم رفعت كتفيها قليلًا وقالت بنبرة هادئة :
"النصيب... مهما الإنسان خطط وفكر، مش هياخد غير اللي ربنا كاتبهوله من نصيبه."

صمتت لحظة، ثم التفتت إلى نورهان، قبل أن تتغير نبرة صوتها قليلًا وتصبح أكثر جدية:
"لكن المهم دلوقتي... عصام."

ما إن نطقت باسمه حتى تجمدت ملامح نورهان.

اتسعت عيناها فجأة، وانحبس نفسها للحظة، ثم ارتجف جسدها دون إرادة منها. انكمشت كتفاها إلى الداخل، وضمت يديها إلى بعضهما بقوة، بينما راحت أنفاسها تتسارع بصورة ملحوظة.

كان اسم عصام وحده كافيًا ليعيد إليها الخوف الذي حاولت جاهدًا أن تنساه.

لاحظ معتز تغيرها، فنظر إليها بحزن، وشعر بوخزة في صدره وهو يرى إلى أي حال أوصلها ذلك الرجل.

ثم شد قبضته بقوة، وانعقد حاجباه، واشتعل الغضب في عينيه.

كان يريد أن ينتقم من عصام الآن، وأن يجعله يدفع ثمن كل ما فعله بها، لكن عليه أن يتحلى بالصبر.

الهجوم الذي حدث لعصام جعل الأنظار مسلطة عليه، وأي خطوة خاطئة منه الآن قد تجعل الشبهات تحوم حوله.

عليه أن ينتظر...يراقب...ثم يضرب في الوقت المناسب.

نظرت تقي إلى معتز، ثم عادت ببصرها إلى نورهان وقالت بجدية:
"وصلتني معلومات إن الكلب ده هيبعت رجّالته ورانا ويخلصوا علينا قبل ما نوصل الصعيد."

التفت معتز إليها بسرعة، واتسعت عيناه بصدمة، ثم تقدم خطوة نحوها وقال:
"جبتي الكلام ده منين؟"

نظرت إليه تقي لثوانٍ، ثم خفضت صوتها قليلًا وقالت:
"هفهمك كل حاجة بعدين... المهم نلاقي حل في المشكلة دي قبل ما نفكر نخرج من هنا ونسافر."

صمت معتز، وعقد حاجبيه وهو يغرق في التفكير.

أنزل بصره إلى الأرض، وأخذ يمرر يده على ذقنه ببطء، بينما راحت عيناه تتحركان في شرود، يحاول ترتيب كل ما قالته تقي في رأسه. ومع كل احتمال يطرأ على ذهنه، كانت ملامحه تزداد عبوسًا، ويشتد توتر فكه، حتى عادت رغبة الانتقام من عصام تشتعل بداخله من جديد.

وفجأة رفع عينيه إليها، وكأن فكرة صادمة خطرت له للتو، وقال باستغراب:
"استني... هو عرف منين أصلًا إننا هنسافر الصعيد؟ الموضوع ده محدش يعرفه غير أنا وانتي ونورهان... عرف منين هو بقى؟"

تجمدت تقي للحظة، واتسعت عيناها وهي تستوعب السؤال.

كانت قد انشغلت بخطورة ما ينتظرهم، فلم تفكر للحظة في كيفية وصول المعلومة إلى عصام.

التفتت إلى معتز ببطء، فوجدته ينظر إليها نظرة غامضة، وقد ضاقت عيناه قليلًا، وكأنه بدأ يشك في شيء.

فقالت بسرعة، وقد ارتفع حاجباها بدهشة وامتزج صوتها بالاعتراض:
"إنت بتشك فيَّا أنا؟!"

رفع معتز حاجبه، ثم مد يده وضربها بخفة على رأسها، وقال بضيق مصطنع:
"أشك في مين يا بومة إنتِ؟! أنا قصدي هو عرف منين أصلًا... وإنتِ كمان عرفتي منين إنه عرف؟"

فركت تقي رأسها مكان الضربة، ورمقته بنظرة غاضبة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بنبرة متحفظة:
"قولتلك موضوع عرفت منين ده هقولك عليه بعدين."

حدق معتز فيها لثوانٍ، وكأنه يحاول انتزاع الإجابة من عينيها، ثم تنهد بضيق وأشاح بوجهه عنها.

أما نورهان، فكانت تتابع حديثهما بصمت.

ومع كل كلمة تسمعها عن عصام ورجاله، كان الخوف يتسلل إلى ملامحها أكثر.

ضمت ذراعيها حول جسدها، وانكمشت في مكانها، بينما أخذت عيناها تتحركان بقلق بين معتز وتقي.

كانت تحاول أن تبدو قوية، لكنها في الحقيقة كانت ترتجف من الداخل.

مجرد التفكير في أن رجال عصام قد يلحقون بهم جعل قلبها يخفق بعنف، وكأنها عادت من جديد إلى تلك اللحظات التي كانت تشعر فيها أنها لا تملك أي وسيلة للنجاة.

لاحظت تقي خوفها، فمالت نحوها قليلًا، لكنها حافظت على المسافة بينهما، وقالت بنبرة مطمئنة:
"متخافيش... مش هنعرضك للخطر تاني."

رفعت نورهان عينيها إليها، وكانت الدموع تلمع في عينيها من شدة الخوف، لكنها لم تقل شيئًا، واكتفت بهز رأسها هزة خفيفة.

ظل معتز واقفًا في مكانه، غارقًا في التفكير، بينما كانت تقي تراقبه بصمت، وقد أدرك كلاهما أن رحلتهم إلى الصعيد لن تكون سهلة كما ظنوا.

فالخطر لم ينتهِ بعد...وعصام لم يكن من النوع الذي يترك فريسته تهرب بسهولة..... 

                    ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

طرق أدهم الباب طرقًا خفيفًا، ثم فتحه ودخل. كان نور يجلس خلف مكتبه في قسم الشرطة، وقد بدا عليه الإرهاق والتوتر. كان يقلب ملف القضية أمامه ببطء، تتنقل عيناه بين الأوراق دون تركيز حقيقي، بينما انعقد حاجباه في حيرة واضحة.

أغلق أدهم الباب خلفه، ثم اقترب وجلس أمام المكتب، وقال بهدوء:
"عملت إيه؟"

توقف نور عن تقليب الأوراق، وأغلق الملف، ثم رفع عينيه إلى أدهم وقال بنبرة هادئة تخفي خلفها الكثير من الضيق:
"روحتله واستلمت أوراق القضية، بس مفيش حاجة تانية حصلت."

هز أدهم رأسه بتفهم، وظل ينظر إليه للحظات، قبل أن يسأله نور:
"عملت زي ما قلتلك؟"

أومأ أدهم سريعًا، ومد يده إلى جيب سترته، وأخرج شيئًا صغيرًا وهو يقول:
"طبعًا... اتفضل. أهو عملته زي ما طلبت مني بالظبط."

مد نور يده وأخذ منه علبة قطيفة صغيرة.. توقف لحظة وهو يتأملها بين أصابعه، ثم فتحها ببطء.

ظهر بداخلها خاتم زواج أنيق... ثبتت عيناه عليه لثوانٍ، ثم أخرجه من العلبة وأمسكه بين إصبعيه، أخذ يتفحصه بصمت. 

تنهد بصوت خافت، ثم أعاده إلى علبته وأغلقها، ووضعها في جيب سترته.

راقبه أدهم طوال الوقت، ثم مال قليلًا إلى الأمام وسأله بفضول:
"هتديه لخديجة؟"

رفع نور عينيه إليه، ثم أطرق لحظة قبل أن يجيبه:
"أيوه."

ساد الصمت بينهما لثوانٍ... ظل أدهم ينظر إليه، مترددًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
"عندي فضول أسألك سؤال... وترد عليا بصراحة."

ما إن سمع نور كلماته حتى ضاقت عيناه، وتغيرت ملامحه بحذر، وكأنه أدرك بالفعل إلى أين يتجه الحديث.. قال ببرود:
"لا... مش هرد."

رمش أدهم باستغراب، ثم رفع حاجبه وقال:
"ليه؟ مش تعرف السؤال الأول."

وضع نور كفه فوق سطح المكتب، وأخذ يطرق بأصابعه عليه مرة واحدة قبل أن يقول بنبرة مقتضبة:
"ما أنا مش هرد... عشان أنا عارف سؤالك ده عن إيه، ومعنديش إجابة دلوقتي."

اعتدل أدهم في جلسته، واتسعت عيناه بدهشة حقيقية: 
"يعني إيه معندكش إجابة دلوقتي؟! أنا لما سمعت إنك هتتجوز خديجة وإنك موافق، اتصدمت... طيب وميرال؟ حبكم؟"

ما إن نطق باسمها حتى تغير وجه نور.. اشتد فكه، وارتفعت نبرة صوته فجأة، بعدما فقد هدوءه الذي كان يحاول التمسك به:
"قولتلك مش عايز أرد! اقفل على الموضوع ده دلوقتي!"

صمت أدهم فورًا، ورفع يديه أمامه باستسلام، ثم قال سريعًا:
"حاضر، حاضر... اهدا. إنت متعصب ليه بس؟"

لم يجبه نور... أعاد ظهره إلى الكرسي، ثم أرجع رأسه إلى الخلف وأسنده عليه، وأغمض عينيه بقوة، محاولًا السيطرة على أنفاسه وغضبه.

ظل أدهم ينظر إليه بصمت.. للمرة الأولى، لم يستطع فهم صديقه.

لم يعرف ما الذي يدور داخل رأسه، ولا لماذا وافق على الزواج من خديجة، ولا ماذا ينوي أن يفعل بميرال، ولا كيف يستطيع أن يقف وسط كل هذه الفوضى مطالب باتخاذ قرار لا يملك رفاهية الهروب منه.

أما نور، فظل مغمض العينين، يخفي خلف صمته صراعًا لم يكن مستعدًا له أبداً.... 

             ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت العائلة كلها مجتمعة، والسعادة والفرحة تملآن المكان. انتشرت الزهور في أرجائه، وتدلت بعض الزينة حول المقاعد والجدران، بينما كان الجو يحمل تلك البهجة الخاصة التي تسبق لحظات الزواج، حين تكون كل الأنظار معلقة بالعروسين.

كانت خديجة تقف بفستان بسيط وأنيق في الوقت ذاته، ينسدل عليها برقة دون مبالغة، وزاد نقابها من جمال إطلالتها وهدوئها. كانت عيناها تلمعان من خلفه كلما نظرت إلى من حولها، وعلى الرغم من ابتسامتها الهادئة، كان هناك شيء من التوتر يختبئ خلف حركاتها.

أما نور، فكان يجلس مرتديًا بدلة سوداء أنيقة أبرزت ملامحه بصورة مختلفة تمامًا. اعتاد الجميع رؤيته ببدلة الشرطة معظم الوقت، لذلك بدا ظهوره بهذا المظهر غريبًا عليهم، لكنه كان لافتًا وجذابًا . 

اقتربت تقي من خديجة وهي تصفق بحماس، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، ثم قالت بفرحة حقيقية:
"مش مصدقة إنكوا هتتجوزوا... ياااي! وأفضل حاجة عملتوها إنكم خليتوا كتب الكتاب دلوقتي والفرح بالليل... مش بحب اللي بيعمل الاتنين في وقت واحد، لأن فرحة كتب الكتاب حاجة، وفرحة الفستان الأبيض وليلة العمر حاجة تانية."

ضحكت بخفة وهي تهز رأسها بحماس، اكتفت خديجة بهز رأسها بابتسامة خفيفة ظهرت في عينيها من خلف نقابها، بينما وقفت مريم إلى جوارها وأمسكت يدها بكلتا يديها، وقد اغرورقت عيناها بالدموع من شدة فرحتها قائلة :
"فرحانة أوي إنك هتتجوزي من نور وهتبقي معايا طول الوقت."

التفتت إليها خديجة، وضغطت على يدها بحنان، ثم قالت بنبرة مطمئنة:
"قولتلك... هفضل دايمًا جنبك."

لم تستطع مريم مقاومة ما بداخلها، فانحنت نحوها واحتضنتها ، بينما أخذت دموعها تتساقط على وجنتيها.

راقبتهما تقي لثوانٍ، ثم وضعت يدها على خصرها ورفعت حاجبها بغيرة مصطنعة، وقالت بتذمر مرح:
"اشمعنى أنا بقى؟ هاتي حضن أنا كمان."

ضحكت خديجة، ومدت ذراعيها نحو الاثنتين، فضمت مريم وتقي معًا إلى صدرها.

ضحكت تقي وهي تشدد ذراعيها حول خديجة، بينما كانت مريم تمسح دموعها وهي تبتسم.

وفي الجهة الأخرى، اقترب معتز ولؤي وأدهم من نور، ثم جلسوا إلى جواره.

كان نور يتابعهم بطرف عينه، وقد شعر منذ اللحظة الأولى أن جلوس الثلاثة بجواره لا يبشر بالخير.. التفت إليهم وقال:
"بقولكم إيه..."

لم يكمل جملته، إذ رفع معتز يده سريعًا وأوقفه قبل أن يبدأ، ثم قال وهو يضيق عينيه متصنعًا الجدية:
"بنقولك إيه إحنا يا أبو عمو؟! متفرد وش أمك ده... ده وش واحد هيتجوز النهارده."

نظر إليه نور للحظات، ثم مد يده وأمسك كتفه بقوة، وضغط عليه وهو يرمقه بنظرة تحذيرية:
"متجبش سيرة أمي يلا... ياض أنا مش بالعك من زوري من عملتك في المستشفى."

اتسعت ابتسامة معتز، ولم يبدُ عليه أي ندم، بل رفع حاجبيه قائلًا:
"أيوه أيوه... صحيح فكرتني، هو عمل معاك إيه؟"

تركه نور بضيق، وأدار وجهه بعيدًا عنه وهو يزفر في محاولة واضحة لكبح أعصابه.

انفجر أدهم بالضحك، ثم نغزه في ذراعه وقال وهو يتفحص بدلته بإعجاب:
"بس عايز أقول الحق... شكلك حلو أوي بالبدلة، لايقة عليك... أكتر من بدلة الشرطة اللي لابسها أربع وعشرين ساعة دي."

غمز له لؤي، وأومأ موافقًا وهو يبتسم:
"فعلًا... مز يا جدع."

التفت نور إليهما ببطء، واتسعت عيناه من شدة الاستغراب، ثم قال بضيق وهو يشير إليهما بيده:
"متلموا نفسكم شوية."

رفع معتز حاجبه، وأخذ يرمقه بنظرة مستفزة، ثم قال:
"نتلم ليه؟ شايفنا متبحترين قدامك؟ وبعدين ما كفاية عليك إنت اللي هتتلم."

حدق به نور بنظرة حادة، فضحك معتز ضحكة قصيرة، ثم أكمل وهو يحاول إخفاء ارتباكه:
"هتتلم إنت وخديجة في بيت واحد... دماغك متروحش بعيد يا أبو عمو."

شهق أدهم ضاحكًا، بينما وضع لؤي يده على فمه محاولًا كتم ضحكته.

أما نور فظل يحدق في معتز بنظرة جعلته يتراجع قليلًا، قبل أن يتدخل لؤي قائلًا:
"مالك كده؟ فكها... عايزين نودعها."

عقد نور حاجبيه باستغراب، وقال بدهشة حقيقية:
"نودعها؟! هي مين؟"

ابتسم لؤي ابتسامة عريضة، ثم أشار إليه بإصبعه قائلًا:
"العزوبية يا جدع! كلها دقايق بس ويتكتب في بطاقتك بدل أعزب... متزوج. هتسيب الحرية والمتعة والروقان، وهتدخل في نكد ومسؤولية وقرف... الله يكون في عونك بجد."

ما إن أنهى جملته حتى مد أدهم يده وضربه على مؤخرة رقبته، فارتد رأس لؤي إلى الأمام وهو يصرخ متألمًا.

قال أدهم ساخرًا:
"إنت كده بتحفزه على الجواز ولا بتقفلها في وشه يا أهبل؟"

ضحك معتز بصوت مرتفع، وأشار إلى لؤي قائلًا بسخرية:
"خدت حتة ضربة على قفاك حلوة قوي."

التفت لؤي إليه بغيظ، ثم فرك مؤخرة رقبته ونظر إلى أدهم بضيق:
"عاجبك يعني كده؟"

حاول أدهم كتم ضحكته، فعض على شفته وأدار وجهه حتى لا ينفجر بالضحك أمامه.

أما نور، فكان ينظر إليهم بوجه جامد، ثم مرر كفه على وجهه ببطء، وأغمض عينيه للحظات وهو يتمتم بضيق:
"صبرني يا رب."

رفع رأسه من جديد، وزفر بضيق، ثم هز رأسه بيأس.. لكن الثلاثة لم يتوقفوا.

ظلوا يتبادلون المزاح والمشاكسة حوله، وكلما حاول تجاهلهم عاد أحدهم ليقول شيئًا جديدًا.

حتى دخل فارس في تلك اللحظة، وبرفقته المأذون، وكانت ملامحه تحمل فرحة حاول إخفاءها، لكن لهفته فضحته. أشار إلى الداخل بيده وهو يبتسم قائلًا:
"اتفضل."

ألقى المأذون السلام عليهم، فردّ الجميع السلام، ثم جلس في المكان المخصص له.

نهض الجميع من أماكنهم، وتحركت الأنظار تلقائيًا نحو نور وخديجة، بينما اقتربت تقي من خديجة وأمسكت يدها بحماس، وابتسمت لها ابتسامة واسعة وهي تقول:
"فرحانة أوي عشانك يا خديجة بجد."

ابتسمت خديجة ابتسامة خافتة، لكن عينيها لم تحملَا مقدار السعادة الذي تحاول إظهاره. رفعت بصرها نحو نور، فوجدته لا يزال جالسًا في مكانه، صامتًا، وملامحه ساكنة بصورة غريبة.

تلاقت عيناهما للحظات.

كان في عينيه حزن عميق حاول جاهدًا إخفاءه، بينما شعرت خديجة بوخزة في قلبها حين رأت تلك النظرة. لم تكن تريد منه أن يكون حزينًا في يوم كهذا، لكنها كانت تعرف جيدًا سبب حزنه.

كان يتزوجها...لكن قلبه لم يكن معها.. أبعدت بصرها عنه قبل أن تفضح عيناها ما تشعر به.

جلس سيف إلى جوار المأذون، بينما اقترب فارس من ابنه، ومد يده إلى ذراعه، ثم قال له بنبرة هادئة:
"يلا يا نور."

لم يعترض نور، فقط رفع عينيه إلى والده للحظات، ثم نهض معه.

أمسك فارس بذراعه واقتاده إلى الجهة الأخرى من المأذون، ثم أجلسه إلى جواره.

وفي الجهة المقابلة، أخذت نادين خديجة من يدها برفق، وقادتها إلى مكانها بجوار والدها.

جلست خديجة، وجلس فارس بجانب ابنه، بينما أخذ المأذون مكانه في المنتصف.

فتح حقيبته ووضعها أمامه فوق الطاولة، ثم بدأ في مراجعة البيانات الخاصة بنور وسيف، وسجّل بيانات العقد وتأكد من بقية الأوراق والشهود، قبل أن يرتب الأوراق أمامه بعناية.

ساد الهدوء المكان تدريجيًا.

حتى الأصوات التي كانت تملأ البيت منذ دقائق خفتت، وكأن الجميع أدرك أن اللحظة التي انتظروها قد بدأت بالفعل.

رفع المأذون عينيه إلى خديجة، وقال بنبرة رسمية هادئة:
"يا آنسة خديجة سيف الغربي، هل أنتِ موافقة على الزواج من نور فارس عبدالعزيز، وأنتِ في كامل وعيك وبكامل إرادتك، ودون ضغط عليكِ؟"

توقفت أنفاس خديجة للحظة.. رفعت عينيها نحو نور.

كان ينظر إليها بصمت، وداخل تلك النظرة كان هناك رجاء خفي... رجاء أن ترفض، وأن تنهي الأمر قبل أن يصبح واقعًا لا يمكن التراجع عنه.

شعرت خديجة بانقباض في صدرها.. ثم انتقلت عيناها إلى فارس.

رأت في وجهه ذلك الهدوء المصطنع، لكن عينيه كانتا تخبرانها بالحقيقة التي يعرفها الاثنان وحدهما... تذكرت حديثه معها...مرضه...وخوفه من أن يترك ابنه وحيدًا...وطلبه الأخير منها.

ارتجفت أنفاسها، وأغمضت عينيها للحظة، فانزلقت دمعة ساخنة من عينها واستقرت أسفل نقابها.

فتحت عينيها من جديد، وأجبرت صوتها على الخروج ثابتًا رغم الألم الذي يضغط على قلبها: 
"أيوه... موافقة."

أومأ المأذون بهدوء، ثم انتقل إلى إجراءات الإيجاب والقبول.

وضع المنديل الأبيض فوق يد سيف التي امتدت وأمسكت يد نور.

نظر سيف إلى نور مباشرة، وكانت نظرته جادة، تحمل مسؤولية الأب الذي يسلّم ابنته إلى رجل آخر، ثم قال بوضوح:
"زوّجتك ابنتي خديجة سيف الغربي على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى الصداق المسمى بيننا."

ظل نور ينظر إلى سيف لثوانٍ.. لم يكن يريد هذا الزواج ولا بهذه الطريقة، ولم يكن قلبه حاضرًا فيه، لكن أمامه لم يكن هناك خيار آخر.

تذكر والده، ومرضه، وطلبه الأخير منه... ابتلع غصة علقت في حلقه، ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
"قبلت زواجها لنفسي على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى الصداق المسمى بيننا."

ساد الصمت لثانية واحدة، قبل أن يتنفس الجميع براحة.

بدأ نور في توقيع عقد الزواج، وأمسك القلم بيده، إلا أن أصابعه لم تكن ثابتة تمامًا.. وقع اسمه، ثم وضع بصمته على الأوراق.

وبعده خديجة أمسكت القلم.. نظرت إلى الورقة للحظات، ثم وقعت اسمها، ووضعت بصمتها هي الأخرى، بينما تابع الشاهدان، لؤي وأدهم، توقيعهما على العقد.

وبعد الانتهاء من جميع الإجراءات، أخذ أدهم ولؤي بطاقاتهما، ثم أعاد المأذون ترتيب أوراقه وأغلق حقيبته.

نظر إلى العروسين بابتسامة ودودة وقال:
"بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير."

انطلقت زغرودة ياسمين في أرجاء المكان، وكانت زغرودتها ممزوجة بفرحة عارمة ودموع لم تستطع منعها، بينما تعالت أصوات المباركات من الجميع.

"مبروك يا نور."

"مبروك يا خديجة."

"ربنا يسعدكم."

نهض نور ببطء.. وقعت عيناه على والده، فوجد فارس ينظر إليه بابتسامة رضا، لكن عينيه كانتا ممتلئتين بالدموع.

لم يحتمل نور تلك النظرة.. اقترب منه فارس، ومد ذراعيه إليه وسحبه إلى حضنه.

احتضنه نور بقوة، وأغمض عينيه، بينما دفن وجهه في كتف والده.

كان يريد أن يبكي...أن يخبره أنه خائف...أنه لا يريد أن يفقده...أن فكرة ابتعاده عنه بعد كل ما حدث تمزق قلبه.

لكنه شد على نفسه، ومنع دموعه من الانهيار أمام الجميع.

أما فارس فضم ابنه بقوة، وربت على ظهره، بينما انحدرت دمعة من عينيه رغم محاولته إخفاءها.

كان يعرف أن هذه ربما تكون آخر مرة يحتضن فيها ابنه بهذه الطريقة.

ابتعدت ياسمين عن الجميع واتجهت نحو خديجة، وابتسامتها تملأ وجهها رغم الدموع التي لمعت في عينيها.. أمسكت يديها وقالت بسعادة:
"بقيتي مرات ابني أخيرًا."

ثم جذبتها إلى حضنها بقوة.. بادلتها خديجة العناق، وأحاطت ذراعيها بها، لكنها أغمضت عينيها في صمت.

كانت هذه اللحظة التي حلمت بها طويلًا...أن تصبح زوجة نور.. لكنها لم تكن تريد الزواج منه بهذه الصورة.. كانت تريد أن تتزوجه وهو يحبها...يريدها من قلبه...ويختارها هو، لا أن يكون زواجه منها مجرد استجابة لطلب والده الأخير.

كان أدهم يقف صامتًا، ينظر إلى مريم.. ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، بينما أخذ يتخيل للحظات لو كان هو مكان نور...ولو كانت مريم هي العروس التي تقف إلى جواره.

كم تمنى لو كان ذلك ممكنًا.. رفعت مريم عينيها إليه، فتلاقت نظراتهما للحظة.

رأت في عينيه شيئًا جعل قلبها يرتجف، لكنها لم تستطع الاستمرار في النظر إليه.

أشاحت بوجهها سريعًا، وأغمضت عينيها، فانزلقت دمعة وحيدة على خدها رغمًا عنها.

كان في داخلها أمل صغير، ظل متمسكًا به قلبها رغم فارق العمر بينهما، لكن بعد يوسف...وبعد ما تعرضت له...بدأ ذلك الأمل يبدو لها مستحيلًا.

خفضت رأسها حتى لا يلاحظ أحد دموعها، بينما كانت في داخلها تسأل نفسها بوجع:

من سيرضى بها بعد الآن؟ ومن يمكنه أن يتقبل فتاة تحمل في ذاكرتها كل ذلك الألم؟

شعرت بوخزة في قلبها، ومسحت دمعتها سريعًا قبل أن يراها أحد.

تقدمت تقي نحو خديجة، وأمسكت يدها بلطف، ثم سحبتها معها حتى أوقفتها أمام نور. كانت الابتسامة تملأ وجهها، وعيناها تلمعان بحماس واضح، ثم فتحت حقيبتها الصغيرة وأخرجت منها منديلًا أبيض أنيقًا، كُتب عليه اسم العريس والعروس وتاريخ كتب الكتاب.

رفعته أمامهما بفخر وقالت بحماس:
"بصوا! أنا فضلت أزن أزن على البنت، خليتها تسيب كل اللي وراها واللي قدامها عشان تخلصه في الوقت المناسب... رأيكم إيه؟"

نظر نور إلى المنديل، ثم رفع عينيه إلى خديجة.

تلاقت عيناهما للحظات.

كانت خديجة تحدق فيه بصمت، وقد ارتبكت ملامحها قليلًا، بينما ظل نور ينظر إليها بنظرة يصعب فهمها؛ لا فرح فيها كما ينبغي لعريس في يوم زفافه، وإنما شيء من الحزن والتردد الذي حاول إخفاءه خلف هدوئه.

خفضت خديجة عينيها سريعًا، ثم التفتت إلى تقي وقالت بابتسامة خفيفة ظهرت في عينيها خلف نقابها:
"حلو أوي بجد... مكنش ليه لزوم تتعبي نفسك."

لوحت تقي بيدها باستخفاف، وقالت:
"يا ستي ولا تعب ولا حاجة."

ثم أمسكت بيدي كل واحد منهما، وأجلستهما إلى جوار بعضهما على الأريكة، قبل أن تتجه إلى المأذون وتأخذ منه علبة البصمة، ثم عادت إليهما وهي تبتسم بانتصار.
"يلا بقى... ابصموا عليها."

رفع نور حاجبه، ونظر إلى العلبة ثم إليها باستغراب:
"لازم يعني؟"

وضعت تقي يدها على خصرها، وتزمت شفتيها بضيق مصطنع، ثم قالت بحزم وهي تشير إليه بإصبعها:
"أيوه لازم... ابصم وإنت ساكت."

نظر إليها نور لثوانٍ، ثم زفر بضيق مد يده وأخذ العلبة، ثم وضع بصمته حيث أشارت إليه.

ابتسمت تقي بانتصار، ثم دفعت العلبة ناحية خديجة قائلة:
"يلا يا عروسة."

وضعت خديجة يدها في العلبة، وبصمت هي الأخرى.

وما إن انتهيا حتى علت أصوات التهاني من حولهما، وبدأ الجميع يلتقطون لهما الصور.

كانت خديجة تجلس إلى جوار نور وظهرها مستقيم، لكن أصابعها كانت تتحرك بتوتر فوق طرف فستانها، بينما كان نور يلتفت بين الحين والآخر إلى الموجودين محاولًا أن يبدو طبيعيًا، رغم أن شيئًا ثقيلًا كان يضغط على صدره.

بعد لحظات، تقدمت ياسمين وهي تحمل صينية صغيرة مطرزة، مزينة بعناية، وفوقها علبتان أنيقتان لخاتمي الزواج.

ابتسمت وهي تقترب منهما، ثم قدمت الصينية.. أخذ نور علبة الخاتم، وفتحها ببطء.

توقفت عيناه على الخاتم للحظات، ثم رفع بصره إلى خديجة.

كانت تنظر إليه هي الأخرى.

لم تكن تستوعب حتى الآن أن الرجل الذي طالما أحبته وأخفت حبها في قلبها أصبح أمام الجميع زوجها بالفعل.

في تلك اللحظة، تقدم معتز منهما، وقال بلهفة ومرح:
"مد إيدك عاد... إنتِ بقيتي مراته، وأظن المرة دي عادي يمسك إيدك ولا إيه الدنيا؟"

انطلقت ضحكات خفيفة من الموجودين. 

مدت يدها ببطء.. تردد نور للحظة، ثم أمسك يدها .. ثم أدخله في إصبعها بهدوء.

صفق الجميع بسعادة، وتعالت بعض أصوات التهاني.

نظرت خديجة إلى الخاتم في يدها، ثم رفعت عينيها إلى نور للحظة، قبل أن تتناول الخاتم الآخر.

أمسكته بأصابع مرتجفة قليلًا، ثم أمسكت يده وألبسته الخاتم.

وما إن استقر الخاتم في إصبعه حتى علت الزغاريد من كل جانب، وتعالت صيحات الفرح والتصفيق، بينما انشغل البعض بالتقاط الصور لهما.

وسط تلك الفرحة، اقترب مؤمن من ليلى.. لكن ما إن لمحته يقترب حتى تغيرت ملامحها.

رفعت عينيها إليه، تحمل نظرتها قدرًا واضحًا من الحزن والغضب، ثم أشاحت بوجهها عنه دون كلمة، وابتعدت بخطوات هادئة حتى وقفت إلى جوار ياسمين ونادين.

توقف مؤمن مكانه للحظة، وتابعها بعينيه، قبل أن يخفض بصره بصمت.

أما فارس، فكان يقف بعيدًا قليلًا، يراقب الجميع.

كان ينظر إلى نور وخديجة، ثم إلى ياسمين، ومريم، وتقي، وبقية العائلة...

الابتسامات تملأ وجوههم، والضحكات والزغاريد تتعالى من حوله.

ظل يراقبهم طويلًا، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحهم واحدًا واحدًا في ذاكرته.

ثم لمعت عيناه بالدموع.

سقطت دمعة وحيدة على خده، فمسحها سريعًا قبل أن يلحظها أحد، لكنه لم يستطع منع ابتسامته الحزينة.

لم يكن أحد يعرف أن هذه الفرحة بالنسبة إليه لم تكن بداية حياة جديدة...بل كانت آخر أيامه بينهم.

أيام معدودة فقط...وبعدها سيتركهم جميعًا، ولن يرى وجوههم مرة أخرى                   

                    ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

نزلت شمس من سيارتها، وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت بخطوات هادئة نحو سيارة سوداء كانت متوقفة على مقربة منها، تحيط بها سيارات الحراسة.

ما إن اقتربت حتى ترجل أحد الحراس وفتح لها الباب الخلفي.

انحنت قليلًا ودخلت، ثم جلست إلى جوار عصام.

كان عصام مستندًا إلى المقعد بملامح هادئة على غير المتوقع، بينما لفَّ شاش أبيض حول رقبته وثُبّت طرفه بلاصق طبي، وكانت آثار الإصابة واضحة رغم محاولته إخفاءها.

لم تتغير ملامح شمس كثيرًا؛ فقد كانت قد قرأت الأخبار وعرفت بما حدث له، لكنها لم تبدُ عليه اهتمامًا كبيرًا.

نظرت لها قليلاً ثم قال بنبرة ساخرة، وهو يرفع حاجبًا:
"إيه؟ مفيش ألف سلامة عليك يا حبيبي؟ مين اللي عمل فيك كده؟ مفيش حاجة خالص؟"

ظلت هي تحدق فيه بهدوء.. وبعد لحظات قالت بنبرة عتاب مكتوم:
"إنت مجتش السجن ليه؟ مسألتش عني ليه؟ محاولتش تخرجني ليه؟ ولا مش فاضي من السنيورة بتاعتك؟"

تنهد عصام بضيق، ثم رفع عينيه إليها وقال ببرود:
"خلاص... السنيورة راحت ومش راجعة تاني. ارتحتي كده؟"

تغيرت ملامح شمس فورًا، واتسعت عيناها بفضول، وقالت:
"يعني إيه راحت ومش راجعة؟"

نظر إليها عصام لحظات، ثم بدأ يخبرها بكل ما حدث.

كانت شمس تستمع إليه في صمت، ومع كل تفصيلة كان وجهها يزداد صدمة، حتى انتهى من حديثه.

رفعت حاجبيها وسألته:
"ومين الصعيدي اللي ظهر في حياتها فجأة ده؟"

رمقها عصام بنظرة ضيق، ثم رفع حاجبه وقال:
"الصعيدي ده يبقى قريبك... اللي اسمه زفت معتز."

اتسعت عينا شمس، وترددت الكلمة على شفتيها وكأنها لا تصدقها:
"معتز؟"

سكتت لحظة، ثم هزت رأسها بعدم استيعاب وقالت:
"إنت متأكد؟ أصل معتز... يعني هيعرف مرام منين؟ هو طول الوقت عايش في الصعيد، ونادر جدًا لما تلاقيه هنا."

قبض عصام يده بضيق، وظهرت علامات الغضب على وجهه، وقال بنبرة حادة:
"معرفش عرفها منين بقى، ولا إيه علاقته بيها! المهم دلوقتي حاجة واحدة... أخد حقي من اللي عمله فيا، وأختي اللي لحد دلوقتي معاه ومفيش أي خبر عنها."

صمتت شمس.. أشاحت بوجهها نحو النافذة، وما زالت الصدمة عالقة في عينيها.

معتز يعرف مرام؟
ولماذا يساعدها؟

تساؤلات كثيرة بدأت تدور في رأسها، لكنها سرعان ما دفعتها بعيدًا، ثم عادت تنظر إلى عصام.

قالت بنبرة أهدأ، وقد ظهر العتاب واضحًا في عينيها:
"أنا ميهمنيش كل ده يا عصام... اللي يهمني إنت."

سكتت لحظة، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت:
"أنا فين من كل ده؟ أنا قولت لنفسي لو بابا معرفش يخرجني، إنت هتعمل كده ومش هتخليني أبات في السجن يوم... لكن إنت صدمتني فيك يا عصام. إنت حتى سؤال واحد بس عني مسألتش."

تغيرت ملامح عصام قليلًا، ثم قال بضيق:
"كنتي عايزاني أعملك إيه؟ أخرجك بصفتي إيه؟ قوليلي... أنا في عيون الناس عدو أبوكي. لو روحت أخرجك هيقولوا إيه؟ ولا أبوكي نفسه أنا هقوله إيه؟ خرجتك بصفتك إيه؟"

سكتت شمس... تراجعت حدّة نظرتها قليلًا، وراحت كلماته تتردد في رأسها.

كان معه حق بالفعل...لو جاء ليسأل عنها أو حاول إخراجها، ماذا كان سيقول لوالدها؟

لاحظ عصام ترددها، فاقترب منها وأمسك يدها بين يديه، وضغط عليها بحنان مصطنع، ثم قال بصوت هادئ:
"حبيبتي... إنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه، ومفيش أغلى منك في حياتي، لكن إنتِ مش مدياني فرصة. قولتلك نتجوز... رفضتي."

رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها، ثم نظر إلى عينيها بنظرة عشق زائفة وقال:
"على الأقل لو كنا متجوزين وروحت أخرجك، هخرجك بصفتي جوزك، ومحدش هيتكلم... ولا حتى أبوكي. لأنك هتبقي على ذمتي ومسؤوليتي أنا، مش أبوكي."

ظلت شمس تنظر إليه بصمت.

كانت عيناه ثابتتين عليها، وصوته هادئًا، وكلماته تتسلل إلى قلبها واحدة تلو الأخرى.. قالت بصوت خافت:
"بتحبني بجد يا عصام؟"

ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ثم رفع يدها وقبّلها مرة أخرى، وقال بنبرة ممتلئة بعشق مصطنع:
"وبموت فيكي يا قلب عصام."

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، ونظرت إليه بحب، صدقت كل كلمة قالها.

سحبها عصام نحوه، وأحاطها بذراعيه، ومرر يده على ظهرها بحنان، فرفعت شمس ذراعيها وأحاطت به.

ظلا صامتين لعدة دقائق.

كانت شمس مستندة إلى صدره، بينما كانت أفكارها تدور في رأسها حتى اتخذت قرارها أخيرًا... رفعت رأسها قليلًا، وقالت:
"أنا موافقة نتجوز."

تجمد عصام للحظة.. أبعدها عنه ببطء، وحدق في وجهها بعينين اتسعتا بدهشة امتزجت بفرحة حاول جاهدًا إخفاء خبثها: 
"إنتِ قولتي إيه؟"

خفضت شمس وجهها بخجل، وابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تعيد كلماتها:
"موافقة نتجوز."

اتسعت ابتسامته، وعادت عروقه الهادئة إلى الظهور، ثم جذبها إلى حضنه مرة أخرى.. قال وهو يخفي ابتسامة خبيثة:
"أخيرًا وافقتي... وأنا مش هضيع الفرصة دي."

ثم ابتعد عنها قليلًا، ونظر إليها بعينين لامعتين بالمكر، وقال:
"هنتجوز... والنهارده. مين عارف، يمكن بكرة تغيري رأيك... إيه قولك؟ موافقة؟"

ضحكت شمس بخجل، وهزت رأسها بالموافقة وهي ما تزال بين ذراعيه.

أما عصام، فظل يبتسم، ابتسامة رجل حصل أخيرًا على ما كان يريده.

طرق بيده على زجاج النافذة، فتح السائق باب السيارة و ركب بداخلها. 

نظر عصام له قليلًا وقال بلهجة آمرة:
"امشي."

أومأ السائق، ثم أدار المحرك وانطلقت السيارة، بينما تحركت سيارات الحراسة خلفها، وغادرت جميعها المكان... 

           ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت خديجة تجلس أمام المرآة في مكان تجهيز العروس، بينما كانت خبيرة التجميل تقف بجانبها استعدادًا لتجهيزها لحفل الزفاف.

إلى جوارها وقفت مريم، التي لم تتركها منذ بداية اليوم، تتابع كل شيء بعناية اتخذت قرارًا بألا تسمح لأي شيء أن يفسد على خديجة فرحتها.

التفتت خديجة إلى الفتاة المسؤولة عن تجهيزها، وقالت بوضوح:
"أنا مش عايزة تعملي اي حاجه في حواجبي ولا تلعبي في وشي... عايزة أفضل زي ما أنا، على طبيعتي."

ابتسمت الفتاة ابتسامة لطيفة وأومأت برأسها موافقة: 
"حاضر."

ثم عادت إلى عملها، تتحرك بهدوء أمام وجه خديجة، بينما ظلت مريم واقفة إلى جوارها، تراقب ما تفعله وتخبر خديجة بين حين وآخر ببعض التفاصيل الصغيرة التي ترى أنها ستجعل مظهرها أجمل.

وبعد لحظات، مالت مريم قليلًا نحو خديجة، واقتربت من أذنها ، ثم قالت هامسة:
"هروح الحمام وأرجعلك."

رفعت خديجة عينيها إليها، ثم أومأت برأسها برفق، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة: 
"ماشي."

ظلت عيناها معلقتين بمريم وهي تبتعد، تتابع خطواتها حتى اختفت عن أنظارها.

تنفست خديجة بهدوء، وقد تسلل إلى داخلها شعور بالراحة. كانت سعيدة لأن مريم، رغم كل ما حدث معها، تحاول أن تكمل يومها بصورة طبيعية. ربما كانت لا تزال تتألم من الداخل، وربما كانت تحاول فقط أن تتجاهل ما يؤلمها حتى لا تخسر هذا اليوم... لكنها على الأقل كانت تحاول.

ولم تكد خديجة تعيد نظرها إلى المرآة حتى التفتت خبيرة التجميل ناحية المكان الذي غادرت منه مريم.

تابعت الباب بعينيها للحظات، ثم عادت بنظرها إلى خديجة.

تغيرت ملامحها قليلًا.

اختفت الابتسامة الودودة التي كانت على وجهها، وحل مكانها شيء غامض لم تنتبه إليه خديجة.

مدت الفتاة يدها نحو زجاجة العطر الموضوعة أمامها، وأمسكت بها قبل أن ترفعها أمام خديجة: 
"جربي كده... ريحة البرفان ده هتعجبك."

هزت خديجة رأسها رافضة، وقالت بابتسامة بسيطة:
"لا، شكرًا... أنا مش بحط برفان."

لكن الفتاة لم تتراجع.. وبحركة سريعة، ضغطت على الزجاجة... تناثرت الرذاذات على وجه خديجة.

تراجعت خديجة إلى الخلف وأغمضت عينيها فورًا، ورفعت يدها أمام وجهها وهي تنهض من مكانها بعصبية: 
"قولتلك مش عايزة! إيه اللي إنتِ عملتيه ده؟!"

مسحت عينيها بيدها محاولة التخلص من أثر الرذاذ، ثم فتحتهما وهي تزفر بضيق، وقد انعقد حاجباها من الانزعاج: 
"حتى أصلًا ريحته مش حلوة."

لكن الفتاة لم تبدُ منزعجة من غضبها.

على العكس، ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، غريبة عن ابتسامتها السابقة.. قالت بنبرة هادئة تحمل مكرًا واضحًا:
"طبيعي... عشان ده مش برفان أصلًا."

توقفت خديجة عن الحركة.. تلاشت ملامح الغضب من وجهها في لحظة، وحل محلها الذهول.

اتسعت عيناها وهي تحدق في الفتاة، عقلها احتاج إلى لحظة ليستوعب معنى كلماتها: 
"إنتِ..."

لم تستطع إكمال جملتها.. شعرت فجأة بأن الأرض تميد من تحت قدميها.

تغيرت ملامحها، وانقبض حاجباها وهي تحاول أن تستعيد توازنها، لكن الدوار اشتد بصورة مفاجئة، حتى بدا لها المكان من حولها وكأنه يدور.

مدت يدها سريعًا نحو التسريحة أمامها، وتشبثت بحافتها بكل قوتها.

لكن جسدها لم يعد يطيعها.

اصطدمت يدها بالأشياء الموضوعة فوق التسريحة، فتساقط معظمها على الأرض محدثًا أصواتًا متتالية، بينما حاولت خديجة أن تتمسك بأي شيء يمنعها من السقوط.

وفي تلك اللحظة، أدركت الحقيقة.. لم يكن ما رُشَّ على وجهها عطرًا.. لقد كانت رائحة المخدر آخر شيء استطاعت أن تستوعبه قبل أن تخور قواها تمامًا.

ترنحت خطواتها للحظة، ثم انهارت على الأرض فاقدةً وعيها.

نظرت الفتاة إليها من أعلى، وقد ارتسم على وجهها خبث واضح، ثم أخرجت هاتفها بسرعة من جيبها وأجرت اتصالًا.

ظلت تحدق في خديجة أثناء انتظار الرد.. وما إن جاءها الرد حتى قالت بصوت منخفض وحاسم:
"تعالى خدها بسرعة قبل ما حد يجي."

في الوقت نفسه، كانت مريم تقف أمام حوض غسل اليدين داخل الحمام.

فتحت الصنبور، وانحنت قليلًا لتغسل وجهها، ثم تناولت المنشفة الموضوعة إلى جوارها وجففت وجهها بهدوء.

رفعت رأسها، ثم استدارت ناحية الباب استعدادًا للمغادرة.

لكنها توقفت فجأة.. تجمد جسدها في مكانه.. اتسعت عيناها بصورة مفاجئة عندما وجدت رجلًا يقف أمامها.

لم تمنحها الصدمة فرصة حتى لتصرخ.. في اللحظة التالية اندفع نحوها، وسحبها على غفلة، ثم وضع منديلًا على وجهها.

اتسعت عينا مريم أكثر، وبدأت تقاوم بكل ما استطاعت.

حاولت إبعاده عنها، تحركت ذراعاها بعشوائية، وتشبثت بيده محاولة تخليص نفسها، لكن مقاومتها أخذت تضعف شيئًا فشيئًا.

بدأت الرؤية أمامها تتشوش.. خارت قواها تدريجيًا، ثم ارتخت ذراعاها وسقط جسدها فاقدًا للوعي.

تركها الرجل، فسقطت على الأرض بلا حراك... ظل ينظر إليها للحظات، ثم استدار وغادر الحمام.

ذهب الرجل إلى خديجة، وانحنى نحوها ثم حملها بين ذراعيه.. توجه بنظره إلى الفتاة.

لم تقل شيئًا، وإنما رفعت يدها وأشارت له نحو الباب الخلفي، مؤكدة له أن الطريق أصبح آمنًا.

أومأ الرجل، ثم حمل خديجة وغادر بسرعة.

ظلت الفتاة في مكانها للحظات، تراقب اختفاءه، ثم انتظرت قليلًا.

وفجأة...صرخت بأعلى صوتها: 
"الحقوني!"

وصل صراخها إلى الحراس الواقفين في الأسفل بأوامر من سيف، فتحركوا جميعًا في اللحظة نفسها تقريبًا، وصعدوا الدرج مسرعين، بينما كانت الفتاة قد ألقت بنفسها على الأرض.

وفي الخارج، كان الرجل قد وصل إلى السيارة.

فتح الباب ووضع خديجة داخلها، ثم أغلقه سريعًا وانطلق بالسيارة قبل أن يصل أحد إلى المكان.

اندفع الحراس إلى الغرفة.

توقفوا لحظة عندما وجدوا الفتاة ملقاة على الأرض فاقدة الوعي.

اقترب أحدهم منها وانحنى ليتأكد من حالتها، بينما بدأ الآخرون يبحثون بعينين متوترتين في المكان.

لكن خديجة لم تكن هناك.. ولا مريم.

تبادل الحراس النظرات بقلق، ثم بدأوا في تفتيش المكان بسرعة.

وبعد لحظات، عثروا على مريم داخل الحمام، ملقاة على الأرض فاقدة الوعي.

أسرع أحدهم إليها، بينما واصل الآخرون البحث عن خديجة.

لكن لم يكن لها أي أثر.. خرجوا من المكان بسرعة واتجهوا إلى الأسفل، يبحثون في كل اتجاه، إلا أن المكان كان قد أصبح خاليًا تمامًا... لا أثر لخديجة 

أخرج أحد الحراس هاتفه بيد متوترة، واتصل وانتظر حتى جاءه الرد.. ابتلع ريقه، ثم قال بصوت متردد:

"أيوه يا باشا..."

                      ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

فتحت خديجة عينيها ببطء، وقد كان الصداع يعصف برأسها بعنف، حتى إنها شعرت وكأن رأسها ستنفجر من شدة الألم.

حاولت رفع يدها لتضعها على رأسها، لكن يدها لم تتحرك.

عبست وهي تحاول مرة أخرى، إلا أن جسدها ظل عاجزًا عن الاستجابة.

تسارعت أنفاسها قليلًا، وراحت تحاول استيعاب ما يحدث، قبل أن تفتح عينيها جيدًا.

وفي اللحظة التي فعلت فيها ذلك...اتسعت عيناها بصدمة شديدة.

تجمدت ملامحها وهي تحدق حولها، غير مصدقة لما تراه.

كانت موضوعة داخل صندوق خشبي كبير، وجسدها ملفوف بقماش أبيض، بينما كانت الحبال تقيدها بإحكام وتمنعها من الحركة.

لكن أكثر ما صدمها...أنها كانت من دون نقابها.

تحركت عيناها بسرعة في المكان، وكأنها تبحث عن تفسير لما يحدث، حتى وقعتا على ميرال الواقفة أمام الصندوق.

كانت نظرات ميرال تحمل ذلك الخبث الواضح، بينما وقف رجالها حولها.

خرج صوت خديجة ضعيفًا ومتقطعًا من شدة الألم والخوف:
"إنتِ هتعملي فيا إيه يا مجنونة إنتِ؟"

اقتربت ميرال من الصندوق، ووضعت يدها عليه، ثم مالت قليلًا وهي تنظر إلى خديجة بابتسامة ماكرة.. قالت بنبرة ساخرة:
"إزيك يا عروسة؟ إيه رأيك في فستان فرحك ده؟ حلو أوي، مش كده؟"

ابتلعت خديجة ريقها بصعوبة.. تجمعت الدموع في عينيها، وراحت تهز رأسها بقلق، غير قادرة على إخفاء الخوف الذي بدأ يسيطر عليها.. كررت سؤالها بصوت مرتجف:
"هتعملي فيا إيه؟"

ابتعدت ميرال عن الصندوق، وبدأت تدور حوله ببطء، وكأنها تمنح خديجة وقتًا لتفكر.

رفعت ذقنها قليلًا، وتظاهرت بالتفكير، ثم قالت بنبرة تحمل سخرية واضحة:
"فكري معايا كده..."

استمرت في السير حول الصندوق، ثم تابعت:
"جثة موجودة ومتكفنة وجاهزة... وكمان حفرة قبرها اتحفرت وجاهزة."

توقفت.. ثم التفتت إلى خديجة، ونظرت إليها مباشرة بعينين تحملان مكرًا واضحًا.. ابتسمت وقالت:
"يبقى برأيك هعمل إيه؟"

اتسعت عينا خديجة أكثر.. بدأت الحقيقة تتضح أمامها، ومعها بدأ الخوف يتحول إلى هلع.

راحت تهز رأسها بعنف، وتساقطت دموعها على وجهها دون توقف.

أما ميرال، فانفجرت في ضحكة شيطانية، ثم قالت وكأنها تجيب عن سؤالها بنفسها:
"هدفنك طبعًا..."

اقتربت خطوة، ثم تابعت بضحكة خافتة:
"هدفنك وإنتِ حية... ومحدش هيقدر ينقذك المرة دي."

انحنت بجسدها نحو خديجة، واختفت السخرية من نبرتها فجأة، وحل محلها غضب واضح وهي تقول:
"نور اللي أنقذك قبل كده أكتر من مرة... المرة دي مش هيعرف."

اقترب وجهها أكثر، وقالت ببطء:
"ولو عرف يوصلك... هتبقي إنتِ خلاص، روحك طلعت للي خلقها."

هزت خديجة رأسها بعنف، بينما انهمرت دموعها بغزارة.. كانت أنفاسها متقطعة، وصوتها يخرج وسط بكائها بانفعال:
"إنتِ مستحيل تكوني بني آدمة طبيعية... إنتِ مجنونة!"

ارتسمت على وجه ميرال ابتسامة خبيثة.. ثم اعتدلت وابتعدت عن الصندوق.. لكنها ما إن تحركت حتى تأوهت فجأة من الألم.

توقفت ونظرت إلى يدها.. كانت أسورة يدها قد علقت في مسمار بارز من الصندوق، وانكسرت بسبب ذلك.

حدقت ميرال في الجرح بضع لحظات، ثم أنزلت يدها بلا اهتمام... رفعت عينيها نحو رجالها وأشارت إليهم.

فهموا مقصدها فورًا.. اقترب الرجال وهم يحملون غطاء الصندوق.

اتسعت عينا خديجة عندما رأتهم يضعونه فوقها.

بدأ قلبها يخفق بعنف، وحاولت التحرك داخل قيودها، لكن الحبال منعتها.

ثم بدأ الرجال يدقون المسامير في الغطاء بإحكام.. ضربة تلو الأخرى.

ومع كل مسمار كان الضوء يختفي شيئًا فشيئًا، حتى أُغلق الصندوق تمامًا.

وأصبح كل شيء مظلمًا.. شهقت خديجة، وبدأت تصرخ بأعلى صوتها وسط بكائها:
"ميرال! ميرال طلعيني من هنا! أرجوكي... متعمليش فيا كده!"

ثم علا صوتها أكثر وهي تناديها:
"ميرااااال!"

لكن لم يجبها أحد.لم تسمع سوى صدى صوتها يتردد داخل الصندوق.

وفجأة...شعرت بالصندوق يتحرك... تجمدت للحظة، ثم عاد الذعر ليجتاحها بصورة أقوى.

بدأت تصرخ من جديد، وتتعالى رجاءاتها وهي تحاول مقاومة ما يحدث:
"لا... أرجوكم سيبوني.... ميرال!"

لكن صرخاتها لم تجد من يستجيب لها.

استمر الصندوق في التحرك حتى وضعه رجال ميرال داخل الحفرة.. ثم بدأ التراب ينهال فوقه.

صرخت خديجة بكل ما بقي لديها من قوة، وواصلت استغاثاتها، لكن طبقات التراب أخذت تتراكم فوق الصندوق، حتى اختفى تمامًا أسفل الأرض.

واختفت معها صرخاتها شيئًا فشيئًا.. ساد الصمت فوق الحفرة.

نظرت ميرال إلى التراب المردوم أمامها، ثم ارتسم على وجهها حزن قالت بنبرة متصنعة:
"ربنا يرحمك... كنتِ طيبة أوي."

ثم تبدلت ملامحها فجأة.وانطلقت من بين شفتيها ضحكة شيطانية، دوّى صداها في المكان....... 

                   ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

انفجر غضب سيف دفعةً واحدة.. تقدم نحو أحد رجاله، وقبل أن يتمكن الرجل من استيعاب ما يحدث، هوت يد سيف على وجهه بعنف، فارتد رأسه إلى الجانب من قوة الصفعة.

صاح سيف، وقد اشتعلت عيناه بالغضب :
"يعني إيه؟! يعني إيه بنتي تتخطف يا بهايم؟! أومال جايبكم هنا بتعملوا إيه؟!"

خفض رجاله رؤوسهم في صمت، عاجزين عن تقديم إجابة واحدة تبرر ما حدث.

وفي تلك اللحظة، تحركت الفتاة على الأرض متعمدةً إظهار علامات الاستيقاظ. فتحت عينيها ببطء، ثم وضعت يدها على رأسها وتظاهرت بالدوار.

انتبه مؤمن إليها، فتوجه نحوها سريعًا وانحنى أمامها، وسألها بلهفة:
"قولينا خديجة فين؟ شوفتي مين اللي خطفها؟"

هزت الفتاة رأسها بالنفي، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها وهي تقول بصوت ضعيف:
"لا... مشفتهوش. حط منديل على وشي وأُغمي عليا... خدر خديجة وخدها ومشي. وقبل ما أصرخ عشان الرجالة يطلعوا... كان هو مشي."

مرر مؤمن يده على وجهه بيأس، ثم أنزلها ببطء، بينما ظل القلق يضغط على ملامحه.

وعلى الجانب الآخر، كان فارس جاثيًا على ركبته بجوار مريم.

بدأت مريم تحرك جفونها ببطء، ثم فتحت عينيها بصعوبة، فوجدت فارس إلى جوارها.

اقترب منها أكثر، ووضع يده على وجهها بحنان، وقال بصوت  قلق:
"إنتِ كويسة يا بنتي؟" 

حركت مريم رأسها ببطء، ثم حاولت النهوض.

جلست وهي تضع يدها على رأسها، وأغمضت عينيها للحظة من شدة الصداع، قبل أن تفتحها مجددًا.

اقترب سيف منها، وانحنى قليلًا، وكانت عيناه تتوسلان إليها أن تحمل كلماتهما أي خبر يوصله إلى ابنته: 
"مريم... قولي. إنتِ شوفتي وش الراجل؟ تعرفي أي حاجة عن خديجة؟"

راحت مريم تنظر حولها بارتباك.. كانت عيناها تتحركان بين الوجوه، تبحث عن خديجة.

لكنها لم تجدها.. نهضت فجأة، وامتلأت عيناها بالدموع: 
"خديجة فين؟!"

التفتت حولها بعصبية: 
"قوليلي خديجة فين؟!"

ضرب سيف بيده على قدمه بيأس، وأطرق رأسه للحظة، وقد اجتمع في صدره الخوف والحزن والغضب على ابنته.

اقترب فارس من مريم ووضع يده على كتفها برفق: 
"احكيلنا حصل معاكي إيه."

رفعت مريم عينيها إليه، وانسابت دموعها على وجنتيها وهي تستعيد ما حدث: 

"أنا سبت خديجة وروحت دخلت الحمام... لكن فجأة لقيت راجل قدامي. وقبل ما أستوعب أي حاجة، حط منديل على وشي..."

توقفت لحظة، مجرد استرجاع اللحظة جعلها تختنق من الخوف: 
"أُغمي عليا... ومعرفش حصل إيه بعدها."

شهقت وهي تحاول السيطرة على بكائها، ثم رفعت عينيها إلى فارس وكأنها تبحث في وجهه عن إجابة تطمئن قلبها: 
"خديجة هترجع... وهتبقى كويسة، صح؟"

ابتسم فارس لها ابتسامة هادئة، رغم القلق الذي كان واضحًا في عينيه، وقال محاولًا طمأنتها:
"اطمني... هنرجعها إن شاء الله."

صمتت مريم، لكن دموعها لم تتوقف.. ثم فجأة...تغيرت ملامحها.

اتسعت عيناها قليلًا، وكأن فكرة خطيرة خطرت لها.. يوسف.. تحذيره لخديجة بسبب مساعدتها لها.

هل يمكن أن يكون هو وراء كل هذا؟
هل يكون هو من خطفها؟

هزت رأسها بالنفي بسرعة، وكأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها، لكن عقلها لم يتوقف.

بدأ ينسج أمامها عشرات السيناريوهات، وكل واحد منها كان أبشع من الآخر.

وفي الجهة الأخرى، كان الغضب يشتعل في عيني سيف.. كان الدم يغلي في عروقه، وقلبه مقبوض من الخوف على ابنته.

رفع رأسه، فوقعت عيناه على نور.. كان يقف بعيدًا عنهم، منشغلًا بهاتفه، وأصابعه تتحرك على شاشته.

اشتعل غضب سيف أكثر.. اتجه نحوه بخطوات سريعة، حتى وقف أمامه وانفجر فيه:
"والله عال! مراتك مخطوفة، الله أعلم هي فين دلوقتي، وإنت واقف بتلعب في التليفون!"

توقف إصبع نور فوق شاشة الهاتف.. رفع عينيه ببطء نحو سيف.. لم يرد في البداية.

ظل ينظر إليه لثوانٍ، ثم قال بنبرة هادئة، لكنها تحمل ضيقًا واضحًا:
"أنا بتصرف... لكن بذكاء، مش زي البهايم اللي إنت جايبهم."

ظهرت على وجه سيف ابتسامة ساخرة : 
"بتتصرف؟ وإنت واقف كده مش عامل أي حاجة؟ بتسمي نفسك بتتصرف؟"

تنفس نور بعمق، وضغط على أسنانه محاولًا كبح غضبه.. لم يرد عليه.

تحرك مؤمن نحو سيف، وقال محاولًا تهدئة الموقف:
"متهدى يا سيف شوية... مش كده."

استدار سيف نحوه، وصاح بانفعال:
"أهدى؟! بنتي مخطوفة وتقولي أهدى؟!"

لكن نور لم يتوقف عندهما.. تحرك من جانبهما، فتابعه سيف بنظرة غاضبة.

توقف نور أمام الفتاة... لم يتحدث.. فقط حدق في عينيها طويلًا.

ظل صامتًا، يراقبها بدقة، بينما بدأت الفتاة تتحرك في مكانها بتوتر.

فركت أصابعها ببعضها، وحاولت تجنب نظراته، ثم قالت بصوت مرتبك:
"في حاجة؟... بتبصلي كده ليه؟"

وقف مؤمن وسيف وفارس ومريم يراقبون نور.

كان الجميع يراقب نظراته للفتاة، والطريقة التي ثبت بها عينيه عليها.. وفجأة...مد يده وأمسكها من شعرها.

صرخت الفتاة من الألم، وانشد جسدها إلى الخلف من قوة قبضته.. صاح نور بغضب:
"خديجة فين يا بت؟!"

حاولت الفتاة إبعاده عنها، ورفعت يديها نحو ذراعه، لكن قبضته كانت قوية.. شدد يده أكثر، وانعقد حاجباه، بينما خرج صوته من بين أسنانه:
"أقسم بالله العظيم لو ما نطقتي وقولتي هي فين، لأكون مفرغ سلاحي وأفرتك دماغك!"

صرخت الفتاة وهي تبكي من شدة الألم:
"معرفش! أنا قولت اللي أنا شوفته... أكتر من كده معرفش!"

زاد غضب نور.. ترك شعرها فجأة، ثم صفعها على وجهها بعنف.

تراجعت الفتاة من أثر الضربة، ووضعت يدها على وجهها وهي تنظر إليه بخوف.صاح بها:
"كدابة!"

ثم أشار إليها بحدة:
"آخدك دلوقتي على المستشفى وأعملك تحاليل، ونشوفك اتخدرتي فعلًا زي ما قولتي ولا لأ."

اتسعت عينا الفتاة.. تغير لون وجهها، وظهر الخوف واضحًا في نظراتها.

اقترب فارس من نور، وسأله باستغراب:
"وإنت عرفت إزاي إنها بتكدب؟"

رفع نور عينيه عن الفتاة للحظة، ثم قال ببرود حاد:
"عينيها... حركات جسمها... طريقة كلامها... و الحوارات اللي ألفتها من دماغها."

وأشار بيده نحو مريم: 
"طريقتها مكنتش زي مريم. وواضح عليها أوي الكدب."

ثم ثبت نظره في الفتاة من جديد: 
"أنا شغلي علمني أفضح الكداب من أول كلمة وبصة في عينيه."

ابتلعت الفتاة لعابها بصعوبة.. ارتبكت أنفاسها، وأخذت تنظر حولها وكأنها تبحث عن مخرج.

تقدم نور نحوها خطوة أخرى.. لكن قبل أن يصل إليها، جاء صوت أدهم من خلفهم.

كان قد دخل مسرعًا، وأنفاسه متلاحقة من شدة الركض.. قال وهو يلهث:
"ظهرت... علامة مكانها ظهرت على الـGPS."

استدار نور إليه فورًا.. أخرج هاتفه بسرعة، وفتح تطبيق الـGPS، ثم انتظر للحظات.. ثبتت عيناه على الشاشة.

وفجأة ظهرت علامة حمراء تحدد موقع خديجة.

اقترب فارس منه بسرعة، وقد ارتسم الأمل على وجهه للمرة الأولى منذ اختفائها.: 
"عرفتوا مكانها؟"

رفع نور عينيه إلى والده وأجاب:
"أيوه... عرفنا."

ثم استدار نحو الفتاة، وأشار إليها بغضب:
"البنت دي متطلعش من هنا."

توقف لحظة، ثم قال بتهديد واضح:
"حسابي معاكي لما أرجع."

استدار وغادر بسرعة.. لحق به أدهم وهو يركض.

وفي اللحظة نفسها، أشار سيف إلى اثنين من رجاله: 
"إنتوا الاتنين تفضلوا معاها."

ثم أشار إلى الباقين: 
"والباقي ورايا."

تحرك مؤمن خلفهم، ثم تبعه فارس ومريم.

ركب نور سيارته بسرعة، بينما فتح أدهم الباب وصعد إلى جواره.

أدار نور المحرك، وانطلقت السيارة بأقصى سرعة.

بعده مباشرة، ركب سيف سيارته، ولحقت به سيارات حراسه.

أما فارس، فركب سيارته وكانت مريم معه، ثم انطلق خلفهم بسرعة.

وقبل أن يركب مؤمن سيارته، توقفت سيارة بالقرب منهم.. فتح بابها، ونزل منها معتز ولؤي وتقى.. أسرع لؤي نحوه، وسأله بلهفة:
"إنتوا رايحين على فين؟"

لم يتوقف مؤمن طويلًا، فالوقت لم يكن يسمح بذلك.. قال بسرعة:
"عرفنا مكان خديجة."

ثم ركب سيارته وأدار محركها وانطلق خلف الآخرين.

ظل معتز ولؤي وتقى ينظرون إلى بعضهم لثوانٍ، وكأنهم يستوعبون ما سمعوه.

ثم تحركوا بسرعة نحو السيارة، وركبوا بها، وانطلقوا خلفهم.

وفي دقائق قليلة، كانت السيارات قد غادرت المكان تباعًا، و هدفهم جميعاً أن يصلوا إلى خديجة قبل فوات الأوان.. 

                  ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

صرخت خديجة، لكن صرختها اصطدمت بجدران الصندوق الخشبي وعادت إليها مكتومة. 

راحت عيناها تتحركان في كل اتجاه، رغم أنها لم تكن ترى شيئًا.. ظلام دامس يحيط بها من كل جانب.

حاولت تحريك جسدها، لكن القيود منعتها، فارتعشت أنفاسها أكثر، وأخذ صدرها يرتفع ويهبط بسرعة.

كانت تشعر بالهواء من حولها يقل شيئًا فشيئًا.

شهقت محاولة التقاط نفس عميق، لكن الهواء لم يعد يدخل إلى رئتيها كما ينبغي.

وضعت رأسها إلى الخلف، وبدأت دموعها تنهمر بغزارة، بينما راحت تحاول السيطرة على أنفاسها المتقطعة: 
"حد يساعدني "

خرج صوتها ضعيفًا، بالكاد يُسمع.

ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم صاحت بما تبقى في صدرها من قوة:
"حد يخرجني من هنا... أنا بموت."

ارتجف صوتها في آخر كلماتها، وانفجرت في البكاء.. حاولت أن تصرخ مرة أخرى، لكن صوتها خرج متقطعًا بين شهقاتها:
"يا ناس... حد سامعني؟ بالله عليكم... خرجوني من هنا!"

سكتت لحظة.. انتظرت.. ربما تسمع صوت خطوات.. ربما يأتي أحدهم.

لكن لم يصل إليها شيء.. لا صوت.. ولا إجابة.. ولا حتى أمل صغير يخبرها بأن أحدًا سمع استغاثتها.

ازداد بكاؤها، وتسارعت أنفاسها أكثر، بينما بدأت حبات العرق تتناثر على وجهها وجسدها.

حاولت أخذ نفس آخر، لكنه خرج مرتجفًا وضعيفًا.

أغمضت عينيها بانهيار، وأسندت رأسها إلى الخشب خلفها، بينما انهمرت دموعها بلا توقف.

لم يعد في صوتها ما يكفي للصراخ.

خرجت الكلمة الأخيرة هامسة، مكسورة، وكأنها لم تجد أمامها أحدًا تلجأ إليه سوى الله: 
"يارب" 

توقفت سيارة نور عند المكان المحدد، فانفتح بابها قبل أن يطفئ المحرك تمامًا.
ترجل نور مسرعًا، والهاتف لا يزال في يده. رفعه أمام عينيه، يراجع إشارة الـGPS مرة أخرى، ثم رفع رأسه وأخذ يتفحص المكان من حوله.

هبط أدهم خلفه، ثم توالت السيارات الأخرى، وترجل الجميع بسرعة، وقد بدت على وجوههم علامات التوتر والقلق.

رفعوا أعينهم نحو المكان.

كان طريقًا مهجورًا، تحيط به بعض الأشجار المتناثرة والنخيل، بينما خيّم السكون على كل شيء من حولهم.

اقترب فارس من نور، ونظر إلى شاشة الهاتف ثم إلى المكان، وسأله بقلق:
"متأكد إن ده المكان؟"

رفع نور عينيه إليه، ثم أومأ برأسه بهدوء: 
"أيوه."

لم يكن في صوته تردد، لكن عينيه كانتا تتحركان في كل اتجاه.

انتشر الجميع في المكان، وبدأوا يبحثون بأعينهم عن أي أثر قد يقودهم إليها.. لكن لا شيء.. لا سيارة.. لا اي شخص.. ولا حتى أثر واضح يدل على وجود خديجة هنا.

تقدم مؤمن خطوة، ونظر إلى الجميع قبل أن يقول بحزم:
"كل واحد يدور عليها من ناحية، واللي يلاقيها يبلغ الباقيين."

أومأ الجميع بالموافقة.

تحرك سيف وحراسه في اتجاه، بينما ذهب مؤمن ومعه معتز في اتجاه آخر، واتجه فارس ومريم إلى ناحية ثالثة، ولؤي وتقى إلى ناحية أخرى، بينما اتجه أدهم إلى جهة مختلفة.

تفرق الجميع.. أما نور، فظل في مكانه.. خفض عينيه إلى الهاتف.

كانت الإشارة الحمراء ثابتة.. رفع رأسه ونظر حوله مرة أخرى.. ثم عاد ينظر إلى الشاشة.. الإشارة هنا.

في هذا المكان تحديدًا.. لكن أين خديجة؟.. أين يمكن أن تكون؟

خفض الهاتف ببطء، وبدأ ينظر إلى الأرض من حوله.

ربما سقط الخاتم منها، وربما كانت في مكان قريب منه، والإشارة لا تدل على موقعها هي بالضبط.

تحرك بضع خطوات، وعيناه معلقتان بالأرض.. خطوة...ثم أخرى.

كان يفتش بعينيه بين التراب، حتى توقفت قدماه فجأة.

رفع رأسه قليلًا.. كانت هناك جزء من الأرض يبدو مختلف بوضوح عن كل ما يحيط به.

ترابه غير مستوٍ، وشكلها يوحي بأن حفرة قد حُفرت هنا ثم رُدمت من جديد.

ثبت نور عينيه عليها.. لم يتحرك.. تسللت فكرة إلى عقله.

دفنوها هنا؟
اتسعت عيناه، وهز رأسه بعنف يرفض الفكرة قبل أن تكتمل: 
"مستحيل..."

لكن شيئًا بداخله لم يسمح له بتجاهلها.
ماذا لو كانوا فعلوها فعلًا؟
ماذا لو كانت خديجة تحت هذا التراب؟

لم ينتظر أكثر... جثا على ركبتيه، وألقى الهاتف إلى جواره، ثم بدأ يبعد التراب بيديه.

كان يدفعه بعنف ويرميه خلفه، ثم يعود للحفر من جديد.. تسارعت أنفاسه.. لم يعد يشعر بشيء سوى أصابع يديه وهي تغوص في التراب، وكلما أزاح طبقة، كان قلبه يخفق بصورة أعنف.

بدأ العرق يتناثر بغزارة على جسده، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، لكنه لم يتوقف.

وفجأة...توقفت يده.. اصطدمت أصابعه بشيء صلب.. نظر إلى الأسفل.. خشب.

رفع رأسه بسرعة، واتسعت عيناه.. نهض على عجل، وبدأ يبعد التراب المحيط به بكلتا يديه، حتى ظهر أمامه صندوق خشبي كبير.

تجمد للحظة.. تعلقت عيناه بالصندوق.. وبدأت الدموع تتجمع في عينيه دون أن يشعر.

لم يحتج إلى التفكير كثيرًا ليعرف ما قد يكون بداخله.

خديجة.. ربما كانت هنا طوال الوقت.. وربما...كان قد وصل متأخرًا.

اندفع نحو الصندوق، وبدأ يبحث بعينيه عن أي مكان يمكنه فتحه منه.

لكنه كان مغلقًا بالمسامير.. وضع قدمه فوق الصندوق، وأمسك بالغطاء بكلتا يديه، ثم شد إلى أعلى بكل ما يملك من قوة.

برزت عروق يديه، وانقبض فكه، وخرجت منه شهقة متعبة وهو يحاول اقتلاع الغطاء.

لكن الغطاء لم يتحرك.. أرخى يديه للحظة، وانحنى يلهث.

ثم رفع عينيه إلى الصندوق.. لا.. لن يتوقف.. أعاد المحاولة.

شد بكل قوته، حتى ارتجفت ذراعاه.. ومرة أخرى...لم يتحرك.

أطبق أسنانه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم جذب الغطاء بعنف للمرة الثالثة.

صدر صوت خشبي حاد.. وانفتح جزء صغير من الغطاء.

توقف نور.. حبس أنفاسه.. اقترب بوجهه من الفتحة، ونظر بطرف عينيه إلى الداخل.

وفي اللحظة التالية...اتسعت عيناه بصدمة شديدة.. كانت خديجة هناك.

ملفوفة بقماش أبيض، ومقيدة، ساكنة تمامًا.. لا حركة.. لا استجابة.. لا شيء.

خرج اسمها من بين شفتيه بصوت مرتجف:
"خديجة..."

ارتعشت شفتاه، وانحدرت دمعة على وجهه: 
"خديجة... متخافيش."

اقترب أكثر، وكأن صوته يمكن أن يصل إليها عبر ذلك الصندوق: 
"لو سمعاني... متخافيش. أنا هخرجك من هنا."

اشتعلت داخله قوة جديدة.. أمسك بالغطاء مرة أخرى، وهذه المرة لم يعد يشعر بالتعب.. شد بعنف.

ارتفعت يده، وانغرست فيها شظايا الخشب، وظهر الجرح على كفه، لكنه لم يلتفت إليه حتى... شعر بألم حاد في كتفه مكان اصابته لكنه لم يتوقف. 

استمر في السحب.. حتى استطاع أخيرًا نزع الغطاء بالكامل.

مال بجسده بسرعة نحو خديجة، ومد ذراعيه إليها، وحملها وأخرجها من الصندوق.

وضعها على الأرض برفق شديد، وكأنه يخشى أن يؤذيها بمجرد لمسها.

ثم أسرع إلى قيودها وفكها بيدين مرتعشتين، وأبعد القماش الأبيض عنها.

حملها بين ذراعيه، وأسند رأسها إليه.. كان وجهها شاحبًا بصورة أخافته.. مرر يده على وجهها، ثم هزها برفق.. كانت دموعه تتساقط دون توقف: 
"خديجة..."

هز وجهها مرة أخرى، وهذه المرة خرج صوته أكثر ارتجافًا:
"خديجة افتحي عينيكي... أنا جيت أهو."

اقترب بوجهه منها، وكأنه ينتظر مجرد نفس واحد: 
"خديجة... قومي، ردي عليا."

لكنها لم تستجب.. ظل وجهها ساكنًا.. باردًا.. شاحبًا كوجه الموتى.

تجمد نور وهو يحدق بها، وكأن أسوأ مخاوفه أصبحت حقيقة أمام عينيه.

تحركت عيناه في وجهها بحثًا عن أي علامة للحياة، لكن خوفه كان يزداد مع كل ثانية تمر بلا استجابة.

رفع رأسه ونظر حوله، والدموع لا تزال تنهمر من عينيه.. ثم توقفت عيناه فجأة.

شيء ما كان عالقًا في الصندوق.. ثبت نظره عليه.. اقترب ببطء، ثم مد يده والتقطه.

كانت أسورة.. ظل ينظر إليها لثوانٍ، والصدمة ترتسم على وجهه.. يعرفها.. يعرف هذه الأسورة جيدًا.

تغيرت ملامحه.. اتسعت عيناه، وانقبض فكه، بينما ثبتت أصابعه حولها.

هذه الأسورة...كانت لميرال.... 

تعليقات



<>