رواية جعلتني مجرما الفصل الخامس والثلاثون35 والسادس والثلاثون36 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل الخامس والثلاثون35 والسادس والثلاثون36 بقلم دينا عبد الله
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
كان عصام مستلقيًا على الفراش، مسندًا ظهره إلى الخلف، بينما استقرت شمس داخل أحضانه، وقد بدا على جسده شيء من الاسترخاء بعد ما مرّا به.

كانت إحدى ذراعيه تحيط بها، فيما راحت أصابعه تتحرك ببطء بين خصلات شعرها، يمررها بينها في حركات هادئة متكررة. 

خفض عينيه إليها، وتأمل ملامحها للحظات قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة تحمل شيئًا من المشاكسة.. قال بنبرة هادئة ساخرة:
"شوفتي بقى الموضوع سهل إزاي؟ أهو اتجوزنا."

توقف لحظة، وكأنه يتعمد تركها تفكر في الأمر، ثم عاد يتحدث وهو يرفع حاجبه قليلًا:
"وتممنا جوازنا كمان... في حاجة حصلت.. لا... حد لاحظ حاجة... لا برضه... كنتِ مأفورة الموضوع على الفاضي."

رفعت شمس عينيها إليه.. كانت نظرتها تحمل مزيجًا من الخجل وعدم التصديق، قبل أن تهرب بعينيها سريعًا إلى الأسفل.

انخفضت كتفاها قليلًا، ثم اقتربت منه أكثر، وشدت ذراعيها حوله .. خرج صوتها رقيقًا، يحمل فرحة لم تستطع إخفاءها:
"مش مصدقة إنك بقيت جوزي... وإنّي شايلة اسمك دلوقتي."

توقفت أصابع عصام عن العبث بشعرها للحظة.. نظر إليها مباشرة، وكانت عيناه تحملان عشقًا واضحًا، ثم انحنى وقبّل رأسها قبلة طويلة وهادئة، قبل أن يرفع رأسه ويقول بنبرة واثقة:
"وهتفضلي دايمًا على اسمي..."

مرر يده على شعرها مرة أخرى، ثم أضاف بصوت أكثر امتلاكًا:
"وهتفضلي دايمًا بتاعتي."

رفعت شمس وجهها إليه من جديد.. ظلت تحدق في عينيه للحظات، لكن ابتسامتها بدأت تخفت شيئًا فشيئًا.

تحركت شفتاها بتردد، وظهر القلق في عينيها قبل أن تنطق به: 
"بس..."

توقفت لحظة، ثم قالت:
"افرض حد شك في حاجة.. أو عرف؟"

ابتلعت ريقها، وانخفض صوتها أكثر:
"أنا خايفة من رد فعل بابا."

راقب عصام ملامحها، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة هادئة، وكأنه يريد أن يمحو خوفها بكلماته.. هز رأسه، وقال بثقة:
"حبيبتي... إنتِ دلوقتي بقيتي مرات عصام الهاشمي."

ثم شد ذراعه حولها قليلًا، ونظر إليها بثبات:
"يبقى متخفيش من أي حاجة... ولا من أي حد."

توقف لحظة، ثم تغيرت نبرة صوته، وأصبحت أكثر حدة وحسمًا:
"حتى لو كان أبوكي."

ثبتت شمس عينيها عليه.. أكمل دون أن يطرف له جفن:
"إنتِ دلوقتي بقيتي مسؤوليتي... واللي يفكر يقربلك، أمحيه من على وش الأرض."

ظلت تنظر إليه لثوانٍ.. ثم أخذت ملامحها تهدأ تدريجيًا، وعادت ابتسامتها إلى شفتيها، هذه المرة أوسع وأكثر اطمئنانًا.

اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى صدره، وأغمضت عينيها وهي تتمتم بصوت عاشق:
"أنا بحبك أوي."

خرج من عصام نفس طويل أشبه بالزفير، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة ذات معنى.. مرر يده على ظهرها ببطء، ثم قال بنبرة دافئة:
"وأنا بحبك أكتر يا عمري."

ظلت شمس بين ذراعيه لدقائق.. هدأ جسدها، واستكانت إلى صدره، بينما بقيت يده تتحرك على ظهرها بحنان.

لكنها بعد لحظات بدأت تتحرك ببطء.. ابتعدت عنه، ورفعت جسدها عن الفراش، ثم تنهدت وهي تستعد للنهوض.

تابعها عصام بعينيه، وعقد حاجبيه باستغراب.
"رايحة فين؟"

التفتت إليه.. كانت نظرتها تحمل حبًا واضحًا، لكن القلق عاد ليظهر في عينيها.. قالت وهي ترتب ملابسها:
"لازم أمشي دلوقتي عشان محدش يشك فيا."

ثم رفعت عينيها إليه وأضافت:
"متنساش فرح أختي النهارده... ومش عايزة حد يحس بغيابي."

توقفت لحظة، ثم تمتمت بقلق:
"ده لو مكنش حد لاحظ يعني."

زفر عصام بضيق، وأسند جسده إلى الخلف، ثم قال بنبرة تحمل انزعاجًا من قلقها المستمر:
"يا حبيبتي، محدش هيلاحظ."

رفع عينيه إليها وأضاف:
"كله هيبقى مشغول في نور وخديجة."

التفتت إليه شمس سريعًا، وكأن كلامه لم يقنعها: 
"إزاي محدش هيلاحظ يا عصام؟"

اقتربت من المرآة وهي تتفقد مظهرها، ثم تابعت وهي تنظر إلى انعكاسه في المرآة:
"وأنا أخت العروسة، وفي ناس كتير بابا عازمها على الفرح... يعني أكيد هيدوروا عليا."

أنهت ترتيب نفسها، وظلت للحظات تتأمل انعكاسها في المرآة، تتأكد أن مظهرها منظم، ثم أخذت حقيبتها وهاتفها.

استدارت إليه.. تلاقت عيناهما.. اقتربت منه بخطوات هادئة، وانحنت نحوه، ثم طبعت قبلة رقيقة على خده.

ابتعدت قليلًا، ونظرت إليه بحب، وقالت:
"هتوحشني."

ظهرت على وجه عصام ابتسامة خفيفة.. رفع يده إليها، وقبّل خدها هو الآخر برقة، ثم قال:
"وإنتِ كمان يا روحي."

ابتعدت عنه شمس، ثم اتجهت نحو الباب وغادرت بسرعة.. ظل عصام يتابعها بعينيه.. اختفت خطواتها.. ثم أُغلق الباب.

وبمجرد أن اختفت عن أنظاره، بدأت ابتسامته تتلاشى ببطء.

هبطت ملامح الحنان التي كانت على وجهه، وحل محلها شيء آخر تمامًا.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، بينما استقرت عيناه على الباب المغلق... قال بصوت منخفض، يحمل نبرة انتصار:
"رقبتك بقت في إيدي يا سيف."

توقفت كلماته لحظة، ثم اتسعت ابتسامته أكثر.

وانطلقت من بين شفتيه ضحكة شيطانية، مختلفة تمامًا عن الرجل الذي كان منذ لحظات يحتضنها ويهمس لها بكلمات الحب.... 

                 ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

رفع نور الأسورة أمام عينيه، وظل يحدق بها لثوانٍ وكأن عقله يرفض تصديق ما وصلت إليه الأمور.

تراكمت الدموع في عينيه، واتسعت حدقتاه وهو يهز رأسه ببطء: 
"مستحيل..."

خرجت الكلمة هامسة، محملة بصدمة لم يستطع إخفاءها.. لم يتخيل أن تصل ميرال إلى هذا الحد.

لكن ذاكرته عادت إليه ؛ تهديداتها السابقة لها في المستشفى، والطريقة التي خنقتها بها...

أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما وهو ينظر إلى الأسورة من جديد.

كيف يمكن أن تكون قد فعلتها حقًا؟
أن يصل بها الأمر إلى قتلها؟

أنزل يده ببطء، ثم أطبق أصابعه حول الأسورة بعنف، حتى غرز طرفها في راحة يده.. بدأ الدم يسيل بين أصابعه.

لكنه لم يشعر به.. لم يكن هناك وجع يستطيع منافسة ذلك الذي ينهش صدره.

مسح دموعه سريعًا بظهر يده، يرفض أن يسمح لها بإضاعة ثانية واحدة من وقته، ثم وضع الأسورة في جيبه.

بعدها عاد ببصره إلى خديجة.. كانت ساكنة بين ذراعيه، شاحبة، تبدو كأن الحياة انسحبت من ملامحها.

مرر يده على وجهها برفق، وتغيرت ملامحه تمامًا.. انكسر صوته وهو يهمس لها:
"متخافيش... هتبقي كويسة."

في تلك اللحظة، عاد معتز وخلفه مؤمن، وكانا يركضان نحو المكان.

لكن ما إن وقعت أعينهما على المشهد حتى تباطأت خطواتهما للحظة.

خديجة ملقاة على الأرض بين ذراعي نور...الصندوق الخشبي مفتوح...والحفرة بجوارهما.

اتسعت عينا كل منهما، وفهما في اللحظة نفسها ما حدث.. اندفعا نحوهما من جديد.

ركض مؤمن سريعًا، وخلفه معتز، ثم جثا مؤمن على ركبته أمام نور ومد يده نحو خديجة ليفحصها.

كان معتز على وشك الاقتراب أكثر، لكن نور رفع عينيه إليه فجأة.

كانت عيناه ممتلئتين بالدموع، ونظرته حادة رغم الانكسار الواضح في ملامحه.. قال بصوت حازم:
"خليك عندك."

توقف معتز مكانه.. لم يكن نور يريد لأحد أن يرى وجه خديجة.

كانت هي دائمًا حريصة على أن تخفي وجهها بنقابها، ولم يكن يريد أن يراه أحد الآن كما كانت تفعل هي دائماً. 

أما مؤمن، فلم يكن أمامه خيار.. كان طبيبًا، وخديجة تحتاج إلى فحصه.

فهم معتز الأمر من نظرة نور، فأومأ برأسه بهدوء، وتراجع خطوة، تاركًا مؤمن يؤدي ما عليه.

انحنى مؤمن نحو خديجة.. وضع أصابعه ليتفحص نبضها، ثم اقترب منها ليتأكد من أنفاسها.

كان نور يتابعه دون أن يرمش.. تعلقت عيناه بوجه مؤمن، وكأن حياته كلها أصبحت معلقة على كلمة واحدة ستخرج من فمه.

مرت لحظات قصيرة...لكنها بدت لنور كأنها دهر كامل.

رفع مؤمن عينيه إليه أخيرًا.. زفر بارتياح، وقال:
"الحمد لله... عايشة."

انحبست أنفاس نور للحظة.. ثم تابع مؤمن بسرعة، وقد عاد القلق إلى صوته:
"لكن لازم بسرعة ناخدها على المستشفى. نبضها ضعيف جدًا... ونفسها شبه معدوم."

أغمض نور عينيه للحظة، وكأن الكلمات أصابته في الصميم... خرج منه نفس عميق مرتجف، وانحدرت دمعة على خده.

ثم نهض بسرعة.

انحنى وحمل خديجة بين ذراعيه، وأسند رأسها إلى صدره، ثم أخفى وجهها ناحية جسده، محافظًا على سترها كما اعتادت دائمًا.

قال دون أن يلتفت إليهما:
"هات التليفون بتاعي... عندك على الأرض وتعالى."

أومأ مؤمن دون أن ينطق.. بحث بعينيه في المكان حتى لمح الهاتف، فانحنى والتقطه سريعًا، ثم اتجه خلف نور.

التفت مؤمن إلى معتز وقال:
"أنا هروح معاه... إنت بلغ الباقيين إن نور لقاها."

هز معتز رأسه بصمت.. ركض مؤمن نحو سيارة نور.

فتح الباب وصعد إلى مقعد القيادة، بينما جلس نور في الخلف، وخديجة بين ذراعيه.

مد مؤمن يده بالهاتف إلى الخلف.. أخذه نور منه دون كلام، ثم وضعه بجانبه.

أدار مؤمن المحرك، وانطلقت السيارة بسرعة.

وفي الخارج، رفع معتز هاتفه إلى أذنه، وبدأ يخبر الآخرين أنهم وجدوا خديجة.

ثم ظل واقفًا في مكانه، يراقب الطريق، منتظرًا عودتهم جميعًا.

داخل السيارة، لم يستطع نور أن يرفع عينيه عن خديجة.

مد يده أمام أنفها.. انتظر.. كان قلبه يخفق بعنف، حتى شعر للحظة أنه سيتوقف من شدة الرعب.

ظل يراقبها، يبحث عن أي علامة تخبره أنها لا تزال معه.. ثم...شعر بنفس دافئ يخرج ببطء من أنفاسها.

أغمض عينيه فورًا، وأخرج زفيرًا طويلًا كان محبوسًا داخل صدره منذ أن وجدها.

انحدرت دمعة من عينه رغمًا عنه.. رفع يده ومسحها سريعًا، ثم عاد ينظر إليها.

راقبه مؤمن من خلال مرآة السيارة.

كان الحزن واضحًا في عينيه وهو يرى نور على تلك الحالة.. قال بصوت هادئ محاولًا طمأنته:
"متقلقش... هتبقى كويسة إن شاء الله."

فتح نور عينيه ونظر إليه نظرة سريعة.. لم يرد.. عاد ببصره إلى خديجة، ومرر أصابعه برفق على وجهها.

كانت ملامحه مليئة بالحزن والندم... كان يشعر بذنب ينهش داخله... لأن ما حدث لها هذه المرة...حدث بسببه هو.

                  ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان نور واقفًا أمام باب غرفة المستشفى، يتحرك ذهابًا وإيابًا بخطوات متوترة، لا يكاد يقطع المسافة بين طرفي الممر حتى يعود من جديد.

كانت عيناه معلقتين بالباب المغلق، وكأن مجرد النظر إليه قد يجعله يسمع شيئًا يطمئنه من خلفه.. قلبه مقبوض.وكل دقيقة تمر كانت تزيد ذلك الخوف داخله بدلًا من أن تخففه.

كان الجميع قد وصلوا.. منهم من جلس على المقاعد المنتشرة في الممر، ومنهم من ظل واقفًا، عاجزًا عن الاستقرار في مكانه.

كانت مريم تجلس إلى جوار تقى، وقد وضعت كفها فوق قلبها، تضغط عليه وكأنها تحاول تهدئة الخفقان العنيف داخله.

لم تستطع منع دموعها.. كانت تنزل بصمت في البداية، لكنها ما لبثت أن ازدادت، بينما ظلت عيناها معلقتين بباب الغرفة في رعب.

التفتت إليها تقى، وكانت الدموع هي الأخرى متجمعة في عينيها، ثم مدت يدها وربتت على كتفها برفق.. قالت محاولة تهدئتها:
"خلاص... متبكيش. خديجة هتبقى كويسة."

لكن كلماتها لم تمنع دموع مريم.. ارتجفت شفتاها، وانفلتت منها شهقة بكاء وهي تقول:
"خايفة عليها أوي."

لم تتردد تقى.. فتحت ذراعيها وجذبتها إليها، فضمتها مريم وهي تبكي، بينما راحت تقى تربت على ظهرها بحزن: 
"كلنا خايفين عليها... هتبقى كويسة إن شاء الله."

وعلى بعد خطوات، كان سيف واقفًا بالقرب من باب الغرفة.. كان صامتًا، لكن الصمت لم يكن يعني الهدوء.

كانت عيناه محمرتين، والدموع متجمعة فيهما، إلا أن الغضب كان يختلط بها حتى بدت ملامحه مشدودة بصورة مخيفة.

كان كل ما يدور في رأسه سؤالًا واحدًا:
من تجرأ وفعل هذا بابنته؟.. لو عرفه.... فلن يرحمه.

رفع أدهم عينيه نحو نور للحظات، ثم نظر إلى الجميع قبل أن يقول بصوت مليئ بالحيرة:
"مين ممكن يعمل كده؟ خصوصًا إنها، على كلامكم، كانت هتتخطف مرتين قبل كده... ودي المرة التالتة."

سكت لحظة، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره: 
"مين ورا كل ده؟ وعايز يأذي خديجة ليه؟ الموضوع مش طبيعي إنها تتعرض للخطف تلات مرات."

هز معتز رأسه موافقًا، ثم وجه نظره إلى سيف: 
"مش يمكن احتمال حد من أعداءك في الشغل؟ في بينكم مشاكل، فقرر ينتقم منك مثلًا؟"

رفع سيف عينيه إليه.. ظل صامتًا لحظة، ثم هز رأسه بغضب امتزج بحزن واضح: 
"مش عارف."

قبض يده بقوة، ثم قال بنبرة حاسمة:
"بس هعرف."

اشتد غضبه، وارتفعت نبرته:
"وأقسم بالله العظيم... مين ما يكون اللي عملها، هيشوف مني أيام سودة. هخليه يتمنى الموت وما يطولوش."

ظل نور بعيدًا عنهم.. أسند ظهره إلى الحائط، وترك رأسه يستند إليه، بينما أغمض عينيه.. كان الوحيد بينهم الذي يعرف الحقيقة.. كان يعرف من فعل ذلك.

وكان عقله لا يزال يرفض تصديقها... ميرال؟

هل يمكن أن تكون قد وصلت بها الأمور حقًا إلى أن تقتل خديجة؟

عاد إلى ذاكرته كل ما فعلته بها من قبل، تهديداتها، غضبها، وكل مرة حاولت فيها إيذاءها.

فتح عينيه ببطء.. كانتا حمراوين، والدموع تلمع فيهما.

هز رأسه بعدم تصديق، وكأنه يحاول إقناع نفسه بأن هناك تفسيرًا آخر.. أن تكون الحقيقة غير ما يفكر فيه.

لكن إذا كانت ميرال هي من فعلت ذلك فعلًا...فلن يكون تصرفه معها هذه المرة كما كان في السابق.. في تلك اللحظة، شعر بيد توضع على كتفه.

التفت.. كان فارس أمامه.

بدا الإرهاق واضحًا على ملامحه؛ وجهه شاحب، وعيناه تحملان آثار التعب، ومع ذلك حاول أن يرسم ابتسامة صغيرة على شفتيه.. قال وهو ينظر إلى ابنه:
"اطمن... هتبقى بخير إن شاء الله."

اعتدل نور في وقفته فورًا.. تأمل وجه والده طويلًا، وكأن شيئًا في ملامحه أثار داخله خوفًا آخر.

اقترب منه قليلًا، وحدق في عينيه بقلق: 
"بابا... إنت كويس؟"

تغيرت نظرة فارس.. رأى الخوف الصريح في عيني ابنه، ورأى الدموع التي يحاول نور حبسها.

اهتز قلبه.. تجمعت الدموع في عينيه رغمًا عنه، لكنه قاومها، ثم هز رأسه بابتسامة صغيرة مرهقة: 
"كويس."

ظل نور ينظر إليه... لم يصدقه.. كانت عيناه تقولان شيئًا مختلفًا تمامًا عن كلماته.

بدأت دموع نور تنزل بصمت، فمد فارس يده وأمسك بيده.. مرر إبهامه على ظهر كفه، ثم قال:
"تعالى معايا."

تحرك فارس، وتبعه نور.. ظل سيف يراقبهما في صمت، وعيناه تتبعان خطواتهما حتى ابتعدا عن أنظاره.

ابتعد فارس بنور عن الجميع حتى أصبحا في مكان لا يسمعهما فيه أحد.. توقف.. فجذب نور يده من يد والده، واستدار إليه.

كان الحزن قد أثقل ملامحه، ولم يعد قادرًا على حبس دموعه.. خرج صوته مكسورًا:
"بابا..."

لكن فارس قاطعه على الفور.. كان صوته مليئ بالوجع، ودموعه بدأت تتجمع في عينيه:
"اسكت... مش عايز أسمع أي حاجة."

أشاح بوجهه للحظة، ثم عاد ينظر إليه: 
"من إمتى وإنت ضعيف كده و..."

قاطعه نور، ولم يستطع هذه المرة السيطرة على صوته.. ارتفعت نبرته من شدة الألم، وانهمرت دموعه بلا توقف:
"ضعيف من غيرك يا بابا!"

توقف فارس.. حدق فيه.. تابع نور، وصدره يرتفع ويهبط من شدة الانفعال:
"كل ما أفكر... بس مجرد تفكير إنك هتبعد عني، بتقطع من جوايا."

اقترب منه خطوة، وكأنه يريد أن يتمسك به قبل أن تضيع منه الفرصة: 
"أنا بستقوى بيك إنت وماما... إنت ضهري اللي بسند عليه..."

لم يستطع إكمالها دون أن تنكسر نبرته، فمسح دموعه بيده، لكنها لم تتوقف: 
"وأنا من غيرك ضهري هيتقطم."

نظر إلى والده بعينين ممتلئتين بالرجاء: 
"عشان خاطري يا بابا..."

ارتعشت شفتاه: 
"متسبنيش."

لم يجب فارس.. استدار بعيدًا عن ابنه.

وفي اللحظة التي أدار فيها وجهه، انهمرت دموعه بغزارة على خديه، فلم يعد قادرًا على حبسها.

أغمض عينيه بقوة، وكأنه يحاول منع الألم من الظهور أمام نور... ليته كان الأمر بيده.. لو كان الأمر بيده، لما تركهم أبدًا.

لبقي إلى جوارهم، يشاهدهم يكبرون، ويعيش معهم كل لحظة قادمة.. لكن الأمر لم يعد متعلقًا برغبته.. إنها إرادة الله.. ولم يتبقَّ له سوى أقل من شهر بينهم...وبعدها سيبتعد عنهم إلى الأبد.

استدار نور ببطء، ثم وقف أمام والده مباشرة.. رفع فارس عينيه إليه.

تلاقت نظراتهما للحظات، ولم يحتج أيٌّ منهما إلى كلمة واحدة؛ كان الوجع واضحًا في عيني كل منهما، والدموع التي غطت ملامحهما تقول ما عجزت الكلمات عن قوله.

وفجأة، لم يحتمل نور أكثر.. اندفع نحوه وارتمى داخل أحضانه، وأحاطه بذراعيه بقوة، كأنه يحاول أن يمنعه من الرحيل بمجرد أن يتمسك به.

هز رأسه بعنف فوق كتف والده، وانفجرت شهقاته وهو يقول بصوت متهدج:
"أرجوك يا بابا... متسبنيش."

توقفت كلماته لحظة، واختنق صوته بالبكاء، ثم شد ذراعيه حوله أكثر.
"هيبقى ليا مين من بعدك؟"

ارتجف صوته وهو يضيف:
"عشان خاطري يا بابا..."

تجمد فارس للحظة.. أغمض عينيه، كلمات ابنه أصابت المكان الوحيد الذي كان يحاول إخفاء ألمه فيه... ثم انهار.

لف ذراعيه حول نور بقوة، وجذبه إليه حتى التصق بجسده، وانحنى برأسه فوق كتفه.

خرجت منه شهقة مكتومة، ثم انهمرت دموعه بغزارة، ولم يعد يحاول إخفاءها.

كان يحتضنه وكأنه يحتضن جزءًا من روحه، وضغط عليه بذراعيه أكثر، حتى بدا وكأنه يريد أن يختبئ الاثنان داخل ذلك العناق، بعيدًا عن الحقيقة التي تنتظرهما.

دفن وجهه في كتف ابنه، وأغمض عينيه بقوة.. استنشق رائحته بعمق، وبقي للحظات لا يفعل شيئًا سوى احتضانه.

كان يريد أن يحفظ كل شيء.رائحته...دفء جسده...ملمس ثيابه تحت يديه...حتى ذلك الشعور الذي كان يمنحه إياه وجود ابنه بين ذراعيه.

 يحاول أن يشبع منه قبل أن يأتي اليوم الذي لن يستطيع فيه احتضانه مرة أخرى.

ارتجفت أصابع فارس وهي تتشبث بظهر نور، ثم مرر يده عليه ببطء، وكأنها تتحسس وجوده وتتأكد أنه ما زال هنا.

أما نور فظل متعلقًا به، يبكي بصمت أحيانًا، ثم تعود شهقاته من جديد.

لم يعد هناك أب وابن يحاول كل منهما أن يبدو قويًا أمام الآخر...كان هناك رجل يخفي موعد رحيله، وابن يشعر أن شيئًا عزيزًا منه يُنتزع أمام عينيه، دون أن يستطيع فعل شيء.

مرت دقائق قبل أن يبتعد فارس عن ابنه.

ظل ممسكًا بكتفيه للحظات، وكأنه لم يشبع بعد من قربه، ثم رفع يده ومسح دموع نور بظهر كفه، محاولًا أن يستعيد صلابته التي انكسرت منذ لحظات.

قال بصوت مبحوح من أثر البكاء، متعمدًا أن يجعل نبرته أكثر حدة:
"انشف ياض... من إمتى الرجالة بتعيط؟ خليك شديد، مش أي حاجة تهزك."

توقفت يده على وجه نور لحظة، ثم أردف وهو ينظر في عينيه مباشرة:
"عشان أمك ومريم وخديجة محتاجينك."

حدق نور في وجهه بعينين ممتلئتين بالدموع، وكأن الكلمات الأخيرة أعادته للحقيقة التي يحاول الهروب منها... حرك شفتيه بصعوبة:
"وإنت يا..."

لكن فارس قاطعه.. خفض عينيه للحظة، ثم رفعهما إليه من جديد، وكانت نظراته هذه المرة تحمل حزنًا أعمق من أن تخفيه ابتسامة أو نبرة قوية.. قال بوجع:
"أنا خلاص... خلاص يا نور."

سكت قليلًا، وكأنه يجمع ما تبقى لديه من قوة، ثم وضع يده على كتف ابنه وضغط عليه برفق: 
"اسمعني كويس."

ظل نور ينظر إليه في صمت... قال فارس:
"عايزك تخلي بالك من ياسمين. أوعى تزعلها يا نور، تسمع كلامها وتراضيها."

ابتلع غصته، ثم تابع:
"ومريم... مش هوصيك عليها. أوعى تخليها تحتاج حاجة وإنت موجود. خليك سندها وضهرها، وحنّ عليها."

ارتعشت نظرات نور عند سماعه كلمات والده، لكنه ظل صامتًا... ثم تغيرت ملامح فارس قليلًا عندما وصل إلى خديجة.. كان في عينيه شيء من الرجاء: 
"وخديجة..."

توقف... خرج اسمها من فمه مليئ بمشاعر كثيرة: 
"خديجة أمانة يا نور... أوعى تزعلها. عاملها بما يرضي الله، واديها كل حقوقها كزوجة ليك."

ثبت عينيه في عيني ابنه: 
"حافظ عليها وصونها."

ثم ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة حزينة: 
"صدقني... مش هتلاقي زيها."

أشاح نور بوجهه بعيدًا.. لم يعد قادرًا على مواجهة عيني والده.. انحدرت دمعة على خده، فمسحها سريعًا، ثم عاد إليه وقال بصوت مكسور:
"مش هقدر على كل ده من غيرك."

ارتعشت نبرته: 
"طيب أنا مين ياخد باله مني زي ما إنت بتعمل؟"

رفع عينيه إليه، وكانت نظراته تحمل خوف طفل أكثر منها قوة رجل: 
"مين هيفهمني زيك؟ مين هيحس بيا من غير ما أتكلم؟"

اقترب منه خطوة، وكأن قربه وحده يمكن أن يمنحه إجابة تطمئنه: 
"مين غيرك يا بابا؟"

خفض فارس عينيه، وعض على شفتيه للحظة حتى لا تنفلت دموعه من جديد.. كلمات ابنه اخترقت قلبه.

مسح دمعة سقطت على خده، ثم رفع عينيه إليه وقال بصوت هادئ:
"هفضل معاك..."

توقفت أنفاس نور... أكمل فارس بابتسامة مؤلمة:
"حتى لو مكنتش موجود جنبك."

هز نور رأسه بسرعة، رافضًا الكلام وكأنه لا يريد سماعه: 
"لا..."

خرجت الكلمة منه ضعيفة.. مد فارس يده، ووضعها على وجه ابنه، ومسح دموعه بإبهامه.. حاول أن يبتسم، لكن ابتسامته خرجت شاحبة، مليئة بالوجع: 
"وخلي بالك من نفسك كويس."

فتح نور فمه ليجيبه، لكن عينيه التقطتا حركة في نهاية الممر.

كانت مريم تقترب منهما... أنزل فارس يده عن وجه ابنه بسرعة، واستدار قليلًا محاولًا أن يخفي آثار دموعه.

توقفت مريم أمامهما.. تنقلت عيناها بين فارس ونور، ولاحظت احمرار عيونهما وآثار الدموع العالقة على وجهيهما.

عقدت حاجبيها بقلق، وقالت:
"إنتوا بتعيطوا ليه؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟"

أسرع فارس بهز رأسه، ورسم على وجهه ابتسامة خفيفة، بينما حاول أن يجعل صوته طبيعيًا قدر الإمكان: 
"لا، مفيش... هو كان خايف على خديجة بس شوية، وأنا كنت بطمنه."

ثم التفت إلى نور، وكأنه يطلب منه أن يؤكد كلامه:
"مش كده؟"

ظل نور ينظر إلى والده للحظات... لكنه لم يستطع إخبارها...هز رأسه ببطء، ثم أغمض عينيه للحظة، محاولًا أن يخنق الألم الذي عاد يضغط على صدره.

اقتربت مريم منه.. فتح نور عينيه ونظر إليها.. ابتسمت له، وقالت بنبرة هادئة مطمئنة:
"متقلقش... هتبقى كويسة."

ظل صامتًا... ثم تابعت، وقد ظهرت سعادة حقيقية وسط دموعها:
"أنا مبسوطة أوي إنك خايف عليها للدرجادي... مكنتش أتوقع كده بصراحة."

أمسكت يده، وضمت أصابعها حولها: 
"خديجة بنت طيبة أوي وتستاهل كل خير."

رفعت عينيها إليه، وقالت بجدية:
"بلاش تظلمها وتجرحها يا نور... صدقني، مش هتلاقي زيها."

نظر إليها نور طويلًا.. لم يجب... اكتفى بهز رأسه ببطء.

وفي الخلف، كان فارس يتابع مريم بعينيه... تأملها بصمت.

هذه الفتاة التي اعتنى بها منذ كانت صغيرة، بعد وفاة والدتها... لم تكن بالنسبة إليه مجرد ابنة صاحبه.. كانت قطعة منه.

كبرت أمام عينيه، وكان دائمًا يشعر أنها واحدة من عائلته... تسللت الدموع إلى عينيه من جديد.

تمنى للحظة لو يستطيع أن يضمها إلى صدره الآن، أن يحتضنها كما كان يفعل طوال سنواتها الماضية، وأن يحفظ تفاصيلها في ذاكرته قبل رحيله.

لكنه منع نفسه.. شد على فكه، وأجبر عينيه على الابتعاد عنها.. رفع يده سريعًا ومسح دموعه قبل أن تراه.. ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية:
"طيب... يلا نرجع لخديجة نطمن عليها."

التفتت مريم إليه، وأومأت بابتسامة خفيفة.. ثم أمسكت يد نور وسحبته معها برفق.

تحركا جنبًا إلى جنب في الممر، متقاربين في خطواتهما، وكأنهما أخوان حقيقيان.

ظل فارس واقفًا مكانه للحظات، يتابعهما بعينيه.. انخفض رأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة.

كان المشهد أمامه دافئًا إلى درجة تؤلمه.. أطال النظر إليهما، يريد أن يحفظ تلك اللحظة الأخيرة بكل تفاصيلها... ثم أخذ نفسًا عميقًا، واستدار وسار خلفهما بصمت... 

                      ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرج مؤمن من غرفة خديجة وأغلق الباب خلفه بهدوء، وما إن رفع عينيه حتى وجد سيف يندفع نحوه بخطوات سريعة، وكأن الرجل لم يعد يحتمل دقيقة أخرى من الانتظار.

توقف سيف أمامه مباشرة، وكانت عيناه تبحثان في ملامحه عن أي شيء يطمئنه قبل أن ينطق، ثم قال بلهفة غلبت صوته:
"طمني يا مؤمن... بنتي كويسة؟"

نظر مؤمن إليه للحظات، ثم رفع عينيه إلى نور وفارس اللذين اقتربا منهما على عجل، وقد ارتسم القلق على وجهيهما.

كان نور تحديدًا واقفًا متوترًا، كتفاه مشدودتان وعيناه لا تفارقان مؤمن، يخشى أن يسمع كلمة تعيد إليه الرعب الذي عاشه منذ وجد خديجة داخل الصندوق.

ابتسم مؤمن ابتسامة مطمئنة، وقال:
"متخافوش يا جماعة... هي الحمد لله كويسة."

خرجت زفرة ارتياح من أكثر من شخص في اللحظة نفسها.

أغمض نور عينيه بقوة للحظة، وأسند رأسه إلى الخلف، وكأن جسده كله كان مشدودًا منذ ساعات ثم سمح لنفسه أخيرًا بالاسترخاء.

أما سيف فرفع وجهه إلى السماء، وتمتم بصوت مخنوق:
"الحمد لله... يا رب لك الحمد."

ثم مرر يده على وجهه، محاولًا أن يستعيد هدوءه.. تقدم فارس خطوة، وسأل بسرعة:
"فاقت ولا لسه؟"

هز مؤمن رأسه بهدوء: 
"لا، لسه."

ثم رفع يده مطمئنًا إياهم:
"لكن متقلقوش، خلال ساعات هتفوق وتبقى أحسن إن شاء الله."

ظل نور صامتًا للحظات، ثم اقترب من مؤمن، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل رغبة واضحة في رؤيتها:
"عايز أدخل أشوفها."

كان مؤمن على وشك الرد، لكن سيف سبقه.. التفت إلى نور، وضاقت عيناه، وقال بضيق:
"وإنت تدخل تشوفها ليه إن شاء الله؟"

تغيرت ملامح نور في لحظة.. قطب حاجبيه، وارتفع صدره مع نفس غاضب، ثم قال دون أن يستطيع كبح نبرته:
"هو إيه اللي أشوفها ليه؟ دي مراتي!"

ثم أشار نحو باب الغرفة بيده، وأضاف بانفعال:
"هتمنعني أشوف مراتي؟"

ظل سيف ينظر إليه بضيق، لكن شيئًا ما في وجهه تغير للحظة.. تذكر للتو حقيقة لم يعد يستطيع إنكارها...خديجة أصبحت زوجة نور.

اقترب معتز منه، محاولًا كسر التوتر الذي ملأ الممر، وقال بنبرة ساخرة خفيفة:
"متنساش يا عمي... خديجة بقت مرته، لازم تتعود بقى."

رمقه سيف بنظرة حادة.. توقفت ابتسامة معتز فورًا، وحمحم وهو يعدل وقفته:
"خلاص... أنا سكت."

حاول مؤمن إخفاء ابتسامته، ثم التفت إلى نور وقال:
"تقدر تدخلها."

لم ينتظر نور أكثر.. ألقى على سيف نظرة قصيرة، كانت تحمل شيئًا من الضيق، ثم استدار وفتح باب الغرفة... دخل سريعًا، ثم أغلق الباب خلفه.

وما إن اختفى عن أنظارهم حتى التفت سيف إلى مؤمن، وقال بعصبية:
"وأنا عايز أدخل أشوف بنتي."

رفع مؤمن حاجبيه، ثم أشار إليه بيده في محاولة لتهدئته:
"اهدى يا سيف، مش كده."

اقترب منه قليلًا، وخفض صوته:
"وبعدين مش هينفع تدخل دلوقتي. لازم نور يطلع الأول عشان البنت تعرف تتنفس كويس، و ميبقاش في ضغط حوليها" 

نظر سيف إليه بضيق، لكنه لم يجد ما يرد به.. في تلك اللحظة، تقدم فارس نحوه.. كانت ملامحه مشدودة، ونبرته تحمل ضيقًا واضحًا:
"إنت بتتعامل مع ابني كده ليه؟"

رفع سيف عينيه إليه.. تابع فارس:
"مش الحقيقة بانت قدامك؟ وعرفت مين الغلطان، يبقى بتتصرف معاه كده ليه؟"

مرر سيف يده على وجهه بعصبية، ثم زفر بضيق.
"فارس... أنا معنديش خلق نتكلم في الموضوع ده دلوقتي."

اتسعت عينا فارس قليلًا، وظهر الاستياء بوضوح على ملامحه: 
"أنا مبقتش فاهمك... إنت عايز إيه بالظبط؟"

رفع سيف يده في الهواء بعصبية، وارتفع صوته:
"مش عايز حاجة يا سيدي! مش عايز... سيبوني في حالي بقى!"

وقبل أن يتصاعد الأمر أكثر، تقدم لؤي ووقف بينهما، رافعًا يديه قليلًا: 
"خلاص يا جماعة، في إيه؟ إحنا في مستشفى... اهدوا، مش كده."

نظر فارس إلى سيف نظرة طويلة، تحمل عتابًا وغضبًا في الوقت نفسه.. ثم أدار وجهه عنه دون كلمة.

اتجه إلى أحد المقاعد البعيدة وجلس، وأسند ظهره إلى المقعد وهو يمرر يده على وجهه بضيق.

ظل سيف واقفًا مكانه للحظات.. نظر إلى فارس من بعيد، ثم أشاح بعينيه عنه.. لم يعد لديه طاقة للنقاش.

اتجه إلى باب غرفة خديجة، ووقف أمامه مباشرة، وعقد ذراعيه أمام صدره، وظلت عيناه معلقتين بالمقبض.

كان ينتظر خروج نور..  كل ما يريده الآن أن يراها بعينيه ويتأكد بنفسه أنها بخير... 

دخل نور الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، ثم بقي واقفًا مكانه للحظات،رفع عينيه إلى الفراش.. توقفت أنفاسه للحظة.

كانت خديجة مستلقية بلا حراك، غارقة في نوم عميق لا يشبه النوم. وجهها شاحب، وملامحها مرهقة إلى حد أفزعه، بينما استقر قناع الأكسجين على أنفها وفمها، وامتدت الأسلاك من جسدها إلى جهاز مراقبة ضربات القلب بجوار الفراش.

كان صوت الجهاز المنتظم هو الصوت الوحيد الذي يملأ الغرفة.

اقترب نور ببطء.. خطوة...ثم أخرى... حتى وقف إلى جوار الفراش.

ظل ينظر إليها طويلًا دون أن يتفوه بكلمة.

كانت عيناه تتنقلان بين وجهها الساكن، وجفنيها المغلقين، وشحوب بشرتها، عقله يحاول استيعاب أنها كانت منذ وقت قصير فقط داخل ذلك الصندوق، تحت التراب، تصارع الموت وحدها.

انخفضت عيناه بحزن.. ظهر الندم واضحًا في ملامحه.. كل ما حدث لها كان يؤلمه بطريقة مختلفة هذه المرة...لأنه يشعر أنها دفعت ثمنًا لا ذنب لها فيه.

سحب الكرسي القريب وجلس إلى جوارها، ثم أسند ذراعه على حافة الفراش.

وقعت عيناه على يدها.. كان خاتم الزواج لا يزال في إصبعها.

ظل يتأمله للحظات، ثم مد يده ببطء، وكأنه يخشى أن يوقظها، وأمسك أصابعها بين كفه بحنان.

كانت يدها باردة... ارتجفت أصابعه قليلًا.. مرر إبهامه فوق الخاتم، ثم ثبت نظره عليه.

لولا أنه طلب من أدهم أن يضع جهاز التتبع بداخله...لولا ذلك الجهاز الصغير الذي لم تكن تعرف حتى بوجوده...لما عرف مكانها.

لما وصل إليها.. لما أخرجها من تحت التراب.. توقفت أفكاره فجأة عند الاحتمال الآخر.

لو لم يكن الخاتم يتتبع مكانها...لو تأخروا قليلًا.... ماذا كان سيجد داخل ذلك الصندوق؟

شد نور على يدها للحظة، ثم أغمض عينيه وهز رأسه بعنف، يحاول طرد الصورة من رأسه.

فتح عينيه من جديد، ثم ترك يدها ببطء، وأسند ظهره إلى المقعد وأطلق زفرة طويلة مليئة بالتعب.

عاد ينظر إليها.. تذكر يوم أصيب بطلق ناري.

تذكر نظرات الخوف التي ملأت عينيها والطريقة التي ارتجف بها صوتها وهي تعترف بمشاعرها نحوه.

وتذكر حديثهما داخل السيارة.. سألها وقتها إن كانت تحبه...أنكرت.

لكنها لم تستطع إخفاء شيء عن عينيه.. ارتباكها...حركة أصابعها المتوترة...تجنبها النظر إليه...كل ذلك كان يقول عكس كلماتها.

أغمض عينيه للحظة.. ثم تذكر سيف.

تذكر انفعاله وغضبه عندما جاء ليحاسبه، والكلمات التي قالها في ذلك الوقت أنها تحبه... وانه كسرها وجرحها حين تركها وأنهي خطوبتهم. 

فتح نور عينيه ببطء.. كانت الكلمات لا تزال تتردد داخل رأسه.

أدار وجهه بعيدًا عن خديجة، ثم رفع كفيه إلى وجهه ودفن ملامحه بينهما.

انحنى بجسده إلى الأمام، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه... كان الإرهاق واضحًا في انحناءة كتفيه.

لم يعد يعرف كم يستطيع قلبه أن يتحمل... مرض والده وحده كان كافيًا ليهدمه من الداخل.. فكرة أن الرجل الذي كان دائمًا ظهره وسنده لن يبقى إلى جواره طويلًا كانت تخنقه كلما تذكرها.

والآن خديجة...المرأة التي أصبحت زوجته، والتي يعرف يقينًا أنها تحبه، مستلقية أمامه بعد أن كادت تفقد حياتها.. وهو لا يريد أن يظلمها.. لا يريد أن يجرحها.. حتى لو كان جرحه لها دون قصد.

رفع رأسه قليلًا، وظل ينظر إلى الأرض بشرود.

كيف سيعيش معها وهو يعرف أنها تحبه؟
كيف يمنحها قلبه وهو مع امرأة غيرها؟

هو نفسه لا يملك الإجابة... فالقلب لا يستأذن صاحبه حين يحب...ولا يستطيع الإنسان أن يأمره بمن يحب ومن يكره.

أطرق رأسه من جديد.. ثم جاءت صورة ميرال إلى ذهنه.. تجمدت ملامحه.. تذكر تهديداتها...وتذكر خديجة داخل الصندوق، مقيدة، فاقدة الوعي، تحت التراب.

رفع عينيه ببطء، وكأن السؤال نفسه يؤلمه:
كيف استطاعت أن تفعل بها ذلك؟
كيف امتلكت كل هذا القدر من القسوة؟
كيف نظرت إلى إنسانة ضعيفة أمامها، ثم قررت أن تدفنها حية؟

هز رأسه بعدم تصديق... كيف؟. 

ظل صامتًا لحظات، ثم انخفضت ملامحه أكثر.. أطرق رأسه، وأنزل يده عن وجهه.

كانت عيناه قد امتلأتا بالدموع.. رفع نظره إلى سقف الغرفة، وبدا عاجزًا أمام كل ما يحيط به.. خرج صوته أخيرًا ضعيفًا، مكسورًا:
"يارب..."

ارتجفت شفتاه.. وانحدرت أول دمعة على خده.. ثم لحقتها أخرى.

رفع كفيه ومسح وجهه بعنف، ثم أخذ نفسًا عميقًا خرج مرتجفًا... ظل ساكنًا بعدها، وعيناه معلقتان بخديجة... 

                 ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت كاميليا تقف أمام ابنتها، تحدق فيها بنظرات مشتعلة بالغضب، بينما ارتفع صدرها وهبط بعصبية واضحة من شدة انفعالها... قالت وهي ترفع صوتها عليها:
"إنتِ اتجننتي؟! إزاي تعملي حاجة زي دي من غير ما ترجعيلي؟"

رمقتها ميرال بضيق، وأشاحت بوجهها للحظة، ثم عادت تنظر إليها بعينين باردتين وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الغضب: 
"أنا عملت الصح."

قالتها بثقة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وأضافت:
"إحنا كان لازم نقتلها من الأول ونخلص عليها."

اتسعت عينا يوسف بضيق، وأطلق زفرة حادة من بين أسنانه قبل أن يقول:
"كل حاجة ليها وقتها يا ميرال. إنتِ اتسرعتي واتصرفتي من غير ما تاخدي رأي حد فينا."

استدارت ميرال نحوه بعصبية، وارتفع حاجباها في استنكار: 
"إنتوا مكبرين الموضوع أوي على فكرة!"

ثم حركت يدها في الهواء باستخفاف، وكأنها تحاول إنهاء الحديث: 
"هي خلاص... زمانها ماتت دلوقتي. ومن المستحيل حد يقدر يعرف مكانها أو يعرف هي فين."

نظرت كاميليا إليها نظرة طويلة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة باردة، وعقدت ذراعيها أسفل صدرها.

أما يوسف فأطرق برأسه، ثم ضرب كفًا بكف في حركة يائسة، وهز رأسه ببطء وكأنه لا يصدق التهور الذي أوصلتهم إلى هذه اللحظة.

توقفت ابتسامة ميرال.. تنقلت عيناها بينهما باستغراب، ثم ضاقت ملامحها: 
"في إيه؟"

خطت خطوة إلى الأمام: 
"حد يفهمني!"

رفعت كاميليا رأسها إليها، وانفجر غضبها من جديد.. أشارت بإصبعها نحوها، وقالت بصوت مرتفع وحاد:
"نور لقاها يا فالحـة!"

تجمدت ميرال... أضافت كاميليا قائلة: 
"ودلوقتي هو معاها في المستشفى."

تغيرت ملامح وجهها في لحظة... اتسعت عيناها، وانخفضت يداها عن صدرها. 

توقفت كاميليا لحظة، ثم قالت بحدة:
"وعايشة..."

هزت ميرال رأسها بسرعة، وتراجعت خطوة إلى الخلف: 
"لا..."

خرج صوتها ضعيفًا: 
"مستحيل."

رفعت يديها إلى جانبي رأسها، وهزت رأسها بعنف أكبر: 
"لقاها إزاي؟ لا... ده مستحيل يكون حصل."

ثم نظرت إليهما بعينين مذعورتين: 
"مستحيل تكون عايشة!"

ضرب يوسف كفه على جبينه بضيق، ثم قال بنبرة فقدت صبرها:
"لا، عايشة."

رفع عينيه إليها، وكانت نظراته هذه المرة مليئة بالقلق: 
"ولو فاقت هتقول لنور على كل حاجة."

اقترب منها خطوة: 
"وساعتها هتروحي في ستين داهية."

ارتعشت ملامح ميرال.. ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بقلبها يخفق بعنف داخل صدرها.. بدأ عقلها يركض في كل الاتجاهات.

ماذا سيفعل نور عندما يعرف؟
كيف سينظر إليها؟
هل سيصدقها لو أنكرت؟
هل سيتركها؟
أم...هل سينتقم منها؟

رفعت عينيها إلى كاميليا ويوسف، وكأنها تبحث في وجهيهما عن طوق نجاة.. ثم قالت بسرعة، محاولة إقناع نفسها قبل أن تقنعهما:
"نور مستحيل يصدق كلامها."

أخذت نفسًا متقطعًا، ثم تابعت:
"هو هيفكر إنها بتغار مني وعايزة تبعدني عنه... مش هيصدق كلامها."

حدقت كاميليا فيها للحظات، ثم أطلقت ضحكة قصيرة ساخرة خالية من أي مرح: 
"وإنتِ ضامنة منين؟"

اقتربت منها، ومالت نحوها قليلًا: 
"افرضي صدق كلامها؟"

توقفت أمامها مباشرة: 
"هنعمل إيه وقتها؟"

رفعت حاجبها بسخرية و أضافت: 
"قوليلي... هتخرجي نفسك من المصيبة دي إزاي؟"

ارتجف جسد ميرال... اتسعت عيناها، وبدأ خوفها يظهر بوضوح على وجهها بعد أن كانت تتظاهر بالثبات.. خفضت صوتها وقالت برجاء:
"قوليلي طيب... أعمل إيه؟"

أما يوسف فزفر بضيق، ثم استدار عنها.. مرر أصابعه بين شعره بعصبية، وأخذ يشد خصلاته قليلًا بينما شرد بعينيه في الفراغ.

كان يحاول التفكير.
كيف سيخرجون من هذه الورطة؟
كيف يمنعون خديجة من إخبار نور؟
وكيف يحمون ميرال من العواقب التي تنتظرها إذا ظهرت الحقيقة؟

خلفه، كانت كاميليا تراقب ابنتها بنظرة ساخرة.. قالت ببرود:
"مش إنتِ اللي اتصرفتي من دماغك؟"

رفعت كتفها بلا مبالاة: 
"حليها لوحدك بقى."

ثم أضافت بتهكم:
"شوفي هتطلعي نفسك من المصيبة دي إزاي."

اتسعت عينا ميرال في ضيق.. وضعت إحدى يديها على خصرها، بينما رفعت الأخرى إلى شعرها وأزاحت خصلاته للخلف بعصبية.

أخذت تتحرك ذهابًا وإيابًا أمامهما بخطوات متوترة، تارةً تعض على شفتيها، وتارةً تمرر يدها في شعرها.

كانت تحاول التفكير في أي مخرج...أي كذبة...أي طريقة تنقذها مما فعلته.... 

                    ♡   ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت ياسمين جالسة على طرف الفراش، وقد أسندت ظهرها إلى مسند السرير، بينما استقرت عيناها بين شاشة هاتفها والساعة المعلقة أمامها.

كانت تنتظر عودتهم بفارغ الصبر.. فارس... ومريم... ونور... وخديجة.

ومع مرور الوقت، كان القلق يتسلل إلى قلبها أكثر فأكثر، فتارةً ترفع عينيها إلى الساعة، وتارةً تعود إلى هاتفها، وكأنها تنتظر أن يضيء فجأة بخبر يطمئنها عليهم.

تنهدت بقلق، وأخذت تعبث بأصابعها فوق الهاتف.. وفجأة.... أضاءت شاشة الهاتف بإشعار رسالة جديدة.

خفضت ياسمين عينيها إليه سريعًا.. لم تهتم في البداية، فقد اعتادت على مثل هذه الرسائل التي تصلها من شركات الاتصالات والعروض المختلفة.

لكنها توقفت فجأة.. تغيرت نظرتها عندما وقع بصرها على رقم غريب لا تعرفه.

عقدت حاجبيها، ومالت برأسها قليلًا وهي تحدق في الشاشة باستغراب.

من هذا؟
وماذا يريد منها؟

ضغطت على الرسالة.. لم تجد سوى كلمات قليلة:
"افتحي الواتس."

ظلت تحدق في الرسالة لثوانٍ، ثم اتسعت عيناها قليلًا.. لم تفهم شيئًا.

رفعت حاجبها باستغراب، وقلبت الهاتف بين أصابعها للحظة، ثم فتحت تطبيق واتساب كما طلب منها.. بحثت عن الرقم، وفتحت المحادثة.

كانت هناك عدة صور مرسلة إليها.. توقفت للحظة قبل أن تفتحها.. ثم ضغطت عليها.. بدأت الصور في التحميل.

ظلت تنتظر، وعيناها مثبتتان على الشاشة.. ثوانٍ قليلة...واكتمل التحميل.

وما إن ظهرت الصورة أمام عينيها حتى تجمدت ملامحها بالكامل.. اتسعت عيناها بصدمة، وانفتح فمها قليلًا دون أن تشعر.

ثم نهضت من مكانها بسرعة، وكادت تسقط منها الهاتف لولا أنها قبضت عليه بقوة.

ظلت تحدق في الشاشة.كانت الصورة لفارس...يقف إلى جوار أميرة.. ويمسك يدها.والأخطر من ذلك...أنهما كانا يبتسمان لبعضهما.

هزت ياسمين رأسها ببطء، وكأن عقلها يرفض استيعاب ما تراه: 
"لا..."

خرجت الكلمة هامسة.. اقتربت بالهاتف من وجهها، وأخذت تدقق في الصورة من جديد.

عيناها انتقلتا من وجه فارس إلى يده الممسكة بيد أميرة، ثم إلى ابتسامتهما.. ظلت صامتة.

كانت الدموع قد بدأت تتجمع في عينيها، لكن شيئًا بداخلها كان يرفض أن يصدق.. هزت رأسها بعنف: 
"مستحيل..."

تمتمت بها وهي تشعر بغصة تخنق حلقها.. هذا ليس فارس.. فارس الذي تعرفه...الرجل الذي عاش معها كل هذه السنوات.

الرجل الذي تثق بحبه لها.. الذي لم تعرف عنه يومًا أنه ينظر إلى امرأة أخرى.. كيف يمكن أن تكون هذه الصور حقيقية؟

ضغطت على شفتيها بقوة، وأجبرت نفسها على التنفس... لا... هناك تفسير آخر.

شخص ما يحاول خداعها.. يحاول أن يوقع بينها وبين فارس.. لكن لن ينجح.

لن تهتز ثقتها به بعد كل هذه السنوات لمجرد صور أرسلها شخص مجهول.

مسحت دمعة تسللت على خدها، ثم عادت إلى المحادثة وضغطت على الرقم، استعدادًا لحظره.. لكن قبل أن تضغط...

وصلت رسالة جديدة.. توقفت أصابعها في مكانها.. فتحتها.. كان مضمونها رقم هاتف مع رسالة بعده: 
" اكتبي الرقم ده على تليفون جوزك وشوفي هو مسجله بمين عنده... على فكرة، ده رقم الست اللي في الصورة."

تجمدت يد ياسمين.. ظلت تحدق في الكلمات.. اختفت كل ملامح المقاومة من وجهها للحظة.. أنزلت الهاتف قليلًا، ثم أعادته إلى مستوى عينيها.

قرأت الرسالة مرة أخرى.. ثم مرة ثالثة.. كانت أصابعها ترتجف.

لماذا يطلب منها ذلك؟
ولماذا يعطيها رقم المرأة؟

ترددت طويلًا.. كان بإمكانها أن تحظر الرقم وتنهي الأمر.. وكان هذا هو الشيء الذي أرادت فعله منذ البداية.

لكن أصابعها لم تتحرك.. شيء ما بداخلها منعها.. رفعت عينيها عن الهاتف، وحدقت أمامها بشرود.

بدأت الأفكار تتصارع داخل رأسها.. ثم عادت تنظر إلى الرقم.. حفظته بعينيها، وكأنها تخشى أن تنساه.

خفضت يدها ببطء، بينما بقي الهاتف بين أصابعها... كانت الدموع تملأ عينيها الآن، لكن الصدمة كانت أكبر من أن تسمح لها بالبكاء.

لم تعد تعرف ماذا تصدق.. الصورة؟.. أم ثقتها بفارس؟

وظلت واقفة في مكانها، شاردة، تنظر إلى الرقم أمامها، عاجزة عن تصديق أن الشك الذي حاولت طرده منذ لحظات...بدأ يجد طريقه إلى قلبها... 

                  ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان نور جالسًا أمام غرفة خديجة، وأسند ظهره إلى الحائط بينما بقيت عيناه معلقتين بباب الغرفة المغلق.

إلى جواره كان فارس، وكل واحد منهما غارق في أفكاره.

أما الباقون فقد غادروا، بعدما أرسل فارس مريم إلى ياسمين لتطمئنها على خديجة وتخبرها أنهم سيعودون في الصباح.

خرج سيف من غرفة ابنته بعد دقائق، وأغلق الباب خلفه بحذر، ثم وقف للحظات ينظر إلى نور وفارس.

كان وجهه يحمل إرهاق الساعات الماضية، وعيناه لا تزالان ممتلئتين بالقلق.

اقترب وجلس بجوار فارس في صمت.. لم تمر سوى لحظات حتى رن هاتف نور.. خفض عينيه إلى الشاشة.. ظهرت أمامه كلمة واحدة:ميرال.

لم تتغير ملامحه.. ترك الهاتف يرن حتى انقطع الاتصال.. وبعد لحظات...عاد الهاتف للرنين.

نظر إليه مرة أخرى، ثم ضغط زر الرفض.. لكنها لم تستسلم... رن للمرة الثالثة.

أطلق نور زفرة ضيقة، ونهض من مكانه، ثم ابتعد عدة خطوات عن فارس وسيف قبل أن يجيب.. لم يمهله الطرف الآخر فرصة للكلام.

جاءه صوت كاميليا من الطرف الآخر، مرتجفًا ومختنقًا بالبكاء:
" Nour... aide-moi ! Miral a fait une tentative de suicide ! "

"نور... أنقذني! ميرال حاولت الانتحار! "

تجمد نور في مكانه.. اتسعت عيناه فجأة، وتغيرت ملامحه بالكامل:
" Qu'est-ce que tu racontes ?! "

"ماذا تقولين؟! "

جاءه صوت شهقة كاميليا وبكاؤها:
" C'est exactement ce que je te dis... viens vite ! "

" هذا ما أقوله لك... تعال بسرعة! "

انقطع الاتصال.. لم يفكر نور في شيء.. أغلق الهاتف، وانطلق راكضًا نحو الخارج.

نهض فارس وسيف في الوقت نفسه، وتبادلا نظرة قلقة.. قال فارس باستغراب:
"في إيه؟"

لكن نور كان قد ابتعد بالفعل.. ركب سيارته، وأغلق الباب بعنف، ثم أدار المحرك وانطلق بأقصى سرعة.

كان يقود وعيناه مثبتتان على الطريق، ويداه مشدودتان حول المقود.. لم يتوقف عقله عن ترديد كلمات كاميليا.. ميرال انتحرت.

لم يكن يعرف لماذا شعر بذلك الاضطراب المفاجئ.. رغم كل ما حدث...ورغم غضبه منها...

وصل إلى منزلها في وقت قياسي، وترجل من السيارة بسرعة، ثم صعد الدرج المؤدي إلى الباب وطرق عليه بعنف متتابع.

بعد لحظات فُتح الباب.. ظهرت الخادمة، وما إن رأته حتى تنحت جانبًا بسرعة.

دخل نور دون أن يتوقف، وأخذ يجول بعينيه في أرجاء المكان بحثًا عن كاميليا.. وفجأة وقعت عيناه عليها.

كانت تهبط درجات السلم، ووجهها غارق في الدموع.. توقفت أمامه.

كانت عيناها حمراوين، لكن الغضب كان أوضح من الحزن فيهما.. تقدم نور خطوة وسألها بلهفة:
" Où est Miral ? "

" أين ميرال؟"

مسحت كاميليا دموعها بعنف، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بانفعال:
" Ma fille a failli mourir à cause de toi ! "

 ابنتي كادت تموت بسببك! "

توقفت لحظة، وكان الغضب يخنق الكلمات في حلقها، ثم تابعت:
" Qu'est-ce que tu lui veux exactement ? Hein ? "

 ماذا تريد منها بالضبط؟ هاه؟ "

اقتربت منه خطوة:
" Tu la fais s'attacher à toi et tomber amoureuse de toi, pour finalement l'abandonner sans aucune raison ? "

" تجعلها تتعلق بك وتقع في حبك، وفي النهاية تتركها من دون أي مبرر؟ "

ارتجف صوتها وهي تقول:
" Tu la brises et tu l'écrases sans aucune pitié ? "

" تحطمها وتسحقها من دون رحمة؟ "

أغمض نور عينيه للحظات.. ضغط على فكه محاولًا السيطرة على انفعاله، ثم فتح عينيه وقال بحدة:
" Où est Miral ? "

" أين ميرال؟ "

رمقته كاميليا بضيق، ثم أشارت إلى الطابق العلوي:
"Dans sa chambre. "

" في غرفتها. "

لم ينتظر.. صعد الدرج بخطوات سريعة، وكاميليا خلفه.. وصل إلى الباب، فتحه على عجل، ودخل.. توقفت عيناه على الفراش.

كانت ميرال ممددة فوقه، غائبة عن الوعي، وذراعها مغطاة بالضمادات، بينما امتد المحلول إلى يدها.

تجمد نور للحظات.. دخلت كاميليا خلفه، وقالت بصوت يحمل العتاب والغضب:
" Depuis que j’ai appris que tu allais épouser une autre femme, elle est complètement anéantie. "

" منذ أن علمتُ أنك ستتزوج امرأةً أخرى، وهي منهارة تمامًا. "

نظر نور إليها، لكنه لم يقل شيئًا.. تابعت:
" Elle en est même arrivée à se faire du mal... "

" لقد وصل بها الأمر حتى إلى إيذاء نفسها... "

ثم اقتربت منه قليلًا:
"Je ne comprends pas... Tu l’aimes ou tu la fais souffrir ? "

" أنا لا أفهم... أأنت تحبها أم تعذّبها؟ "

لم يلتفت إليها.. ظل ينظر إلى ميرال.. فقالت:
" Tu n’as même pas pris la peine de l’appeler ou de demander comment elle allait après avoir appris ton mariage. "

" حتى إنك لم تكلف نفسك عناء الاتصال بها أو السؤال عن حالها بعدما علمت بزواجك. "

لم يجبها.... كان يراقب ميرال بصمت، يلتقط كل تفصيلة في وجهها، كل حركة، وكل شيء حولها.. ثم قال دون أن ينظر إلى كاميليا:
"Laisse-nous seuls. "

" اتركينا وحدنا. "

فتحت فمها لترد، لكنه التفت إليها هذه المرة، وكانت نبرته أكثر حدة:
" Je t’ai dit... laisse-nous seuls. "

"قلت لكِ... اتركينا وحدنا. "

شدت كاميليا قبضتها في ضيق، ثم استدارت وخرجت.. أغلقت الباب خلفها، وبقيت واقفة أمامه للحظات.

وضعت يدها على صدرها، ثم نظرت إلى الباب بقلق.
ماذا سيفعل؟
وهل صدق فعلًا قصتهم؟

داخل الغرفة...ظل نور واقفًا مكانه لثوانٍ.. ثم تحرك ببطء نحو الفراش.. وقف إلى جوار ميرال، وأخذ يراقبها طويلًا.

لم تكن نظراته تحمل ذلك القلق الذي توقعته كاميليا.. كانت هادئة...ساكنة...لكن خلف ذلك الهدوء كان عقله يعمل بلا توقف.

انخفضت عيناه إلى يدها المصابة.. مد يده وأمسكها برفق.. قلب كفها قليلًا، وأخذ يتفحصها بعينين دقيقتين.. ثم تركها.

اتجه إلى يدها الأخرى، وأمسكها بالطريقة نفسها.. لكن...توقفت حركته فجأة.. ثبتت عيناه على موضع صغير في يدها.

خدش.. خدش دقيق، لكنه لم يكن عابرًا بالنسبة إليه.. تغيرت ملامحه قليلًا.

مرر عينيه فوقه مرة أخرى.. ثم ضاقت عيناه.. تذكر الصندوق.. تذكر الخشب والمسامير.. وتذكر...الأسورة.

ظل ينظر إلى الخدش لثوانٍ طويلة، لم يتغير وجهه كثيرًا.. ولم ينطق بكلمة.. فقط ترك يدها ببطء.

ثم استقام في وقفته، ونظر إلى وجهها للحظات أخرى...

كانت كاميليا لا تزال واقفة خلف الباب... مضى نصف ساعه... ما إن فتح حتى اعتدلت في وقفتها بسرعة.. خرج نور، وأغلق الباب خلفه.

تلاقت عيناه بعينيها.. ظل ينظر إليها لثوانٍ.. لم يسأل.. لم يعلق.
ولم يظهر على وجهه شيء يمكنها أن تفهم منه إن كان قد صدق روايتهم أم لا.. ثم استدار ببساطة، ونزل الدرج.

تابعته كاميليا بعينيها حتى اختفى عن أنظارها.. بقيت واقفة مكانها، وقلبها يخفق بقلق.. ثم فتحت الباب ودخلت.

كانت ميرال قد فتحت عينيها بالفعل، وما إن رأت والدتها حتى أسرعت بالسؤال:
"مشي؟"

أغلقت كاميليا الباب خلفها، ثم هزت رأسها: 
"آه."

اعتدلت ميرال على الفراش بسرعة، رغم التوتر الذي ظهر على وجهها.

اقتربت كاميليا منها وسألتها: 
"كان بيعمل إيه هنا؟"

هزت ميرال رأسها وقالت:
"معرفش... مقدرتش أفتح عيني حتى ثانية عشان ميشكش فيا."

ثم رفعت يدها قليلًا وهي تتذكر:
"مسك إيدي دي شوية... وبعدين إيدي التانية."

توقفت، ثم سألت بقلق:
"هو قال حاجة لما خرج؟"

هزت كاميليا رأسها بالنفي: 
"لا."

جلست بجوارها، وظلت تفكر للحظات: 
"وشكله إن اللي عملناه مدخلش دماغه."

ظهر القلق على وجه ميرال: 
"بس إنتِ قولتي إن خديجة لسه مفاقتش."

أومأت كاميليا... تابعت ميرال بسرعة:
"يعني هو لسه ميعرفش حاجة... وبعد اللي شافه دلوقتي مش هيصدق كلامها، صح؟"

صمتت كاميليا.. نظرت أمامها بشرود، ثم قالت بحذر:
"احتمال."

رفعت عينيها إلى ابنتها: 
"بس خلي بالك..."

اقتربت منها قليلًا، وانخفض صوتها:
"الواد ده مش سهل زي أبوه."

ابتلعت ميرال ريقها... تابعت كاميليا:
"فارس طيب أوي. آه، ذكي وبيعرف يخطط كويس..."

توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة أكثر جدية:
"لكن ابنه؟"

ثبتت عينيها في عيني ميرال: 
"ده خبيث... ومش سهل. أذكى من أبوه، ودماغه شيطان."

اتسعت عينا ميرال قليلًا... اقتربت كاميليا أكثر، وقالت:
"فخلي بالك."

ثم أشارت بإصبعها نحوها: 
"أصغر تفصيلة بياخد باله منها... ويفضل يدورها في دماغه لحد ما يعرف الحقيقة."

سكتت ميرال.. أشاحت بوجهها بعيدًا، وبدأت تعبث بأصابعها بتوتر.. كان كلام والدتها يدور داخل رأسها.

أما كاميليا، فظلت تراقبها في صمت... لم يكن خوفهما من خديجة... كان خوفهما من نور... ومن افكاره التي تدور داخل عقله..... 

     كانت ياسمين جالسة في مكانها، لكن جسدها كان ساكنًا على عكس عقلها الذي لم يهدأ منذ أن رأت تلك الصور والرسائل.
ظل هاتفها بين يديها، وشاشة المحادثة لا تزال أمام عينيها، بينما راحت أصابعها تتحرك فوق حافته بتوتر دون أن تشعر. كانت تعيد في رأسها كل كلمة قرأتها، وكل صورة ظهرت أمامها، وتحاول أن تجد تفسيرًا منطقيًا يبدد ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في صدرها.

رفعت عينيها بين الحين والآخر نحو الباب، ثم عادت وخفضتهما سريعًا.

أما مريم، فكانت تجلس على طرف مقعدها ولا تكاد تستقر في مكانها. ظلت عيناها معلقتين بالباب، وكلما سمعت صوتًا في الخارج انتفضت برأسها نحوه، ظنًّا منها أنهم عادوا.

وبجوارها كانت نادين تنظر إلى ساعتها كل دقيقة تقريبًا، ثم ترفع عينيها نحو الباب بقلق، قبل أن تعود وتتفقد الساعة من جديد.

أما شمس، فكانت جالسة بهدوء ظاهري، وقد ضمت يديها إلى بعضهما في حجرها. كانت تتابع ما يدور حولها بصمت، لكن شيئًا واحدًا كان يريحها وسط كل هذا الاضطراب.

ما حدث لخديجة جعل الجميع ينشغل عنها... الأنظار ابتعدت عنها، و نجت مؤقتًا من الأسئلة التي كانت تخشاها.

لم تكن سعيدة بما حدث لخديجة، لكنها لم تستطع إنكار شعورها بالارتياح لأن الجميع أصبح منشغلًا بشيء آخر.

مرت دقائق ثقيلة...ثم انفتح الباب فجأة.

رفعت مريم رأسها بسرعة، ونهضت نادين من مكانها، بينما وقفت ياسمين هي الأخرى دون تفكير.

دخل فارس أولًا، وخلفه سيف.

وما إن رأتهما النساء حتى اندفعن نحوهما على عجل، تبحث أعينهن عن إجابة قبل أن ينطق أحدهما بكلمة.

لكن نور دخل خلفهما في اللحظة التالية.. فتوقفت الأنفاس للحظة.

كان يحمل خديجة بين ذراعيه... جسدها ساكن تمامًا، ورأسها مستند إلى صدره، بينما غطا نقابها وجهها كما اعتادت دائمًا. لم تكن قد استعادت وعيها بعد، وكان نور يضمها إليه بحذر شديد. 

اقتربت نادين منه بسرعة، وارتجفت شفتاها وهي تنظر إلى ابنتها.

مدت يدها نحوها، لكنها توقفت قبل أن تلمسها، قالت بلهفة اختلطت بالخوف:
"هي ليه لحد دلوقتي مفاقتش ليه؟"

تنهد سيف، ومرر يده على وجهه بإرهاق، ثم أجاب بصوت خافت أثقلته الساعات الماضية:
"من تأثير الصدمة، لكن حالتها كويسة."

أغمضت نادين عينيها للحظة، وزفرت براحة صغيرة، ثم عادت تنظر إلى ابنتها، وكأنها لا تزال بحاجة إلى أن تتأكد بنفسها من أنها بخير.

تقدمت مريم خطوة، وعقدت حاجبيها بتفكير، ثم قالت:
"طالما لسه مصحيتش، خرجتوها من المستشفى ليه؟ مش الأحسن كانت تفضل هناك لحد ما تفوق؟"

التفت فارس إليها.

كان وجهه مرهقًا، وعيناه تحملان آثار القلق والتعب، لكنه حاول أن يتحدث بهدوء حتى لا يزيد خوفها.. قال:
"نور رفض يخليها هناك، لكن حالتها الصحية كويسة، ولو في أي حاجة هنبلغ الدكتور على طول."

أومأت مريم ببطء، لكنها لم تبدُ مقتنعة تمامًا، وظلت عيناها تتبعان خديجة بقلق.

اقتربت ياسمين منها.. تأملت وجهها المغطى بالنقاب، ثم مدت يدها ولمست ذراعها برفق، وامتلأت عيناها بالدموع.. قالت بحزن أمومي:
"يا حبيبتي يا بنتي... استحملتي قد إيه."

ثم رفعت عينيها نحو الآخرين.. قائلة: 
"معرفتوش مين اللي عملها لحد دلوقتي؟"

تبادل الجميع النظرات.. ساد الصمت للحظات.. ثم هزوا رؤوسهم بالنفي.

أما نور فلم يتحدث.. لم يشاركهم الحديث من الأساس.

ظل صامتًا، وعيناه منخفضتان نحو خديجة، ثم تحرك.

صعد الدرج بخطوات هادئة، لكنه كان يضم خديجة إلى صدره بحرص شديد، حتى وصل إلى غرفته... فتح الباب، ودخل... ثم أغلقه خلفه بهدوء.

ظل سيف واقفًا للحظات ينظر إلى الباب الذي اختفى خلفه نور، ثم تنهد بتعب.

اقترب من زوجته وابنته، وأشار لهما أن يذهبا معه.. وبعد دقائق غادروا.

أما فارس، فظل واقفًا مكانه لحظات، قبل أن يشعر فجأة بثقل جسده كله.. كان قد تماسك طوال الوقت.

ظل قويًا أمام الجميع، يخفي ألمه خلف ملامح ثابتة وصوت متزن، لكن ما إن هدأت الأمور قليلًا حتى بدأ الإرهاق ينهش ما تبقى من قوته.

صعد إلى غرفته بخطوات أثقل من المعتاد.. أما مريم، فاتجهت هي الأخرى إلى غرفتها.

وبقيت ياسمين وحدها.. ظلت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بباب غرفة فارس.. لكنها لم تكن تفكر في خديجة الآن.. كانت الصور لا تزال تطاردها.. تلك اليد التي رأتها تمسك بيد فارس...وتلك الابتسامة...والرسالة التي وصلت إليها.

وضعت يدها على صدرها محاولة تهدئة قلبها، ثم ابتلعت غصة مؤلمة واستدارت.. دخلت غرفة فارس.كان قد دخل الحمام وأغلق الباب خلفه.

توقفت ياسمين عند الباب للحظات.. سمعت صوت الماء من الداخل.. ثم وقعت عيناها على هاتف فارس الموضوع فوق الفراش.

ثبتت نظراتها عليه.. ترددت.. نظرت إلى باب الحمام مرة أخرى.

ثم عادت تنظر إلى الهاتف.. كان عقلها يطلب منها ألا تفعل.. لكن قلبها كان يريد إجابة واحدة فقط.

تقدمت بخطوات بطيئة.. مدت يدها نحو الهاتف، وتوقفت أصابعها فوقه لثانية، ثم أخذته.. جلست على طرف الفراش، وأخذت نفسًا عميقًا.

تذكرت الرقم الذي أرسله إليها ذلك الشخص.. بدأت تكتبه في هاتف فارس.

كانت عيناها تتحركان بين الأرقام والشاشة، وقلبها يخفق بعنف مع كل رقم تضغط عليه.

وما إن ظهر الاسم حتى تجمدت أصابعها... اتسعت عيناها.. حدقت في الشاشة وكأنها لا تصدق ما تراه.

الرقم مسجل بالفعل.. لكن ليس باسم امرأة.. بل باسم...آدم.

ارتعشت أصابعها.. رفعت الهاتف أمام عينيها أكثر، وكأن قرب الشاشة سيجعل الاسم يتغير.. لكن لم يتغير شيء.

ابتلعت ريقها بصعوبة.
لماذا كان الرقم موجودًا في هاتف فارس؟
ومن هي صاحبة الرقم أصلًا؟

ترددت للحظات، ثم ضغطت على زر الاتصال.. وضعت الهاتف على أذنها.

توقفت أنفاسها تقريبًا... كان صوت الرنين يصلها، بينما راحت أصابع يدها الأخرى تتشبث بطرف ملابسها بعصبية.

قلبها يخفق بعنف.. كانت تريد أن تعرف الحقيقة...وفي الوقت نفسه كانت تخشاها.

ثم جاء الرد... ارتجفت ياسمين.. وسمعت صوتًا أنثويًا من الطرف الآخر:
"ألو..."

اتسعت عيناها أكثر.. تجمد الدم في عروقها... لم تستطع حتى أن تتنفس..

أغلقت المكالمة فورًا، وأنزلت الهاتف عن أذنها بيد مرتعشة.

وفي اللحظة نفسها انهمرت دموعها.. هزت رأسها بعنف: 
"لا..."

خرجت الكلمة من بين شفتيها كأنها رجاء.

ارتجفت شفتاها، وبدأت دموعها تنساب على خديها بلا توقف.

فارس؟
الرجل الذي وثقت به طوال عمرها؟
الرجل الذي كانت واثقة من حبه لها؟

هزت رأسها مرة أخرى، وكأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها: 
"لا... مستحيل."

وضعت يدها على فمها تكتم شهقتها.

كان عقلها يصرخ بأن ما رأته لا يمكن أن يكون حقيقيًا.. فارس مستحيل أن يخونها.. لا...هو لا يفعل ذلك.

لكن الهاتف ظل في يدها.. والرقم الذي اتصلت به...والصوت الذي أجابها...كلها أشياء حقيقية.

خفضت عينيها ببطء إلى الهاتف، بينما كانت دموعها تتساقط فوق الشاشة... 

وضع نور خديجة على الفراش بحذر شديد، وكأنه يخشى أن تؤلمها حركة واحدة، ثم سحب الغطاء فوق جسدها حتى غطاها بهدوء.

ظل واقفًا بجوارها للحظات، وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب.

ثم مد يده إلى نقابها، وتردد للحظة قبل أن يخلعه عنها حتى تتمكن من التنفس بصورة أسهل. وضعه بعناية على الكومود إلى جوار الفراش، ثم عاد ببصره إليها.

كانت ساكنة تمامًا... لا حركة.. لا صوت.

ولا شيء يخبره بأنها ستفتح عينيها في اللحظة التالية كما يتمنى.

ظل يراقبها بصمت،. مرت لحظات أخرى...لكن خديجة لم تستيقظ.

خرجت من صدره تنهيدة طويلة مثقلة بالتعب، ثم ابتعد عن الفراش واتجه نحو الخزانة.

وقف أمام مرآتها، وانعكست صورته أمامه؛ بدلة أنيقة يرتديها استعدادًا ليوم زفافه الذي تحول في ساعات قليلة إلى كابوس لم يتخيل أن يعيشه.

ثبت نظره على نفسه للحظات.. ثم تذكر ميرال.

تذكرها وهي تتحدث بحماس عن ذلك اليوم، وكيف كانت تخبره بأنها هي من ستصمم بدلة فرحهما معًا، وكم كانت سعيدة وهي تتخيل نفسها إلى جواره.

انخفضت عيناه قليلًا.. مد يده إلى جيبه وأخرج الأسورة.. ظل يمسكها بين أصابعه، يقلبها ببطء، وعيناه مثبتتان عليها بشرود.

حتى الآن.... لم يستوعب تمامًا أنها وصلت بها الأمور إلى هذا الحد.

كيف استطاعت أن تفعل ما فعلته؟
كيف استطاعت أن تدفن خديجة حيّة؟

شد أصابعه حول الأسورة للحظات، ثم ألقاها على الفراش خلفه دون اهتمام.

أطرق رأسه، ومرر يده على وجهه بتعب، ثم فتح باب الخزانة وأخرج ملابسه ومنشفة.

دخل الحمام وأغلق الباب خلفه.. بعد دقائق، خرج نور من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة.

كانت خطواته هادئة، بينما راحت قطرات الماء تتساقط من أطراف شعره على جبينه.

وقف أمام المرآة، وأمسك المشط وبدأ بتصفيف شعره.. رفع عينيه إلى انعكاسه في المرآة للحظات.. ثم تحرك المشط مرة أخرى بين خصلات شعره...لكن يده توقفت فجأة.

تغيرت ملامحه.. لمح في انعكاس المرآة حركة بسيطة على الفراش.

استدار فورًا.. كانت ملامح خديجة تتحرك ببطء، وحاجباها ينقبضان كما لو أنها تحاول العودة إلى وعيها وسط ألم شديد.

ترك المشط من يده دون تفكير.. واندفع نحوها.

جلس بجوارها على الفور، وانحنى قليلًا نحوها، وعيناه تراقبان وجهها بلهفة.

وبعد لحظات، تحركت جفونها.. فتحت خديجة عينيها ببطء شديد.

خرج منها تأوه خافت، وارتسم الألم على ملامحها وهي تحاول تحريك جسدها.

كانت تشعر بوجع في أنحاء جسدها، خصوصًا مواضع الحبال التي ظلت تقيدها لفترة طويلة، حتى بدا مجرد تحريك ذراعها مؤلمًا.

وبمجرد أن اكتملت رؤيتها.... كان أول وجه وقعت عليه عيناها هو وجه نور.

توقفت أنفاسه للحظة.. وظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة خرجت منه تلقائيًا، دون أن يقصدها، لمجرد رؤيته عينيها مفتوحتين أمامه.

ظل ينظر إليها بارتياح ممزوج بالخوف.. أما هي، فظلت تحدق فيه طويلًا.

لم تقل شيئًا.. لم تتحرك.. فقط كانت عيناها تنتقلان بين ملامحه وكأن عقلها لم يستوعب بعد ما تراه.

ثم بدأت تنظر حولها ببطء.. الجدران...الغرفة...الفراش الذي تستلقي عليه...كل شيء مختلف.

رفعت نفسها فجأة بفزع، وكأنها تذكرت شيئًا مخيفًا، وتراجعت بجسدها إلى الخلف.

اتسعت عيناها.. نظرت إلى نور.. ثم إلى يديها.

رفعت إحداهما أمام عينيها، وراحت تحدق فيها وسط دموعها المتساقطة.

كانت حية... هي حية... لم تمت.. لم تبقَ داخل ذلك الصندوق حتى النهاية.

أخذت نفسًا مرتجفًا، وراحت عيناها تتحركان في المكان برعب.. لكن عقلها لم يستطع تجاوز ما حدث.. كان كل شيء لا يزال حاضرًا بداخلها.... ظلام الصندوق... ضيق المكان... صوت المسامير وهي تُدق فوق رأسها... التراب وهو يعلو فوقها... صرخاتها التي لم يسمعها أحد.

إحساسها بأنها ستموت هناك وحيدة، دون أن يصل إليها أحد.

كانت لا تزال تشعر وكأنها عالقة في ذلك الصندوق، رغم أنها خرجت منه بالفعل.

اختفت الابتسامة من وجه نور تدريجيًا حين رأى الرعب في عينيها.

حل الحزن محلها، وظهر الندم واضحًا في نظراته... مد يده نحوها بحذر، لكنه توقف قبل أن يلمسها.

ظل كفه معلقًا في الهواء للحظة، ثم أنزله ببطء، وكأنه أدرك أنها قد تخاف من أي حركة مفاجئة.

قال بصوت هادئ، محاولًا أن يمنحها شعورًا بالأمان:
"متخافيش، انتي بخير دلوقتي... مفيش أي حاجة."

رفعت خديجة عينيها إليه... كانت دموعها تنساب بصمت على خديها، وشفتاها ترتجفان وهي تحاول استيعاب كلماته.. ثم خرج صوتها منخفضًا ومرتجفًا:
"أنا عايشة... أنا لسه عايشة؟ ممتش؟"

شعر نور بغصة حادة تعتصر قلبه.. تألم لسماعها تتحدث عن موتها بهذه الطريقة، وكأنها حتى الآن غير مصدقة أنها نجت.

حاول أن يرسم ابتسامة مطمئنة على وجهه رغم الألم الذي انعكس في عينيه، وقال لها بهدوء:
"أيوه، انتي عايشة... وانتي في بيتي وفي أوضتي دلوقتي. متخافيش من حاجة، أنا جنبك."

حدقت فيه خديجة للحظات... ثم هزت رأسها ببطء، محاولة أن تصدق كلماته... أن تقنع نفسها أنها ليست داخل الصندوق مرة أخرى...وأنها بالفعل خرجت منه.. وأنها ما زالت حية.

وأن الشخص الجالس أمامها حقيقي، وليس مجرد وهم صنعه عقلها وهي تنتظر الموت... لكن فجأة بدأت أنفاسها تضطرب.

ارتفع صدرها وهبط بسرعة، وحاولت أن تلتقط الهواء، إلا أن أنفاسها خرجت متقطعة ومتلاحقة.

وضعت يدها على صدرها، وراحت تحاول التنفس بصورة أعمق، لكن الخوف كان لا يزال يخنقها.

نظر نور إليها بقلق، وانحنى نحوها قليلًا... أما هي فقالت وسط شهقاتها المتقطعة، بصوت خافت أنهكه الخوف:
"مش قادرة أتنفس كويس."

نظر نور إليها بقلق شديد، وما إن لمح اضطراب أنفاسها حتى نهض من مكانه على الفور، واتجه نحو النافذة بخطوات سريعة. فتحها، ثم فتح باب الشرفة، تاركًا للهواء طريقًا إلى الغرفة، والتفت إليها من جديد يتابعها بعينيه. 

حاولت خديجة النهوض، مستندة إلى الفراش بيد مرتجفة، ثم تحركت بضع خطوات باتجاه النافذة بحثًا عن الهواء. إلا أن ساقيها خانتاها فجأة؛ ارتعشت قدماها تحت جسدها، واختل توازنها، وسقطت على الأرض.

اندفع نور إليها دون تردد، وجثا على ركبته إلى جوارها، ومد يده إليها وأمسك يدها المرتجفة بين كفيه، وقد ارتسم القلق بوضوح على ملامحه، وانخفض صوته وهو يقول بحزن:
"إنتِ كويسة؟... أجيبلك الدكتور طيب؟"

رفعت خديجة عينيها إليه، وظلت تحدق في وجهه للحظات وكأنها تحاول التأكد من أنه حقيقي، لا مجرد صورة رسمها عقلها في لحظاتها الأخيرة داخل ذلك الصندوق.

كانت قد ظنت أنها لن تراه مرة أخرى... ظنت أن الظلام سيبتلعها ولن تخرج منه أبدًا... وفجأة انهارت.

ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها بغزارة، ثم خرجت شهقاتها متتابعة وهي عاجزة عن السيطرة على نفسها. كان الخوف الذي عاشته ما يزال عالقًا في جسدها، وكلما تذكرت جدران الصندوق الخشبي من حولها، وشعورها بالاختناق، عاد الرعب ليطبق على صدرها من جديد.

ظل نور ينظر إليها بحزن شديد، وقد بدا عليه العجز للحظات. لم يعرف ماذا يفعل؛ هل ينادي ياسمين؟ أم مريم؟ هل يتركها تبكي حتى تهدأ؟ أم يحاول أن يطمئنها بنفسه؟

مد يده نحوها، لكنه توقف قبل أن يلمسها، ثم وضع يده أخيرًا على كتفها برفق، وقال بنبرة هادئة يحاول أن يمنحها شيئًا من الأمان:
"اهدي... والله مفيش حاجة. إحنا عرفنا مكانك وخرجناكي من هناك... اهدي."

كانت خديجة تنظر إليه بعينين غارقتين في الدموع، وأنفاسها تتقطع مع شهقاتها. كانت قد دُفنت حيّة... وهذا الشعور وحده كان كافيًا ليعيد الرعب إلى قلبها كلما حاولت استيعاب ما حدث.

ربت نور على كتفها برفق، إلا أن بكاءها لم يهدأ.

اقترب منها أكثر، مترددًا للحظات، ثم لم يجد أمامه سوى أن يجذبها إليه ويحيطها بذراعيه، وقال بصوت خافت:
"متخافيش... أنا جنبك."

اتسعت حدقتا خديجة عندما وجدت نفسها بين ذراعيه، وكأنها لم تتوقع منه تلك الخطوة. بقيت ساكنة لثوانٍ، ثم لم تحاول إبعاده؛ كانت في تلك اللحظة بحاجة فعلًا إلى حضن تشعر داخله بالأمان.

أسندت وجهها إلى كتفه، وما إن شعرت بدفء وجوده حتى ازداد انهيارها، وانهمرت دموعها على كتفه، بينما رفع نور يده وربت على ظهرها برفق، حركةً تلو الأخرى، محاولًا تهدئتها دون أن يزيد من ارتباكها.

بقيا على ذلك الحال فترة من الوقت، حتى بدأت شهقاتها تهدأ تدريجيًا، واستقرت أنفاسها شيئًا فشيئًا، وشعرت أخيرًا بأن جسدها لم يعد يرتجف كما كان.

وحين شعر نور بأن توترها قد خف، أبعدها عنه بهدوء، وظل ينظر إلى وجهها للحظات يتأكد من أنها أصبحت أفضل، ثم سألها:
"حاسّة نفسك أحسن دلوقتي؟"

مسحت خديجة دموعها بظهر يدها، وهزت رأسها بصمت.. ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، وقال بنبرة هادئة:
"طيب قومي خدي دش وغيري هدومك، وحاولي ترتاحي شوية."

أومأت له بهدوء. كانت بالفعل تحتاج إلى الاستحمام بماء ساخن، لعل ذلك يخفف شيئًا من الألم المنتشر في جسدها.

وضعت يدها على الفراش واستندت إليه، ثم بدأت تنهض ببطء. مد نور يده ليساعدها، لكنها هزت رأسها بالنفي، وأشارت له بأنها تستطيع فعل ذلك وحدها.

أبعد يده عنها دون إصرار.

تحركت خديجة بخطوات بطيئة، وما زالت آثار التعب والدوار واضحة على حركتها، بينما راحت عيناها تبحثان في الخزانة بحيرة، لا تعرف أيًّا من أبوابها يحتوي على ملابسها.

لاحظ نور حيرتها، فتقدم نحو الخزانة وفتح لها بابها.

نظرت إليه للحظة، ثم اقتربت، وأسندت يدها على الخزانة حتى تثبت نفسها، وأخذت ملابسها ومنشفة، ثم ابتعدت عنها.

لكن ما إن خطت خطوة حتى تعثرت قدمها، وشعرت بدوار مفاجئ جعل جسدها يميل إلى الأمام.

تحرك نور بسرعة وأمسكها قبل أن تسقط، بينما سقطت الملابس والمنشفة من يدها على الأرض.

رفعت خديجة عينيها إليه، فالتقت عيناهما مباشرة.

ساد بينهما صمت قصير.. ظلت تحدق في عينيه للحظات، ثم خفضت بصرها وابتعدت عنه بخجل وارتباك.

نظر نور إليها، ثم قال بهدوء:
"انادم على مريم أو ماما، حد يساعدك فيهم."

هزت خديجة رأسها بالنفي.. كانت ستنحني لتلتقط ملابسها، لكنه سبقها وانخفض إلى الأرض، والتقطها عنها، ثم وقف ومدها إليها.

أخذتها منه بصمت.. أشار بيده نحو الحمام دون أن يقول شيئًا، فتحركت خديجة باتجاهه بخطوات بطيئة وحذرة، ثم دخلت وأغلقت الباب خلفها.

أطلق نور زفرة طويلة مثقلة بالحزن، ثم اتجه إلى الشرفة، وأسند ذراعيه على سورها، وأغمض عينيه بإرهاق شديد، كل ما حدث خلال الساعات الماضية قد بدأ يثقل على جسده من التعب.

وفي الداخل، فتحت خديجة المياه.

وما إن لامست المياه جسدها حتى انكمشت ملامحها من الألم، وأغمضت عينيها بقوة، بينما ارتجف جسدها تحت وطأة الوجع المنتشر في أنحاء جسدها من آثار الحبال التي قيدتها طويلًا.

تسللت دموعها بصمت، واختلطت بالماء دون أن يصدر عنها صوت.

وبعد أن انتهت، ارتدت ملابسها وخرجت من الحمام، مستندة إلى الحائط بخطوات متعبة، حتى وصلت إلى الكرسي أمام المرآة وجلست عليه.

رفعت المنشفة وجففت شعرها ببطء، وكل حركة كانت تشعر بالألم الذي تركته القيود في جسدها.

أنهت تجفيف نفسها بصعوبة، ثم وضعت المنشفة أمامها وأغمضت عينيها، وقد بدا التعب واضحًا على ملامحها.

في تلك اللحظة عاد نور إلى الغرفة.

دخل وهو يطلق تنهيدة مرهقة، واتجه نحو الأريكة، وكان على وشك أن يجلس، لكنه توقف فجأة قبل أن يلامس جسده المقعد.

تجمد في مكانه.. كانت عيناه معلقتين أمامه.. للمرة الأولى... رأى خديجة بملامحها كاملة.. دون نقاب.. دون حجاب.. وللمرة الأولى رأى شعرها.

رفع جسده واستقام في وقفته ببطء، وظل ينظر إليها دون أن يشعر بنفسه، وقد انعكس على وجهه شيء من الدهشة التي لم يستطع إخفاءها.

فتحت خديجة عينيها عندما شعرت بوجوده، وحركت رأسها نحوه.. التقت عيناهما من جديد.

ظل نور ينظر إليها للحظات، عاجزًا عن إنكار كم كانت جميلة، حتى رغم الشحوب والإرهاق اللذين غطيا ملامحها.

وفي عينيه ظهرت لمعة خافتة...لمعة لم يستطع إخفاءها... 

                 ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرج فارس من الحمام وهو يمسح وجهه المرهق بالمنشفة، وكانت خطواته أبطأ من المعتاد، وقد بدت آثار التعب واضحة على ملامحه رغم محاولته إخفاءها. رفع المنشفة إلى وجهه مرة أخرى، لكنه توقف فجأة حين وقعت عيناه على ياسمين.

كانت واقفة أمامه، تحدق فيه بصدمة، ودموعها تنهمر بغزارة على خديها دون أن تحاول حتى مسحها.

تجمد فارس في مكانه، وانخفضت يده التي تمسك بالمنشفة ببطء، بينما انعقد حاجباه في حيرة، ولم يفهم للحظات سبب نظراتها إليه.

أما ياسمين، فظلت تحدق فيه بصمت، وعيناها تحملان ألف سؤال............ 

الفصل السادس والثلاثون 
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
فتحت خديجة عينيها عندما شعرت بوجوده، وحركت رأسها نحوه ببطء، لتلتقي عيناهما من جديد.

توقفت للحظات وهي تنظر إليه، بينما ظل نور واقفًا في مكانه، لا تزال عيناه معلقتين بها. لم يستطع أن ينكر كم بدت جميلة أمامه، رغم الشحوب الذي غطّى وجهها والإرهاق الذي أنهك ملامحها، ورغم آثار الخوف التي لم تفارق عينيها بعد.

ظهرت في عينيه لمعة خافتة... لمعة باغتته قبل أن يستطيع إخفاءها.

لاحظت خديجة نظراته، فارتبكت على الفور، وانخفض بصرها بعيدًا عنه، بينما أخذ قلبها يخفق بسرعة حتى شعرت بضرباته تتردد داخل صدرها. تشبثت بالمنشفة بين أصابعها، ثم رفعتها سريعًا ووضعتها فوق رأسها، تخفي بها شعرها، وأغمضت عينيها محاولة تهدئة نفسها.

وضعت يدها فوق قلبها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء، تحاول السيطرة على ذلك الاضطراب الذي لم تفهم كيف تسلل إليها بهذه السرعة.

أما نور، فانتبه أخيرًا إلى نفسه وإلى الطريقة التي كان ينظر بها إليها. رمش عدة مرات، ثم أشاح ببصره عنها بحرج، وحمحم وهو يحك مؤخرة رأسه بيده في حركة عفوية تكشف ارتباكه، قبل أن يتجه إلى الأريكة ويجلس عليها.

ظلت خديجة في مكانها، ساكنة لا تعرف ماذا تفعل أو ماذا تقول. لم تتخيل أن وجودها معه في الغرفة سيكون صعبًا إلى هذه الدرجة، خصوصًا بعد كل ما حدث لها.

ساد الصمت بينهما للحظات، حتى قطعه نور أخيرًا... رفع عينيه إليها من جديد، وكان في صوته هدوء يخفي وراءه رغبة ملحّة في معرفة الحقيقة، ثم سألها، وكأنه يمنح نفسه فرصة أخيرة لتغيير ما يدور في رأسه:
"مين اللي عمل فيكي كده... شوفتيه؟"

رفعت خديجة رأسها، ونظرت إليه مباشرة.. ولم تشعر بالمنشفة وهي تنزلق عن شعرها وتسقط من فوق رأسها.

لكنها ما إن استوعبت سؤاله، حتى تبدلت ملامحها . 

تجمعت الدموع في عينيها، وعاد الرعب إلى نظراتها كأنها تُسحب مرة أخرى إلى ذلك الصندوق المظلم. ارتجف جسدها، وانقبضت أصابعها في بعضها، ثم خرج صوتها مرتجفًا ضعيفًا:
"لو قولتلك مين... هتصدقني؟"

ظل نور ينظر إليها، والدموع قد تجمعت في عينيه هو الآخر. كان يعرف الإجابة قبل أن يسمعها، لكنه ظل يقاومها بكل ما لديه، يرفض أن يستوعب أن تكون هي.. خفض بصره للحظة، ثم رفعه إليها وقال بصوت خافت متردد:
"ميرال."

اتسعت عينا خديجة بصدمة... إذن هو يعلم.. كان يعلم أنها هي من فعلت بها ذلك!

ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها من جديد، ثم قالت بصوت مكسور:
"أنا مش عارفة أنا عملتلها إيه عشان تعمل فيا كده."

أدارت وجهها بعيدًا عنه فورًا، وكأنها لم تعد قادرة على مواجهة عينيه، وحاولت كتم شهقة بكائها وهي تمسح دموعها بيد مرتجفة.

أما نور، فأغمض عينيه للحظات، محاولًا إخفاء الألم الذي اجتاح ملامحه، ثم فتحهما من جديد ونظر إليها.

ظل صامتًا لثوانٍ، وكأن السؤال التالي أثقل عليه من أن ينطقه، لكنه قال أخيرًا:
"وافقتي تتجوزيني ليه؟"

رفعت خديجة عينيها إليه ببطء.. تجمدت نظرتها عند وجهه، وكأن سؤاله أصاب جرحًا أعمق من كل ما سبقه.

كيف يمكنه أن يسألها عن سبب موافقتها؟ ألا يعرف؟ ألم يكن يعرف بحبها له؟ أم أنه يعرف، ومع ذلك يصر على جرحها حتى بأبسط الكلمات؟

مسحت دموعها ببطء، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا، لكن الوجع كان واضحًا فيه حين أجابته:
"نفس السبب اللي خلاك إنت توافق تتجوزني."

ابتعدت عينا نور عنها، وكأن كلماتها أصابته في موضع حساس.. رفع يده إلى وجهه ومسح دمعة تسللت رغماً عنه، ثم قال بصوت خافت مليئ بالألم:
"يعني بابا قالك؟"

هزت خديجة رأسها بوجع، وانهمرت دموعها بغزارة وهي تجيبه بصوت مرتجف:
"آه... قالي على كل حاجة."

شهقت فجأة، وانكسر صوتها وهي تضيف بقهر:
"أنا خايفة... مش قادرة أتخيل الحياة من غيره هتبقى عاملة إزاي."

توقفت أنفاس نور للحظة.. عاد إلى ذاكرته حديث والده معه، وصيته التي حملها له قبل أن يرحل... ياسمين، ومريم، وخديجة.

كل كلمة قالها له عادت إلى ذهنه دفعة واحدة، حتى شعر بأن صدره يضيق من شدة الألم.. لم يستطع البقاء في مكانه أكثر.

نهض فجأة، واتجه إلى الشرفة بخطوات سريعة، بينما تساقطت دموعه على خديه دون أن يحاول إخفاءها.

وقف عند سور الشرفة، وأسند يده عليه، ثم أغمض عينيه بقوة، وكأنه يحاول أن يحبس كل ذلك الوجع داخله، بينما استقرت يده الأخرى فوق قلبه، تضغط عليه وكأنها تستطيع إيقاف الألم الذي ينهشه من الداخل.

بقيت خديجة تنظر إلى ظهره من مكانها، ودموعها لا تزال عالقة في عينيها... لم تقل شيئًا.

نهضت ببطء، وكانت خطواتها متعبة وثقيلة، واتجهت نحو الفراش. جلست عليه أولًا، ثم مدت جسدها ببطء، وجذبت الوسادة إليها واحتضنتها بقوة، ودفنت وجهها فيها، قبل أن تنهار في بكاء مكتوم يحمل كل الخوف والألم الذي عجزت عن إخراجه بالكلمات..... 

                      ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

تجمّد فارس في مكانه، وانخفضت يده التي تمسك بالمنشفة ببطء، بينما انعقد حاجباه في حيرة واضحة. ظل يحدّق في ياسمين لثوانٍ، محاولًا فهم سبب تلك النظرات التي لم يرَ مثلها في عينيها من قبل.

كانت واقفة أمامه والدموع تنساب على خديها دون توقف، وملامحها تحمل وجعًا أربكه أكثر من بكائها.

اقترب منها بخطوات مترددة، وعيناه لا تفارقان وجهها، ثم مد يده وأمسك وجهها بكفه بحنان، وقال بنبرة قلقة:
"مالك؟ بتعيطي ليه؟"

لكن ياسمين أبعدت يده عن وجهها.

توقفت أصابعه في الهواء للحظة، ونظر إلى يدها التي أبعدته باستغراب، قبل أن تعود عيناه إلى عينيها. كان الارتباك واضحًا على ملامحه، فقال بصوت أكثر قلقًا:
"في إيه؟ فهميني طيب."

مسحت ياسمين دموعها بيد مرتجفة، وحاولت أن تستجمع نفسها، لكن ارتعاش صوتها فضح ما بداخلها وهي تقول:
"إنت مخبي عني إيه يا فارس؟"

اتسعت عينا فارس فجأة، وتبدلت ملامحه في لحظة... ارتجفت نظراته نحوها، وشعر بقلبه يهبط إلى صدره.
هل عرفت شيئًا عن مرضه؟
هل أخبرها أحد؟

تسارعت الأفكار داخل رأسه، بينما ظل صامتًا للحظات، عاجزًا عن إيجاد إجابة واحدة تخرجه من هذا الموقف.

لكن ياسمين فسّرت صمته بطريقة أخرى.. حدقت فيه بشدة، وكأن صمته وحده كان إجابة تؤكد مخاوفها، ثم ارتفعت نبرتها رغمًا عنها، وانهمرت دموعها من جديد:
"رد عليا... مخبي عني إيه؟"

ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة صغيرة باهتة، ابتسامة لم تستطع إخفاء الألم الذي يعصف بداخله. حاول أن يبدو طبيعيًا، لكن صوته خرج مرتجفًا رغمًا عنه:
"مش مخبي عنك حاجة... هكون مخبي إيه يعني؟"

هزت ياسمين رأسها ببطء، ونظرتها لا تفارقه، ثم قالت بصوت موجوع:
"اسأل نفسك... مخبي عني إيه يا فارس."

صمت فارس... ظل ينظر إليها بحزن شديد، وبدأت الدموع تتجمع في عينيه من فرط الألم.
كيف يخبرها؟

كيف يخبر المرأة التي قضى معها عمره أن الأيام التي بقيت له قليلة؟

كيف يخبرها أن كل لحظة يعيشها معها الآن قد تكون من آخر أيام عمره؟

ظل يحدق بها، بينما كان قلبه يصرخ في داخله بما لم يستطع لسانه نطقه.

لاحظت ياسمين صمته من جديد، فاتسعت عيناها، وتأكد داخلها أن هناك شيئًا يخفيه عنها... قالت بصوت مرتجف:
"يبقى حقيقة... اللي عرفته عنك حقيقة يا فارس."

وانهارت في البكاء أكثر، واهتز صوتها وهي تضيف بقهر:
"رد عليا... إذا هونت عليك... إزاي هونت عليك تعمل فيها كده؟"

انقبض قلب فارس لرؤيتها بهذا الانهيار... لم يحتمل دموعها، ولا الطريقة التي كانت تنظر بها إليه.. اقترب منها خطوة، وانهمرت دموعه هو الآخر، وقال بصوت مكسور:
"طيب اهدي... هفهمك."

لكن ياسمين لم تهدأ... ارتفع صوت بكائها، وخرجت كلماتها محمّلة بالخذلان:
"تفهمني إيه؟... هتفهمني إزاي خيانتك ليا؟"

تجمّد فارس... اتسعت عيناه، وسكنت ملامحه تمامًا، وكأن الكلمة التي سمعها لم يستوعبها عقلُه... خيانة؟.. هل سمعها حقًا؟

ظل يحدق فيها بصمت، غير قادر حتى على استيعاب كيف يمكن أن تتهمه ياسمين بالخيانة بعد كل هذه السنوات.

فتح فمه ليتحدث، لكن ياسمين سبقته، وانفجرت في بكاء وهي تقول:
"إزاي قدرت تعمل كده؟... قولي إزاي؟"

ظل واقفًا أمامها، لا يزال تحت وقع الصدمة، وكأن عقله يبحث عن تفسير لما يحدث... هز رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه ملامح عدم الفهم، ثم قال بصوت خافت :
"أنا مش فاهم... إنتِ تقصدي إيه؟"

فتحت ياسمين هاتفها بسرعة، وأعادت فتح الصور التي كانت قد التقطتها عينها عشرات المرات. ارتجفت أصابعها وهي ترفع الهاتف أمام فارس، ثم ثبتت عينيها على وجهه، والدموع تنساب على خديها دون توقف، بينما خرج صوتها مخنوقًا بالخذلان:
 "مين اللي معاك دي هاا.. وكمان مسجل رقمها على تليفونك باسم راجل عشان معرفهاش؟" 

تجمدت ملامح فارس للحظة، واتسعت عيناه وهو يحدق في الصور المعروضة أمامه. انتقل بصره بين وجه أميرة في الصورة وبين ياسمين الواقفة أمامه. رفع عينيه إليها، وصوته خرج مشوشًا من شدة المفاجأة:
 "إنتِ جبتي الصور دي منين؟" 

هزت ياسمين رأسها ببطء، وكأن سؤاله كان آخر شيء تتوقع سماعه منه. انكسرت ملامحها أكثر، وانهمرت دموعها بغزارة، ثم رفعت يدها تمسحها بعنف دون جدوى: 
"هو دا كل اللي فارقلك؟ جبت الصور منين؟" 

سكتت لحظة، وارتجفت شفتاها قبل أن تنفجر في وجهه بصوت مرتفع، يحمل وجعًا أكبر من غضبها:
"بتخوني أنا يا فارس... أنا طيب ليه؟!" 

كانت الكلمات أشبه بطعنة اخترقت صدره.. لم تكن صدمته من الصور وحدها... بل من شكها فيه.... ياسمين تشك في حبه لها!

كيف استطاعت أن تصدق، ولو للحظة، أنه يمكن أن يخونها؟ كيف لم تثق به إلى هذه الدرجة؟ ألم تكن تعرفه طوال كل تلك السنوات؟ ألم تعرف أنه لم يعشق امرأة سواها، وأن عينيه لم تريا غيرها منذ أن أحبها؟

كانت هي أول امرأة سكنت قلبه... وأول امرأة عرف معها معنى الحب، وستظل آخر امرأة يعشقها حتى آخر نفس في حياته.

فكيف استطاعت أن تنظر إليه وتتهمه بالخيانة؟

ابتلع فارس غصة مؤلمة، وشعر بأن صدره يضيق شيئًا فشيئًا. رفع يده إلى قلبه وضغط عليه بقوة، وانقبض وجهه فجأة من شدة الألم، بينما ارتجفت أنفاسه وتراجع جسده خطوة إلى الخلف.

كان يشعر وكأن سكاكين حادة تمزق قلبه من الداخل.

حاول أن يثبت قدميه، لكن الأرض بدأت تدور من تحته، وتشوش بصره للحظات، واختل توازنه بشكل واضح.

انتبهت ياسمين إلى تغير ملامحه، فاتسعت عيناها بفزع، وألقت الهاتف فوق الفراش دون تفكير، ثم اندفعت نحوه وأمسكت يده بكلتا يديها: 
"فارس... مالك؟! إنت كويس؟" 

لكن فارس لم يجبها... كان ينظر إليها، إلا أن ملامحها أمام عينيه أصبحت ضبابية. وصل صوتها إلى أذنيه مكتومًا، وكأنه يأتيه من مكان بعيد، بعيد جدًا.

حاول أن يركز في صوتها، وحاول تحريك شفتيه ليجيبها، لكن جسده لم يعد يطيعه.

وفجأة... تراخت ساقاه وسقط جسده على الأرض.

صرخت ياسمين بفزع، وهوت على ركبتيها بجواره، ثم أسرعت بإسناد رأسه بين ذراعيها، وراحت تربت على وجهه بكف مرتجف، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة.

خرج اسمه من بين شفتيها مرتعشًا:
"فارس!" 

فتح فارس عينيه بصعوبة، وحدق فيها.

كانت تحاول أن تتحدث إليه، لكنه لم يعد قادرًا على سماع شيء بوضوح. ظل ينظر إلى وجهها فقط، وكأن كل ما حوله اختفى ولم يبقَ أمامه سوى هي.

حاول تحريك شفتيه لينطق بأي كلمة، إلا أن صوته لم يخرج.

تجمعت الدموع في عينيه، ثم انحدرت إحداها ببطء على خده، بينما ظل يتأمل ملامح ياسمين طويلًا... وكأنه يحاول أن يحفظ وجهها في ذاكرته، وكأنه يراها للمرة الأخيرة.

انهارت ياسمين أكثر، وضمته إلى صدرها بقوة، ودفنت وجهها بالقرب منه وهي تبكي بانهيار.

ثم رفعت رأسها فجأة نحو باب الغرفة، وصاحت بأعلى صوتها، وقد اختلطت شهقاتها بالصراخ:
"نــور... نــــور الحقني! يا مريــم! حد فيكم سامعني؟!" 

عادت ببصرها إليه بسرعة... كان قد أغمض عينيه من جديد.

ارتجفت ياسمين، وشعرت بالخوف ينهش قلبها، فهزت رأسه برفق، وراحت تربت على خده محاولة إيقاظه، بينما خرج صوتها من بين شهقاتها مكسورًا:
"فارس... فارس قوم عشان خاطري..." 

                        ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان معتز يجلس على المقعد المقابل لنسرين، وقد أسند ظهره إلى مسنده في هدوء متعمد، بينما كانت هي تجلس أمامه مقيدة بالحبال إلى المقعد، تحاول قدر استطاعتها ألا تظهر خوفها رغم ارتجاف أصابعها ونظراتها القلقة التي لم تفارق وجهه.

ظل معتز يتأملها للحظات، ثم مال برأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يقول بتهكم:
"تعرفي يا بقرة إنتِ... أنا لو سافل زي أخوكي وبهيم زيه، كنت عملت فيكي إيه؟" 

انكمشت ملامح نسرين، وابتلعت ريقها بصعوبة، بينما ظلت عيناها معلقتين به في خوف وحذر.

صمت معتز لحظة، ثم مال إلى الأمام قليلًا، وأسند مرفقيه على ركبتيه، وأكمل بنبرة تحمل سخرية واضحة:
"أول حاجة كنت هسيبك تموتي من الجوع... بس أنا معملتش معاكي كدا، عشان لو كنت عملت، زمانك دلوقتي جتتك عفنة" 

ثم عاد بظهره إلى المقعد، وأطلق زفرة قصيرة قبل أن يضيف بضيق، وقد اختفت السخرية من عينيه للحظة:
"بس أنا مش زيه... عشان أنا مش باخد حقي من حريم، حقي باخده من راجل لراجل." 

ظلت نسرين تنظر إليه للحظات، تحاول فهم ما يريده منها، قبل أن تتردد قليلًا ثم تسأله بصوت خافت مرتجف:
"طيب إنت حابسني هنا ليه؟ روح خد حقك منه... سايبني هنا ليه؟»

ارتفعت إحدى حاجبي معتز، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة متهكمة، وأمال رأسه قليلًا وهو يجيبها:
" أشوف غلاوتك عنده... بس الواضح كدا إنك مش فارقة معاه."

تجمدت نظرات نسرين، وبدأ القلق يتسلل إلى ملامحها أكثر... لاحظ معتز صمتها، فثبت عينيه عليها وأردف بنبرة قاطعة:
"إنتِ عارفة ليه؟" 

لم تجبه، واكتفت بالنظر إليه في صمت، فمال إلى الأمام مرة أخرى، وقال:
"عشان إنتِ لو فارقة معاه، ولو كنتِ غالية عنده، مكنش سابك لحد دلوقتي عندي... وكان خرب الدنيا كلها عشان يرجعك." 

توقفت أنفاس نسرين للحظة، وانخفض بصرها إلى الأرض، بينما أخذت أصابعها تتحرك بعصبية داخل قيود الحبال.

صمت معتز لحظة، ثم هز رأسه باستياء وأكمل:
"إنما هو راجل خسيس... مفيش في دمه ريحة الرجولة. كل همه كلام الناس، شغله شكله والأخبار اللي هتتقال عنه... أكتر من كده لا." 

اشتدت ملامحه، وخرجت كلماته الأخيرة بحدة أكبر:
"خايف ياخدك من عندي بالقوة، فضايحه تتكشف وحقيقته تبان... الواطي." 

ظلت نسرين صامتة.

كانت كلمات معتز تتسلل إلى قلبها واحدة تلو الأخرى، وكل كلمة كانت تؤلمها أكثر من سابقتها.

تجمعت الدموع في عينيها، وحاولت أن تمنعها من السقوط، إلا أن عينيها خانتاها، وانحدرت دمعة ساخنة على خدها.

أخوها...أخوها الذي أقسم لوالده قبل وفاته بأنه سيحميها، وأنه لن يسمح لأحد أن يؤذيها.

أين كان الآن؟
كيف استطاع أن يتركها بهذه السهولة؟
كيف مر كل هذا الوقت ولم يأتِ لإنقاذها؟

رفع معتز جسده عن المقعد، ثم وقف أمامها، ونظر إليها للحظات قبل أن يقول ببرود:
"أخوكي مش عايز يجيبها البر واصل... بدل ما هو فالح بس إزاي يتخلص من مرام، كان يتفالح يرجعك لبيتك وحياتك... لكن هو مش مهتم بيكي أصلًا." 

توقفت الكلمات في حلق نسرين.

ظلت تحدق أمامها دون أن تجد ما تقوله، وكأنها كانت تتشبث بأمل صغير طوال الأيام الماضية، فجاءت كلماته وسحقت ذلك الأمل تمامًا.

استدار معتز، واتجه نحو الباب بخطوات هادئة، ثم توقف للحظة دون أن يلتفت إليها، قبل أن يفتح الباب ويغادر.

أُغلق الباب خلفه، فعاد المكان إلى صمته الثقيل.

ظلت نسرين تحدق في الباب المغلق، وكأنها تنتظر أن يُفتح من جديد، وأن يدخل أخوها فجأة لينقذها... لكن شيئًا لم يحدث.

ارتجفت شفتاها، وانخفض رأسها ببطء، ثم سقطت دموعها تباعًا على خديها... لم تتوقع ذلك منه.

كانت تظن أنه لن يحتاج سوى إلى يوم واحد ليعرف مكانها ويأتي لإخراجها.

كانت واثقة أنه لن يتركها، مهما حدث.. لكنه خذلها.

تجاهل خطفها، ولم يسأل عنها، ولم يحاول حتى إعادتها.

خرجت منها شهقة موجوعة، ثم أخرى، قبل أن تنهار في بكاء مكتوم، بينما كانت الحبال تقيد جسدها، ولم يعد هناك ما يقيد دموعها أو ذلك الانكسار الذي استقر في قلبها.

لم يكن أكثر ما يؤلمها بقاؤها في هذا المكان...بل أن الشخص الوحيد الذي ظنت أنه سيكون سندها، هو نفسه من اختار أن يتركها وحدها من أجل مصلحته... 

                    ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرجت مريم من غرفتها راكضةً بفزع، بعدما اخترق صراخ ياسمين أرجاء المنزل. كانت خطواتها متعثرة من شدة الخوف، وقلبها يخفق بعنف وهي تحاول الوصول إلى مصدر الصوت.

أما نور، فكان لا يزال واقفًا في الشرفة، شاردًا في أفكاره، مستندًا بذراعيه إلى السور وعيناه غارقتان في شرود ثقيل. لكن ما إن وصل إلى مسامعه صوت صراخ والدته حتى انتفض في مكانه، واتسعت عيناه، وانقبض قلبه بعنف. 

استدار بسرعة، واندفع خارج الغرفة بخطوات متعثرة، لا يفكر إلا في شيء واحد: ماذا حدث؟

في الداخل، كانت خديجة قد نهضت من فوق الفراش على صوت الصراخ. رفعت رأسها بفزع، ثم أسرعت نحو الخزانة، وسحبت منها طرحتها على عجل، وأخفت شعرها تحتها بيدين مرتجفتين، ثم خرجت من الغرفة وهي تضع نقابها على وجهها.

لكنها لم تبتعد كثيرًا.

توقفت فجأة، وأغمضت عينيها لحظة حين باغتها دوار شديد، فمدت يدها بسرعة وأسندتها إلى الحائط حتى لا تسقط. أخذت نفسًا عميقًا، وانتظرت حتى هدأت الدنيا من حولها قليلًا، ثم واصلت السير بخطوات بطيئة نحو مصدر الصراخ.

اندفع نور إلى الغرفة، فتجمد في مكانه فورًا.

وقعت عيناه على ياسمين، وكانت تحتضن فارس الفاقد للوعي بين ذراعيها وهي تبكي بانهيار.

لم يستوعب المشهد... ثبت بصره على والده، واتسعت عيناه بشدة، ثم بدأت الدموع تتجمع فيهما قبل أن تنساب على خديه. هز رأسه بعنف، وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه أمامه.

"لا..." 
خرجت الكلمة هامسة من بين شفتيه، قبل أن يندفع إلى الداخل.

أبعد مريم عن فارس برفق سريع، وكانت دموعها تنساب على خديها وهي تنظر إليه بخوف شديد، ثم جثا نور على الأرض وأخذ والده من بين ذراعي ياسمين.

أسند رأس فارس بين يديه، وراح يهز كتفه بيد مرتجفة، بينما كانت دموعه تسقط دون توقف.
"بابا... بابا قوم، رد عليا." 

انتظر.

لكن لم تأته أي استجابة... اقترب منه أكثر، وكأن قربه منه سيعيده إلى الوعي، ثم هز رأسه بعنف، رافضًا أن يستسلم بهذه السهولة: 
"بابا... عشان خاطري رد عليا." 

ارتجف صوته في آخر كلماته، وانكسر تمامًا... وفي تلك اللحظة، ظهرت خديجة عند باب الغرفة.

وقفت مكانها، وعيناها اتسعتا وهي ترى فارس بين ذراعي نور، ودموع نور لا تتوقف عن السقوط.

شعرت بغصة تخنق صدرها، وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع هي الأخرى.

كان الخوف على فارس أكبر من أن تتحمله وهي لا تزال في حالتها تلك.

تراجعت خطوة، ثم خانتها قدماها فجأة، فسقطت على الأرض، وأغمضت عينيها بألم وهي تحاول أن تستوعب ما يحدث أمامها.

انتفض نور، ونهض بسرعة وهو يمسح دموعه بعنف بظهر يده، ثم انحنى وحمل والده بكل قوته... خرج به مسرعًا من الغرفة.

نهضت ياسمين خلفه على الفور، وركضت وراءه وهي منهارة من الخوف، ثم أسرعت إلى السيارة وصعدت إلى المقعد الخلفي، وجلست وهي تحتضن فارس، واضعةً رأسه على ركبتها، بينما راحت تبكي وتربت على وجهه بيد مرتجفة.

أما مريم، فكانت على وشك اللحاق بهم، لكنها توقفت عندما رأت خديجة.. جثت مريم أمامها بسرعة، وأمسكت ذراعها حتى تساعدها على الثبات، ثم قالت بلهفة امتزجت بدموعها:
"أخيرًا فوقتي... كنت خايفة عليكي أوي." 

هزت خديجة رأسها ببطء، وكانت ملامحها شاحبة والإرهاق واضحًا على وجهها، ثم قالت بصوت خافت ومرهق:
"أنا كويسة... بس ساعديني أروح مع عمي فارس." 

أومأت مريم على الفور، وأحاطت ذراع خديجة بذراعها، وساعدتها على النهوض والخروج معها.

لكن عندما وصلتا إلى الخارج، كان نور قد استدار ليركب السيارة... توقف فجأة عندما لمح مريم وخديجة تتجهان نحوه.

انعقد حاجباه، وارتفعت نبرة صوته، وقد اختلط غضبه بانفعاله وخوفه الشديد على والده:
"محدش فيكم هيروح! مش إنتِ لسه تعبانة؟ خديجة يا مريم، علي جوه لحد ما أرجع!" 

نظرت إليه مريم للحظات، ثم إلى خديجة، ولم تجد أي منهما القدرة على مجادلته في تلك اللحظة.

كان نور يقف أمامهما وملامحه منهارة من الخوف، وكل ما يشغله الآن هو والده.

استدار بسرعة، وركب السيارة، ثم أدار المحرك وانطلق بها بأقصى سرعة.

ظلت مريم واقفة للحظات تراقب السيارة وهي تبتعد، ثم التفتت إلى خديجة وأمسكت يدها برفق: 
"تعالي." 

ساعدتها على العودة إلى المنزل، ودخلتا معًا، ثم أُغلق الباب خلفهما، بينما ظل القلق يخيم على المكان كله...... 

                     ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

فتحت شمس باب غرفة خديجة ودخلت إليها، وهي تضع إحدى يديها في جيب بنطالها. تقدّمت بضع خطوات حتى وقفت في منتصف الغرفة، ثم أخذت تدير عينيها في أرجائها، تتفحّص كل شيء من حولها في صمت.

أخرجت يدها من جيبها ببطء، ثم اتجهت إلى السرير وجلست على طرفه. أطلقت تنهيدة عميقة، بدت معها وكأنها تزيح عن صدرها حملًا ثقيلًا، وارتسمت على ملامحها راحة واضحة؛ راحة ممزوجة بشعور غريب بالحرية والهدوء، شعور لم تعتده من قبل.

تمتمت بصوت خافت، وهي تمرر عينيها في الغرفة مرة أخرى:
"أخيرًا طلعتي من البيت ده."

ما إن نطقت كلماتها حتى تبدلت ملامحها، وانقبض وجهها بضيق شديد، قبل أن تنظر أمامها بغلّ مكبوت وتتابع:
"من وإحنا صغيرين وإنتِ واخدة كل حاجة... اهتمام بابا وماما وحنّيتهم ودلعهم، كل حاجة واخدة ليكي، وأنا باخد اللي فاضل من وراكي."

نهضت من مكانها دفعة واحدة، ثم اتجهت نحو مرآة الغرفة بخطوات متتابعة. وقفت أمامها، ورفعت عينيها إلى انعكاس صورتها، وظلت تنظر إلى نفسها للحظات، بينما كانت ملامح الغضب تزداد وضوحًا على وجهها.. قالت بنبرة ممتلئة بالحنق:
"إنتِ مش أحسن مني، ولا أنا أقل منك... عاملالي نفسك بريئة وبتضحكي على اللي حواليكي. الشيخة خديجة راحت، الشيخة خديجة جات... وقرفاني في الطالعة والنازلة بنصايحك اللي شبهك."

ابتعدت عن المرآة، وتحركت ببطء داخل الغرفة، بينما كانت عيناها تجولان في أرجائها وكأنها تبحث عن شيء تصب فيه غضبها. حتى توقفت أمام صورة خديجة الموضوعة فوق الكومود.

انحنت قليلًا، ومدت يدها والتقطت الصورة. ثبتت عينيها عليها، وأخذت تتأمل وجه خديجة بملامح يملؤها الغضب والحقد، ثم قالت بصوت مختنق بالمرارة:
"بابا كل شوية كان يقارنّي بيكي... بصي على خديجة، شوفي خديجة بتعمل إيه... ابقي زي خديجة..."

ارتجف صوتها قليلًا من شدة الانفعال، ثم انفجرت وهي تكرر الاسم بحدة:
"خديجة... خديجة... خديجة!"

ألقت الصورة على الأرض بقوة، فارتطم إطارها بالأرض، بينما ظلت شمس تحدّق بها بعينين مشتعلة بالغضب. ارتفعت أنفاسها وراحت تهبط بصوت مسموع، وصدرها يعلو ويهبط من شدة انفعالها.

ثم رفعت حذاءها، وهوت به على الصورة بقسوة، فانكسر زجاجها تحت قدمها.

قالت من بين أسنانها، وصوتها يرتجف من شدة الغيظ:
"لحد ما كرّهني في خديجة واسم خديجة، وكرهني حتى في نفسي... دايمًا كل شوية يقارنوني بيكي."

دفعت الصورة بقدمها بعيدًا عنها، ثم رفعت يدها إلى شعرها وأزاحت خصلاته إلى الخلف بعنف، قبل أن تستقيم في وقفتها وتظل تحدق في المكان بنظرات حاقدة.

في تلك اللحظة، كان سيف في غرفته، والهاتف ملتصق بأذنه. كان يستمع إلى الطرف الآخر بملامح جامدة لا تكشف شيئًا عما يدور في داخله، بينما ارتفع صوت الرجل من الهاتف قائلًا:
"البضاعة هتوصل النهارده يا باشا، وفي نفس المعاد ونفس المكان."

أبعد سيف السيجارة عن فمه، ثم نفث دخانها بشراسة، فتلاشى أمام وجهه للحظات. ظل صامتًا لثانية، قبل أن يقول بنبرة حادة وآمرة:
"اجهّز إنت والرجالة."

جاءه صوت الطرف الآخر على الفور:
"تحت أمرك يا باشا."

أغلق سيف الهاتف، ثم أعاد السيجارة إلى بين أصابعه واستنشق دخانها ببطء. ظل يحدق في الدخان المتصاعد أمامه بشرود عميق.

وبعد أن أنهى سيجارته، وضعها في المطفأة وأطفأها بهدوء.

كانت نادين تراقبه منذ البداية. عقدت حاجبيها قليلًا، ثم سألته وهي تتأمل ملامحه:
"في حاجة ولا إيه؟"

هز سيف رأسه بهدوء، وأجابها بنبرة مطمئنة:
"لا، شغل يا حبيبتي... شغل."

أومأت نادين برأسها، لكنها لم تبدُ مقتنعة تمامًا. خفضت عينيها للحظة، ثم قالت بنبرة حزينة:
"البيت وحش أوي من غير خديجة."

ساد بينهما صمت قصير، قبل أن ترفع نادين عينيها إليه وتضيف بصوت يحمل اشتياقًا واضحًا:
"أنا عايزة أروح أشوفها."

هز سيف رأسه بهدوء، ثم جلس أمام مكتبه وفتح جهاز اللابتوب. قال دون أن ينظر إليها، وعيناه معلقتان بالشاشة:
"هنروح بكرا نشوفها إن شاء الله."

ارتسمت على شفتي نادين ابتسامة خفيفة. 

أما سيف، فلم يلتفت إليها. ظل يحدق في شاشة اللابتوب باهتمام شديد، وأخذ يحرك أصابعه فوق لوحة المفاتيح بسرعة، متنقلًا بين الملفات.

وبعد لحظات، ظهرت أمامه بعض الملفات.. توقفت أصابعه عن الحركة.

ظل يحدق في الشاشة لثوانٍ، ثم أرجع ظهره إلى الخلف ببطء، وأسند نفسه إلى ظهر المقعد، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة، لم يكن من السهل معرفة ما تخفيه... 

                   ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرج الدكتور حكيم من الغرفة، وما إن لمحته ياسمين ونور حتى أسرعا نحوه في لهفة. تقدمت ياسمين أولًا، وعيناها لا تزالان ممتلئتين بالدموع، بينما وقف نور أمامه مباشرة، يراقب ملامحه بقلق، وكأنه يحاول أن يقرأ منها الإجابة قبل أن ينطق بها.

ابتسم الدكتور حكيم ابتسامة خفيفة، وحرك رأسه مطمئنًا، ثم قال بنبرة هادئة:
"متخافوش... هو واضح إنه أرهق نفسه الفترة دي، فحصله هبوط، لكن اطمنوا... هو كويس، مفيهوش حاجة."

تنفست ياسمين، لكنها لم تستطع أن تطمئن تمامًا. ظلت عيناها معلقتين بوجه الطبيب، ثم اقتربت منه خطوة، وكأنها تحتاج إلى تأكيد آخر حتى يهدأ قلبها، وقالت ودموع الخوف لا تزال عالقة في عينيها:
"أنت متأكد إنه كويس؟ شكله كان تعبان أوي."

أومأ لها الدكتور حكيم بنفس الهدوء، محاولًا أن يبدد القلق الواضح في ملامحها، وقال:
"اطمني... هو كويس دلوقتي."

ثم التفت إلى نور، الذي ظل واقفًا في مكانه، وعيناه لم تفارقا الطبيب منذ خروجه من الغرفة، وقال بهدوء:
"محتاج حضرتك شوية على انفراد."

تغيرت ملامح نور قليلًا، وشعر بانقباض قلبه من جديد. ظل صامتًا للحظات، والدموع لا تزال تلمع في عينيه، ثم أومأ برأسه ببطء، وتحرك خلفه.

دخل الدكتور حكيم إلى مكتبه، واتجه إلى مقعده وجلس عليه، بينما جلس نور أمامه، لكنه لم يستطع أن يخفي توتره. ظل جسده مشدودًا، ويداه متشابكتين أمامه، وعيناه ثابتتان على وجه الطبيب في انتظار أن يتحدث.

خفض الدكتور حكيم عينيه إلى يده الموضوعة فوق الطاولة، وكأنه يبحث عن الطريقة المناسبة التي يخبره بها بما يريد، ثم رفع نظره إليه من جديد، وكانت ملامحه قد فقدت هدوءها السابق، وحل محلها حزن واضح.. قال بصوت هادئ، لكنه مثقل:
"نور... أنت لازم تعرف حالة والد حضرتك."

ثبت نور عينيه عليه، وشعر بقلبه يهبط في صدره... سالت دمعة من عينه رغمًا عنه، وقال بصوت خافت:
"عارف... هو قالي."

ظهر الاندهاش على وجه الدكتور حكيم، واتسعت عيناه قليلًا، ثم أومأ بتفهم، قبل أن يقول بحزن شديد:
"اللي حصل لوالدك دا تدهور في صحته... كل يوم حالته بتسوء أكتر وأكتر عن اليوم اللي قبله."

أبعد نور نظره عنه فورًا، وكأن الكلمات أصبحت أثقل من أن يحتمل مواجهتها. ابتلع غصته بصعوبة، وتحرك فكه في محاولة لكتم الألم الذي بدأ يخنقه.

لم يكن يريد أن يسمع شيئًا آخر.

كان يعرف أن والده مريض، ويعرف أن حالته ليست جيدة، لكنه لم يكن يريد أن يسمع من جديد أن الوقت ينفد منه، وأن اليوم الذي سيضطر فيه إلى وداعه يقترب أكثر مما يحتمل.

ظل صامتًا، بينما تابع الدكتور حكيم حديثه:
"أنا بلغته بالمدة اللي فضلاله تقريبًا من الفحوصات والتقارير اللي عملتها له... والنتيجة كانت إنه فاضله شهر... بس دا كان من كام يوم تقريبًا."

رفع نور عينيه إليه ببطء.. اتسعت عيناه بشدة، وتجمدت ملامحه للحظة، وكأن عقله توقف عند تلك الكلمة وحدها... شهر... شهر واحد فقط.

شهر واحد يفصله عن اليوم الذي لن يرى فيه والده مجددًا.

بدأت الدموع تتساقط من عينيه دون توقف، وانقبضت أصابع يده فوق بعضها بقوة، بينما شعر بألم حاد يخترق صدره. أخذ نفسًا متقطعًا، ثم تمتم بصوت خافت، وكأنه يتعلق بآخر خيط من الأمل:
"أكيد في حل... في علاج ليه."

رفع عينيه إلى الطبيب، وقد امتلأت نظراته برجاء واضح، ثم ارتفعت نبرته تحت وطأة خوفه:
"أنا هسفره برا مصر لو مش هتعرفوا تعالجوه هنا."

هز الدكتور حكيم رأسه بأسى، وكانت عيناه تحملان حزناً واضحاً عليه، ثم قال بهدوء مؤلم:
"حتى لو فارس في المراحل الأخيرة من المرض... مهما أخدته لبلاد برا، ولو عرضته على مليون دكتور، هتبقى نفس النتيجة... جسمه مش متقبل أي علاج ولا مستحمل أي حاجة."

اتسعت عينا نور أكثر، وكأن الكلمات سلبت منه آخر ذرة أمل.

انخفض رأسه، وانهمرت دموعه على خديه. رفع يده إلى وجهه ومسح دموعه بعنف، لكنه لم يستطع إيقافها.

ظل الدكتور حكيم ينظر إليه بصمت للحظات، قبل أن يقول بصوت خافت:
"كل اللي أقدر أقولهولك إنكم خليكوا جنبه الفترة دي... هو محتاجكم كلكم جنبه."

أومأ نور برأسه ببطء، لم يعد يملك القدرة على الكلام.

مد يده إلى الكرسي ليستند عليه، وحاول النهوض، لكن جسده لم يستجب له في البداية. بقي للحظة منحنياً، يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم ضغط بيده على طرف الكرسي حتى استطاع أن يستقيم.

وقف أمام الطبيب، ومسح دموعه مرة أخرى بظهر يده، ثم استدار متجهًا نحو الباب.

 توقف فجأة... تجمد جسده في مكانه، واتسعت عيناه وهو ينظر أمامه بصدمة.

رفع الدكتور حكيم رأسه، ثم نهض من مكانه هو الآخر، واتجهت عيناه إلى الباب.. كانت ياسمين واقفة هناك.

لم تتحرك... كانت الدموع تنهمر بغزارة على خديها، ويداها ساكنتان إلى جوار جسدها، بينما شحبت ملامحها تمامًا من شدة الصدمة.

ظلت تنظر إلى نور، ثم إلى الدكتور حكيم، وكأنها تحاول استيعاب الكلمات التي وصلت إلى مسامعها.

أما نور، فبقي واقفًا أمامها عاجزًا عن النطق، وقد أدرك من نظراتها المرتجفة أنها سمعت كل شيء..... 

                      ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

في مكانٍ ما، حيث كان الظلام يخيّم على المكان، وقفت سيارة سوداء في سكون، تتبعها عدة سيارات مصطفّة خلفها. وعلى الجهة الأخرى، وقفت سيارة سوداء ثانية، وخلفها عدة سيارات، تفصل بين الطرفين مسافة قصيرة . 

فُتح باب إحدى السيارات، وترجّل شادي منها، وتبعه حراسه على الفور. أغلق الباب خلفه دون أن يلتفت، ثم أخذ يتقدم بخطوات ثابتة حتى توقف، بينما انتشر رجاله خلفه في أماكنهم.

وفي الجهة المقابلة، فُتح باب السيارة الأخرى، ونزل منها رجل ذو ملامح حادة. لم يتكلم. اكتفى بإلقاء نظرة سريعة على شادي ورجاله، ثم ترجل حراسه من خلفه وهم يحملون صندوقًا أسود كبيرًا.

تقدم الرجال حتى وضعوا الصندوق في منتصف المسافة بين الطرفين، ثم تراجعوا عنه.

ثبت شادي عينيه على الصندوق للحظات، قبل أن يرفع نظره إلى الرجل المقابل له.. قال بنبرة هادئة، لكنها لم تترك مجالًا للنقاش:
"افتح الصندوق إنت الأول."

ارتفعت زاوية فم الرجل في ابتسامة ساخرة، وأمال رأسه قليلًا، بينما مرر لسانه على طرف أسنانه قبل أن يقول بتهكم:
"إيه، مش واثق فيا؟"

لم تتغير ملامح شادي. ظل واقفًا في مكانه، وعيناه ثابتتان عليه، ثم أجابه ببساطة:
"تؤ... مبثقش في حد."

اختفت ابتسامة الرجل قليلًا، وبقي ينظر إلى شادي لثوانٍ. رفع يده إلى ذقنه وحكها ببطء، وكأنه يزن كلماته، ثم أشار بإصبعه إلى أحد رجاله.

أومأ الرجل في صمت، واتجه نحو الصندوق.

انحنى وأمسك غطاءه، ثم رفعه حتى فتحه على آخره. بقي واقفًا لحظة، قبل أن يتراجع عدة خطوات، تاركًا الصندوق مكشوفًا في المنتصف.

حرّك شادي يده بإشارة قصيرة.. فهم أحد حراسه الأمر، فتقدم نحوه بخطوات حذرة.

انحنى أمام الصندوق، ومد يده إلى داخله، ثم أخرج أحد الأسلحة. قلبه بين كفيه، مرر عينيه على تفاصيله، وتفقده قطعةً قطعة، قبل أن يعيد النظر إليه مرة أخيرة للتأكد منه.

أعاده إلى الصندوق، ثم استقام وعاد إلى شادي... توقف أمامه وأومأ برأسه مرة واحدة.. لم يحتج شادي إلى أكثر من ذلك.

تحركت زاوية فمه في ابتسامة جانبية صغيرة، وكأن الأمر جاء تمامًا كما أراد.

لكن قبل أن يفتح فمه بكلمة واحدة—

دوّت طلقات النار فجأة.

شقّ الرصاص سكون المكان دفعة واحدة، وتوالت الطلقات من أكثر من اتجاه. التفت الرجال في ارتباك، وحاول بعضهم الوصول إلى أسلحتهم، لكن الرصاص كان أسرع.

خلال لحظات، سقط حراس الطرفين الواحد تلو الآخر، وخمدت أصواتهم تحت وطأة الطلقات، بينما بقي شادي والرجل الآخر واقفين وسط الفوضى، لا يعرفان من أين جاء الهجوم.

ثم ظهرت السيارة.

توقفت بالقرب منهما، وانفتح بابها، ونزل سيف بعدما فتح له أحد حراسه الباب.

خرج بخطوات هادئة، كان رجاله قد أحاطوا بشادي والرجل الآخر وسيطروا عليهما. أجبروهما على الركوع فوق الأرض، وأيديهما خلف رأسيهما.

رفع شادي رأسه بصعوبة، وظلت عيناه معلقتين بسيف وهو يقترب.. قال من بين أسنانه:
"اللي بتعمله ده يا سيف مهعدهوش بالسهال... وافتكر، إنت اللي بدأت الحرب الأول."

توقفت خطوات سيف.

أخرج علبة سجائره ببطء، وسحب منها سيجارة ووضعها بين شفتيه. أشعلها، ثم أخذ نفسًا عميقًا، حتى توهج طرفها للحظة.

نفث الدخان ببطء، ولم يمنح شادي حتى نظرة واحدة.

كانت عيناه تتبعان رجاله وهم ينقلون الأسلحة من الصندوق إلى سياراتهم. بقي يراقبهم حتى تأكد أن كل شيء يسير كما يريد، ثم أدار وجهه أخيرًا نحو شادي والرجل الآخر.

أخذ نفسًا آخر من سيجارته، ثم بدأ يقترب منهما... خطوة... ثم أخرى... حتى وقف أمامهما.

انحنى ببطء، حتى أصبح وجهه في مستواهما، ثم أخرج الدخان من فمه مباشرة نحوهما.

أدار الرجل الآخر وجهه بسرعة، وسعل من أثر الدخان، بينما ظل شادي يحدق في سيف، ولم يتحرك سوى فكه الذي انقبض للحظة.

استقام سيف في وقفته، وألقى السيجارة بين أصابعه للحظة قبل أن يقول بنبرة هادئة :
"أولًا، الحرب دي إنت اللي بدأتها معايا يا شادي... ثانيًا، أنا باخد حقي. كده يبقى فلوسك معاك وبضاعتي معايا... يبقى خالصين."

التفت الرجل الآخر إليه، وارتفع صوته رغماً عنه:
"طيب وأنا ذنبي إيه بالحرب اللي بينكم دي؟"

ثبت سيف عينيه عليه... لم يجب فورًا.. ترك الصمت يمر بينهما لثوانٍ، بينما راحت عيناه تتفحصان وجه الرجل قبل أن يقول بحدة جعلته يتراجع قليلًا:
"عشان حطيت إيدك في إيده يا عين أمك."

فتح الرجل فمه، ثم أغلقه للحظة، قبل أن يقول وقد ازدادت سرعة أنفاسه:
"وأنا أعرف منين إن في بينكم عداوة؟"

رفع سيف السيجارة إلى فمه واستنشق منها نفسًا آخر، ثم أنزلها ببطء، وقال دون أن يبعد عينيه عنه:
"عشان المرة الجاية لما تتفق مع حد، تدور وراه... ليه عداوة معايا ولا لأ."

خرج صوت شادي من خلفه فجأة، أعلى وأشد:
"هدفعك تمن اللي إنت عملته ده غالي أوي!"

ما إن انتهت الجملة حتى اندفع أحد رجال سيف نحوه.. قبض الرجل على شادي ووجّه إليه ضربة عنيفة.

مال جسد شادي إلى الجانب من قوة الضربة، ثم فقد توازنه وسقط على الأرض. ارتطم فمه بها، وسال الدم من بين شفتيه.

رفع رأسه ببطء، ومسح الدم بطرف لسانه، ثم بصق إلى جواره، قبل أن يعيد عينيه إلى سيف.

أما سيف، فألقى سيجارته على الأرض... نظر إليها لحظة، ثم رفع قدمه وسحقها تحت حذائه حتى انطفأت تمامًا.

رفع رأسه من جديد.

كانت عيناه تنتقلان بين الرجلين للحظات، ثم أدخل يده في جيبه وأخرج سلاحه.

تجمد الرجل الآخر.. انخفضت عيناه إلى السلاح، ثم ارتفعتا إلى وجه سيف. ابتلع ريقه، وبقي فمه مفتوحًا قليلًا كأنه يريد أن يتحدث، لكن الكلمات لم تخرج.

رفع سيف سلاحه.. وفي اللحظة التالية—

دوّت عدة طلقات متتالية.

أغمض الرجل الآخر عينيه فورًا، وانكمش جسده دون إرادة منه، بينما أطبق شادي جفنيه، وانتظر أن تخترق الرصاصات جسده.

لكن...لم تأتِ الضربة... توقفت الطلقات.

فتح الرجل عينيه ببطء، ثم أخذ يتفقد جسده بارتباك، كأنه يبحث عن موضع الإصابة.

لم يجد شيئًا.. رفع رأسه نحو سيف، ثم التفت خلفه.. وفجأة فهم.

السيارات.. كانت الطلقات قد استقرت في عجلات سياراتهم جميعًا.

العجلات مثقوبة، والسيارات لم تعد قادرة على التحرك.

رفع سيف حاجبه، ومال فمه إلى ابتسامة ساخرة، ثم قال:
"ارجعوا البيت مشي بقا... تعرفوا الطريق ولا هتوهوا؟"

ظل شادي يحدق فيه دون كلمة.. ارتفعت يده إلى فمه، ومسح الدم الذي ما زال عالقًا عند طرف شفتيه، ثم أنزلها ببطء، بينما بقيت عيناه تلاحقان سيف.

أما سيف، فاكتفى بنظرة أخيرة حملت سخرية واضحة، ثم استدار دون أن ينتظر ردًا.

اتجه إلى سيارته، ففتح له أحد حراسه الباب. صعد إليها، وأُغلق الباب خلفه.. انطلقت السيارة.

وبعدها مباشرة تحركت سيارات حراسه خلفه، واحدة تلو الأخرى، حتى ابتعدت أضواؤها شيئًا فشيئًا واختفت في ظلمة الطريق.

بقي شادي والرجل الآخر راكعين في مكانهما.. رفع الرجل عينيه ببطء نحو السيارات المتوقفة، ثم نظر إلى شادي.

تبع شادي نظرته... السيارات أمامهما... العجلات ممزقة... والطريق من حولهما خالٍ تمامًا.

ظل الاثنان ينظران إلى السيارات في صمت، وكأن السؤال نفسه علق بينهما دون أن يحتاج أحدهما إلى طرحه:
كيف سيخرجان من هذا المكان؟

                    ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

توقفت سيارة ميرال أمام بوابة المدافن، وانطفأ صوت محركها تدريجيًا حتى . 

فتحت باب السيارة ونزلت منها. كانت ترتدي ملابس سوداء بالكامل، وتخفي عينيها خلف نظارة سوداء. 

أغلقت باب السيارة، ثم وقفت للحظات أمام المدخل.كان هذا مدخل مدافن عائلة الراوي...«عائلة فارس» 

رفعت يدها إلى النظارة، وعدّلتها قليلًا فوق عينيها، ثم دفعت باب المدافن ودخلت.

كانت خطواتها بطيئة، مترددة للحظة، ثم استقرت شيئًا فشيئًا، توقفت أمام أحد القبور.

أنزلت عينيها إليه، وبقيت واقفة دون حركة.

كانت هناك لحظات لا يحتاج فيها الإنسان إلى الكلام؛ يكفي أن يقف أمام المكان الذي يرقد فيه شخص كان يومًا جزءًا من حياته، حتى تتكلم الذكريات وحدها.

مدّت يدها ببطء، وخلعت نظارتها السوداء.. ظهرت عيناها وقد احتشدت فيهما دموع لم تسمح لها بالسقوط بعد.

ظلّت تحدق في القبر، ثم ارتجفت شفتاها قليلًا وهي تقول بصوت خافت، لكنه مشبع بوعد لم تتراجع عنه:
"أنا لسه عند وعدي ليك يا بابا... هدفعهم كلهم تمن اللي عملوه غالي أوي... خصوصًا فارس. هحرق قلبه أكتر وأكتر، زي ما قلبي بيتحرق على فراقك دلوقتي."

توقفت الكلمات عند آخر جملة... ارتعشت أنفاسها، وانخفض بصرها إلى الأرض للحظة، بينما تجمعت الدموع في عينيها حتى أثقلت جفنيها.

مدّت يدها إلى وجهها، وكأنها تحاول منع نفسها من البكاء، لكن دمعة واحدة أفلتت وانزلقت على خدها.

أخذت نفسًا مرتجفًا، ثم جثت على ركبتيها أمام القبر.. كانت تحمل باقة من الورد بين يديها.

وضعتها برفق أمام القبر، ثم أبقت يدها فوقها للحظات، رفعت عينيها مرة أخرى إلى شاهدة القبر.

كان الاسم محفورًا عليها بوضوح:
هاني عبد العزيز يوسف

ثبتت ميرال عينيها على الاسم، وسكتت.. وفي عينيها، اجتمع الاشتياق الذي لم يهدأ منذ رحيله... والوعد الذي جاءت إلى هنا لتجدّد عهده..... 
تعليقات



<>