رواية جعلتني مجرما الفصل الخامس والثلاثون35 والسادس والثلاثون36 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل الخامس والثلاثون35 والسادس والثلاثون36 بقلم دينا عبد الله
كانت ياسمين جالسة في مكانها، لكن جسدها كان ساكنًا على عكس عقلها الذي لم يهدأ منذ أن رأت تلك الصور والرسائل.
ظل هاتفها بين يديها، وشاشة المحادثة لا تزال أمام عينيها، بينما راحت أصابعها تتحرك فوق حافته بتوتر دون أن تشعر. كانت تعيد في رأسها كل كلمة قرأتها، وكل صورة ظهرت أمامها، وتحاول أن تجد تفسيرًا منطقيًا يبدد ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في صدرها.

رفعت عينيها بين الحين والآخر نحو الباب، ثم عادت وخفضتهما سريعًا.

أما مريم، فكانت تجلس على طرف مقعدها ولا تكاد تستقر في مكانها. ظلت عيناها معلقتين بالباب، وكلما سمعت صوتًا في الخارج انتفضت برأسها نحوه، ظنًّا منها أنهم عادوا.

وبجوارها كانت نادين تنظر إلى ساعتها كل دقيقة تقريبًا، ثم ترفع عينيها نحو الباب بقلق، قبل أن تعود وتتفقد الساعة من جديد.

أما شمس، فكانت جالسة بهدوء ظاهري، وقد ضمت يديها إلى بعضهما في حجرها. كانت تتابع ما يدور حولها بصمت، لكن شيئًا واحدًا كان يريحها وسط كل هذا الاضطراب.

ما حدث لخديجة جعل الجميع ينشغل عنها... الأنظار ابتعدت عنها، و نجت مؤقتًا من الأسئلة التي كانت تخشاها.

لم تكن سعيدة بما حدث لخديجة، لكنها لم تستطع إنكار شعورها بالارتياح لأن الجميع أصبح منشغلًا بشيء آخر.

مرت دقائق ثقيلة...ثم انفتح الباب فجأة.

رفعت مريم رأسها بسرعة، ونهضت نادين من مكانها، بينما وقفت ياسمين هي الأخرى دون تفكير.

دخل فارس أولًا، وخلفه سيف.

وما إن رأتهما النساء حتى اندفعن نحوهما على عجل، تبحث أعينهن عن إجابة قبل أن ينطق أحدهما بكلمة.

لكن نور دخل خلفهما في اللحظة التالية.. فتوقفت الأنفاس للحظة.

كان يحمل خديجة بين ذراعيه... جسدها ساكن تمامًا، ورأسها مستند إلى صدره، بينما غطا نقابها وجهها كما اعتادت دائمًا. لم تكن قد استعادت وعيها بعد، وكان نور يضمها إليه بحذر شديد. 

اقتربت نادين منه بسرعة، وارتجفت شفتاها وهي تنظر إلى ابنتها.

مدت يدها نحوها، لكنها توقفت قبل أن تلمسها، قالت بلهفة اختلطت بالخوف:
"هي ليه لحد دلوقتي مفاقتش ليه؟"

تنهد سيف، ومرر يده على وجهه بإرهاق، ثم أجاب بصوت خافت أثقلته الساعات الماضية:
"من تأثير الصدمة، لكن حالتها كويسة."

أغمضت نادين عينيها للحظة، وزفرت براحة صغيرة، ثم عادت تنظر إلى ابنتها، وكأنها لا تزال بحاجة إلى أن تتأكد بنفسها من أنها بخير.

تقدمت مريم خطوة، وعقدت حاجبيها بتفكير، ثم قالت:
"طالما لسه مصحيتش، خرجتوها من المستشفى ليه؟ مش الأحسن كانت تفضل هناك لحد ما تفوق؟"

التفت فارس إليها.

كان وجهه مرهقًا، وعيناه تحملان آثار القلق والتعب، لكنه حاول أن يتحدث بهدوء حتى لا يزيد خوفها.. قال:
"نور رفض يخليها هناك، لكن حالتها الصحية كويسة، ولو في أي حاجة هنبلغ الدكتور على طول."

أومأت مريم ببطء، لكنها لم تبدُ مقتنعة تمامًا، وظلت عيناها تتبعان خديجة بقلق.

اقتربت ياسمين منها.. تأملت وجهها المغطى بالنقاب، ثم مدت يدها ولمست ذراعها برفق، وامتلأت عيناها بالدموع.. قالت بحزن أمومي:
"يا حبيبتي يا بنتي... استحملتي قد إيه."

ثم رفعت عينيها نحو الآخرين.. قائلة: 
"معرفتوش مين اللي عملها لحد دلوقتي؟"

تبادل الجميع النظرات.. ساد الصمت للحظات.. ثم هزوا رؤوسهم بالنفي.

أما نور فلم يتحدث.. لم يشاركهم الحديث من الأساس.

ظل صامتًا، وعيناه منخفضتان نحو خديجة، ثم تحرك.

صعد الدرج بخطوات هادئة، لكنه كان يضم خديجة إلى صدره بحرص شديد، حتى وصل إلى غرفته... فتح الباب، ودخل... ثم أغلقه خلفه بهدوء.

ظل سيف واقفًا للحظات ينظر إلى الباب الذي اختفى خلفه نور، ثم تنهد بتعب.

اقترب من زوجته وابنته، وأشار لهما أن يذهبا معه.. وبعد دقائق غادروا.

أما فارس، فظل واقفًا مكانه لحظات، قبل أن يشعر فجأة بثقل جسده كله.. كان قد تماسك طوال الوقت.

ظل قويًا أمام الجميع، يخفي ألمه خلف ملامح ثابتة وصوت متزن، لكن ما إن هدأت الأمور قليلًا حتى بدأ الإرهاق ينهش ما تبقى من قوته.

صعد إلى غرفته بخطوات أثقل من المعتاد.. أما مريم، فاتجهت هي الأخرى إلى غرفتها.

وبقيت ياسمين وحدها.. ظلت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بباب غرفة فارس.. لكنها لم تكن تفكر في خديجة الآن.. كانت الصور لا تزال تطاردها.. تلك اليد التي رأتها تمسك بيد فارس...وتلك الابتسامة...والرسالة التي وصلت إليها.

وضعت يدها على صدرها محاولة تهدئة قلبها، ثم ابتلعت غصة مؤلمة واستدارت.. دخلت غرفة فارس.كان قد دخل الحمام وأغلق الباب خلفه.

توقفت ياسمين عند الباب للحظات.. سمعت صوت الماء من الداخل.. ثم وقعت عيناها على هاتف فارس الموضوع فوق الفراش.

ثبتت نظراتها عليه.. ترددت.. نظرت إلى باب الحمام مرة أخرى.

ثم عادت تنظر إلى الهاتف.. كان عقلها يطلب منها ألا تفعل.. لكن قلبها كان يريد إجابة واحدة فقط.

تقدمت بخطوات بطيئة.. مدت يدها نحو الهاتف، وتوقفت أصابعها فوقه لثانية، ثم أخذته.. جلست على طرف الفراش، وأخذت نفسًا عميقًا.

تذكرت الرقم الذي أرسله إليها ذلك الشخص.. بدأت تكتبه في هاتف فارس.

كانت عيناها تتحركان بين الأرقام والشاشة، وقلبها يخفق بعنف مع كل رقم تضغط عليه.

وما إن ظهر الاسم حتى تجمدت أصابعها... اتسعت عيناها.. حدقت في الشاشة وكأنها لا تصدق ما تراه.

الرقم مسجل بالفعل.. لكن ليس باسم امرأة.. بل باسم...آدم.

ارتعشت أصابعها.. رفعت الهاتف أمام عينيها أكثر، وكأن قرب الشاشة سيجعل الاسم يتغير.. لكن لم يتغير شيء.

ابتلعت ريقها بصعوبة.
لماذا كان الرقم موجودًا في هاتف فارس؟
ومن هي صاحبة الرقم أصلًا؟

ترددت للحظات، ثم ضغطت على زر الاتصال.. وضعت الهاتف على أذنها.

توقفت أنفاسها تقريبًا... كان صوت الرنين يصلها، بينما راحت أصابع يدها الأخرى تتشبث بطرف ملابسها بعصبية.

قلبها يخفق بعنف.. كانت تريد أن تعرف الحقيقة...وفي الوقت نفسه كانت تخشاها.

ثم جاء الرد... ارتجفت ياسمين.. وسمعت صوتًا أنثويًا من الطرف الآخر:
"ألو..."

اتسعت عيناها أكثر.. تجمد الدم في عروقها... لم تستطع حتى أن تتنفس..

أغلقت المكالمة فورًا، وأنزلت الهاتف عن أذنها بيد مرتعشة.

وفي اللحظة نفسها انهمرت دموعها.. هزت رأسها بعنف: 
"لا..."

خرجت الكلمة من بين شفتيها كأنها رجاء.

ارتجفت شفتاها، وبدأت دموعها تنساب على خديها بلا توقف.

فارس؟
الرجل الذي وثقت به طوال عمرها؟
الرجل الذي كانت واثقة من حبه لها؟

هزت رأسها مرة أخرى، وكأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها: 
"لا... مستحيل."

وضعت يدها على فمها تكتم شهقتها.

كان عقلها يصرخ بأن ما رأته لا يمكن أن يكون حقيقيًا.. فارس مستحيل أن يخونها.. لا...هو لا يفعل ذلك.

لكن الهاتف ظل في يدها.. والرقم الذي اتصلت به...والصوت الذي أجابها...كلها أشياء حقيقية.

خفضت عينيها ببطء إلى الهاتف، بينما كانت دموعها تتساقط فوق الشاشة... 

وضع نور خديجة على الفراش بحذر شديد، وكأنه يخشى أن تؤلمها حركة واحدة، ثم سحب الغطاء فوق جسدها حتى غطاها بهدوء.

ظل واقفًا بجوارها للحظات، وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب.

ثم مد يده إلى نقابها، وتردد للحظة قبل أن يخلعه عنها حتى تتمكن من التنفس بصورة أسهل. وضعه بعناية على الكومود إلى جوار الفراش، ثم عاد ببصره إليها.

كانت ساكنة تمامًا... لا حركة.. لا صوت.

ولا شيء يخبره بأنها ستفتح عينيها في اللحظة التالية كما يتمنى.

ظل يراقبها بصمت،. مرت لحظات أخرى...لكن خديجة لم تستيقظ.

خرجت من صدره تنهيدة طويلة مثقلة بالتعب، ثم ابتعد عن الفراش واتجه نحو الخزانة.

وقف أمام مرآتها، وانعكست صورته أمامه؛ بدلة أنيقة يرتديها استعدادًا ليوم زفافه الذي تحول في ساعات قليلة إلى كابوس لم يتخيل أن يعيشه.

ثبت نظره على نفسه للحظات.. ثم تذكر ميرال.

تذكرها وهي تتحدث بحماس عن ذلك اليوم، وكيف كانت تخبره بأنها هي من ستصمم بدلة فرحهما معًا، وكم كانت سعيدة وهي تتخيل نفسها إلى جواره.

انخفضت عيناه قليلًا.. مد يده إلى جيبه وأخرج الأسورة.. ظل يمسكها بين أصابعه، يقلبها ببطء، وعيناه مثبتتان عليها بشرود.

حتى الآن.... لم يستوعب تمامًا أنها وصلت بها الأمور إلى هذا الحد.

كيف استطاعت أن تفعل ما فعلته؟
كيف استطاعت أن تدفن خديجة حيّة؟

شد أصابعه حول الأسورة للحظات، ثم ألقاها على الفراش خلفه دون اهتمام.

أطرق رأسه، ومرر يده على وجهه بتعب، ثم فتح باب الخزانة وأخرج ملابسه ومنشفة.

دخل الحمام وأغلق الباب خلفه.. بعد دقائق، خرج نور من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة.

كانت خطواته هادئة، بينما راحت قطرات الماء تتساقط من أطراف شعره على جبينه.

وقف أمام المرآة، وأمسك المشط وبدأ بتصفيف شعره.. رفع عينيه إلى انعكاسه في المرآة للحظات.. ثم تحرك المشط مرة أخرى بين خصلات شعره...لكن يده توقفت فجأة.

تغيرت ملامحه.. لمح في انعكاس المرآة حركة بسيطة على الفراش.

استدار فورًا.. كانت ملامح خديجة تتحرك ببطء، وحاجباها ينقبضان كما لو أنها تحاول العودة إلى وعيها وسط ألم شديد.

ترك المشط من يده دون تفكير.. واندفع نحوها.

جلس بجوارها على الفور، وانحنى قليلًا نحوها، وعيناه تراقبان وجهها بلهفة.

وبعد لحظات، تحركت جفونها.. فتحت خديجة عينيها ببطء شديد.

خرج منها تأوه خافت، وارتسم الألم على ملامحها وهي تحاول تحريك جسدها.

كانت تشعر بوجع في أنحاء جسدها، خصوصًا مواضع الحبال التي ظلت تقيدها لفترة طويلة، حتى بدا مجرد تحريك ذراعها مؤلمًا.

وبمجرد أن اكتملت رؤيتها.... كان أول وجه وقعت عليه عيناها هو وجه نور.

توقفت أنفاسه للحظة.. وظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة خرجت منه تلقائيًا، دون أن يقصدها، لمجرد رؤيته عينيها مفتوحتين أمامه.

ظل ينظر إليها بارتياح ممزوج بالخوف.. أما هي، فظلت تحدق فيه طويلًا.

لم تقل شيئًا.. لم تتحرك.. فقط كانت عيناها تنتقلان بين ملامحه وكأن عقلها لم يستوعب بعد ما تراه.

ثم بدأت تنظر حولها ببطء.. الجدران...الغرفة...الفراش الذي تستلقي عليه...كل شيء مختلف.

رفعت نفسها فجأة بفزع، وكأنها تذكرت شيئًا مخيفًا، وتراجعت بجسدها إلى الخلف.

اتسعت عيناها.. نظرت إلى نور.. ثم إلى يديها.

رفعت إحداهما أمام عينيها، وراحت تحدق فيها وسط دموعها المتساقطة.

كانت حية... هي حية... لم تمت.. لم تبقَ داخل ذلك الصندوق حتى النهاية.

أخذت نفسًا مرتجفًا، وراحت عيناها تتحركان في المكان برعب.. لكن عقلها لم يستطع تجاوز ما حدث.. كان كل شيء لا يزال حاضرًا بداخلها.... ظلام الصندوق... ضيق المكان... صوت المسامير وهي تُدق فوق رأسها... التراب وهو يعلو فوقها... صرخاتها التي لم يسمعها أحد.

إحساسها بأنها ستموت هناك وحيدة، دون أن يصل إليها أحد.

كانت لا تزال تشعر وكأنها عالقة في ذلك الصندوق، رغم أنها خرجت منه بالفعل.

اختفت الابتسامة من وجه نور تدريجيًا حين رأى الرعب في عينيها.

حل الحزن محلها، وظهر الندم واضحًا في نظراته... مد يده نحوها بحذر، لكنه توقف قبل أن يلمسها.

ظل كفه معلقًا في الهواء للحظة، ثم أنزله ببطء، وكأنه أدرك أنها قد تخاف من أي حركة مفاجئة.

قال بصوت هادئ، محاولًا أن يمنحها شعورًا بالأمان:
"متخافيش، انتي بخير دلوقتي... مفيش أي حاجة."

رفعت خديجة عينيها إليه... كانت دموعها تنساب بصمت على خديها، وشفتاها ترتجفان وهي تحاول استيعاب كلماته.. ثم خرج صوتها منخفضًا ومرتجفًا:
"أنا عايشة... أنا لسه عايشة؟ ممتش؟"

شعر نور بغصة حادة تعتصر قلبه.. تألم لسماعها تتحدث عن موتها بهذه الطريقة، وكأنها حتى الآن غير مصدقة أنها نجت.

حاول أن يرسم ابتسامة مطمئنة على وجهه رغم الألم الذي انعكس في عينيه، وقال لها بهدوء:
"أيوه، انتي عايشة... وانتي في بيتي وفي أوضتي دلوقتي. متخافيش من حاجة، أنا جنبك."

حدقت فيه خديجة للحظات... ثم هزت رأسها ببطء، محاولة أن تصدق كلماته... أن تقنع نفسها أنها ليست داخل الصندوق مرة أخرى...وأنها بالفعل خرجت منه.. وأنها ما زالت حية.

وأن الشخص الجالس أمامها حقيقي، وليس مجرد وهم صنعه عقلها وهي تنتظر الموت... لكن فجأة بدأت أنفاسها تضطرب.

ارتفع صدرها وهبط بسرعة، وحاولت أن تلتقط الهواء، إلا أن أنفاسها خرجت متقطعة ومتلاحقة.

وضعت يدها على صدرها، وراحت تحاول التنفس بصورة أعمق، لكن الخوف كان لا يزال يخنقها.

نظر نور إليها بقلق، وانحنى نحوها قليلًا... أما هي فقالت وسط شهقاتها المتقطعة، بصوت خافت أنهكه الخوف:
"مش قادرة أتنفس كويس."

نظر نور إليها بقلق شديد، وما إن لمح اضطراب أنفاسها حتى نهض من مكانه على الفور، واتجه نحو النافذة بخطوات سريعة. فتحها، ثم فتح باب الشرفة، تاركًا للهواء طريقًا إلى الغرفة، والتفت إليها من جديد يتابعها بعينيه. 

حاولت خديجة النهوض، مستندة إلى الفراش بيد مرتجفة، ثم تحركت بضع خطوات باتجاه النافذة بحثًا عن الهواء. إلا أن ساقيها خانتاها فجأة؛ ارتعشت قدماها تحت جسدها، واختل توازنها، وسقطت على الأرض.

اندفع نور إليها دون تردد، وجثا على ركبته إلى جوارها، ومد يده إليها وأمسك يدها المرتجفة بين كفيه، وقد ارتسم القلق بوضوح على ملامحه، وانخفض صوته وهو يقول بحزن:
"إنتِ كويسة؟... أجيبلك الدكتور طيب؟"

رفعت خديجة عينيها إليه، وظلت تحدق في وجهه للحظات وكأنها تحاول التأكد من أنه حقيقي، لا مجرد صورة رسمها عقلها في لحظاتها الأخيرة داخل ذلك الصندوق.

كانت قد ظنت أنها لن تراه مرة أخرى... ظنت أن الظلام سيبتلعها ولن تخرج منه أبدًا... وفجأة انهارت.

ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها بغزارة، ثم خرجت شهقاتها متتابعة وهي عاجزة عن السيطرة على نفسها. كان الخوف الذي عاشته ما يزال عالقًا في جسدها، وكلما تذكرت جدران الصندوق الخشبي من حولها، وشعورها بالاختناق، عاد الرعب ليطبق على صدرها من جديد.

ظل نور ينظر إليها بحزن شديد، وقد بدا عليه العجز للحظات. لم يعرف ماذا يفعل؛ هل ينادي ياسمين؟ أم مريم؟ هل يتركها تبكي حتى تهدأ؟ أم يحاول أن يطمئنها بنفسه؟

مد يده نحوها، لكنه توقف قبل أن يلمسها، ثم وضع يده أخيرًا على كتفها برفق، وقال بنبرة هادئة يحاول أن يمنحها شيئًا من الأمان:
"اهدي... والله مفيش حاجة. إحنا عرفنا مكانك وخرجناكي من هناك... اهدي."

كانت خديجة تنظر إليه بعينين غارقتين في الدموع، وأنفاسها تتقطع مع شهقاتها. كانت قد دُفنت حيّة... وهذا الشعور وحده كان كافيًا ليعيد الرعب إلى قلبها كلما حاولت استيعاب ما حدث.

ربت نور على كتفها برفق، إلا أن بكاءها لم يهدأ.

اقترب منها أكثر، مترددًا للحظات، ثم لم يجد أمامه سوى أن يجذبها إليه ويحيطها بذراعيه، وقال بصوت خافت:
"متخافيش... أنا جنبك."

اتسعت حدقتا خديجة عندما وجدت نفسها بين ذراعيه، وكأنها لم تتوقع منه تلك الخطوة. بقيت ساكنة لثوانٍ، ثم لم تحاول إبعاده؛ كانت في تلك اللحظة بحاجة فعلًا إلى حضن تشعر داخله بالأمان.

أسندت وجهها إلى كتفه، وما إن شعرت بدفء وجوده حتى ازداد انهيارها، وانهمرت دموعها على كتفه، بينما رفع نور يده وربت على ظهرها برفق، حركةً تلو الأخرى، محاولًا تهدئتها دون أن يزيد من ارتباكها.

بقيا على ذلك الحال فترة من الوقت، حتى بدأت شهقاتها تهدأ تدريجيًا، واستقرت أنفاسها شيئًا فشيئًا، وشعرت أخيرًا بأن جسدها لم يعد يرتجف كما كان.

وحين شعر نور بأن توترها قد خف، أبعدها عنه بهدوء، وظل ينظر إلى وجهها للحظات يتأكد من أنها أصبحت أفضل، ثم سألها:
"حاسّة نفسك أحسن دلوقتي؟"

مسحت خديجة دموعها بظهر يدها، وهزت رأسها بصمت.. ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، وقال بنبرة هادئة:
"طيب قومي خدي دش وغيري هدومك، وحاولي ترتاحي شوية."

أومأت له بهدوء. كانت بالفعل تحتاج إلى الاستحمام بماء ساخن، لعل ذلك يخفف شيئًا من الألم المنتشر في جسدها.

وضعت يدها على الفراش واستندت إليه، ثم بدأت تنهض ببطء. مد نور يده ليساعدها، لكنها هزت رأسها بالنفي، وأشارت له بأنها تستطيع فعل ذلك وحدها.

أبعد يده عنها دون إصرار.

تحركت خديجة بخطوات بطيئة، وما زالت آثار التعب والدوار واضحة على حركتها، بينما راحت عيناها تبحثان في الخزانة بحيرة، لا تعرف أيًّا من أبوابها يحتوي على ملابسها.

لاحظ نور حيرتها، فتقدم نحو الخزانة وفتح لها بابها.

نظرت إليه للحظة، ثم اقتربت، وأسندت يدها على الخزانة حتى تثبت نفسها، وأخذت ملابسها ومنشفة، ثم ابتعدت عنها.

لكن ما إن خطت خطوة حتى تعثرت قدمها، وشعرت بدوار مفاجئ جعل جسدها يميل إلى الأمام.

تحرك نور بسرعة وأمسكها قبل أن تسقط، بينما سقطت الملابس والمنشفة من يدها على الأرض.

رفعت خديجة عينيها إليه، فالتقت عيناهما مباشرة.

ساد بينهما صمت قصير.. ظلت تحدق في عينيه للحظات، ثم خفضت بصرها وابتعدت عنه بخجل وارتباك.

نظر نور إليها، ثم قال بهدوء:
"انادم على مريم أو ماما، حد يساعدك فيهم."

هزت خديجة رأسها بالنفي.. كانت ستنحني لتلتقط ملابسها، لكنه سبقها وانخفض إلى الأرض، والتقطها عنها، ثم وقف ومدها إليها.

أخذتها منه بصمت.. أشار بيده نحو الحمام دون أن يقول شيئًا، فتحركت خديجة باتجاهه بخطوات بطيئة وحذرة، ثم دخلت وأغلقت الباب خلفها.

أطلق نور زفرة طويلة مثقلة بالحزن، ثم اتجه إلى الشرفة، وأسند ذراعيه على سورها، وأغمض عينيه بإرهاق شديد، كل ما حدث خلال الساعات الماضية قد بدأ يثقل على جسده من التعب.

وفي الداخل، فتحت خديجة المياه.

وما إن لامست المياه جسدها حتى انكمشت ملامحها من الألم، وأغمضت عينيها بقوة، بينما ارتجف جسدها تحت وطأة الوجع المنتشر في أنحاء جسدها من آثار الحبال التي قيدتها طويلًا.

تسللت دموعها بصمت، واختلطت بالماء دون أن يصدر عنها صوت.

وبعد أن انتهت، ارتدت ملابسها وخرجت من الحمام، مستندة إلى الحائط بخطوات متعبة، حتى وصلت إلى الكرسي أمام المرآة وجلست عليه.

رفعت المنشفة وجففت شعرها ببطء، وكل حركة كانت تشعر بالألم الذي تركته القيود في جسدها.

أنهت تجفيف نفسها بصعوبة، ثم وضعت المنشفة أمامها وأغمضت عينيها، وقد بدا التعب واضحًا على ملامحها.

في تلك اللحظة عاد نور إلى الغرفة.

دخل وهو يطلق تنهيدة مرهقة، واتجه نحو الأريكة، وكان على وشك أن يجلس، لكنه توقف فجأة قبل أن يلامس جسده المقعد.

تجمد في مكانه.. كانت عيناه معلقتين أمامه.. للمرة الأولى... رأى خديجة بملامحها كاملة.. دون نقاب.. دون حجاب.. وللمرة الأولى رأى شعرها.

رفع جسده واستقام في وقفته ببطء، وظل ينظر إليها دون أن يشعر بنفسه، وقد انعكس على وجهه شيء من الدهشة التي لم يستطع إخفاءها.

فتحت خديجة عينيها عندما شعرت بوجوده، وحركت رأسها نحوه.. التقت عيناهما من جديد.

ظل نور ينظر إليها للحظات، عاجزًا عن إنكار كم كانت جميلة، حتى رغم الشحوب والإرهاق اللذين غطيا ملامحها.

وفي عينيه ظهرت لمعة خافتة...لمعة لم يستطع إخفاءها... 

                 ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرج فارس من الحمام وهو يمسح وجهه المرهق بالمنشفة، وكانت خطواته أبطأ من المعتاد، وقد بدت آثار التعب واضحة على ملامحه رغم محاولته إخفاءها. رفع المنشفة إلى وجهه مرة أخرى، لكنه توقف فجأة حين وقعت عيناه على ياسمين.

كانت واقفة أمامه، تحدق فيه بصدمة، ودموعها تنهمر بغزارة على خديها دون أن تحاول حتى مسحها.

تجمد فارس في مكانه، وانخفضت يده التي تمسك بالمنشفة ببطء، بينما انعقد حاجباه في حيرة، ولم يفهم للحظات سبب نظراتها إليه.

أما ياسمين، فظلت تحدق فيه بصمت، وعيناها تحملان ألف سؤال............ 
الفصل السادس والثلاثون 
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
فتحت خديجة عينيها عندما شعرت بوجوده، وحركت رأسها نحوه ببطء، لتلتقي عيناهما من جديد.

توقفت للحظات وهي تنظر إليه، بينما ظل نور واقفًا في مكانه، لا تزال عيناه معلقتين بها. لم يستطع أن ينكر كم بدت جميلة أمامه، رغم الشحوب الذي غطّى وجهها والإرهاق الذي أنهك ملامحها، ورغم آثار الخوف التي لم تفارق عينيها بعد.

ظهرت في عينيه لمعة خافتة... لمعة باغتته قبل أن يستطيع إخفاءها.

لاحظت خديجة نظراته، فارتبكت على الفور، وانخفض بصرها بعيدًا عنه، بينما أخذ قلبها يخفق بسرعة حتى شعرت بضرباته تتردد داخل صدرها. تشبثت بالمنشفة بين أصابعها، ثم رفعتها سريعًا ووضعتها فوق رأسها، تخفي بها شعرها، وأغمضت عينيها محاولة تهدئة نفسها.

وضعت يدها فوق قلبها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء، تحاول السيطرة على ذلك الاضطراب الذي لم تفهم كيف تسلل إليها بهذه السرعة.

أما نور، فانتبه أخيرًا إلى نفسه وإلى الطريقة التي كان ينظر بها إليها. رمش عدة مرات، ثم أشاح ببصره عنها بحرج، وحمحم وهو يحك مؤخرة رأسه بيده في حركة عفوية تكشف ارتباكه، قبل أن يتجه إلى الأريكة ويجلس عليها.

ظلت خديجة في مكانها، ساكنة لا تعرف ماذا تفعل أو ماذا تقول. لم تتخيل أن وجودها معه في الغرفة سيكون صعبًا إلى هذه الدرجة، خصوصًا بعد كل ما حدث لها.

ساد الصمت بينهما للحظات، حتى قطعه نور أخيرًا... رفع عينيه إليها من جديد، وكان في صوته هدوء يخفي وراءه رغبة ملحّة في معرفة الحقيقة، ثم سألها، وكأنه يمنح نفسه فرصة أخيرة لتغيير ما يدور في رأسه:
"مين اللي عمل فيكي كده... شوفتيه؟"

رفعت خديجة رأسها، ونظرت إليه مباشرة.. ولم تشعر بالمنشفة وهي تنزلق عن شعرها وتسقط من فوق رأسها.

لكنها ما إن استوعبت سؤاله، حتى تبدلت ملامحها . 

تجمعت الدموع في عينيها، وعاد الرعب إلى نظراتها كأنها تُسحب مرة أخرى إلى ذلك الصندوق المظلم. ارتجف جسدها، وانقبضت أصابعها في بعضها، ثم خرج صوتها مرتجفًا ضعيفًا:
"لو قولتلك مين... هتصدقني؟"

ظل نور ينظر إليها، والدموع قد تجمعت في عينيه هو الآخر. كان يعرف الإجابة قبل أن يسمعها، لكنه ظل يقاومها بكل ما لديه، يرفض أن يستوعب أن تكون هي.. خفض بصره للحظة، ثم رفعه إليها وقال بصوت خافت متردد:
"ميرال."

اتسعت عينا خديجة بصدمة... إذن هو يعلم.. كان يعلم أنها هي من فعلت بها ذلك!

ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها من جديد، ثم قالت بصوت مكسور:
"أنا مش عارفة أنا عملتلها إيه عشان تعمل فيا كده."

أدارت وجهها بعيدًا عنه فورًا، وكأنها لم تعد قادرة على مواجهة عينيه، وحاولت كتم شهقة بكائها وهي تمسح دموعها بيد مرتجفة.

أما نور، فأغمض عينيه للحظات، محاولًا إخفاء الألم الذي اجتاح ملامحه، ثم فتحهما من جديد ونظر إليها.

ظل صامتًا لثوانٍ، وكأن السؤال التالي أثقل عليه من أن ينطقه، لكنه قال أخيرًا:
"وافقتي تتجوزيني ليه؟"

رفعت خديجة عينيها إليه ببطء.. تجمدت نظرتها عند وجهه، وكأن سؤاله أصاب جرحًا أعمق من كل ما سبقه.

كيف يمكنه أن يسألها عن سبب موافقتها؟ ألا يعرف؟ ألم يكن يعرف بحبها له؟ أم أنه يعرف، ومع ذلك يصر على جرحها حتى بأبسط الكلمات؟

مسحت دموعها ببطء، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا، لكن الوجع كان واضحًا فيه حين أجابته:
"نفس السبب اللي خلاك إنت توافق تتجوزني."

ابتعدت عينا نور عنها، وكأن كلماتها أصابته في موضع حساس.. رفع يده إلى وجهه ومسح دمعة تسللت رغماً عنه، ثم قال بصوت خافت مليئ بالألم:
"يعني بابا قالك؟"

هزت خديجة رأسها بوجع، وانهمرت دموعها بغزارة وهي تجيبه بصوت مرتجف:
"آه... قالي على كل حاجة."

شهقت فجأة، وانكسر صوتها وهي تضيف بقهر:
"أنا خايفة... مش قادرة أتخيل الحياة من غيره هتبقى عاملة إزاي."

توقفت أنفاس نور للحظة.. عاد إلى ذاكرته حديث والده معه، وصيته التي حملها له قبل أن يرحل... ياسمين، ومريم، وخديجة.

كل كلمة قالها له عادت إلى ذهنه دفعة واحدة، حتى شعر بأن صدره يضيق من شدة الألم.. لم يستطع البقاء في مكانه أكثر.

نهض فجأة، واتجه إلى الشرفة بخطوات سريعة، بينما تساقطت دموعه على خديه دون أن يحاول إخفاءها.

وقف عند سور الشرفة، وأسند يده عليه، ثم أغمض عينيه بقوة، وكأنه يحاول أن يحبس كل ذلك الوجع داخله، بينما استقرت يده الأخرى فوق قلبه، تضغط عليه وكأنها تستطيع إيقاف الألم الذي ينهشه من الداخل.

بقيت خديجة تنظر إلى ظهره من مكانها، ودموعها لا تزال عالقة في عينيها... لم تقل شيئًا.

نهضت ببطء، وكانت خطواتها متعبة وثقيلة، واتجهت نحو الفراش. جلست عليه أولًا، ثم مدت جسدها ببطء، وجذبت الوسادة إليها واحتضنتها بقوة، ودفنت وجهها فيها، قبل أن تنهار في بكاء مكتوم يحمل كل الخوف والألم الذي عجزت عن إخراجه بالكلمات..... 

                      ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

تجمّد فارس في مكانه، وانخفضت يده التي تمسك بالمنشفة ببطء، بينما انعقد حاجباه في حيرة واضحة. ظل يحدّق في ياسمين لثوانٍ، محاولًا فهم سبب تلك النظرات التي لم يرَ مثلها في عينيها من قبل.

كانت واقفة أمامه والدموع تنساب على خديها دون توقف، وملامحها تحمل وجعًا أربكه أكثر من بكائها.

اقترب منها بخطوات مترددة، وعيناه لا تفارقان وجهها، ثم مد يده وأمسك وجهها بكفه بحنان، وقال بنبرة قلقة:
"مالك؟ بتعيطي ليه؟"

لكن ياسمين أبعدت يده عن وجهها.

توقفت أصابعه في الهواء للحظة، ونظر إلى يدها التي أبعدته باستغراب، قبل أن تعود عيناه إلى عينيها. كان الارتباك واضحًا على ملامحه، فقال بصوت أكثر قلقًا:
"في إيه؟ فهميني طيب."

مسحت ياسمين دموعها بيد مرتجفة، وحاولت أن تستجمع نفسها، لكن ارتعاش صوتها فضح ما بداخلها وهي تقول:
"إنت مخبي عني إيه يا فارس؟"

اتسعت عينا فارس فجأة، وتبدلت ملامحه في لحظة... ارتجفت نظراته نحوها، وشعر بقلبه يهبط إلى صدره.
هل عرفت شيئًا عن مرضه؟
هل أخبرها أحد؟

تسارعت الأفكار داخل رأسه، بينما ظل صامتًا للحظات، عاجزًا عن إيجاد إجابة واحدة تخرجه من هذا الموقف.

لكن ياسمين فسّرت صمته بطريقة أخرى.. حدقت فيه بشدة، وكأن صمته وحده كان إجابة تؤكد مخاوفها، ثم ارتفعت نبرتها رغمًا عنها، وانهمرت دموعها من جديد:
"رد عليا... مخبي عني إيه؟"

ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة صغيرة باهتة، ابتسامة لم تستطع إخفاء الألم الذي يعصف بداخله. حاول أن يبدو طبيعيًا، لكن صوته خرج مرتجفًا رغمًا عنه:
"مش مخبي عنك حاجة... هكون مخبي إيه يعني؟"

هزت ياسمين رأسها ببطء، ونظرتها لا تفارقه، ثم قالت بصوت موجوع:
"اسأل نفسك... مخبي عني إيه يا فارس."

صمت فارس... ظل ينظر إليها بحزن شديد، وبدأت الدموع تتجمع في عينيه من فرط الألم.
كيف يخبرها؟

كيف يخبر المرأة التي قضى معها عمره أن الأيام التي بقيت له قليلة؟

كيف يخبرها أن كل لحظة يعيشها معها الآن قد تكون من آخر أيام عمره؟

ظل يحدق بها، بينما كان قلبه يصرخ في داخله بما لم يستطع لسانه نطقه.

لاحظت ياسمين صمته من جديد، فاتسعت عيناها، وتأكد داخلها أن هناك شيئًا يخفيه عنها... قالت بصوت مرتجف:
"يبقى حقيقة... اللي عرفته عنك حقيقة يا فارس."

وانهارت في البكاء أكثر، واهتز صوتها وهي تضيف بقهر:
"رد عليا... إذا هونت عليك... إزاي هونت عليك تعمل فيها كده؟"

انقبض قلب فارس لرؤيتها بهذا الانهيار... لم يحتمل دموعها، ولا الطريقة التي كانت تنظر بها إليه.. اقترب منها خطوة، وانهمرت دموعه هو الآخر، وقال بصوت مكسور:
"طيب اهدي... هفهمك."

لكن ياسمين لم تهدأ... ارتفع صوت بكائها، وخرجت كلماتها محمّلة بالخذلان:
"تفهمني إيه؟... هتفهمني إزاي خيانتك ليا؟"

تجمّد فارس... اتسعت عيناه، وسكنت ملامحه تمامًا، وكأن الكلمة التي سمعها لم يستوعبها عقلُه... خيانة؟.. هل سمعها حقًا؟

ظل يحدق فيها بصمت، غير قادر حتى على استيعاب كيف يمكن أن تتهمه ياسمين بالخيانة بعد كل هذه السنوات.

فتح فمه ليتحدث، لكن ياسمين سبقته، وانفجرت في بكاء وهي تقول:
"إزاي قدرت تعمل كده؟... قولي إزاي؟"

ظل واقفًا أمامها، لا يزال تحت وقع الصدمة، وكأن عقله يبحث عن تفسير لما يحدث... هز رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه ملامح عدم الفهم، ثم قال بصوت خافت :
"أنا مش فاهم... إنتِ تقصدي إيه؟"

فتحت ياسمين هاتفها بسرعة، وأعادت فتح الصور التي كانت قد التقطتها عينها عشرات المرات. ارتجفت أصابعها وهي ترفع الهاتف أمام فارس، ثم ثبتت عينيها على وجهه، والدموع تنساب على خديها دون توقف، بينما خرج صوتها مخنوقًا بالخذلان:
 "مين اللي معاك دي هاا.. وكمان مسجل رقمها على تليفونك باسم راجل عشان معرفهاش؟" 

تجمدت ملامح فارس للحظة، واتسعت عيناه وهو يحدق في الصور المعروضة أمامه. انتقل بصره بين وجه أميرة في الصورة وبين ياسمين الواقفة أمامه. رفع عينيه إليها، وصوته خرج مشوشًا من شدة المفاجأة:
 "إنتِ جبتي الصور دي منين؟" 

هزت ياسمين رأسها ببطء، وكأن سؤاله كان آخر شيء تتوقع سماعه منه. انكسرت ملامحها أكثر، وانهمرت دموعها بغزارة، ثم رفعت يدها تمسحها بعنف دون جدوى: 
"هو دا كل اللي فارقلك؟ جبت الصور منين؟" 

سكتت لحظة، وارتجفت شفتاها قبل أن تنفجر في وجهه بصوت مرتفع، يحمل وجعًا أكبر من غضبها:
"بتخوني أنا يا فارس... أنا طيب ليه؟!" 

كانت الكلمات أشبه بطعنة اخترقت صدره.. لم تكن صدمته من الصور وحدها... بل من شكها فيه.... ياسمين تشك في حبه لها!

كيف استطاعت أن تصدق، ولو للحظة، أنه يمكن أن يخونها؟ كيف لم تثق به إلى هذه الدرجة؟ ألم تكن تعرفه طوال كل تلك السنوات؟ ألم تعرف أنه لم يعشق امرأة سواها، وأن عينيه لم تريا غيرها منذ أن أحبها؟

كانت هي أول امرأة سكنت قلبه... وأول امرأة عرف معها معنى الحب، وستظل آخر امرأة يعشقها حتى آخر نفس في حياته.

فكيف استطاعت أن تنظر إليه وتتهمه بالخيانة؟

ابتلع فارس غصة مؤلمة، وشعر بأن صدره يضيق شيئًا فشيئًا. رفع يده إلى قلبه وضغط عليه بقوة، وانقبض وجهه فجأة من شدة الألم، بينما ارتجفت أنفاسه وتراجع جسده خطوة إلى الخلف.

كان يشعر وكأن سكاكين حادة تمزق قلبه من الداخل.

حاول أن يثبت قدميه، لكن الأرض بدأت تدور من تحته، وتشوش بصره للحظات، واختل توازنه بشكل واضح.

انتبهت ياسمين إلى تغير ملامحه، فاتسعت عيناها بفزع، وألقت الهاتف فوق الفراش دون تفكير، ثم اندفعت نحوه وأمسكت يده بكلتا يديها: 
"فارس... مالك؟! إنت كويس؟" 

لكن فارس لم يجبها... كان ينظر إليها، إلا أن ملامحها أمام عينيه أصبحت ضبابية. وصل صوتها إلى أذنيه مكتومًا، وكأنه يأتيه من مكان بعيد، بعيد جدًا.

حاول أن يركز في صوتها، وحاول تحريك شفتيه ليجيبها، لكن جسده لم يعد يطيعه.

وفجأة... تراخت ساقاه وسقط جسده على الأرض.

صرخت ياسمين بفزع، وهوت على ركبتيها بجواره، ثم أسرعت بإسناد رأسه بين ذراعيها، وراحت تربت على وجهه بكف مرتجف، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة.

خرج اسمه من بين شفتيها مرتعشًا:
"فارس!" 

فتح فارس عينيه بصعوبة، وحدق فيها.

كانت تحاول أن تتحدث إليه، لكنه لم يعد قادرًا على سماع شيء بوضوح. ظل ينظر إلى وجهها فقط، وكأن كل ما حوله اختفى ولم يبقَ أمامه سوى هي.

حاول تحريك شفتيه لينطق بأي كلمة، إلا أن صوته لم يخرج.

تجمعت الدموع في عينيه، ثم انحدرت إحداها ببطء على خده، بينما ظل يتأمل ملامح ياسمين طويلًا... وكأنه يحاول أن يحفظ وجهها في ذاكرته، وكأنه يراها للمرة الأخيرة.

انهارت ياسمين أكثر، وضمته إلى صدرها بقوة، ودفنت وجهها بالقرب منه وهي تبكي بانهيار.

ثم رفعت رأسها فجأة نحو باب الغرفة، وصاحت بأعلى صوتها، وقد اختلطت شهقاتها بالصراخ:
"نــور... نــــور الحقني! يا مريــم! حد فيكم سامعني؟!" 

عادت ببصرها إليه بسرعة... كان قد أغمض عينيه من جديد.

ارتجفت ياسمين، وشعرت بالخوف ينهش قلبها، فهزت رأسه برفق، وراحت تربت على خده محاولة إيقاظه، بينما خرج صوتها من بين شهقاتها مكسورًا:
"فارس... فارس قوم عشان خاطري..." 

                        ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان معتز يجلس على المقعد المقابل لنسرين، وقد أسند ظهره إلى مسنده في هدوء متعمد، بينما كانت هي تجلس أمامه مقيدة بالحبال إلى المقعد، تحاول قدر استطاعتها ألا تظهر خوفها رغم ارتجاف أصابعها ونظراتها القلقة التي لم تفارق وجهه.

ظل معتز يتأملها للحظات، ثم مال برأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يقول بتهكم:
"تعرفي يا بقرة إنتِ... أنا لو سافل زي أخوكي وبهيم زيه، كنت عملت فيكي إيه؟" 

انكمشت ملامح نسرين، وابتلعت ريقها بصعوبة، بينما ظلت عيناها معلقتين به في خوف وحذر.

صمت معتز لحظة، ثم مال إلى الأمام قليلًا، وأسند مرفقيه على ركبتيه، وأكمل بنبرة تحمل سخرية واضحة:
"أول حاجة كنت هسيبك تموتي من الجوع... بس أنا معملتش معاكي كدا، عشان لو كنت عملت، زمانك دلوقتي جتتك عفنة" 

ثم عاد بظهره إلى المقعد، وأطلق زفرة قصيرة قبل أن يضيف بضيق، وقد اختفت السخرية من عينيه للحظة:
"بس أنا مش زيه... عشان أنا مش باخد حقي من حريم، حقي باخده من راجل لراجل." 

ظلت نسرين تنظر إليه للحظات، تحاول فهم ما يريده منها، قبل أن تتردد قليلًا ثم تسأله بصوت خافت مرتجف:
"طيب إنت حابسني هنا ليه؟ روح خد حقك منه... سايبني هنا ليه؟»

ارتفعت إحدى حاجبي معتز، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة متهكمة، وأمال رأسه قليلًا وهو يجيبها:
" أشوف غلاوتك عنده... بس الواضح كدا إنك مش فارقة معاه."

تجمدت نظرات نسرين، وبدأ القلق يتسلل إلى ملامحها أكثر... لاحظ معتز صمتها، فثبت عينيه عليها وأردف بنبرة قاطعة:
"إنتِ عارفة ليه؟" 

لم تجبه، واكتفت بالنظر إليه في صمت، فمال إلى الأمام مرة أخرى، وقال:
"عشان إنتِ لو فارقة معاه، ولو كنتِ غالية عنده، مكنش سابك لحد دلوقتي عندي... وكان خرب الدنيا كلها عشان يرجعك." 

توقفت أنفاس نسرين للحظة، وانخفض بصرها إلى الأرض، بينما أخذت أصابعها تتحرك بعصبية داخل قيود الحبال.

صمت معتز لحظة، ثم هز رأسه باستياء وأكمل:
"إنما هو راجل خسيس... مفيش في دمه ريحة الرجولة. كل همه كلام الناس، شغله شكله والأخبار اللي هتتقال عنه... أكتر من كده لا." 

اشتدت ملامحه، وخرجت كلماته الأخيرة بحدة أكبر:
"خايف ياخدك من عندي بالقوة، فضايحه تتكشف وحقيقته تبان... الواطي." 

ظلت نسرين صامتة.

كانت كلمات معتز تتسلل إلى قلبها واحدة تلو الأخرى، وكل كلمة كانت تؤلمها أكثر من سابقتها.

تجمعت الدموع في عينيها، وحاولت أن تمنعها من السقوط، إلا أن عينيها خانتاها، وانحدرت دمعة ساخنة على خدها.

أخوها...أخوها الذي أقسم لوالده قبل وفاته بأنه سيحميها، وأنه لن يسمح لأحد أن يؤذيها.

أين كان الآن؟
كيف استطاع أن يتركها بهذه السهولة؟
كيف مر كل هذا الوقت ولم يأتِ لإنقاذها؟

رفع معتز جسده عن المقعد، ثم وقف أمامها، ونظر إليها للحظات قبل أن يقول ببرود:
"أخوكي مش عايز يجيبها البر واصل... بدل ما هو فالح بس إزاي يتخلص من مرام، كان يتفالح يرجعك لبيتك وحياتك... لكن هو مش مهتم بيكي أصلًا." 

توقفت الكلمات في حلق نسرين.

ظلت تحدق أمامها دون أن تجد ما تقوله، وكأنها كانت تتشبث بأمل صغير طوال الأيام الماضية، فجاءت كلماته وسحقت ذلك الأمل تمامًا.

استدار معتز، واتجه نحو الباب بخطوات هادئة، ثم توقف للحظة دون أن يلتفت إليها، قبل أن يفتح الباب ويغادر.

أُغلق الباب خلفه، فعاد المكان إلى صمته الثقيل.

ظلت نسرين تحدق في الباب المغلق، وكأنها تنتظر أن يُفتح من جديد، وأن يدخل أخوها فجأة لينقذها... لكن شيئًا لم يحدث.

ارتجفت شفتاها، وانخفض رأسها ببطء، ثم سقطت دموعها تباعًا على خديها... لم تتوقع ذلك منه.

كانت تظن أنه لن يحتاج سوى إلى يوم واحد ليعرف مكانها ويأتي لإخراجها.

كانت واثقة أنه لن يتركها، مهما حدث.. لكنه خذلها.

تجاهل خطفها، ولم يسأل عنها، ولم يحاول حتى إعادتها.

خرجت منها شهقة موجوعة، ثم أخرى، قبل أن تنهار في بكاء مكتوم، بينما كانت الحبال تقيد جسدها، ولم يعد هناك ما يقيد دموعها أو ذلك الانكسار الذي استقر في قلبها.

لم يكن أكثر ما يؤلمها بقاؤها في هذا المكان...بل أن الشخص الوحيد الذي ظنت أنه سيكون سندها، هو نفسه من اختار أن يتركها وحدها من أجل مصلحته... 

                    ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرجت مريم من غرفتها راكضةً بفزع، بعدما اخترق صراخ ياسمين أرجاء المنزل. كانت خطواتها متعثرة من شدة الخوف، وقلبها يخفق بعنف وهي تحاول الوصول إلى مصدر الصوت.

أما نور، فكان لا يزال واقفًا في الشرفة، شاردًا في أفكاره، مستندًا بذراعيه إلى السور وعيناه غارقتان في شرود ثقيل. لكن ما إن وصل إلى مسامعه صوت صراخ والدته حتى انتفض في مكانه، واتسعت عيناه، وانقبض قلبه بعنف. 

استدار بسرعة، واندفع خارج الغرفة بخطوات متعثرة، لا يفكر إلا في شيء واحد: ماذا حدث؟

في الداخل، كانت خديجة قد نهضت من فوق الفراش على صوت الصراخ. رفعت رأسها بفزع، ثم أسرعت نحو الخزانة، وسحبت منها طرحتها على عجل، وأخفت شعرها تحتها بيدين مرتجفتين، ثم خرجت من الغرفة وهي تضع نقابها على وجهها.

لكنها لم تبتعد كثيرًا.

توقفت فجأة، وأغمضت عينيها لحظة حين باغتها دوار شديد، فمدت يدها بسرعة وأسندتها إلى الحائط حتى لا تسقط. أخذت نفسًا عميقًا، وانتظرت حتى هدأت الدنيا من حولها قليلًا، ثم واصلت السير بخطوات بطيئة نحو مصدر الصراخ.

اندفع نور إلى الغرفة، فتجمد في مكانه فورًا.

وقعت عيناه على ياسمين، وكانت تحتضن فارس الفاقد للوعي بين ذراعيها وهي تبكي بانهيار.

لم يستوعب المشهد... ثبت بصره على والده، واتسعت عيناه بشدة، ثم بدأت الدموع تتجمع فيهما قبل أن تنساب على خديه. هز رأسه بعنف، وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه أمامه.

"لا..." 
خرجت الكلمة هامسة من بين شفتيه، قبل أن يندفع إلى الداخل.

أبعد مريم عن فارس برفق سريع، وكانت دموعها تنساب على خديها وهي تنظر إليه بخوف شديد، ثم جثا نور على الأرض وأخذ والده من بين ذراعي ياسمين.

أسند رأس فارس بين يديه، وراح يهز كتفه بيد مرتجفة، بينما كانت دموعه تسقط دون توقف.
"بابا... بابا قوم، رد عليا." 

انتظر.

لكن لم تأته أي استجابة... اقترب منه أكثر، وكأن قربه منه سيعيده إلى الوعي، ثم هز رأسه بعنف، رافضًا أن يستسلم بهذه السهولة: 
"بابا... عشان خاطري رد عليا." 

ارتجف صوته في آخر كلماته، وانكسر تمامًا... وفي تلك اللحظة، ظهرت خديجة عند باب الغرفة.

وقفت مكانها، وعيناها اتسعتا وهي ترى فارس بين ذراعي نور، ودموع نور لا تتوقف عن السقوط.

شعرت بغصة تخنق صدرها، وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع هي الأخرى.

كان الخوف على فارس أكبر من أن تتحمله وهي لا تزال في حالتها تلك.

تراجعت خطوة، ثم خانتها قدماها فجأة، فسقطت على الأرض، وأغمضت عينيها بألم وهي تحاول أن تستوعب ما يحدث أمامها.

انتفض نور، ونهض بسرعة وهو يمسح دموعه بعنف بظهر يده، ثم انحنى وحمل والده بكل قوته... خرج به مسرعًا من الغرفة.

نهضت ياسمين خلفه على الفور، وركضت وراءه وهي منهارة من الخوف، ثم أسرعت إلى السيارة وصعدت إلى المقعد الخلفي، وجلست وهي تحتضن فارس، واضعةً رأسه على ركبتها، بينما راحت تبكي وتربت على وجهه بيد مرتجفة.

أما مريم، فكانت على وشك اللحاق بهم، لكنها توقفت عندما رأت خديجة.. جثت مريم أمامها بسرعة، وأمسكت ذراعها حتى تساعدها على الثبات، ثم قالت بلهفة امتزجت بدموعها:
"أخيرًا فوقتي... كنت خايفة عليكي أوي." 

هزت خديجة رأسها ببطء، وكانت ملامحها شاحبة والإرهاق واضحًا على وجهها، ثم قالت بصوت خافت ومرهق:
"أنا كويسة... بس ساعديني أروح مع عمي فارس." 

أومأت مريم على الفور، وأحاطت ذراع خديجة بذراعها، وساعدتها على النهوض والخروج معها.

لكن عندما وصلتا إلى الخارج، كان نور قد استدار ليركب السيارة... توقف فجأة عندما لمح مريم وخديجة تتجهان نحوه.

انعقد حاجباه، وارتفعت نبرة صوته، وقد اختلط غضبه بانفعاله وخوفه الشديد على والده:
"محدش فيكم هيروح! مش إنتِ لسه تعبانة؟ خديجة يا مريم، علي جوه لحد ما أرجع!" 

نظرت إليه مريم للحظات، ثم إلى خديجة، ولم تجد أي منهما القدرة على مجادلته في تلك اللحظة.

كان نور يقف أمامهما وملامحه منهارة من الخوف، وكل ما يشغله الآن هو والده.

استدار بسرعة، وركب السيارة، ثم أدار المحرك وانطلق بها بأقصى سرعة.

ظلت مريم واقفة للحظات تراقب السيارة وهي تبتعد، ثم التفتت إلى خديجة وأمسكت يدها برفق: 
"تعالي." 

ساعدتها على العودة إلى المنزل، ودخلتا معًا، ثم أُغلق الباب خلفهما، بينما ظل القلق يخيم على المكان كله...... 

                     ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

فتحت شمس باب غرفة خديجة ودخلت إليها، وهي تضع إحدى يديها في جيب بنطالها. تقدّمت بضع خطوات حتى وقفت في منتصف الغرفة، ثم أخذت تدير عينيها في أرجائها، تتفحّص كل شيء من حولها في صمت.

أخرجت يدها من جيبها ببطء، ثم اتجهت إلى السرير وجلست على طرفه. أطلقت تنهيدة عميقة، بدت معها وكأنها تزيح عن صدرها حملًا ثقيلًا، وارتسمت على ملامحها راحة واضحة؛ راحة ممزوجة بشعور غريب بالحرية والهدوء، شعور لم تعتده من قبل.

تمتمت بصوت خافت، وهي تمرر عينيها في الغرفة مرة أخرى:
"أخيرًا طلعتي من البيت ده."

ما إن نطقت كلماتها حتى تبدلت ملامحها، وانقبض وجهها بضيق شديد، قبل أن تنظر أمامها بغلّ مكبوت وتتابع:
"من وإحنا صغيرين وإنتِ واخدة كل حاجة... اهتمام بابا وماما وحنّيتهم ودلعهم، كل حاجة واخدة ليكي، وأنا باخد اللي فاضل من وراكي."

نهضت من مكانها دفعة واحدة، ثم اتجهت نحو مرآة الغرفة بخطوات متتابعة. وقفت أمامها، ورفعت عينيها إلى انعكاس صورتها، وظلت تنظر إلى نفسها للحظات، بينما كانت ملامح الغضب تزداد وضوحًا على وجهها.. قالت بنبرة ممتلئة بالحنق:
"إنتِ مش أحسن مني، ولا أنا أقل منك... عاملالي نفسك بريئة وبتضحكي على اللي حواليكي. الشيخة خديجة راحت، الشيخة خديجة جات... وقرفاني في الطالعة والنازلة بنصايحك اللي شبهك."

ابتعدت عن المرآة، وتحركت ببطء داخل الغرفة، بينما كانت عيناها تجولان في أرجائها وكأنها تبحث عن شيء تصب فيه غضبها. حتى توقفت أمام صورة خديجة الموضوعة فوق الكومود.

انحنت قليلًا، ومدت يدها والتقطت الصورة. ثبتت عينيها عليها، وأخذت تتأمل وجه خديجة بملامح يملؤها الغضب والحقد، ثم قالت بصوت مختنق بالمرارة:
"بابا كل شوية كان يقارنّي بيكي... بصي على خديجة، شوفي خديجة بتعمل إيه... ابقي زي خديجة..."

ارتجف صوتها قليلًا من شدة الانفعال، ثم انفجرت وهي تكرر الاسم بحدة:
"خديجة... خديجة... خديجة!"

ألقت الصورة على الأرض بقوة، فارتطم إطارها بالأرض، بينما ظلت شمس تحدّق بها بعينين مشتعلة بالغضب. ارتفعت أنفاسها وراحت تهبط بصوت مسموع، وصدرها يعلو ويهبط من شدة انفعالها.

ثم رفعت حذاءها، وهوت به على الصورة بقسوة، فانكسر زجاجها تحت قدمها.

قالت من بين أسنانها، وصوتها يرتجف من شدة الغيظ:
"لحد ما كرّهني في خديجة واسم خديجة، وكرهني حتى في نفسي... دايمًا كل شوية يقارنوني بيكي."

دفعت الصورة بقدمها بعيدًا عنها، ثم رفعت يدها إلى شعرها وأزاحت خصلاته إلى الخلف بعنف، قبل أن تستقيم في وقفتها وتظل تحدق في المكان بنظرات حاقدة.

في تلك اللحظة، كان سيف في غرفته، والهاتف ملتصق بأذنه. كان يستمع إلى الطرف الآخر بملامح جامدة لا تكشف شيئًا عما يدور في داخله، بينما ارتفع صوت الرجل من الهاتف قائلًا:
"البضاعة هتوصل النهارده يا باشا، وفي نفس المعاد ونفس المكان."

أبعد سيف السيجارة عن فمه، ثم نفث دخانها بشراسة، فتلاشى أمام وجهه للحظات. ظل صامتًا لثانية، قبل أن يقول بنبرة حادة وآمرة:
"اجهّز إنت والرجالة."

جاءه صوت الطرف الآخر على الفور:
"تحت أمرك يا باشا."

أغلق سيف الهاتف، ثم أعاد السيجارة إلى بين أصابعه واستنشق دخانها ببطء. ظل يحدق في الدخان المتصاعد أمامه بشرود عميق.

وبعد أن أنهى سيجارته، وضعها في المطفأة وأطفأها بهدوء.

كانت نادين تراقبه منذ البداية. عقدت حاجبيها قليلًا، ثم سألته وهي تتأمل ملامحه:
"في حاجة ولا إيه؟"

هز سيف رأسه بهدوء، وأجابها بنبرة مطمئنة:
"لا، شغل يا حبيبتي... شغل."

أومأت نادين برأسها، لكنها لم تبدُ مقتنعة تمامًا. خفضت عينيها للحظة، ثم قالت بنبرة حزينة:
"البيت وحش أوي من غير خديجة."

ساد بينهما صمت قصير، قبل أن ترفع نادين عينيها إليه وتضيف بصوت يحمل اشتياقًا واضحًا:
"أنا عايزة أروح أشوفها."

هز سيف رأسه بهدوء، ثم جلس أمام مكتبه وفتح جهاز اللابتوب. قال دون أن ينظر إليها، وعيناه معلقتان بالشاشة:
"هنروح بكرا نشوفها إن شاء الله."

ارتسمت على شفتي نادين ابتسامة خفيفة. 

أما سيف، فلم يلتفت إليها. ظل يحدق في شاشة اللابتوب باهتمام شديد، وأخذ يحرك أصابعه فوق لوحة المفاتيح بسرعة، متنقلًا بين الملفات.

وبعد لحظات، ظهرت أمامه بعض الملفات.. توقفت أصابعه عن الحركة.

ظل يحدق في الشاشة لثوانٍ، ثم أرجع ظهره إلى الخلف ببطء، وأسند نفسه إلى ظهر المقعد، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة، لم يكن من السهل معرفة ما تخفيه... 

                   ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرج الدكتور حكيم من الغرفة، وما إن لمحته ياسمين ونور حتى أسرعا نحوه في لهفة. تقدمت ياسمين أولًا، وعيناها لا تزالان ممتلئتين بالدموع، بينما وقف نور أمامه مباشرة، يراقب ملامحه بقلق، وكأنه يحاول أن يقرأ منها الإجابة قبل أن ينطق بها.

ابتسم الدكتور حكيم ابتسامة خفيفة، وحرك رأسه مطمئنًا، ثم قال بنبرة هادئة:
"متخافوش... هو واضح إنه أرهق نفسه الفترة دي، فحصله هبوط، لكن اطمنوا... هو كويس، مفيهوش حاجة."

تنفست ياسمين، لكنها لم تستطع أن تطمئن تمامًا. ظلت عيناها معلقتين بوجه الطبيب، ثم اقتربت منه خطوة، وكأنها تحتاج إلى تأكيد آخر حتى يهدأ قلبها، وقالت ودموع الخوف لا تزال عالقة في عينيها:
"أنت متأكد إنه كويس؟ شكله كان تعبان أوي."

أومأ لها الدكتور حكيم بنفس الهدوء، محاولًا أن يبدد القلق الواضح في ملامحها، وقال:
"اطمني... هو كويس دلوقتي."

ثم التفت إلى نور، الذي ظل واقفًا في مكانه، وعيناه لم تفارقا الطبيب منذ خروجه من الغرفة، وقال بهدوء:
"محتاج حضرتك شوية على انفراد."

تغيرت ملامح نور قليلًا، وشعر بانقباض قلبه من جديد. ظل صامتًا للحظات، والدموع لا تزال تلمع في عينيه، ثم أومأ برأسه ببطء، وتحرك خلفه.

دخل الدكتور حكيم إلى مكتبه، واتجه إلى مقعده وجلس عليه، بينما جلس نور أمامه، لكنه لم يستطع أن يخفي توتره. ظل جسده مشدودًا، ويداه متشابكتين أمامه، وعيناه ثابتتان على وجه الطبيب في انتظار أن يتحدث.

خفض الدكتور حكيم عينيه إلى يده الموضوعة فوق الطاولة، وكأنه يبحث عن الطريقة المناسبة التي يخبره بها بما يريد، ثم رفع نظره إليه من جديد، وكانت ملامحه قد فقدت هدوءها السابق، وحل محلها حزن واضح.. قال بصوت هادئ، لكنه مثقل:
"نور... أنت لازم تعرف حالة والد حضرتك."

ثبت نور عينيه عليه، وشعر بقلبه يهبط في صدره... سالت دمعة من عينه رغمًا عنه، وقال بصوت خافت:
"عارف... هو قالي."

ظهر الاندهاش على وجه الدكتور حكيم، واتسعت عيناه قليلًا، ثم أومأ بتفهم، قبل أن يقول بحزن شديد:
"اللي حصل لوالدك دا تدهور في صحته... كل يوم حالته بتسوء أكتر وأكتر عن اليوم اللي قبله."

أبعد نور نظره عنه فورًا، وكأن الكلمات أصبحت أثقل من أن يحتمل مواجهتها. ابتلع غصته بصعوبة، وتحرك فكه في محاولة لكتم الألم الذي بدأ يخنقه.

لم يكن يريد أن يسمع شيئًا آخر.

كان يعرف أن والده مريض، ويعرف أن حالته ليست جيدة، لكنه لم يكن يريد أن يسمع من جديد أن الوقت ينفد منه، وأن اليوم الذي سيضطر فيه إلى وداعه يقترب أكثر مما يحتمل.

ظل صامتًا، بينما تابع الدكتور حكيم حديثه:
"أنا بلغته بالمدة اللي فضلاله تقريبًا من الفحوصات والتقارير اللي عملتها له... والنتيجة كانت إنه فاضله شهر... بس دا كان من كام يوم تقريبًا."

رفع نور عينيه إليه ببطء.. اتسعت عيناه بشدة، وتجمدت ملامحه للحظة، وكأن عقله توقف عند تلك الكلمة وحدها... شهر... شهر واحد فقط.

شهر واحد يفصله عن اليوم الذي لن يرى فيه والده مجددًا.

بدأت الدموع تتساقط من عينيه دون توقف، وانقبضت أصابع يده فوق بعضها بقوة، بينما شعر بألم حاد يخترق صدره. أخذ نفسًا متقطعًا، ثم تمتم بصوت خافت، وكأنه يتعلق بآخر خيط من الأمل:
"أكيد في حل... في علاج ليه."

رفع عينيه إلى الطبيب، وقد امتلأت نظراته برجاء واضح، ثم ارتفعت نبرته تحت وطأة خوفه:
"أنا هسفره برا مصر لو مش هتعرفوا تعالجوه هنا."

هز الدكتور حكيم رأسه بأسى، وكانت عيناه تحملان حزناً واضحاً عليه، ثم قال بهدوء مؤلم:
"حتى لو فارس في المراحل الأخيرة من المرض... مهما أخدته لبلاد برا، ولو عرضته على مليون دكتور، هتبقى نفس النتيجة... جسمه مش متقبل أي علاج ولا مستحمل أي حاجة."

اتسعت عينا نور أكثر، وكأن الكلمات سلبت منه آخر ذرة أمل.

انخفض رأسه، وانهمرت دموعه على خديه. رفع يده إلى وجهه ومسح دموعه بعنف، لكنه لم يستطع إيقافها.

ظل الدكتور حكيم ينظر إليه بصمت للحظات، قبل أن يقول بصوت خافت:
"كل اللي أقدر أقولهولك إنكم خليكوا جنبه الفترة دي... هو محتاجكم كلكم جنبه."

أومأ نور برأسه ببطء، لم يعد يملك القدرة على الكلام.

مد يده إلى الكرسي ليستند عليه، وحاول النهوض، لكن جسده لم يستجب له في البداية. بقي للحظة منحنياً، يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم ضغط بيده على طرف الكرسي حتى استطاع أن يستقيم.

وقف أمام الطبيب، ومسح دموعه مرة أخرى بظهر يده، ثم استدار متجهًا نحو الباب.

 توقف فجأة... تجمد جسده في مكانه، واتسعت عيناه وهو ينظر أمامه بصدمة.

رفع الدكتور حكيم رأسه، ثم نهض من مكانه هو الآخر، واتجهت عيناه إلى الباب.. كانت ياسمين واقفة هناك.

لم تتحرك... كانت الدموع تنهمر بغزارة على خديها، ويداها ساكنتان إلى جوار جسدها، بينما شحبت ملامحها تمامًا من شدة الصدمة.

ظلت تنظر إلى نور، ثم إلى الدكتور حكيم، وكأنها تحاول استيعاب الكلمات التي وصلت إلى مسامعها.

أما نور، فبقي واقفًا أمامها عاجزًا عن النطق، وقد أدرك من نظراتها المرتجفة أنها سمعت كل شيء..... 

                      ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

في مكانٍ ما، حيث كان الظلام يخيّم على المكان، وقفت سيارة سوداء في سكون، تتبعها عدة سيارات مصطفّة خلفها. وعلى الجهة الأخرى، وقفت سيارة سوداء ثانية، وخلفها عدة سيارات، تفصل بين الطرفين مسافة قصيرة . 

فُتح باب إحدى السيارات، وترجّل شادي منها، وتبعه حراسه على الفور. أغلق الباب خلفه دون أن يلتفت، ثم أخذ يتقدم بخطوات ثابتة حتى توقف، بينما انتشر رجاله خلفه في أماكنهم.

وفي الجهة المقابلة، فُتح باب السيارة الأخرى، ونزل منها رجل ذو ملامح حادة. لم يتكلم. اكتفى بإلقاء نظرة سريعة على شادي ورجاله، ثم ترجل حراسه من خلفه وهم يحملون صندوقًا أسود كبيرًا.

تقدم الرجال حتى وضعوا الصندوق في منتصف المسافة بين الطرفين، ثم تراجعوا عنه.

ثبت شادي عينيه على الصندوق للحظات، قبل أن يرفع نظره إلى الرجل المقابل له.. قال بنبرة هادئة، لكنها لم تترك مجالًا للنقاش:
"افتح الصندوق إنت الأول."

ارتفعت زاوية فم الرجل في ابتسامة ساخرة، وأمال رأسه قليلًا، بينما مرر لسانه على طرف أسنانه قبل أن يقول بتهكم:
"إيه، مش واثق فيا؟"

لم تتغير ملامح شادي. ظل واقفًا في مكانه، وعيناه ثابتتان عليه، ثم أجابه ببساطة:
"تؤ... مبثقش في حد."

اختفت ابتسامة الرجل قليلًا، وبقي ينظر إلى شادي لثوانٍ. رفع يده إلى ذقنه وحكها ببطء، وكأنه يزن كلماته، ثم أشار بإصبعه إلى أحد رجاله.

أومأ الرجل في صمت، واتجه نحو الصندوق.

انحنى وأمسك غطاءه، ثم رفعه حتى فتحه على آخره. بقي واقفًا لحظة، قبل أن يتراجع عدة خطوات، تاركًا الصندوق مكشوفًا في المنتصف.

حرّك شادي يده بإشارة قصيرة.. فهم أحد حراسه الأمر، فتقدم نحوه بخطوات حذرة.

انحنى أمام الصندوق، ومد يده إلى داخله، ثم أخرج أحد الأسلحة. قلبه بين كفيه، مرر عينيه على تفاصيله، وتفقده قطعةً قطعة، قبل أن يعيد النظر إليه مرة أخيرة للتأكد منه.

أعاده إلى الصندوق، ثم استقام وعاد إلى شادي... توقف أمامه وأومأ برأسه مرة واحدة.. لم يحتج شادي إلى أكثر من ذلك.

تحركت زاوية فمه في ابتسامة جانبية صغيرة، وكأن الأمر جاء تمامًا كما أراد.

لكن قبل أن يفتح فمه بكلمة واحدة—

دوّت طلقات النار فجأة.

شقّ الرصاص سكون المكان دفعة واحدة، وتوالت الطلقات من أكثر من اتجاه. التفت الرجال في ارتباك، وحاول بعضهم الوصول إلى أسلحتهم، لكن الرصاص كان أسرع.

خلال لحظات، سقط حراس الطرفين الواحد تلو الآخر، وخمدت أصواتهم تحت وطأة الطلقات، بينما بقي شادي والرجل الآخر واقفين وسط الفوضى، لا يعرفان من أين جاء الهجوم.

ثم ظهرت السيارة.

توقفت بالقرب منهما، وانفتح بابها، ونزل سيف بعدما فتح له أحد حراسه الباب.

خرج بخطوات هادئة، كان رجاله قد أحاطوا بشادي والرجل الآخر وسيطروا عليهما. أجبروهما على الركوع فوق الأرض، وأيديهما خلف رأسيهما.

رفع شادي رأسه بصعوبة، وظلت عيناه معلقتين بسيف وهو يقترب.. قال من بين أسنانه:
"اللي بتعمله ده يا سيف مهعدهوش بالسهال... وافتكر، إنت اللي بدأت الحرب الأول."

توقفت خطوات سيف.

أخرج علبة سجائره ببطء، وسحب منها سيجارة ووضعها بين شفتيه. أشعلها، ثم أخذ نفسًا عميقًا، حتى توهج طرفها للحظة.

نفث الدخان ببطء، ولم يمنح شادي حتى نظرة واحدة.

كانت عيناه تتبعان رجاله وهم ينقلون الأسلحة من الصندوق إلى سياراتهم. بقي يراقبهم حتى تأكد أن كل شيء يسير كما يريد، ثم أدار وجهه أخيرًا نحو شادي والرجل الآخر.

أخذ نفسًا آخر من سيجارته، ثم بدأ يقترب منهما... خطوة... ثم أخرى... حتى وقف أمامهما.

انحنى ببطء، حتى أصبح وجهه في مستواهما، ثم أخرج الدخان من فمه مباشرة نحوهما.

أدار الرجل الآخر وجهه بسرعة، وسعل من أثر الدخان، بينما ظل شادي يحدق في سيف، ولم يتحرك سوى فكه الذي انقبض للحظة.

استقام سيف في وقفته، وألقى السيجارة بين أصابعه للحظة قبل أن يقول بنبرة هادئة :
"أولًا، الحرب دي إنت اللي بدأتها معايا يا شادي... ثانيًا، أنا باخد حقي. كده يبقى فلوسك معاك وبضاعتي معايا... يبقى خالصين."

التفت الرجل الآخر إليه، وارتفع صوته رغماً عنه:
"طيب وأنا ذنبي إيه بالحرب اللي بينكم دي؟"

ثبت سيف عينيه عليه... لم يجب فورًا.. ترك الصمت يمر بينهما لثوانٍ، بينما راحت عيناه تتفحصان وجه الرجل قبل أن يقول بحدة جعلته يتراجع قليلًا:
"عشان حطيت إيدك في إيده يا عين أمك."

فتح الرجل فمه، ثم أغلقه للحظة، قبل أن يقول وقد ازدادت سرعة أنفاسه:
"وأنا أعرف منين إن في بينكم عداوة؟"

رفع سيف السيجارة إلى فمه واستنشق منها نفسًا آخر، ثم أنزلها ببطء، وقال دون أن يبعد عينيه عنه:
"عشان المرة الجاية لما تتفق مع حد، تدور وراه... ليه عداوة معايا ولا لأ."

خرج صوت شادي من خلفه فجأة، أعلى وأشد:
"هدفعك تمن اللي إنت عملته ده غالي أوي!"

ما إن انتهت الجملة حتى اندفع أحد رجال سيف نحوه.. قبض الرجل على شادي ووجّه إليه ضربة عنيفة.

مال جسد شادي إلى الجانب من قوة الضربة، ثم فقد توازنه وسقط على الأرض. ارتطم فمه بها، وسال الدم من بين شفتيه.

رفع رأسه ببطء، ومسح الدم بطرف لسانه، ثم بصق إلى جواره، قبل أن يعيد عينيه إلى سيف.

أما سيف، فألقى سيجارته على الأرض... نظر إليها لحظة، ثم رفع قدمه وسحقها تحت حذائه حتى انطفأت تمامًا.

رفع رأسه من جديد.

كانت عيناه تنتقلان بين الرجلين للحظات، ثم أدخل يده في جيبه وأخرج سلاحه.

تجمد الرجل الآخر.. انخفضت عيناه إلى السلاح، ثم ارتفعتا إلى وجه سيف. ابتلع ريقه، وبقي فمه مفتوحًا قليلًا كأنه يريد أن يتحدث، لكن الكلمات لم تخرج.

رفع سيف سلاحه.. وفي اللحظة التالية—

دوّت عدة طلقات متتالية.

أغمض الرجل الآخر عينيه فورًا، وانكمش جسده دون إرادة منه، بينما أطبق شادي جفنيه، وانتظر أن تخترق الرصاصات جسده.

لكن...لم تأتِ الضربة... توقفت الطلقات.

فتح الرجل عينيه ببطء، ثم أخذ يتفقد جسده بارتباك، كأنه يبحث عن موضع الإصابة.

لم يجد شيئًا.. رفع رأسه نحو سيف، ثم التفت خلفه.. وفجأة فهم.

السيارات.. كانت الطلقات قد استقرت في عجلات سياراتهم جميعًا.

العجلات مثقوبة، والسيارات لم تعد قادرة على التحرك.

رفع سيف حاجبه، ومال فمه إلى ابتسامة ساخرة، ثم قال:
"ارجعوا البيت مشي بقا... تعرفوا الطريق ولا هتوهوا؟"

ظل شادي يحدق فيه دون كلمة.. ارتفعت يده إلى فمه، ومسح الدم الذي ما زال عالقًا عند طرف شفتيه، ثم أنزلها ببطء، بينما بقيت عيناه تلاحقان سيف.

أما سيف، فاكتفى بنظرة أخيرة حملت سخرية واضحة، ثم استدار دون أن ينتظر ردًا.

اتجه إلى سيارته، ففتح له أحد حراسه الباب. صعد إليها، وأُغلق الباب خلفه.. انطلقت السيارة.

وبعدها مباشرة تحركت سيارات حراسه خلفه، واحدة تلو الأخرى، حتى ابتعدت أضواؤها شيئًا فشيئًا واختفت في ظلمة الطريق.

بقي شادي والرجل الآخر راكعين في مكانهما.. رفع الرجل عينيه ببطء نحو السيارات المتوقفة، ثم نظر إلى شادي.

تبع شادي نظرته... السيارات أمامهما... العجلات ممزقة... والطريق من حولهما خالٍ تمامًا.

ظل الاثنان ينظران إلى السيارات في صمت، وكأن السؤال نفسه علق بينهما دون أن يحتاج أحدهما إلى طرحه:
كيف سيخرجان من هذا المكان؟

                    ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

توقفت سيارة ميرال أمام بوابة المدافن، وانطفأ صوت محركها تدريجيًا حتى . 

فتحت باب السيارة ونزلت منها. كانت ترتدي ملابس سوداء بالكامل، وتخفي عينيها خلف نظارة سوداء. 

أغلقت باب السيارة، ثم وقفت للحظات أمام المدخل.كان هذا مدخل مدافن عائلة الراوي...«عائلة فارس» 

رفعت يدها إلى النظارة، وعدّلتها قليلًا فوق عينيها، ثم دفعت باب المدافن ودخلت.

كانت خطواتها بطيئة، مترددة للحظة، ثم استقرت شيئًا فشيئًا، توقفت أمام أحد القبور.

أنزلت عينيها إليه، وبقيت واقفة دون حركة.

كانت هناك لحظات لا يحتاج فيها الإنسان إلى الكلام؛ يكفي أن يقف أمام المكان الذي يرقد فيه شخص كان يومًا جزءًا من حياته، حتى تتكلم الذكريات وحدها.

مدّت يدها ببطء، وخلعت نظارتها السوداء.. ظهرت عيناها وقد احتشدت فيهما دموع لم تسمح لها بالسقوط بعد.

ظلّت تحدق في القبر، ثم ارتجفت شفتاها قليلًا وهي تقول بصوت خافت، لكنه مشبع بوعد لم تتراجع عنه:
"أنا لسه عند وعدي ليك يا بابا... هدفعهم كلهم تمن اللي عملوه غالي أوي... خصوصًا فارس. هحرق قلبه أكتر وأكتر، زي ما قلبي بيتحرق على فراقك دلوقتي."

توقفت الكلمات عند آخر جملة... ارتعشت أنفاسها، وانخفض بصرها إلى الأرض للحظة، بينما تجمعت الدموع في عينيها حتى أثقلت جفنيها.

مدّت يدها إلى وجهها، وكأنها تحاول منع نفسها من البكاء، لكن دمعة واحدة أفلتت وانزلقت على خدها.

أخذت نفسًا مرتجفًا، ثم جثت على ركبتيها أمام القبر.. كانت تحمل باقة من الورد بين يديها.

وضعتها برفق أمام القبر، ثم أبقت يدها فوقها للحظات، رفعت عينيها مرة أخرى إلى شاهدة القبر.

كان الاسم محفورًا عليها بوضوح:
هاني عبد العزيز يوسف

ثبتت ميرال عينيها على الاسم، وسكتت.. وفي عينيها، اجتمع الاشتياق الذي لم يهدأ منذ رحيله... والوعد الذي جاءت إلى هنا لتجدّد عهده..... 

وقفت ياسمين عند الباب، وقد تجمّدت قدماها في مكانهما، بينما كانت دموعها تنهمر على وجهها بلا توقف. لم تستطع أن تحوّل عينيها عن نور؛ كانت تراقب ملامحه وكأنها تنتظر منه أن يقول أي شيء... أي شيء ينفي به ما وصل إلى مسامعها.

تحركت نحوه ببطء.. كانت خطواتها مترددة، وكأنها تخشى أن تصل إليه فتسمع الإجابة التي لا تريدها. حتى وقفت أمامه تمامًا.

رفعت عينيها إلى وجهه.

تعلقت نظرتها بعينيه المحمرتين، وبآثار الدموع التي ما زالت واضحة عليه. بقيت تحدق فيه لحظات، ثم خرج صوتها خافتًا، مرتعشًا من بين شفتيها:
"اللي أنا سمعته ده صح؟"

لم يجب نور.. ظل ساكنًا أمامها، ودموعه تنزل بصمت.. انتظرت.. ثانية...ثم أخرى.

كانت عيناها تتحركان بين عينيه وملامحه، كأنها تبحث في صمته عن فرصة أخيرة للإنكار.

مدّت يدها ببطء، وأمسكت بكتفه. انغرست أصابعها في قماش ملابسه وهي تضغط عليه، ثم خرج صوتها هذه المرة أعلى، مختنقًا بالبكاء:
"رد عليا!"

رفع نور عينيه إليها.. لم يقل شيئًا.

فقط أخفض رأسه ببطء، ثم حرّكه إلى الأسفل في إيماءة واحدة.. توقفت ياسمين عن التنفس للحظة.

ثبتت عيناها عليه، وكأنها لم تفهم ما تعنيه تلك الحركة، رغم أنها كانت تعرف معناها جيدًا.

كانت تتمنى أن يهز رأسه بالنفي... أن يبتسم... أن يقول لها إن ما سمعته غير حقيقي.. أن يخبرها أنها فهمت خطأ.. لكن نور لم يفعل.

تراجعت خطوة إلى الخلف.

هزت رأسها ببطء، ترفض الإجابة التي وصلتها، ثم أسرعت تهزه بالنفي: 
"لا..."

خرجت الكلمة ضعيفة، بالكاد سُمعت.

وضعت يدها فوق قلبها، وضغطت عليه بأصابعها، بينما انحبست أنفاسها في صدرها. حاولت أن تبقى واقفة، لكن ساقيها لم تعودا تحملانها كما ينبغي.

مال جسدها فجأة... وانفلت توازنها.

اندفع نور إليها في اللحظة نفسها، وأمسكها بين ذراعيه قبل أن تهوي على الأرض. نزل معها إلى ركبتيه، وأسند جسدها إليه، ثم رفع وجهها نحوه وهو يربت على خدها بيده المرتجفة: 
"ماما... فتحي عينك."

لم تستجب.. اقترب أكثر، وصوته يزداد ارتجافًا:
"ماما... ردي عليا."

في تلك اللحظة أسرع الدكتور حكيم نحوهما، وجثا على ركبته أمام نور. بدأ يفحص ياسمين، يتابع حالتها للحظات، ثم رفع عينيه إلى نور الذي كان ينتظر منه الإجابة، وعيناه لا تفارقان وجه والدته... قال الدكتور:
"متقلقش... هي كويسة، لكن متحملتش الصدمة، فـ أُغمي عليها."

ظل نور ساكنًا.. نظر إلى والدته بين ذراعيه، ثم مرر عينيه على وجهها الشاحب... لم تتوقف دموعه... بل زادت.

بعد فترة...

تحركت أصابع ياسمين قليلًا... ثم فتحت عينيها.

بقي بصرها للحظات تائهًا، لا يلتقط شيئًا من حوله. رفعت عينيها إلى السقف، ثم أدارت رأسها ببطء... غرفة... كانت في غرفة.

حاولت أن تتذكر كيف وصلت إلى هنا... ثم تذكرت... تذكرت كلمات الدكتور... تذكرت نور... وتذكرت فارس.

توقفت أنفاسها.. تجمعت الدموع في عينيها من جديد، ثم انهمرت بغزارة على وجهها.

نهضت بسرعة، لكنها ما إن وقفت حتى داهمها الدوار... وضعت يدها على الحائط فورًا، وأسندت جسدها إليه حتى استقرت قدمها.

انتظرت لحظات، ثم خرجت من الغرفة.

كانت يدها الأخرى فوق قلبها، تضغط عليه كلما شعرت بذلك الوجع الذي لا تعرف كيف تطفئه... كانت تمشي وهي تبكي.

لم تكن تستوعب ما حدث.. كل ما تعرفه أنها تريد أن ترى فارس.

في طريقها، ظهر نور أمامها.

وما إن وقعت عيناه عليها حتى أسرع نحوها. مرر يده على وجهه بسرعة، يمسح دموعه ، ثم أمسك يدها وأسندها إليه.. قال بصوت حزين:
"قومتي ليه دلوقتي؟ تعالي ارجعي الأوضة ارتاحي شوية."

هزت رأسها بالنفي.. سحبت يدها قليلًا، ورفعت وجهها إليه، والدموع تغطي عينيها:
"لا... لا... أنا عايزة فارس. خدني عنده دلوقتي."

تعلقت عينا نور بوجهها.. لم يستطع أن يقول لها لا.. مد يده ومسح دموعها برفق، ثم أومأ لها بهدوء: 
"طيب اهدي شوية... وهاخدك عنده والله، بس اهدي."

هزت رأسها بصمت... لم تتوقف دموعها، لكنها تركت يدها في يده.. أسندها نور، وسار بها نحو غرفة فارس.

وحين وصلا، توقفا أمامه.. ثبتت ياسمين عينيها على الباب.. مد نور يده إلى كتفها، وأمسكه برفق، ثم التفت إليها.

كانت عيناه ممتلئتين بالدموع، لكنه حاول أن يجعل صوته ثابتًا: 
"عايزك تبقي قوية قدامه... مش عايزين أي حاجة تأثر عليه."

سكت لحظة... انخفض بصره، ثم عاد إليها.. خرجت الكلمات التالية بصعوبة، وكأنها تمر عبر غصة تعترض طريقها:
"عارف إنه صعب أوي... بس هو هيتوجع أكتر لو شافنا منهارين كده قدامه. مش عايزين نصعب الموضوع عليه أكتر من كده."

رفعت ياسمين يدها إلى فمها.. ضغطت عليها بقوة، تحاول أن تمنع صوت بكائها من الخروج.. نظر إليها نور لحظات، ثم جذبها إليه.

دفنها في حضنه، وأحاطها بذراعيه، وراح يربت على ظهرها ببطء.. كان يحاول أن يبقى ثابتًا من أجلها.

لكن أنفاسه بدأت تتقطع.. شد فكه، وأغمض عينيه بقوة، محاولًا أن يمنع الدموع من السقوط.. لم يستطع.

احتضنته ياسمين، وانهارت بين ذراعيه، وخرج صوتها من بين شهقاتها:
"قولي إنه كل ده كابوس... وهنصحى منه وفارس هيبقى كويس. بالله عليك قولي إنه كابوس يا نور."

شد نور ذراعيه حولها أكثر.. دفن وجهه في كتفها.. ظل صامتًا.. ثانية واحدة فقط...ثم ارتجف جسده، وانفلتت منه شهقة موجوعة.

لم يعد قادرًا على التماسك.

انهار هو الآخر، وبكى في حضن والدته بقهر، بينما ظل يحتضنها وكأنه يحتاج إليها بقدر ما تحتاج إليه.

شعرت ياسمين بانهياره... توقفت للحظة... لم تعد بحاجة إلى إجابة.. بكاء نور كان كافيًا.. لم يكن كابوسًا.

لم تكن الكلمات التي سمعتها قبل قليل وهمًا.. كانت الحقيقة ...هزت رأسها بعنف، ورفضت أن تستسلم لها.

رفضت مرض فارس.

رفضت أن تصدق أن الرجل الذي أحبته، والذي كان وجوده جزءًا من حياتها، قد يبتعد عنها.

رفضت حتى الفكرة التي بدأت تقتلها قبل أن تحدث...أن يتركها فارس إلى الأبد.

أغمضت عينيها بقوة، وهزت رأسها مرة أخرى، بينما تشبثت بنور وكأنها تتشبث بآخر شيء قادر على إبقائها واقفة.. لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تهرب منها.

فارس مريض... وهي الآن تقف على باب غرفته، مطالبة نفسها بالقوة أمامه... بينما شيء بداخلها كان ينهار قطعةً قطعة.... 

                      ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرج لؤي من المبنى، وأخذ يهبط خطواته الأخيرة قبل أن يتوقف فجأة.

كان حسن يقف أمامه، يحدق فيه بملامح بريئة طفولية، وكأن وجوده في طريقه لم يكن وراءه أي شيء يُثير الريبة.

ضيّق لؤي عينيه وهو يرمقه للحظات، ثم انتقلت عيناه بين وجه حسن والمكان من حوله. لم يتحرك خطوة أخرى، وكأن شيئًا في وقفته تلك أخبره أن هناك أمرًا غير طبيعي.

وفجأة، ومن دون أن يلتفت حتى، استدار بسرعة وأمسك بيد أسيل التي كانت خلفه، مانعًا إياها من الوصول إليه بمؤخرة رأسها كما اعتادت أن تفعل في كل مرة.

التفت إليها، بينما ارتسمت على جانب فمه ابتسامة صغيرة تحمل انتصارًا واضحًا، وقال:
"العبي غيرها."

لم تتفاجأ أسيل.

على العكس، ارتفعت زاوية فمها بابتسامة واثقة، وكأنها كانت تتوقع أن يكتشف حركتها هذه المرة. ثم أنزلت عينيها إلى يده التي ما زالت تمسك بيدها.

انتبه لؤي إلى نظرتها، فأفلت يدها... أنزلت أسيل يدها ببطء، ثم رفعت عينيها إليه من جديد، وأمالت رأسها قليلًا وهي تقول:
"شكلك اتعلمت الدرس وحفظته كويس... زي ما أنا حافظاك بالظبط."

تبدلت ملامح لؤي، وضاقت عيناه وهو يحدق فيها، ثم أشار إليها بإصبعه بضيق:
"بت إنتِ حركاتك دي تبطليها. عايزة تقابليني.. عايزة تتنيلي تقولي حاجة في مواعيد... وبلاش شغل البلطجية ده."

سكت لحظة، ثم مرر عينيه عليها من أعلى إلى أسفل، قبل أن يضيف بنبرة تحمل تهكمًا واضحًا:
"مسترجلة أوي... خليكي أنثى رقيقة."

ضحكت أسيل بخفة... رفعت حاجبًا، ثم هزت رأسها ببطء وهي تكرر كلماته وكأنها تتذوقها لتتأكد مما سمعت:
"أنثى رقيقة."

لكن ابتسامتها لم تستمر طويلًا.

اختفت تدريجيًا، وحلّت مكانها نظرة أكثر حدة. رفعت عينيها إليه مباشرة، وثبتتهما في عينيه قبل أن تقول:
"ولا قصدك أنثى ضعيفة؟ أصل إنتوا صنف الرجالة كده... عايزين واحدة ضعيفة عشان تدوسوا عليها برجليكم من غير رحمة."

توقفت لحظة، ثم تحركت زاوية فمها في ابتسامة جانبية واثقة، بينما بقيت عيناها ثابتتين عليه:
"إنما الست القوية اللي بتعرف تاخد حقها بدراعها ومش محتاجة لراجل تتسند عليه... مش بتعجبكم، وبتطلعوا فيها العبر."

رفع لؤي حاجبه، وظل ينظر إليها لحظات وكأنه يحاول أن يفهم من أين جاءت بكل هذا الغضب.. ثم أطلق ضحكة قصيرة ساخرة، وقال:
"ياااه... دنتِ شايلة مننا أوي."

ثم أشار إلى نفسه بيده، وأكمل بضيق:
"وإنتِ بقى عايزة تطلعي قوتك وتاخدي حقك من صنف الرجالة كله مني أنا ليه؟ أنا جيت جنبك ولا أعرف وش أمك أصلًا؟"

ما إن انتهت كلماته حتى تقدمت أسيل نحوه.

أمسكت بياقة ملابسه فجأة، وقبضت أصابعها عليها بقوة، ثم جذبته نحوها حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة للغاية.

ثبتت عينيها في عينيه مباشرة.. لم تتراجع، ولم تترك له فرصة ليبعدها.

خرج صوتها منخفضًا هذه المرة، لكنه حمل تحذيرًا واضحًا:
"اسمع ياض إنت اتكلم معايا كويس، لأن لسانك ده عايز قصّه."

نظر لؤي أولًا إلى يدها الممسكة بياقة ملابسه، ثم رفع عينيه إليها ببطء. كانت قريبة منه إلى حد جعله يشعر بأن أنفاسها تلامس وجهه، ومع ذلك لم تتراجع أسيل، بل ظلت قابضة على ملابسه، تحدق في عينيه بثبات وكأنها تتحداه أن يفعل شيئًا.

تحرك فكه، وقال من بين أسنانه:
"وإنتِ دراعك عايز كسره يا روح أمك."

وما إن أنهى جملته حتى تحركت يده بسرعة.

أمسك بذراعها، ولفها بحركة خاطفة، ثم ثبّتها أمام سيارته، بينما أصبحت ذراعها ملتوية خلف ظهرها.

مال نحوها، واقترب من أذنها حتى صار صوته همسًا لا يصل إلا إليها:
"واضح إنك مش حفظاني زي ما بتقولي... عشان لو حفظاني، مش هتتجرأي تعملي معايا الحركات دي."

لم تحاول أسيل الإفلات... بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية، وكأن ما فعله لم يزعزعها، ثم قالت بثقة:
"متبقاش واثق من نفسك أوي كده، لأني أنا عارفة كل تفصيلة صغيرة عنك، وحافظة تصرفاتك، وكمان تفكيرك... وأهلك كلهم دارساهم نفر نفر."

توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة أكثر ثقة:
"حفظاك أكتر ما إنت حافظ نفسك... ده أنا قعدت شهور براقبك وأدرس تفاصيلك كويس."

أفلت لؤي ذراعها... استدارت أسيل نحوه فورًا، وأخذت تفرك ذراعها التي كانت ملتوية خلف ظهرها، بينما رفعت عينيها إليه.. ظل لؤي ينظر إليها بهدوء، ثم قال:
"واستفدتي إيه يعني من كل ده؟"

تنهدت أسيل، وأدخلت يدها في جيبها، ثم أجابته وهي لا تزال تنظر إليه:
"حاجات كتيرة... المهم دلوقتي فكرة في كلامي."

ظل لؤي صامتًا للحظات.. كان على وشك أن يجيبها، لكن—

دوّى صوت طلقات نارية فجأة في المكان... انفجر الصمت في لحظة واحدة.

ارتجف حسن، وخرجت منه صرخة مذعورة قبل أن يسقط على الأرض.. لم يفكر لؤي.

تحرك جسده قبل أن يلحق عقله بما يحدث، وأمسك بأسيل وسحبها إلى أسفل سيارته، ثم انخفض معها وهو يراقب المكان بحذر.

رفعت أسيل رأسها قليلًا... وقعت عيناها على حسن... كان ملقى على الأرض.. توقفت أنفاسها.

مدت يدها نحوه دون أن تصل إليه، ثم همست باسمه بصوت اختنق قبل أن يخرج كاملًا:
"حسن..."

انقبضت أصابعها فوق الأرض، وكأنها تريد أن تندفع إليه فورًا، لكن الرصاص كان لا يزال ينهمر حولهم.

رفع لؤي رأسه قليلًا، يراقب اتجاه الطلقات... ثم نظر إلى حسن.

شد فكه، وتراجع للحظة خلف السيارة، لكنه لم يبقَ مكانه.

تحرك بحذر، ثم خرج من خلف السيارة رغم استمرار إطلاق النار، وانحنى بجسده قدر الإمكان وهو يركض نحو حسن.

انطلقت رصاصة بالقرب منه.. خفض رأسه أكثر، ثم وصل إلى حسن، وانحنى وحمله بسرعة.

ضم جسده إليه، ثم اندفع عائدًا خلف السيارة بأقصى سرعته، حتى احتمى بها من جديد.

ما إن وصل حتى أسرعت أسيل إليه وانتزعت حسن من بين ذراعيه.

احتضنته بقوة، وأخذت تتفحص جسده بعينيها، تمرر نظراتها سريعًا على وجهه وذراعيه وجسده، تبحث عن أي أثر لإصابة.

لكنها لم تجد شيئًا.

كانت أنفاسها متقطعة، ويداها تتحركان فوقه بارتباك، بينما بقيت عيناها معلقتين بوجه طفلها.

نظر لؤي إليها.

كانت قبل لحظات تقف أمامه متحدية، ترفع ذقنها ولا تسمح له بأن يرى فيها نقطة ضعف واحدة.

أما الآن...فقد اختفى كل ذلك.

انخفضت كتفاها، وارتجفت يداها حول حسن، وانكسرت حدّة عينيها تحت وطأة الخوف عليه.

رفع لؤي جسده قليلًا، وحاول أن يرى مصدر الطلقات.. لمح سيارة بالقرب منهم، ورجلين يطلقان النار باتجاههم.

انخفض فورًا قبل أن تصيبه إحدى الرصاصات، ثم التفت إلى أسيل وقال:
"هاتي المسدس اللي معاكي."

نظرت إليه لثوانٍ.. كانت عيناها لا تزالان على حسن، لكن يدها تحركت إلى المسدس وأخرجته، ثم مدت يدها وأعطته له.

أخذه لؤي بسرعة.. وعادت أسيل إلى طفلها.. وضعت يدها على وجهه، ثم مررت أصابعها فوق رأسه، وظلت تحدق فيه.

لم يكن هناك دم... لا جرح... لا رصاصة... لا شيء يفسر لماذا فقد وعيه.

رفعت عينيها للحظة، ثم عادت إليه من جديد، وكأنها تنتظر منه أن يفتح عينيه وحده.

في الجهة الأخرى، تفحص لؤي السلاح سريعًا، وتأكد من أنه جاهز.

أمسكه بإحكام، ثم رفع جسده قليلًا فوق مستوى السيارة، وثبّت السلاح في يده.

انطلقت رصاصة نحوه.. انخفض لحظيًا، ثم رفع السلاح من جديد.

أطلق النار.. أصابت إحدى الطلقات الرجل.. ترنح وسقط، بينما انخفض لؤي بسرعة خلف السيارة متفاديًا إحدى الرصاصات التي مرت فوقه.

وفجأة شعر بحركة بجانبه.. كانت أسيل قد سحبت المسدس من يده.

وقبل أن يمنعها، نهضت.. ظهرت من خلف السيارة... رفع الرجل الآخر سلاحه نحوها... التقت عيناه بعينيها للحظة.

رفع سلاحه استعدادًا لإطلاق النار.. لكن أسيل كانت أسرع.. رفعت المسدس وأطلقت.

استقرت الرصاصة في رأسه، فسقط الرجل على الأرض بلا حراك... أنزلت أسيل يدها.

أفلتت المسدس من أصابعها، فسقط على الأرض، ثم لم تلتفت إليه حتى.

ركضت نحو حسن.. انحنت وحملته من جديد، وضمته إلى صدرها، وراحت تهز رأسه برفق، بينما راحت أصابعها تمر على شعره ووجهه.
"حسن... حسن حبيبي، قوم بصلي طمّن قلبي عليك يا حسن."

لم يتحرك.. اقتربت أكثر من وجهه.. راقبت جفنيه.. انتظرت أن يفتح عينيه.. لكن لا شيء.

تساقطت دموعها على خديها، ثم انحدرت إلى وجه حسن وهي تضمه إليها برعب، وتكرر اسمه مرة تلو الأخرى، وكأن تكراره قد يعيده إليها.
"حسن..."

ثم مرة أخرى:
"حسن حبيبي..."

لكن لم تأتها أي استجابة.. اقترب لؤي منهما، وانحنى ليتفحص حسن.

مرر عينيه عليه، ثم قال محاولًا أن يجعل صوته مطمئنًا:
"هو مش متصاب الحمد لله... يمكن من شدة خوفه أُغمي عليه ولا حاجة."

رفعت أسيل عينيها إليه.. بقيت تحدق فيه للحظات، ثم عادت بنظرها إلى حسن.

لم يبدُ عليها أنها صدقت كلامه تمامًا.. كانت يدها لا تزال خلف رأس طفلها، وأصابعها تتحسس شعره في حركة متوترة، بينما ظلت عيناها معلقتين بوجهه.

مد لؤي يده وأخذ حسن منها بحذر... حمله بين ذراعيه، ثم اتجه إلى السيارة.. قال وهو يفتح الباب:
"تعالي ناخده على المستشفى ونطمن عليه."

هزت أسيل رأسها بسرعة.

نهضت فورًا، وتبعت لؤي إلى السيارة، ثم ركبت وأخذت حسن في حضنها، وأحاطته بذراعيها وكأنها تخشى أن تتركه للحظة واحدة.

أغلق لؤي الباب، ثم اتجه إلى مقعده، ركب سيارته وانطلق بها مسرعًا.

وبقيت أسيل طوال الطريق تضم حسن إلى صدرها، وعيناها لا تفارقان وجهه...... 

                     ♡   ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

فتح فارس عينيه بصعوبة شديدة.

تسللت إضاءة الغرفة مباشرة إلى عينيه، فسرعان ما أغمضهما من شدة الضوء. ظل مغمض العينين للحظات، ثم حاول فتحهما من جديد، ببطء هذه المرة، حتى اعتادت عيناه على الإضاءة شيئًا فشيئًا.

حرّك بصره أمامه... سقف أبيض.

بقيت عيناه معلقتين به لثوانٍ، دون أن تتحركا، عقله يحاول استيعاب المكان قبل أن يستوعب أي شيء آخر.

تجمدت ملامحه فجأة... هل مات؟
لماذا لا يشعر بشيء؟
ولماذا المكان هادئ إلى هذا الحد؟

حرك عينيه بسرعة، ثم أنزل بصره إلى جسده، وأخذ يتفحص ما حوله بارتباك. السرير، الأجهزة، الجدران البيضاء، الرائحة التي يعرفها جيدًا...مستشفى.

ظل ينظر حوله، ثم عاد ببصره إلى السقف... إذًا... ما زال حيًا.

أغمض عينيه بقوة، وكأن مجرد التفكير في الأمر أعاد الألم إلى جسده دفعة واحدة. سرت في جسده آلام شديدة، فشد أصابعه فوق الملاءة، وانقبض فكه بينما حاول أن يلتقط أنفاسه ببطء.

لكن الألم لم يكن في جسده وحده.. عادت إليه آخر لحظاته قبل أن يفقد وعيه... وجه ياسمين... صوتها... دموعها.

والكلمات التي مزقت شيئًا داخله قبل أن يسقط أمامها.. تردد صوتها في رأسه من جديد:

"هتفهمني إزاي خيانتك ليا؟"

انقبضت أصابعه أكثر.. ثم عادت إليها كلماتها الأخرى:

"هونت عليك يا فارس؟ إزاي تعمل فيا كده؟"

أغمض عينيه.. وكأنها لم تكن مجرد كلمات يتذكرها، بل جرحًا ما زال مفتوحًا.

"بتخوني أنا يا فارس؟ أنا طيب ليه؟"

فتح عينيه للحظات، ثم ثبت نظره أمامه دون أن يرى شيئًا... الصور... تلك الصور التي رأتها ياسمين على هاتفها... لم يفهم حتى الآن كيف حدث كل ذلك.

طوال الفترة التي كان يساعد فيها أميرة، لم يلمسها.. لم يقترب منها بهذا الشكل.

ولم يلمس يدها حتى.. إذًا...من زيّف تلك الصور؟ ومن أرسلها إلى ياسمين؟

وكيف عرفت ياسمين أصلًا رقم أميرة الموجود على هاتفه؟
من يعرف بهذا الأمر غيره، وأميرة، وآدم؟
حتى الآن، لم يخبر مؤمن بشيء، ولم يتحدث معه بشأن مساعدته لهم.

إذًا من الممكن أن يكون يعرف؟

مرر فارس لسانه على شفتيه الجافتين، بينما راحت الأسئلة تتزاحم في رأسه دون إجابة.
من يعرف بما يحدث؟
ومن أراد أن يصل إلى ياسمين تحديدًا؟
ولماذا أرسل إليها الصور؟
وماذا يريد منهم؟

بقي يحدق أمامه، عاجزًا عن الوصول إلى خيط واحد يقوده إلى الحقيقة... ثم انكسرت صلابته فجأة.

عاد وجه ياسمين إلى ذاكرته.. رآها كما كانت في تلك اللحظات الأخيرة...تحتضنه... تبكي... وصوت بكائها يلاحقه حتى الآن.

سالت دمعة من عينه، ثم لحقتها أخرى.. لم يحاول مسحهما.

بقي ساكنًا، وعيناه محمرتان من الإرهاق والبكاء، بينما كان يستعيد اللحظة التي سقط فيها أمامها.

ذلك الشعور الذي اجتاحه وقتها...كان يظن أنه سيرحل.

كان يشعر أن جسده يخذله، وأن أنفاسه تنسحب منه شيئًا فشيئًا.. وكان آخر ما رآه قبل أن يفقد وعيه هو وجهها.

ظل يتأمله وقتها وكأنه يراه للمرة الأخيرة.. حتى الآن، لم يستطع أن ينسى تلك النظرة.. كم كان قلبه يؤلمه وهو يعتقد أنه سيرحل عنها...وأنه لن يراها مجددًا.

أغمض عينيه للحظات، وانزلقت دمعة أخرى على جانب وجهه.. ثم—

صدر صوت فتح الباب.. فتح فارس عينيه، ونقل بصره ببطء نحو الباب.. توقفت عيناه هناك.

كانت ياسمين... ما إن رأته مستيقظًا حتى تجمدت للحظة عند الباب... اتسعت عيناها، وارتجفت شفتاها، وكأنها لم تصدق ما تراه.

ثم انهمرت دموعها دفعة واحدة... تحركت نحوه بسرعة، ولم تمنح نفسها حتى فرصة للتفكير. أسرعت إلى السرير، وانحنت عليه واحتضنته بقوة.

دفنت وجهها في صدره، وانفجر بكاؤها... لم تستطع أن تتمالك نفسها.. كل محاولاتها لأن تبدو قوية أمامه انهارت في اللحظة التي رأته فيها يفتح عينيه.

شددت ذراعيها حوله، وراحت تبكي بقهر، بينما ارتجف جسدها بين ذراعيه... نظر فارس إليها، ثم إلى ذراعيها المحيطتين به.

اتسعت عيناه قليلًا... بكاؤها... احتضانها.طريقة تشبثها به..... شيء ما في داخله دفعه إلى السؤال.
هل عرفت شيئًا؟
هل عرفت حقيقة مرضه؟

ظل ينظر إليها دون أن ينطق... ثم تحرك بصره نحو الباب... كان نور واقفًا هناك... لم يقل شيئًا.

فقط كان ينظر إلى فارس، والدموع تنساب على وجهه في صمت... ثبت فارس عينيه عليه.

وبين وجه ياسمين الغارق في البكاء، وعيني نور المبللتين.

ابتعدت ياسمين عنه ببطء، وكأنها لا تريد أن تبتعد عنه أصلًا، ثم رفعت كفيها المرتجفين وأحاطت بهما وجهه. راحت عيناها تتنقلان بين ملامحه، تتفحصانه وسط دموعها، قبل أن يخرج صوتها مكسورًا من شدة البكاء:
"أوعى تزعل مني... حقك عليا، متزعلش مني."

ظل فارس ينظر إليها دون أن يجيب.

كانت عيناها أمامه ممتلئتين بالدموع، ووجهها الذي اعتاد أن يراه هادئًا غارقًا الآن في الحزن. لم يستطع أن يحتمل رؤيتها هكذا، ولا أن يرى دموعها تنساب على خديها بسببه.

تجمعت الدموع في عينيه هو الآخر، وبقي ينظر إليها قلبه يؤلمه أكثر مع كل دمعة تسقط منها.

كان نور يتابع المشهد من مكانه.

مرر يده على وجهه، ومسح دموعه سريعًا، ثم أدرك أن وجوده بينهما لم يعد له مكان. لم يقل شيئًا، واكتفى بنظرة أخيرة إليهما قبل أن يستدير ويغادر الغرفة... أغلق الباب خلفه بهدوء، وتركهما بمفردهما.

عاد فارس بنظره إلى ياسمين.

كانت إحدى يديها لا تزال على وجهه، فأمسك كفها برفق، وأنزلها قليلًا، ثم قربها من شفتيه وقبّل باطن كفها بحنان، قبل أن يرفع عينيه إليها من جديد.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، لكنها لم تستطع أن تخفي التعب الذي أثقل ملامحه، وقال بصوت خافت:
"أنا عمري ما أزعل منك مهما عملتي."

ما إن سمعت كلماته حتى انهارت مقاومتها... مالت نحوه، واحتضنته بحذر، ثم دفنت وجهها في صدره، بينما خرج بكاؤها مكتومًا بين ذراعيه:
"ليه خبيت عني؟ ليه يا فارس؟"

رفعت رأسها قليلًا، وبحثت بعينيها المبللتين عن عينيه، ثم قالت بصوت يختنق بين شهقاتها:
"أهون عليك تسيبني لوحدي وتمشي؟... هتخلف بوعد ليا؟ مش إنت دايمًا كنت بتوعدني إنك هتفضل معايا وعمرك ما هتسيبني لوحدي؟... هتخلف بوعدك ليه دلوقتي؟"

لم يجد فارس ما يقوله في البداية.

تحركت عيناه على وجهها، ثم انخفضتا قليلًا، سالت دموعه على خديه... رفع عينيه إليها من جديد، وخرج صوته مثقلًا بغصة واضحة:
"متصعبيهاش عليا يا ياسمين... عايز أعيش الكام يوم اللي فاضلين لي وأنا شايفكم مبسوطين، وأبقى مبسوط معاكم."

تحركت ياسمين بسرعة، ونهضت لتجلس بجواره، وهزت رأسها بعنف رافضة كلماته. رفعت يدها إلى فمه وأغلقت عليه بلطف وهي تبكي:
"لا... متقولش كده."

أبعدت يدها عن فمه، لكنها أبقتها قريبة منه، ثم تابعت وهي تنظر إليه وكأنها تحاول أن تجعله يرى ما تفعله كلماته بها:
"إنت إزاي عايزنا نبقى مبسوطين وإحنا شايفينك بتبعد عننا بالبطء؟"

أمسكت يده بكلتا يديها، ثم وضعتها فوق قلبها.. ارتجفت أصابعها حول يده، وانخفض صوتها حتى خرج موجوعًا من بين دموعها:
"لو جرالك حاجة قلبي هيقف... هموت من غيرك. متسبنيش يا فارس، عشان خاطري متسبنيش وتمشي."

نظر فارس إلى يدها الموضوعة فوق قلبها، ثم إلى وجهها.. لم يستطع أن يبقى بعيدًا عنها.

أمسك يدها وجذبها نحوه، ثم أحاطها بذراعيه وضمها إليه بقوة، ودفن وجهه في كتفها... انفلتت دموعه أخيرًا.. لم يعد يحاول إخفاءها.

كان يبكي بصمت في كتفها، بينما شددت ياسمين ذراعيها حوله أكثر، وكأنها تخشى أن تفلت منه في لحظة، وازدادت شهقاتها الموجوعة وهي تحتضنه.

ظل الاثنان متشبثين ببعضهما، وكل واحد منهما يحاول أن يجد في حضن الآخر شيئًا يخفف عنه وجعه.... 

في الخارج، كان نور يجلس على أحد الكراسي أمام الغرفة، وأسند رأسه إلى ظهر الكرسي وأغمض عينيه، محاولًا أن يمنح نفسه لحظات من الهدوء وهو ينتظر خروج والدته.

لكن صورة والده لم تفارقه.

كلما حاول أن يطردها من رأسه، عادت إليه لحظة سقوط فارس؛ جسده الذي فقد قوته فجأة، وملامحه التي كانت تزداد شحوبًا، وثقل جسده بين ذراعيه وهو عاجز عن فعل شيء له.

انقبض صدره... شد أصابع يده فوق ركبته، يحاول بذلك أن يمنع الألم من التسلل إليه، لكن دمعة ساخنة انزلقت من زاوية عينه، ثم لحقتها أخرى.

فتح عينيه سريعًا، ومسح وجهه بظهر يده، محاولًا أن يخفي أثر دموعه عن أي شخص قد يخرج من الغرفة، ثم أسند رأسه إلى الخلف مرة أخرى وأطلق زفيرًا بطيئًا.

رن هاتفه فجأة.

فتح عينيه واعتدل في جلسته، ومد يده إلى جيبه وأخرج الهاتف. وما إن وقعت عيناه على اسم المتصل حتى هدأت حركته قليلًا.. خديجة.

ضغط زر الإجابة، ثم رفع الهاتف إلى أذنه.

جاءه صوتها من الطرف الآخر هادئًا، لكن القلق كان واضحًا بين كلماتها:
"عمي فارس عامل إيه دلوقتي؟ طمني عليه."

لم يجب نور فورًا.

اتجهت عيناه تلقائيًا إلى باب الغرفة أمامه، وبقي يحدق فيه لثوانٍ، ثم قال بصوت خافت، حاول أن يجعله طبيعيًا:
"كويس."

كانت خديجة قد التقطت التغير في نبرته رغم قصر إجابته، سألته بقلق:
"طيب... إنت كويس؟"

حرك نور رأسه بالإيجاب ، ثم مرر يده على وجهه قبل أن يجيب بالنبرة نفسها:
"كويس."

ظل الهاتف ملاصقًا لأذنه، بينما بقيت عيناه على باب الغرفة.. صمت قليلًا، ثم حاول أن يبعد الحديث عن نفسه فسألها:
"إنتِ عاملة إيه دلوقتي؟ حاسة نفسك أحسن من الأول؟"

جاءه صوتها هادئًا:
"الحمد لله."

في تلك اللحظة، دخلت مريم إلى الغرفة التي تجلس فيها خديجة، وفي يدها كوب من الماء.

تقدمت منها بهدوء، ثم وضعت الكوب أمامها على الطاولة. وما إن وقعت عيناها على الهاتف الذي تمسكه خديجة حتى توقفت لحظة، وعرفت من خلال نظرتها أن المتصل نور.

اقتربت منها وسألتها بلهفة:
"نور؟"

أومأت خديجة برأسها، ثم مدت إليها الهاتف دون تردد.

أخذت مريم الهاتف بسرعة، ورفعته إلى أذنها، وكأنها كانت تنتظر فرصة لتطمئن بنفسها، ثم قالت بلهفة واضحة:
"نور، طمني على عمي... قولي عامل إيه دلوقتي؟ هو كويس؟"

جاءها صوته هادئًا من الطرف الآخر:
"آه، اطمني... الحمد لله."

وضعت مريم يدها على قلبها، وأخرجت زفيرًا طويلًا، ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، رغم بقاء الدموع عالقة في عينيها، ثم قالت:
"طيب الحمد لله... هترجعوا إمتى طيب؟"

تنهد نور، وألقى نظرة أخرى نحو باب الغرفة.. قال بهدوء:
"شوية بس... لما يحس نفسه قادر يمشي هنيجي على طول."

هزت مريم رأسها بابتسامة، وقالت:
"ترجعوا بالسلامة."

ثم أبعدت الهاتف عن أذنها ومدته إلى خديجة.. أخذته خديجة، ونظرت إلى الشاشة قبل أن ترفعه إلى أذنها من جديد.

لكنها فوجئت بأن المكالمة قد انتهت.. توقفت عيناها على الشاشة.

بقيت ساكنة للحظات، والهاتف بين يديها، وكأنها لم تستوعب أنها لم تلحق بسماع صوته.

كانت تريد أن تطمئن عليه بنفسها.. أن تسمع صوته مرة أخرى، حتى لو لدقائق قليلة.

لكن المكالمة انتهت قبل أن تتمكن من ذلك.

خفضت الهاتف ببطء، وظلت عيناها معلقتين بشاشته، بينما تسلل إلى ملامحها حزن هادئ لم تحتج إلى كلمة واحدة لتكشفه..... 

                     ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت أسيل تجلس إلى جوار ابنها على الفراش، وقد عاد حسن إلى وعيه أخيرًا بعد أن أفزعها سقوطه وفقدانه الوعي.

 وما إن اطمأنت إلى أنه أصبح بخير حتى أسرعت باحتضانه، ولفّت ذراعيها حوله بقوة، ثم طبعت قبلة حانية على رأسه. 

أغمضت عينيها للحظة وهي تضمه إليها، وشعور الخوف الذي عاشته قبل قليل لا يزال عالقًا في صدرها.

أما لؤي، فكان يقف قريبًا منهما، وقد بدا أن القلق الذي سيطر عليه طوال الدقائق الماضية بدأ يتراجع، ليحل مكانه ذلك الأسلوب الساخر الذي اعتاد أن يخفي خلفه أي مشاعر لا يريد إظهارها.

نظر إلى حسن، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مشاكسة، ثم قال وهو يهز رأسه ساخرًا:
"وعامِل فيها بطل واتكلم مع الكوبرا عدل ومش عارف إيه، وفي الآخر مجرد ما سمعت صوت رصاص أغمي عليك وشخيت على نفسك."

رفعت أسيل رأسها إليه فورًا، واتسعت عيناها باستنكار، قبل أن تعقد ملامحها باشمئزاز واضح وقالت:
"إيه الألفاظ دي؟"

رفع لؤي حاجبه، وثنى شفتيه في حركة ساخرة، ثم قال وهو ينظر إليها وكأنه يرى اعتراضها مبالغًا فيه:
"يكونش جايه من بلاد برا وأنا معرفش... دي ألفاظك وألفاظي وألفاظ المصريين كلهم، ولا عاملة نفسك مش مننا والبنت الهاي راقية البسكوتاية اللي ما يطلعش من بوقها الغلط أبدًا."

رمقته أسيل بنظرة حادة، وقد بدا على وجهها الضيق من طريقته في الحديث، ثم قالت وهي ترفع ذقنها قليلًا:
"كل ده عشان قلت كلمة؟"

قلب لؤي عينيه بضجر، ثم أطلق زفرة قصيرة وهو يلوّح بيده، وكأنه قرر ألا يضيع وقته في جدال جديد معها: 
"المهم يختي، ابنك واطمنتي عليه، هااا كنتِ عايزة مني إيه بقى؟ وبعدين تعالي هنا... مين الناس اللي ضربوا علينا نار دول؟"

تغيرت ملامح أسيل عند سؤاله.

أبعدت ذراعيها عن حسن، وربتت على كتفه بحنان قبل أن تنهض من جواره. مشت بضع خطوات حتى وقفت أمام لؤي، ثم شبكت يديها أمامها لحظة، وقالت :
"معرفش، بس أكيد يمكن طليقي اللي باعتهم."

قلب لؤي عينيه من جديد، ومال برأسه إلى الخلف وهو يطلق تنهيدة طويلة محملة بالضيق، ثم قال ساخطًا:
"يلعن طليقك على اللي خلفوه، أنا مال أمي؟ دي حوارات بينكم، أنا دخل أمي إيه أموت وسطيكم!"

عقدت أسيل ذراعيها أسفل صدرها، وثبتت عينيها عليه بنظرة جادة: 
"إحنا الاتنين هدفه. إنت لو ما عملتش اللي هما عايزينه هيقتلوك، وأنا لو ما عملتش اللي هما عايزينه هيقتلوني... إحنا الاتنين عدونا واحد، يبقى نتفق ونحط إيدنا في إيدين بعض ونتغدى بيه قبل ما يتعشى بينا."

توقفت كلماتها عند تلك النقطة، وتركت له لحظة يستوعب ما قالت.. ظل لؤي ينظر إليها دون رد.

تراجعت ملامح السخرية عن وجهه قليلًا، وضاقت عيناه وهو يعيد كلامها في رأسه. لم تكن الفكرة سيئة، بل على العكس... ربما كان التعاون معها هو الطريق الوحيد للتخلص من هذا الرجل قبل أن يتمكن من الوصول إليهما.

راقبته أسيل بصمت، وحين طال شروده، رفعت حاجبها قليلًا وقالت:
"ها قولت إيه؟"

رفع لؤي يده إلى ذقنه، وحكها بأصابعه وهو لا يزال غارقًا في التفكير. ظل على حاله لثوانٍ، ثم رفع عينيه إليها، وقال :
"ماشي موافق... عشان بس أخلص منك ومن طليقك ده."

ارتسمت على وجه أسيل ابتسامة خفيفة، وكأنها كانت تتوقع موافقته، فهزت رأسها برضا.

لكن لؤي لم يبعد عينيه عنها.. ظل ينظر إلى ابتسامتها للحظات، ثم انتقلت عيناه دون وعي إلى وجهها، واستقرتا عند عينيها.. تأمل ملامحها في صمت.

كانت عيناها تشبهان عيون الغزال... واسعتين، صافيتين، تحملان شيئًا جعله يتوقف عندهما أكثر مما ينبغي.

ظل يحدق بها للحظات، قبل أن يتسلل إلى ذهنه سؤال غريب:
كيف لم يلاحظ هذا الجمال من قبل؟

انتبهت أسيل إلى شروده، فمالت برأسها قليلًا وهي تراقب عينيه الثابتتين عليها، ثم رفعت إصبعها أمام وجهه وحرّكته أمام عينيه قائلة:
"إنت سرحت فين؟"

انتفض لؤي قليلًا،. حمحم، وأبعد عينيه عنها بسرعة، ثم حاول أن يخفي ارتباكه بإعادة نبرة السخرية إلى صوته:
"هكون سرحت في إيه يعني... إلا قوليلي صح إنتِ لحد دلوقتي ما قلتيش طليقك ده يبقى مين؟"

أنزلت أسيل يدها، وتبدلت ابتسامتها إلى ملامح أكثر هدوءًا، لكنها لم تخفِ الضيق الذي تسلل إلى عينيها بمجرد التفكير في ذالك الرجل.. أخذت نفسًا قصيرًا، ثم قالت:
"مهران... اسمه مهران. يمكن ما تعرفوش، لكن لما تشوفوه هتعرفوا."

ما إن سمع لؤي الاسم حتى عقد حاجبيه قليلًا.

مرّ الاسم في ذهنه كشيء سمعه من قبل، لكنه لم يستطع أن يمسك بالذكرى أو يربط الاسم بشخص محدد.

ظل يحاول التذكر لثوانٍ، ثم أطرق رأسه بلا اهتمام، وكأنه قرر تأجيل التفكير فيه إلى وقت آخر.. رفع عينيه إليها وسأل:
"طيب المفروض مني بقى أعمل إيه دلوقتي؟"

ارتسمت على وجه أسيل ابتسامة واثقة.. كانت قد اتخذت قرارها بالفعل، وبدا من نظرتها أنها تعرف تمامًا الخطوة التالية.. قالت بثقة:
"هقولك تعمل إيه."

               ♡   ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

دخل نور إلى المنزل وهو يسند والده من إحدى جهتيه، بينما كانت ياسمين تسنده من الجهة الأخرى. كان فارس يسير بخطوات بطيئة .

 بدا التعب واضحًا على ملامحه؛ وجهه شاحب، وأنفاسه أثقل من المعتاد، وجسده يميل قليلًا مع كل خطوة، حتى أصبح اعتماده على نور وياسمين واضحًا.

كانت ملامح ياسمين حزينة بشدة، وعيناها لا تفارقان وجهه، تراقب كل حركة منه بقلق، تخشى أن ينهار مرة أخرى أمامها.

وما إن رأته مريم حتى نهضت بسرعة من مكانها، وانفرجت ملامحها عن ابتسامة امتزجت بالفرحة والخوف في آنٍ واحد. أسرعت نحوه، وما إن اقترب منها حتى احتضنته بقوة، وانهمرت دموعها وهي تقول:
"حمد لله على سلامتك يا عمي."

ابتسم فارس ابتسامة مرهقة، ورفع يده بصعوبة ليربت على ظهرها بحنان، محاولًا أن يطمئنها رغم الإرهاق الظاهر عليه.

ابتعدت مريم عنه ببطء، وظلت تنظر إلى وجهه للحظات، وكأنها تتأكد بنفسها أنه بخير.

اقتربت خديجة منه، وظهرت ابتسامة خفيفة أسفل نقابها، ثم قالت بصوت هادئ :
"عامل إيه دلوقتي طمني عليك."

هز فارس رأسه ببطء، وكأن حتى هذه الحركة الصغيرة أثقلت عليه، ثم أجاب بصوت خافت مرهق:
"الحمد لله."

صمت لحظة، ثم رفع عينيه إليها وسألها:
"إنتِ عاملة إيه؟"

أجابته خديجة بهدوء، رغم الحزن المختبئ في نبرتها:
"الحمد لله بخير، دامك إنت بخير يا عمي."

ظلت ياسمين إلى جواره، تمسك يده برفق، ثم قالت بصوت منخفض وهي تشير إلى الغرفة:
"تعال أخدك على الأوضة ترتاح شوية."

أومأ فارس برأسه بتعب دون أن ينطق بكلمة.

أعادت ياسمين الإمساك به، وأسندته معها، ثم أخذته باتجاه غرفته بخطوات هادئة، بينما ظل نور واقفًا يراقبهما بصمت.

تابعتهما مريم بنظرات قلقة حتى اختفيا داخل الغرفة، ثم عادت ببصرها إلى نور.. كان القلق قد ازداد على وجهها.. قالت بصوت متوتر:
"شكله تعبان أوي... هو الدكتور قالكم إيه؟"

ظل نور صامتًا.. لم يجب.. ثبت عينيه للحظات على باب الغرفة التي دخل إليها والده، ثم انخفض بصره.

بدأت الدموع تتجمع في عينيه من جديد، وحاول أن يحبسها، لكنه لم يستطع منع دمعة واحدة من الانزلاق على خده.

أدار وجهه سريعًا إلى الجانب، ومسحها بظهر يده قبل أن تراها مريم، لكنه لم ينجح في إخفاء ارتباكه.

اتسعت عينا مريم خوفًا.. اقتربت منه خطوة، ثم أخرى، حتى وقفت أمامه تقريبًا، وقالت بقلق أشد:
"نور... عمي فارس ماله؟"

لم يجب.. كانت شفتاه تتحركان وكأنه يريد الكلام، لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقه.

نظرت خديجة إلى نور بحزن شديد، ثم قالت بصوت خافت:
"عمتي عرفت؟"

هز نور رأسه ببطء، دون أن ينطق.

توقفت مريم بينهما، وانتقلت عيناها من نور إلى خديجة، وقد ازدادت ملامحها ارتباكًا وخوفًا: 
"عرفت إيه؟"

ثم اقتربت أكثر، وأخذ صوتها يرتجف:
"فهميني في إيه... حد يرد عليا، فهموني في إيه؟"

خفضت خديجة رأسها.. تجمعت الدموع في عينيها، ثم انسابت بهدوء على خدها.. رأت مريم دموعها، فتغيرت ملامحها بالكامل.

اقتربت منها بسرعة، وأمسكت يدها بكلتا يديها، وقالت بصوت مختنق بالخوف:
"خديجة... قوليلي في إيه؟"

رفعت خديجة عينيها إليها.

ترددت للحظات، وكأنها تبحث عن طريقة تخبرها بها دون أن تحطمها، ثم بدأت تشرح لها ما حدث؛ أخبرتها عن مرض فارس، وعن أن العلاج لم يعد ينفع معه، وأن ما تبقى له لم يعد كثيرًا، وأنه قد يفارقهم بعد وقت قصير.

ظلت مريم تستمع إليها دون أن تقاطعها.. كل كلمة كانت تصل إليها كانت تسحب شيئًا من ملامحها.

اتسعت عيناها، وتجمدت نظرتها، ثم بدأت الدموع تتجمع فيهما شيئًا فشيئًا قبل أن تنساب على خديها بغزارة.

هزت رأسها بعنف، وكأنها تحاول طرد ما سمعته من عقلها، ثم قالت بصوت مرتجف:
"لا... إنتِ بتهزري معايا، صح؟ بالله عليكي قوليلي إنك بتهزري."

هزت خديجة رأسها ببطء، والدموع تنساب من عينيها دون توقف، وقالت بصوت موجوع:
"للأسف... دي الحقيقة يا مريم."

شهقت مريم.

رفعت يدها بسرعة إلى فمها، وضغطت عليها لتكتم شهقات بكائها، لكن دموعها انهمرت بغزارة، وراحت تهز رأسها بعنف، رافضة أن تستوعب ما قيل لها.

بدت وكأنها تنتظر من خديجة أن تتراجع عن كلماتها، أن تقول لها إنها أخطأت، أو أن كل ما سمعته مجرد سوء فهم.

لكن خديجة لم تقل شيئًا.

اقتربت منها، ومدت ذراعيها وسحبتها إلى حضنها.. ما إن شعرت مريم بذراعي خديجة حولها حتى انهارت تمامًا.

أحاطت بها بذراعيها بقوة، ودفنت وجهها في كتفها، وانفجرت في بكاء موجوع، خرجت معه كلماتها متقطعة بين شهقاتها:
"لا... هو مش هيسيبنا صح... هيفضل معانا."

اشتدت قبضتها حول خديجة، بينما ظلت دموعها تنساب بلا توقف.

أسندت خديجة رأس مريم إلى كتفها، وراحت تضمها بصمت، لكن عينيها كانتا ممتلئتين بالدموع هي الأخرى.

رفعت بصرها للحظة، فوق كتف مريم، نحو نور.. كان يقف بعيدًا عنهما، يعطيهما ظهره.

بقي ساكنًا لثوانٍ، كتفاه مشدودتان، ورأسه منخفض قليلًا، وكأنه لم يعد قادرًا على الوقوف وسط هذا الانهيار أكثر.

ثم أخذ نفسًا عميقًا، ومسح وجهه سريعًا، قبل أن يتحرك نحو الباب.. لم يلتفت إليهما.. فتح الباب وغادر المنزل، ثم أغلقه خلفه بهدوء.

ظلت خديجة تنظر إلى الباب المغلق للحظات، ثم عادت إلى مريم.

أسندت هي الأخرى رأسها إلى كتف مريم، وكأنها لم تعد قادرة على إخفاء ألمها، وانسابت دموعها بصمت قبل أن يتحول صمتها إلى بكاء خافت.

وهكذا بقيت الاثنتان متعانقتين، كل واحدة منهما تبكي في كتف الأخرى.... 

                 ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت كاميليا تقف إلى الجهة اليمنى، بينما وقف يوسف إلى الجهة اليسرى، تتوسطهما ميرال، وأمامهم طاولة فارغة لا يشغل سطحها شيء.

ساد بينهم صمت قصير، قبل أن تفتح ميرال كفها ببطء، كاشفة عن حقنة معبأة بمادة ما داخلها. بقيت الحقنة مستقرة بين أصابعها، بينما انعكست نظرتها عليها للحظات، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة. 

تعلقت عينا يوسف بالحقنة، وانعقدت ملامحه في حيرة، بينما اكتفت كاميليا بالنظر إلى ميرال بهدوء، تراقبها دون أن تسأل.

رفعت ميرال عينيها إلى يوسف، وظلت ابتسامتها الخبيثة مرتسمة على وجهها، ثم قالت بنبرة تحمل شيئًا من المكر:
"هتاخد الحقنة دي وتعمل اللي هقولك عليه بالظبط."

مد يوسف يده وأخذ الحقنة منها، لكنه ظل يحدق فيها بحيرة، يقلبها بين أصابعه وكأنه يحاول أن يفهم ما الذي تخطط له.. رفع عينيه إليها وقال:
"هنعمل بيها إيه الحقنة دي؟"

نظرت ميرال إليه، واتسعت ابتسامتها أكثر، ثم حركت رأسها نافية، وقالت بنبرة ساخرة:
"تؤتؤ... مش حقنة واحدة."

انخفضت أسفل الطاولة، واختفت للحظة عن أنظارهم، ثم أخرجت حقيبة طبية كانت مخبأة أسفلها. وضعتها أمامها وفتحتها، كاشفة عما بداخلها، ثم قالت:
"دي حقن."

انحنى يوسف قليلًا، واتجهت عيناه إلى الحقيبة، بينما اقتربت كاميليا بنظراتها منها.. كانت الحقيبة ممتلئة بالحقن من المادة نفسها.

ثم ارتسمت على وجه كاميليا ابتسامة خبيثة، واتسعت نظرتها قليلًا بعدما أدركت ما تفكر فيه ميرال. التفتت إليها، وكأنها فهمت مقصدها دون الحاجة إلى مزيد من الشرح، وقالت:
"دا الوقت المناسب ليها."

تنقل يوسف بنظره بينهما، ثم عاد ينظر إلى الحقيبة والحقنة التي ما زالت في يده. كانت ملامحه تعكس محاولته لفهم ما يدور في عقليهما، قبل أن يسأل:
"هعمل إيه بالحقن دي كلها؟"

رفعت كاميليا عينيها إليه، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وقالت:
"هتاخد الحقن دي وتحقنها لكل مريض في المستشفى بتاعت فارس."

اتسعت عينا يوسف في ذهول، وانعقد حاجباه بقوة، وهو ينظر إليها غير مستوعب لما تطلبه منه.. قال:
"ودي أعملها إزاي دي من غير ما حد ياخد باله؟"

التفتت ميرال إليه، وتبدلت ملامحها إلى الضيق، لا تريد سماع المزيد من الأسئلة. نظرت إليه بثبات، وقالت بلهجة حاسمة:
"اتصرف... المهم الليلة عايزة العيانين اللي في المستشفى كلهم يتحقنوا بالحقن دي، إنت فاهم كبير وصغير."

ظل يوسف صامتًا.. انخفض بصره إلى الحقنة المستقرة في يده، ثم انتقل إلى الحقيبة الممتلئة بالحقن أمامه. بقي للحظات يتأملها، وكأن عقله يستوعب حجم ما طُلب منه.. ثم رفع رأسه قليلًا، وهزها بالطاعة.... 
تعليقات



<>