رواية قهوة بالبندق الفصل الثاني2 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب

رواية قهوة بالبندق الفصل الثاني2 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب
​داخل غرفة التحقيق الضيقة بمقر وحدة المباحث، كان الهواء مشبعًا برائحة الرطوبة وأوراق القضايا القديمة. لم يكن هناك سوى مكتب خشبي متهالك، مقعدين متقابلين، ومصباح وحيد يتدلى من السقف يرسل إضاءة صفراء باهتة تسلط الضوء على التفاصيل الدقيقة لملامح الجالسين.
​كان "ساهر" يجلس على الكرسي الهزيل، يشبك يديه بقوة ويضغط بأصابعه على بعضها حتى ابيضت عقدها. كان يرتدي سترة شبابية أنيقة، لكن هندامه لم يخفِ علامات التوتر الجليّة؛ عيناه الزائغتان كانتا تتحركان في زوايا الغرفة برعب، وحبات العرق بدأت تتسلل من منبت شعره رغم برودة التكييف الموجه نحوه مباشرة.
​دخل الضابط مهران إلى الغرفة ببطء مدروس. لم ينظر إلى ساهر فور دخوله، بل اتجه إلى مكتبه، وضع مفاتيحه وهاتفه بصوت مسموع، ثم سحب كرسيه وجلس بوقار وهدوء يزيد من هيبة الموقف.
​أخرج مهران سيجارة أخرى، أشعلها، ونظر إلى ساهر من خلال الدخان الكثيف بنظرة فاحصة اخترقت صمت المكان.
​ "منور يا ساهر.. أظن عارف أنت هنا ليه؟" قالها مهران بنبرة هادئة للغاية، هدوء ما قبل العاصفة.
​ابتلع ساهر ريقه بصعوبة، وحاول جاهداً أن يظهر بمظهر المتفاجئ المستنكر:
 "لا يا فندم.. والله ما أعرف. أنا كنت خارج من المحاضرة ولقيت رجالة حضرتك بيوقفوني وبيجيبوني هنا كأني مجرم! أنا طالب في كلية محترمة وأهلي ناس معروفين..."
​قاطعه مهران بضربة خفيفة لكنها حاسمة ببطن كفه على المكتب، مما جعل ساهر يتراجع بجسده للخلف فجأة:
 "سيبك من ديباجة 'أهلي ناس معروفين' دي عشان مأكلتش معايا عيش قبل كده.. خلينا في المهم. سهير فين يا ساهر؟"
​تظاهر ساهر بالدهشة، لكن رعشة طفيفة في شفته السفلى فضحت أمره:
 "سهير؟ زميلتنا في الدفعة؟ وأنا مالي بيها يا فندم؟ هي اختفت فعلاً زي ما الدفعة كلها بتقول، بس أنا إيه علاقتي بالموضوع؟"
​مال مهران بجسده للأمام، وابتسامة باردة ساخرة ترتسم على شفتيه:
 "علاقتك بيها؟ علاقة جوز بمراته.. ولا تحب أقول علاقة ورق عرفي مالوش قيمة؟"
​سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس ساهر. شحب وجهه تمامًا واختفت كل مظاهر التماسك التي حاول التشبث بها. تطلع إلى مهران بعيون متسعة بالرعب، ولم يقو على النطق بحرف واحد.
​أكمل مهران نبرته الصارمة، مستغلاً صدمة الشاب:
"صاحبتها رويدا حكت كل حاجة. الجوازة العرفي، والحمل، وفكرة الإجهاض اللي كنتوا بتخططوا ليها. يعني من الآخر كده.. مفيش داعي للإنكار واللف والدوران. سهير راحت فين؟ هل هربتوا سوا؟ ولا عملت فيها إيه لما رفضت تنزل الطفل؟"
​تأرجح ساهر في مقعده، ووضع يديه على رأسه وهو يئن بضعف:
 "يا باشا والله العظيم ما هربنا ولا لمستها! أنا.. أنا فعلاً اتجوزتها عرفي، كنا بنحب بعض . ولما قالت لي إنها حامل الدنيا اسودت في عيني. أنا لسه بدرس، وأبويا لو عرف هيقـتلني وينهي حياتي."
​"عشان كده قررت تخلص منها؟" سأله مهران بنبرة حادة كالموس.
​ "لا! لا يا فندم أبداً!" صرخ ساهر بلهفة وخوف حقيقي: "أنا طلبت منها ننزل البيبي وهي رفضت وخافت، وقالت لي إن رويدا كمان رفضت تساعدها. أنا شفتها آخر مرة من عشرة أيام.. كنا بنتخانق في العربية بتاعتي عشان الموضوع ده. هي صممت تحتفظ بالطفل وتواجه أهلي وأهلها، وأنا اتعصبت عليها ورميت لها الورقة العرفي وقلت لها 'أنتِ مش مراتي ومعنديش ليكي حاجة'.. نزلت من العربية وهي بتصرخ وبتعيط، وجريت في الشارع. ومن ساعتها والله العظيم ما شفتها ولا أعرف عنها حاجة!"
​شبح الشك تضاعف في عقل مهران. تراجع بظهره إلى الخلف واضعًا ذقنه بين سبابته وإبهامه:
— "نزلت فين بالظبط يا ساهر؟ وفي أي ساعة؟"
​— "كانت الساعة حوالي تسعة بالليل.. عند طريق المحور، الحتة المقطوعة اللي مفيهاش محلات كتير."
​ضيق مهران عينيه. المكان الذي ذكره ساهر مظلم وخالٍ من الكاميرات في بعض أجزائه، مما يجعل احتمالات ما حدث لسهير بعد نزولها مرعبة ومتشعبة.
​في هذه اللحظة، رن جرس هاتف مهران الخاص. أخرجه من جيبه ببطء ليجد اسم المساعد "بهاء" يضيء الشاشة. أشار لساهر بالصمت وضغط زر الرد:
 "إيه يا بهاء؟ وصلت لحاجة؟"
​أتاه صوت بهاء من الطرف الآخر متوترًا وسريعًا:
— "يا مهران باشا.. تتبعنا تليفون سهير الأخير قبل ما يتقفل تمامًا. الإشارة الأخيرة مكنتش من عند المحور زي ما أصحابها قالوا.. الإشارة طلعت من منطقة الملاحات المهجورة على أطراف المحافظة!"
​تصلب جسد مهران، ونهض واقِفًا وعيناه تطلقان شررًا باتجاه ساهر الجالس برعب:
"الملاحات؟ والتليفون اتقفل هناك؟"
​ "تمام يا فندم.. وقوة من القسم اتحركت للموقع، ولقوا حاجة تانية مرعبة..." صمت بهاء لثانية قبل أن يكمل: "لقينا شنطة يد حريمي مطابقة لشنطة سهير، وعليها بقع دم ناشفة!"
​تجمد الدم في عروق مهران، ونظر إلى ساهر الذي انكمش على نفسه كالمذنب الصغير، وشعر الضابط أن فنجان قهوة البندق اللذيذ الذي بدأ القصة، قد انسكب بالكامل ليرسم طريقًا ملوثًا بالدماء.
أغلق مهران الخط دون أن ينطق بكلمة أخرى، ووضع الهاتف في جيبه ببطء شديد تضاعف معه رعب ساهر. التفت مهران بكامل جسده نحو الشاب، وعيناه تحملان نظرة موت لم يألفها ساهر من قبل.
​خطا مهران خطوات بطيئة هادئة، والتف حول المكتب حتى وقف مباشرة خلف ظهر ساهر، ثم انحنى قليلًا ليهمس بجانب أذنه بصوت يشبه فحيح الأفعى:
 "طريق المحور يا ساهر؟ نزلتها عند المحور الساعة تسعة بالليل؟"
​انتفض ساهر وتراجع برأسه للخلف بذعر:
 "والله العظيم ده اللي حصل يا باشا! أنا مش بكذب!"
​"تليفون سهير اتقفل في الملاحات المهجورة على أطراف البلد يا روح أمك!" صرخ مهران فجأة بقوة هزت أرجاء الغرفة، وضغط بيده بقسوة على كتف ساهر حتى صرخ الشاب متألمًا. "الملاحات! والرجالة لسه لاقيين شنطتها هناك وعليها دم! يعني إيه؟ يعني البنت اتقتلت واترمت هناك! انطق يا ساهر.. قتلتها ووديت جثتها فين؟!"
​انهار ساهر تمامًا، وسقط من على المقعد جاثيًا على ركبتيه فوق الأرضية الباردة، يبكي بهستيرية ويقسم بأغلظ الأيمان:
"لا.. لا والنعمة الشريفة ما لمستها! أنا سبتها عند المحور والله! مقتلتهاش.. أنا أخاف أدبح فرخة! أقتلها هي ازاي؟! صدقني يا باشا، تلاقيها هي اللي راحت هناك أو حد خطفها.. أنا مليش دعوة بالدم ده!"
​نظر مهران إليه باحتقار، ثم داس بجانب حذائه على الأرض بقوة قرب يد ساهر المرتجفة وقال:"هنعرف كل حاجة في النيابة.. والطب الشرعي هيفحص عربيتك حتة حتة، ولو لقينا نقطة دم واحدة تخص سهير.. اعتبر رقبتك طارت."
​استدعى مهران العسكري بصوت جهوري:
 "يا عسكري! خده على الحجز.. واقفل عليه لحد ما نرجع من الملاحات."
​سحب العسكري ساهر وهو يصرخ ويبكي مستغيثًا، بينما وقف مهران يلمس ذقنه بتفكير عميق. هناك حلقة مفقودة في هذه السلسلة. ساهر يبدو جبانًا ورعديدًا، وخوفه يبدو حقيقيًا لدرجة تجعل فكرة ارتكابه لجريمة قتل مروعة ونقل الجثة للملاحات أمرًا يصعب تصديقه بالكامل.. ولكن، من غيره يملك دافعًا للتخلص منها؟
​في الملاحات المهجورة — بعد منتصف الليل
​كانت الأضواء الزرقاء والحمراء لسيارات الشرطة تنعكس على الكثبان الملحية البيضاء، محولة المكان إلى لوحة سريالية مرعبة. الرياح الباردة كانت تعصف بالمكان المهجور، مثيرة الغبار الأبيض الذي يغطي كل شيء.
​ترجل مهران من سيارته، واضعًا يديه في جيبي معطفه الطويل، وتقدم نحو معاون المباحث "بهاء" الذي كان يقف برفقة خبير الأدلة الجنائية حول بقعة معينة.
​ "وصلتوا لإيه يا بهاء؟" سأل مهران وعيناه تتفحصان المكان.
​أشار بهاء بكشاف إضاءة قوي نحو شنطة يد نسائية زرقاء اللون، كانت ملقاة فوق تلة من الملح الملوث بالأتربة. وبجانبها، بدت بقع داكنة جافة واضحة بشدة على البياض الناصع للملح.
​— "الشنطة هي بتاعت سهير يا فندم، رويدا أكدت مواصفاتها لما بعتنا ليها صورتها. وجواها بطاقتها الشخصية وكارنيه الكلية. والبقع دي بنسبة 90% دم بشري.. بس الغريب يا فندم..." صمت بهاء مترددًا.
​— "إخلص يا بهاء، غريب إيه؟" قال مهران بنفاذ صبر.
​— "الغريب إننا فتشنا المنطقة دي كلها بمسافة اتنين كيلو متر مربع، ومفيش أي أثر لجثة! مفيش حفر، مفيش آثار سحب، ومفيش غير آثار إطارات عربية واحدة جت هنا ولفّت ورجعت تاني.. والآثار دي لسه جديدة، يعني من حوالي يومين بالكتير."
​انحنى مهران على ركبتيه متأملًا آثار الإطارات العميقة في الملح اللين. ضيق عينيه وركز كشاف هاتفه عليها. لم تكن هذه الآثار لإطارات سيارة ساهر الصغيرة الـ (هيونداي) التي رآها في فناء المركز؛ هذه الآثار كانت عريضة وعميقة.. آثار سيارة دفع رباعي ضخمة!
​أمسك مهران بحفنة من الملح المخلوط بالدم الجاف، وفركها بين أصابعه وهو يتمتم:
"الدم ده لسه مكملش أسبوع.. والشنطة هنا.. بس صاحبة الشنطة مش هنا. ساهر مبيملكش عربية بالحجم ده.. ولا رويدا."
​وقف مهران ونفض يديه، والتفت إلى بهاء قائلًا بنبرة غامضة:
— "البنت دي متقتلتش هنا يا بهاء.. البنت دي اتخطفت، أو فيه حد تاني دخل الخط عشان يداري على الفضيحة بطريقته الخاصة. عاوزك تجيب لي كشف كامل بكل المكالمات اللي استقبلتها سهير في آخر 48 ساعة قبل اختفائها.. مش المكالمات الصادرة بس. وعاوز تفتيش دقيق لبيت أهلها من غير ما يحسوا.. تفتكروا أهلها ميعرفوش حاجة بجد عن جوازها العرفي؟"
​أومأ بهاء برأسه طاعةً، بينما تطلع مهران إلى الأفق المظلم للملاحات، شاعرًا أن رائحة قهوة البندق التي بدأت بها القصة، لم تكن سوى قشرة حلوة تخفي خلفها مرارة مؤامرة أعمق وأكثر كوابيس مما يتخيل الجميع.
تعليقات



<>