
رواية براعم الحب الفصل السادس والثلاثون36 بقلم رشا عبد العزيز
وهل للمحبين سلطة على تلك القلوب العاشقة؟ تميل في غير أوانها، وتعشق رغم تعقلها، تسقط صريعة مشاعر أنكرتها، تغمض عينيها عن الواقع وتنسى الحقيقة تحت سحب عالم من الخيال، تحلق فيه كفراشة تتذوق حريتها؛ قبل أن تفقد كحل أجنحتها من لمسة الواقع المرير.
ظل يطالعها بذهول، فقد فاجأته ردة فعلها بعد أن ظن أنها تتقبل علاقتهم، لكن حركتها حطمت ظنونه وخذلت قلبه الذي بدأ ينبض لها.
_بس أنتِ مراتي.
بدا جسدها يرتعش، ودموعها تسبق كلماتها؛ فعادت تهز رأسها برفض.
_لا، أنت وعدتني أن جوازنا عشان تساعدني أكمل دراستي وبس.
أطرق رأسه بخيبة أمل، فقبض على يده بغضب يلوم نفسه على ضعفه أمامها، ليرفع رأسه يبتسم بحزن ويقول:
_عندك حق، أنا وعدتك.
ثم سخر متألمًا، فخرجت كلماته بتهكم كجمرات لسعت قلبه المجروح:
_آسف، هحافظ على وعدي وحدودي معاكِ.
ليهب ناهضًا ويهرب من أمامها بخطوات مسرعة. نظرت إلى أثره بحزن، تدرك أنها أوجعته، لكنها لا تريد أن تصبح مجرد نزوة في حياته، وأن لا تدفع ثمنًا لمعروفه بعلاقة تؤذيها وتترك ندوبًا في قلبها الذي مزقته جراح الماضي، أو ربما قالت ذلك لأنها تظن أنه يستحق الأفضل.
فقاد سيارته بجنون وبلا وجهة معينة؛ كان يسير كتائه، حتى توقف في مكان منعزل ليضرب على عجلة القيادة بقوة ألمت يده يوبخ تهوره:
_غبي... غبي... ضعفت ليه؟
سند جبهته على عجلة القيادة يلهث أنفاسه الغاضبة مدة من الوقت، قبل أن يعتدل ويشرد، فيدخل بنوبة من الضحك ساخرًا من نفسه:
_شفتي يا "ماما"؟ كنت خايفة أنها تحبني وأخذلها، أهو ابنك هو اللي حبها واتخذل!
مسح دموعه العالقة بين أهدابه بخجل، لا يعلم أهي دموع سخريته أم قهره.
*******************************
عاد إلى المنزل ليتجمد عند عتبة الباب وصوت "أصيل" يصل إلى مسامعه، وقف يحاول أن يجمع شتاته، وفكرة واحدة اقتحمت رأسه: هل "أصيل" جاء لينفذ طلبها وسياخذها معه؟ ابتلع ريقه بخوف بعد أن هاجمته تلك المخاوف تطيح بثباته، ليستند على الباب يحاول استجماع قوته، حتى صدحت ضحكات "أصيل" و"مليكة"، لتعود الدماء تسير بين أوردته بعد تيبسها من شدة خوفه.
اطمأن قلبه قليلًا ليبتسم بتلقائية عندما سمع صوتها الذي اشتاق إلى سامعه، أغمض عينيه يستمتع بصوت ضحكتها التي افتقدها منذ أن فرضت عليه ذلك العقاب القاسي؛ فهجرها كان صفعة لكبريائه وغروره، وربما يكون جفاؤها رشقة ماء توقظه ليعود إلى صوابه.
ظل يسترق السمع، يختطف من الزمن تلك اللحظات التي أنعشت قلبه بسماعها، حتى قرر الدخول ليلقي التحية على "أصيل":
_أهلاً... أهلاً يا "أصيل"، منور.
نهض "أصيل" يلقي عليه التحية باحترام ليتيقن أنها لم تخبره شيئًا:
_أهلاً يا أبو نسب، ألف مبروك يا "حسن".
الله يبارك فيك، عقبالك.
توردت وجنتا "مليكة" وهي ترى ابتسامة "أصيل":
_إزيك يا "لوكا"؟ عاملة إيه؟
الحمد لله، تسلم يا حبيبي.
_اقترب "حسن" منها بتوجس وهو يرى تجهم وجهها، لكنه استغل الفرصة وانحنى يقبل رأسها:
_إزيك يا حبيبتي؟
لم تجب عليه ليحاول أن يتجاوز بسرعة حتى لا ينتبه "أصيل":
_إزاي الأهل يا "أصيل"؟ إن شاء الله تكونوا بخير.
ابتهج "أصيل" يسرد عليه سعادة والدته بحمل شقيقته، وكم أرسلت معه هدايا لها وبعض الأطعمة التي تحبها؛ لأنها في وقت وحام ويجب أن تأكل كل ما ترغبه:
_ومش هقلك يا سيدي كمية الوصايا والتعليمات.
ضحك "حسن" يخطف نظرة نحو "سندس" التي ابتسمت بعين دامعة شوقًا لحضن والدتها التي تتمنى أن ترتمي داخله وتشتكي لها، لكنها لا تستطيع فعل ذلك؛ ستكتم جراحها مرغمة وترتدي قناع سعادتها المزيف.
خفق قلبها بقهر وهي تسمع توصيات "أصيل" له:
_مش هوصيك يا "حسن" على "سندس".
جلس "حسن" بجانبها وضمها رغم ضيقها ورفضها غير المعلن:
_"سندس" في عنيا يا "أصيل"، ما تخافش.
كلماته كانت كملح رُش على جرحها منه، وكادت دموعها أن تخونها، لكنها قاومت عباراتها أمام شقيقها. ودعها "أصيل" يحتضنها، لتنساب دموعها تنزل على وجنتها رغم أنها جاهدت أن تمنعها لتتلافى انهيارها وترسم ابتسامة كاذبة تودعه.
غادر "أصيل" و"مليكة"، لينظر لها يسألها بلهفة:
_حبيبتي، أكلتِ؟
لم تجبه وعادت إلى صمتها تتجاهل كلماته، تنهد بيأس وغادر لتحرر دموعها الحبيسة في حضوره.
أما خلف باب شقتهم المغلق، سار "مليكة" و"أصيل"، لتشهق بفزع عندما وجدته يمسك عضدها ويدعي ضيقه يعاتبها:
_إيه يا هانم كلمة "حبيبي" اللي سمعتها من شوية؟
عقدت حاجبيها بدهشة تحاول أن تفهم مقصده لتسأله بحيرة:
_حبيبي إيه؟ مش فاهمة.
امتعض وجهه بعبوس مزيف:
_حبيبي اللي قولتيها لـ"حسن"!
انفلتت ضحكاتها باستغراب وقالت بدهشة:
_أنت بتغير من "حسن"؟
ليقول بحدة مصطنعة:
_أيوه، كلمة "حبيبي" دي بتاعتي أنا، ما تتقالش غير ليه.
ثم رفع سبابته أمام وجهها محذرًا:
_أوعى أسمعك تقولي "حبيبي" لحد غيري، أنا بس اللي حبيبك.
ادعت رضوخها لكلامه وهي تنظر له ببراءة، تخبره بنبرة عاشقة:
_حاضر يا حبيبي.
اتسعت ابتسامته يحيطها بنظرة مغرمة ويقول بهيام:
_قوليها تاني كده.
لتقول بصوت منخفض تعمدت بطء حروف كلمته:
_حبيبي.
_يا روح حبيبك!
ليرفع يده يدعو:
_يا رب صبرني السنتين دول.
ثم أشار لها نحو الأمام:
_يله قدامي قبل ما أتهور وأتمسك بفعل فاضح وسط بيتكم، خليني أشوف عمي "علي" قبل ما أمشي.. يله بدل ما أعمل فضيحة.
كتمت ضحكاتها وهي تسرع الخطى تسبقه بخجل، وهو يتبعها بسعادة.
********************
أوقظها رنين هاتفها، لتفتح عينيها بنعاس، مدت يدها تلتقط الهاتف، رفعته تطالع هوية المتصل، دعكت عينيها لتستطيع أن ترى بوضوح، فتحت عينيها على وسعها عندما رأت اسمه لتجيبه بلهفة:
_ألو "حسين".
صباح الخير، أوعى أكون صحيتك من النوم.
خفق قلبها وأذنها تسمع صوته بشوق، وتجيبه بعد أن تطلعت لشاشة هاتفها تستبين الوقت:
_لا ولا يهمك... كنت هصحى أصلاً عشان ميعاد المكتب.
_شاطرة، موظفة ملتزمة كده، ليكِ مني مكافأة لما أرجع.
اتسعت ابتسامتها وقالت بفخر:
_أيوه طبعًا، أمال أنت فاكر أني هكسل عشان مرات المدير؟
صمت؛ كان تلك الكلمة تحيي ذلك الجرح العميق في قلبه العاشق، ليسمع صوتها تناديه:
_"حسين"، رحت فين؟
_معاك يا قمر..
_هترجع أمتى؟
سؤال نطقه قلبها بشوق قبل لسانها:
_مهو أنا اتصلت بيكِ عشان كده؛ أنا مش هقدر أرجع الأيام دي، المشروع محتاج وجودي، وعندي اجتماع مع المهندسين قبل التنفيذ، فاحتمال أن أمد وجودي كمان أسبوعين.
_أسبوعين؟
كررت المدة بحزن، كيف ستتحمل تلك المدة بدونه؟
_أيوه يا قمر، يا ريت تبلغي "سالي" عشان تنظم مواعيد المكتب وتنظم الشغل.
نهشت الغيرة قلبها عندما ذكر اسم "سالي"، لتقول بضيق:
_ليه؟ هي "سالي" ما تعرفش؟
_لا، أنا ببلغك عشان تديها خبر.
ابتهج قلبها برضا عندما أخبرها أنها أول من علمت بتغيبه:
_حاضر يا "سونه".
خرج لفظ دلعه دون قصد منها، لكن ربما سعادتها جعلتها تلقائية، ارتبك هو وظن أن أذنه قد أخطأت بما سمعت فتجاهل الأمر يسألها:
_أنتِ لسه عند خالتو "شمس"؟
_أيوه، أصل بستوحش لوحدي.
_لا بالعكس، خليكِ عندها كده أحسن عشان يعذروكي لو بعدنا عن بعض لما يشوفوا بعدي عنك.
ابتلعت غصة مرة، واعتصرها قلبها بحزن عندما ذكر البعاد:
_قمر، محتاجة حاجة أجبهالك معايا؟
_لا.
_طيب خلي بالك من نفسك.
_حاضر.
إجاباتها المقتضبة أصابته بالقلق ليسألها:
_مالك يا قمر؟ فيكِ حاجة؟
اختنق صوتها تقاوم تلك الدموع لتجيبه مبررة:
_لا، بس عشان لسه صاحية من النوم.
_طيب أسيبك عشان تصحصحي، خلي بالك من نفسك.. هبقى أتصل بيكِ بالليل عشان تطمني على الشغل.
_مع السلامة.
أغلقت الهاتف وانسابت دموعها بقهر؛ ستخسره بعدما أحبته، لماذا لا تعترف له بحبها؟ سؤال طرحه قلبها برجاء، وكيف تعترف بحبها وهو يريد الفراق؟ ربما لم يعد يتقبل ارتباطه بها، مسحت دموعها تعاتب قلبها بندم.
كانت غارقة في دوامة أفكارها، وغفلت عن طرقات الباب، ولم تشعر بدخول والدتها التي سألتها بذعر وهي تجلس أمامها تتلمس وجهها:
_مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟
وجود والدتها وسؤالها أصابها بانهيار لترمي نفسها في أحضانها:
_"حسين" وحشني أوي يا "ماما".
مسحت "شمس" على شعرها بحنان وقالت تواسيها:
_حبيبتي، دا شغله يعني غصب عنه.
لتعترف لوالدتها بما تخفيه عن الجميع حتى عنه هو، وكأنها تريد أن تخفف عن نفسها:
_أنا بحبه.. بحبه أوي يا "ماما".
ابتسمت "شمس" بارتياح تضمها بقوة:
_حبيبتي، ربنا يحفظكم لبعض.
_أنا خايفة.
أصابها القلق فسألتها بريبة:
_ليه يا حبيبتي؟ خايفة من إيه؟
عجزت أن تخبرها الحقيقة التي تراجع لسانها عن البوح بها، لتصمت لحظات قبل أن تخبرها:
_مش عارفة، حاسة أني مخنوقة.
_بسم الله عليكِ يا حبيبتي، إن شاء الله مفيش حاجة، بس أنتِ عشان "حسين" وحشك حاسة كده، بكرة يرجع وترتاحي.
أخرجتها من أحضانها ومسحت دموعها بإبهامها وسألتها:
_هو راجع أمتى؟
_لسه أسبوعين كمان.
ضحكت "شمس" وقالت تشاكسها:
_عشان كده أنتِ مخنوقة يا مجنونة؟ قومي خدي شاور وارتاحي، وادعي ربنا يوفقه ويرجعلك بالسلامة.
ثم أكملت تمازحها:
_بقى بتحبي سي "حسين" للدرجة دي؟
ابتسمت من بين دموعها دون أن تعقب:
_قومي يله خدي شاور وتعالي عشان نفطر أنا وأنتِ وبابا، مش هروح المستشفى قبل ما نفطر سوى.
أومأت لها "قمر" بالموافقة لتنهض "شمس" مغادرة تاركة "قمر" وسط حزنها على حبيبها الغائب.
*************************
جلست مرتبكة، عيناها تدور في المكان بشيء من الخوف، لكنها كانت متحمسة لتراه يترافع في إحدى القضايا، ليستجيب لطلبها ويدعوها لحضور جلسة اليوم في إحدى القضايا التي سيترافع بها كمحامي دفاع.
كانت تصغي للحديث بتركيز حتى دعاه القاضي للوقوف أمامه ليقف بهيبته ويبدأ بإلقاء مرافعته التي سحرتها من أول كلماتها، فصوته الجهوري الذي هز أركان القاعة وأجبر الجميع على الصمت، لغته البليغة وأسلوبه اللبق المقنع جعلتها تطالعه بإعجاب، لكن الإعجاب لم يكن من نصيبها وحدها، بل كان من نصيب الجميع.
كانت تترقب كل شيء، وتنتظر نهاية المحاكمة كي تعرف النتيجة. انتهت المحاكمة وأخذ القضاة وقتًا للمداولة. التف حوله عائلة المتهم، ووقف يطمئنهم، كانت تراقب حركاته وطريقة تعامله مع الآخرين، نظرة الناس له.
كان هو مندمجًا في الحديث حتى التقت عيناه بعينيها فيبتسم لها بحب، بادلته الابتسامة وكاد أن يتجه نحوها، لكن لم يترك له أولئك الناس المجال، وأغرقوه بعدد من الأسئلة ليحاصروه حتى أجابهم بعملية.
وعاد مكانه ينتظر النطق بالحكم في قضية أصر على جلب البراءة لصاحبها، واعتبر ما حدث هو دفاع عن النفس عندما تعرضت زوجته للتحرش من قبل بعض الشباب فدافع عنها بضراوة، ما سبب جروحًا بالغة لأولئك الشباب، فاعتبرها هي قضية دفاع عن النفس.
وجاءت مرافعته البليغة مستندة لمبادئ دينية ومجتمعية حتى لاقت استحسان الحضور. نطق القضاة بالحكم وجاء ببراءة موكله، ليتعالى الهتاف ووقف يتلقى التهاني كالأبطال، كانت تطالعه بفخر، تود أن تصرخ وتخبر الجميع أنه زوجها، اليوم تشعر بأنها محظوظة بزوج مثله.
جاورته في سيارته بعد انتهاء المحاكمة، فقد قرر أن يدعوها لتناول الغداء معه، ليبتسم ويسألها وهو يرفع ياقة قميصه بفكاهة:
_إيه رأيك في جوزك يا مدام؟ شفتِ البراءة المستحقة؟ شفتِ المرافعة؟
ورغم خجلها، لكن خرجت كلماتها بصدق:
_بصراحة أبهرتني.
التفت إليها يسألها بلهفة:
_بجد يا "ورد"؟ عجبتك؟
_أيوه، المرافعة كانت جميلة أوي.
أمسك كفها يقربه من فمه ويقبله كنوع من الامتنان:
_متشكر يا روحي، أنتِ وش السعد عليا يا "ورد".
ولم يكتف بذلك وبدأ يقبل أصابعها الواحد تلو الآخر يغازلها من بين قبلاته:
_قلب "مهاب" وروح "مهاب" ودنية "مهاب" وعيون "مهاب" وكل حاجة حلوة.
رفع رأسه يطالعها لتنفلت ضحكاته وهو يرى احمرار وجهها خجلًا:
_بحبك يا "ورد"، وأنتِ شبه الطماطم كده، نفسي أكلك.
حاولت أن تسحب يدها من بين يديه لكنه رفض أن يفلتها لتقول مازحة:
_"مهاب"، خلينا نروح المطعم نتغدى قبل ما تفترسني.
ضحك على كلامها:
_أنتِ تؤمر يا جميل..
ظل يحتضن يدها طيلة الطريق يقبلها بين الحين والآخر وهي تبتسم دون اعتراض، ربما أصبح له مكان في قلبها، وبدأ يعجبه ما يفعله.
***********************************
وصل إلى شقته ليفتح الباب ويتفاجأ بـ"ندى" و"سماح" يجلسان في الصالة يتبادلان الحديث. ألقى عليهما التحية واقترب يقبل رأس "ندى" ويدها:
_يا أهلاً بالحبايب المتجمعين، منورين يا قمرات.
_أهلاً يا حبيبي.
_أهلاً يا "زياد".
قالتها "ندى" و"سماح" تباعًا.
_أمال فين مراتي يا حبيبي؟
في المطبخ يا حبيبي.
أجابته "ندى" مشيرة نحو المطبخ، ليتجه إلى هناك ويجدها تقف أمام الموقد تعد الطعام، سار بخطوات هادئة نحوها محاولًا مفاجأتها، لكنها صدمته وقبل أن يصل إليها قالت له:
_الحمد لله على السلامة يا حبيبي.. غير هدومك على ما الأكل يجهز.
قطب حاجبيه ويسألها:
_إيه دا؟ عرفتِ أني هنا إزاي؟
وضعت الملعقة التي كانت تمسكها جانبًا قبل أن تمسح يدها بقطعة قماش صغيرة وتستدير نحوه ضاحكة:
_بسيطة يا حبيبي، أولًا سمعت صوت...
قاطعها يسألها بتعجب:
_طب سمعتِ صوتي، عرفتِ منين أني في المطبخ وأني وراكي؟
اقتربت منه تحيط رقبته وتخبره بدلال:
_ريحة البرفان بتاعك سبقتك يا "زيوز".
أحاط خصرها،ضيق عينيه مستنكرًا وقال مبتسمًا:
_بقيتِ مش سهلة يا "رحومة".. أنا لازم أخاف منك، القطة فتحت!
أخفضت صوتها وخرجت كلماتها متقطعة كأنها تخبره سرًا:
_منكم نتعلم يا حبيبي.
انحنى نحو الأمام يضرب رأسه برأسها بخفة مازحًا:
_تلميذة شاطرة.. والمعلم مبدع.
أتبع كلماته يغمز لها بعبث أضحكتها حركته، أنزلت يديها نحو صدره تدفعه عنها لتبتعد:
_يله يا "زياد" غير هدومك، بلاش نتأخر على "ماما" و"ماما ندى".
_أيوه، شكلهم بينموا على حد بره، خلينا نتغدى ونقطع عليهم سلسلة الذنوب.
حدقت به كأنها تذكرت شيئًا قبل أن تتسع ابتسامتها بسعادة:
_أنا فرحانة أوي يا حبيبي أن علاقة "ماما ندى" و"ماما" رجعت تاني، أصلك ما تعرفش "ماما" كانت متأثرة أد إيه ببعدهم عن بعض، رغم أنها كانت بتكابر وبتبان قوية لكن هي ضعيفة وبتخبي حزنها..
_ربنا يديم المحبة يا ستي، وميعملوش حزب علينا..
ضحكت ليقرص أنفها، نفضت يده وامتعض وجهها وهي تسمعه يقول:
_تعالي وريني عملتِ إيه، خليني أدوق عشان نعرف نصلحه قبل فوات الأوان.
_أنا طباخة "بريمو".
_هنشوف.
ربعت يدها بعد أن استفزها حديثه، وزاد حنقها حينما التقط ملعقة وبدأ يرفع غطاء القدور ويتذوق:
_الله! بامية تحفة، الرز بالشعرية حلو، والمكرونة ممتازة....
هكذا بدأ يتذوق الأصناف ويمدحها وسط ابتسامتها التي حلت محل عبوسها، ورقص قلبها برضا عندما التقط يدها يقبلها ويقول بامتنان:
_تسلم إيدك يا أحلى ست في الدنيا بحالها.
***********************
كانت تسير بخطوات مترددة، عيناها تتحرك يمينًا ويسارًا تبحث عن تلك الغرفة التي أخبرها الممرض أنها ستجد زوجها فيها؛ فخمسة عشر يومًا غابها عن المنزل متعمداً، مما أصابها بالقلق، لتقرر الذهاب إلى المستشفى لأنها متأكدة أنها سبب غيابه. وربما لم يكن قلقها فقط من دفعها للقدوم، لكن شوقها المكتوم إليه.
احتضنت دفتر محاضراتها بقوة، بعد أن تسلل الخوف إليها؛ فهي تشعر برهبة من هذا المكان الغريب عليها. عيناها التقطت تلك الإشارات المكتوبة تدلها على المكان، لتتنهد بارتياح عندما وجدت تلك الغرفة، بعد أن ظنت أنها قد أضاعت الطريق. طرقت الباب ودخلت، لكنها وجدت الغرفة فارغة، لتجلس على أحد الكراسي تنتظره باضطراب.
لم تكن تعلم أن هناك من رصد دخولها، بل والأدهى أنه تبعها إلى تلك الغرفة يحمل نواياه السيئة ويضمر لها الشر. دارت عيناها تتفحص المكان بملل تتمنى ألا يتأخر عليها، حتى شهقت فزعة وانتفضت من مكانها عندما وجدته يقتحم عليها الغرفة، لتردد اسمه بخوف عندما وجدته يغلق الباب خلفه:
_"حسام"!.
ضحك ينظر لها بمكر متلذذ بخوفها:
_أيوه "حسام".. إزيك يا "نور"؟
عادت بخطواتها نحو الوراء، وهو يتقدم نحوها وصوته الخبيث يسبق خطواته:
_مالك يا "نور"؟ كأنك شفتِ عفريت؟ هو أنا غريب؟
فانكمشت في إحدى زوايا الغرفة، ترفع دفترها أمام وجهها وتسأله بعينين مغمضتين وشفتيها ترتجف كجسدها:
_عاوز إيه يا "حسام"؟ اطلع بره!
قهقه ضاحكًا يسخر من تصرفها وضعفها، وقال مستهزئًا:
_أنا دكتور ودي المستشفى اللي بشتغل فيها.. إنتِ إيه اللي جابك؟ إيه، جاية لجوزك المغفل اللي ضحكتِ عليه وخليتيه يتجوزك بحركاتك الصعبة ودور الضحية؟
استمر جسدها بالارتعاش وخرجت كلماتها مرتجفة تدافع عنه:
_ما تجيبش سيرة "سيف".. ده أحسن منك ألف مرة!
سيطر عليها الرعب فجعلها ترتجف كسعفة منتفضة في عاصفة، وهي تفتح عينيها وتبصر نظراته المتفحصة لجسدها وحركات شفاهه الوقحة وهو يخطو نحوها أكثر:
_بس تصدقي؟ إنتِ حلويتِ من ساعة ما طلقنا، ليه حق يبصلك ويرضى بواحدة مطلقة!
اطلع بره أحسن والله أصرخ ولم عليك الناس!
هكذا هددته وهي تستجمع قوتها الواهية، فقد استفزتها كلماته ووقاحته
_تؤ.. تؤ.. ليه كده يا "نور"؟ ده إحنا عشرة، وإلا إنتِ نسيتِ "حسومة" حبيبك؟
_"حسام"!.
كان هذا صوته الذي أفزع الاثنين، ليلتفت "حسام" فيجده يقف عند الباب وعيناه تشتعلان غيرة وغضبًا.
اندفع نحوه كالمجنون، قبض على ذراعه بقوة وزمجر في وجهه كأسد يدافع عن زوجته، ويصرخ في وجهه بعنف أخافه:
_أنت بتعمل إيه هنا؟
حاول الثبات وقال بصوت مثل فيه القوة:
_أنا دكتور، وإلا نسيت؟
ضغط على عضده بقوة أكبر حتى غرس أصابعه في لحم يده:
_أنت هتستهبل؟ أنت مش دكتور هنا، أنت اتنقلت من فترة طويلة وإلا نسيت؟ أنت اتنقلت ليه؟
شحب وجهه حتى تصبب عرقًا عندما ذكره بسبب نقله، بسبب خلاف مع أحد الأطباء وبسبب سوء سلوكه، ليتلعثم:
_أنا كنت هنا عشان أخلص شغل وشفت "نور" و......
غلت الدماء في عروقه عندما لفظ اسمها ليفلت ذراعه ويمسك مقدمة ملابسه يهزه بعنف:
_أوعى تجيب اسمها على لسانك، "نور" دلوقت بقت مراتي، لو لمحت طيفك قريب منها ما تلومش إلا نفسك.
حاول استفزازه انتقامًا منه، ليمس يديه يحاول إزاحتها عن ملابسه وقال ساخرًا ليزرع الشك داخله:
_طب على مهلك يا دكتور، ما تنساش أنها كانت مراتي وبنا عشرة وهي اللي كانت واقفة وبتتكلم معايا!
_كداب، والله كداب يا "سيف"، أنا كنت بستناك!
صاحت بها "نور" بذعر خشية أن يصدق حديثه، ليتسم "حسام" بانتصار قبل أن يشعر به يلكمه على وجهه حتى سقط على الأرض ليشعر بالدماء تسيل من أنفه.
وقف يلهث أنفاسه وقال بصوت غاضب:
_مراتي خط أحمر يا "حسام"، مش كلامك الغبي هيخليني أشك فيها.
مسح الدماء عن أنفه ونظر له بحدة يخبره متوعدًا:
_هخليك تندم يا "سيف" على اللي عملته دا، ده تعدي عليا!
_أعلى ما في خيلك اركبه، أنا عندي حاجات توديك في داهية، لو خرجت منك كلمة هخليهم مش بس ينقلوك، لأ هخليك تتفرد، و"معتز" و"بلال" و"طاهر" هيشهدوا معايا، فخليك عاقل يا "حسام" أحسنلك.
ارتجف قلبه وتراجعت قوته المزعومة بعد أن أُخبر بأسماء الأطباء زملائهم الذين شهدوا على أخطائه وتجاوزاته وأثروا الصمت من أجل صداقتهم وبعد توسله لهم أنه لن يكرر تلك الأخطاء.
لم ينتظر إجابته أو تعقيبه، جذب يد "نور" يسحبها خلفه، خرج من الغرفة، أما هي فتبعته بخطوات متعثرة حتى وصلوا إلى السيارة، ركبت بجانبه ولم تتحدث لتجده ينطلق بسرعة أخافتها فتشبثت بمعدها تغمض عينيها برعب حتى وجدته يقف فجأة ليرتطم جسدها بالكرسي بقوة، فسألها بغضب:
_لمسك؟
هزت رأسها نافية.
-إيه اللي جابك المستشفى؟
أخبرته بصوت باكي:
_جيت علشانك، كنت عاوزة أتكلم معاك.
ليصرخ بصوت أعلى:
_عاوزة مني إيه؟ ما كنتِ تقدري تتصلي بيا!
تعالت شهقاتها تخبره من بينها:
_أنت ما بتردش عليا وما بتجيش البيت، كنت عاوزة أعتذر منك لأكون أنا السبب أنك ما بتجيش البيت.
أشفق عليها عندما رأى انهيارها ليقول بصوت هدأت نبرته رغم غلظته
_لا، مش أنتِ السبب.
طالعته بعينيها الباكيتين وقالت ببراءة:
_أنت ما رجعتش من يوم ما....
ابتلع باقي جملتها بخجل ليقول لها:
-لا، أنا عندي شغل.
زمت شفتيها بعبوس وقالت معتذرة:
_لا أنا السبب أنا عارفة، ما تحاولش تكدب، أنا آسفة ما كنتش أقصد أني أضايقك.
أراح جسده على ظهر الكرسي وأرجع رأسه إلى الوراء يغمض عينيه بألم ويزفر أنفاسه بقوة:
_مش أنتِ السبب يا "نور"، أنا السبب.
ظلت تنظر إليه بدهشة ليضحك بحزن ساخرًا من نفسه:
_أنا السبب، عارفة ليه؟
نظر إليها لتهز رأسها يمينًا ويسارًا دون أن تتحدث:
_لأني بحبك وأنتِ رافضة الحب دا، بعدت عشان أعود قلبي ينساكِ.
شهقت تضع يدها على فمها، فاعترافه كان صدمة بالنسبة لها، لم تنبس شفتها بكلمة، كان صدمتها عقدت لسانها، فظلت صامتة ليفهم أنها تصر على رفضها وعدم تقبل حياتهم
الزوجية،فقرر أن يعيدها إلى المنزل ويكمل طريق نسيانها.
**************************
دخل المنزل مشتاقًا لرؤيتها، يحمل تلك الأدوات وذلك القفص عل هدية تنال رضاها وتصفح عنه، وضع القفص جانبًا وعيناه تبحث عنها، ليأتي صوت الأواني التي تغسلها لتدله لمكانها فعلم أنها في المطبخ.
ذهب نحو الغرفة ليبدل ملابسه تاركًا لهديته المجال كي تخبرها بوجودها. كانت مندمجة في غسل الأواني وصوت الماء يقطع هدوء المكان، تبصر انسيابه على الأطباق كما تنساب الأفكار في رأسها تنهكه وتتعب روحها، حتى قطع حبل أفكارها صوت مواء قطة صغيرة، ظنت أن الصوت قادم من الخارج فأكملت ما كانت تفعل متجاهلة ذاك الصوت.
لكن الصوت تعالى مرة أخرى وشعرت أنه قريب، أغلقت الماء وجففت يدها لتقرر البحث عن مصدر الصوت. اقتربت من الصالة لترى ذلك القفص الغريب، اقتربت أكثر لتتسع ابتسامتها بسعادة وهي ترى تلك القطة الصغيرة داخل القفص.
جثت على ركبتيها وفتحت باب القفص لتجدها خائفة، مدت يدها بحذر تلتقطها رغم أن القطة كانت تحرك يديها تحاول خربشتها وتصدر مواء لاخافتها، لكنها سحبتها تمسح على جسدها برفق لتشعر بالأمان وتستكين داخل أحضانها.
كم كانت جميلة وصغيرة، فعمرها ربما شهرين فقط، فراءها أبيض وعيناها زرقاء رائعة، رفعتها لتصبح أمام وجهها لتحادثها:
_إيه يا جميلة يا صغنن؟ بتنونوي ليه؟ أنتِ جعانة يا عسولة؟ أنتِ حلوة أوي، اسمك إيه؟
_"سكر".. اسمها "سكر"، أنتِ اتعرفتِ عليها؟
انتفضت متفاجئة من سماع صوته، لتضع القطة على الأرض وتتركها تحاول الهروب من أمامه. أمسك يدها قبل أن تتجاوزه وقال بصوت حنون عله يستميلها:
_دي هديتي ليكِ، عارفك بتحبي القطط.
زجرته بنظرة مشمئزة وأزاحت يده عن يدها بعنف، واتجهت نحو الغرفة دون أي كلمة. تنهد بألم وابتلع نظراتها بقهر، لكنه لم ييأس، يكفي أنه سمع صوتها اليوم.
جلست على السرير صدرها يعلو ويهبط بانفعال، أصبحت رؤيته توترها رغم أنه يحاول إرضاءها، لكنها لا تستطيع السماح الآن فجرحها منه لا زال نازفًا.
وجدت باب الغرفة يفتح قليلًا وتدخل "سكر" متسللة إلى داخل الغرفة تصدر مواءً مستمرًا، يبدو أن "حسن" من فتح الباب وأدخلها. لم تستطع منع نفسها من الاقتراب منها وأخذها بين أحضانها تمسح على جسدها، وتشعر بسعادة أنها وجدت من يشاركها حياتها الهادئة.
نظرت نحو الباب الذي يفصل بينهم ثم نظرت نحو القطة لتحاورها:
_شفتِ يا "سكر"؟ يعني هو عارف اللي بحبه.
ثم حاورت طيفه تعاتبه:
_ليه يا "حسن"؟ ليه توصلنا لكده؟ ده أنا حبيتك بجد.
عادت تحاور القطة التي تحاول الهروب من أحضانها لتسألها:
تفتكري هقدر أسامح "حسن" في يوم يا "سكر"