رواية جعلتني مجرما الفصل الاول1والثاني2 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل الاول1والثاني2 بقلم دينا عبد الله 

اشت'علت النيران في أرجاء البيت كو'حشٍ منفلت، تلتهم الأثاث والجدران، وتدفع بألسنتها الحمراء نحو السقف. تصاعد الدخان كثيفًا، يخ'نق الأنفاس، ويطمس الرؤية.


اندفع فارس إلى الداخل دون تردد، يتجاهل حرارة اللهب التي لفحت وجهه، وصوت الخشب وهو يتهاوى من حوله.


 كان قلبه يخفق بع'نف، واسم ابنه يخرج من بين شفتيه مختنقًا بالهلع.


تقدّم بخطوات متعثرة وسط الدخان، يبحث بعينين دامعتين بين ألسنة النار، حتى لمح جس'دًا ملقى على الأرض.

تجمّد في مكانه.

كان ابنه نور هناك… ساكنًا لا يتحرك. 


اقترب منه ببطءٍ مرتبك، وانحنى، ثم مدّ يده المرتجفة نحوه. ما إن لامست أصابعه قميصه حتى ابتلّت بكثافةٍ دافئة. أنزل نظره…الد'م.


كان غارقًا في دما'ئه، تنتشر حوله كبركةٍ داكنة، بينما النار تشتعل من حوله دون رحمة.


اتسعت عينا فارس، وتوقفت أنفاسه لثوانٍ، ثم انطلق صوته صر'خةً ممزقة، خرجت من أعماق صدره، صر'خة اختلط فيها الألم بالعجز والإنكار.


وفجأة—استيقظ مفزو'عًا.


اعتدل في فراشه بعن'ف، أنفاسه متلاحقة، وقطرات العرق تغطي جبينه، وقلبه لا يزال يركض داخل صدره كأنه لم ينجُ من النار بعد.


مرر يده على وجهه محاولًا استيعاب ما حدث... كان حلمًا… كابوسًا.

لكنه لم يكن كأي كابوس... تكرر كثيرًا.

في كل مرة تتغير التفاصيل… لكن شيئًا واحدًا لا يتغير أبدًا—

الدم.


انتفض فارس جالسًا على الفراش، صدره يعلو ويهبط بعنف. كان صوته الأخير — صرخة ممزقة — ما يزال يتردد في الهواء كجرحٍ مفتوح.


إلى جواره، انتفضت ياسمين فزِعة. فتحت عينيها على اتساعهما، وقلبها يقفز بين أضلاعها. استدارت نحوه في الحال، وما إن وقعت عيناها عليه حتى تجمّد الدم في عروقها.


كان شاحبًا كمن عاد لتوّه من موتٍ قصير؛ عيناه تائهتان، تبحثان في زوايا الغرفة عن شيءٍ لا يُرى، وقطرات العرق تتسابق على جبينه كأن جسده لا يزال محاصرًا داخل لهيبٍ لا ينطفئ.


رفعت يدها ببطء، بحذرٍ يشبه من يقترب من جرحٍ مفتوح، ووضعت كفها على كتفه. كان جسده مشدودًا، متوترًا كوترٍ على وشك أن ينقطع.


رفع رأسه نحوها ببطء، وعيناه المرهقتان اصطدمتا بعينيها. هناك، في أعماقهما، كان يقبع خوفٌ شديد. 


تجمعت الدموع في مقلتيه، وارتجفت شفتاه دون صوت. انكسر صمته أخيرًا بدمعةٍ فلتت، تسللت على خده كاعترافٍ عاجز.


اقتربت ياسمين أكثر، ورفعت يديها تحتضن وجهه بين كفيها، ومسحت بإبهامها تلك الدمعة، وقلبها ينقبض عليه.


اقتربت بجبهتها من جبينه، وصوتها خرج مبحوحًا، ممتلئًا بالخوف عليه:

"مالك يا حبيبي؟ في إيه؟"


لم يجب... ظل ينظر إليها وكأنه يحاول التأكد أنها حقيقية… أن كل ما حوله . 


طال صمته لثوانٍ ثم تحرّكت شفتاه أخيرًا، وصوته يخرج مرتعشًا :

"حلمت بالكابوس تاني… بس المرادي كان مختلف."


توقّف، وابتلع ريقه بصعوبة. ارتعشت رموشه، وبدأت الدموع تتسرّب رغم محاولته كبحها. ضغط شفتيه معًا، ثم أكمل بصوتٍ متهدّج:

"بس… نفس اللي بيحصل كل مرة…"


وتوقّف.لم يستطع قولها... 


تنفّست ياسمين بعمقٍ مؤلم، وهي ترى الانكسار يطلّ من عينيه. رفعت يدها ومسحت دموعه بأطراف أصابعها، وهي تهمس بحزن:

"فارس… دي مجرد كوابيس."


لكنّه هزّ رأسه بعنف وقال: 

"لا… دي مش مجرد كوابيس. كل مرة… كل مرة لما أنا أو إنتي نحلم بحاجة كده… بعدها بتحصل مصيبة. واللي بنشوفه… بيحصل."


اتسعت عينا ياسمين، واهتزّ قلبها وهي تراه ينهار أمامها. هزّت رأسها بسرعة، ودموعها بدأت تتجمّع هي الأخرى:

"طيب… عشان خاطري اهدى. مفيش حاجة هتحصل… نور كويس."


حاولت أن ترسم ابتسامة، ابتسامةٍ مكسورة مليئه بالرجاء، ومدّت يدها تمسك بكفّه قائلة: 

"متنساش إن ابننا نور ظابط قد الدنيا. محدش يقدر عليه… ولا يقدر يأذيه. يبقى انت خايف ليه دلوقتي؟"


ظلّ فارس صامتًا، يحاول أن يُقنع نفسه أن كل شيء سيكون على ما يُرام، وأن ما رآه لم يكن سوى كابوسٍ لا أكثر. 


أخذ نفسًا عميقًا… يحاول أن يهدّئ نبض قلبه الذي ما زال يركض بلا رحمة.


لكن فجأة… ارتفع صوتٌ خافت من الأسفل — صوت باب الفيلا وهو يُفتح.


تجمّد للحظة، ثم انتفض واقفًا، وكأنّ روحه عادت إليه دفعةً واحدة.


"نور رجع…"

قالها بلهفةٍ ، واندفع خارج الغرفة.


نهضت ياسمين بسرعةٍ خلفه، تلاحقه بخطواتٍ قلقة.

هبط فارس السلالم مسرعًا، لا يشعر بثقل جسده ولا بتعثّر أنفاسه. وعندما وصل إلى أسفل، كان نور يقف عند الباب، بملابس عمله، ملامحه مرهقة، لكنه واقف بثبات.


توقّف نور لحظة حين رأى وجه والده. شيء في عينيه أخافه.


اقترب منه بخطواتٍ مترددة، قلق واضح في صوته:

"مالك يا بابا؟ في إيه…؟ انت كويس؟ وإيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟"


لكن فارس لم يُجب.. وقف أمامه، يحدّق فيه بصمتٍ . عيناه تجوبان وجه ابنه، كتفيه، ذراعيه… وكأنه يتأكد أن كل شيء فيه كما يجب أن يكون، أن لا جرح، لا دم، لا أثر لشيء.


التفت نور نحو أمه، قلقه يزداد:

"في إيه يا ماما؟"


اقتربت ياسمين ببطء، وقالت بصوتٍ خفيض، مليئ بالحزن:

"رجع يحلم بنفس الكوابيس تاني…"


تنفّس نور بعمق، ثم أعاد نظره إلى والده. وضع يده على كتفه بحنان، وابتسم ابتسامةً هادئة، يحاول أن يبدّد ذلك الظل الجاثم فوقهم قائلا: 

"يا بابا يا حبيبي… قولتلك ألف مرة اطمن ومتقلقش. ابنك وحش. محدش يقدر حتى يفكّر مجرد تفكير إنه يأذيني أو يعملي حاجة."


نظر إليه فارس، وعيناه ممتلئتان بخوفٍ لا يعرف كيف يُخفى:

"خلي بالك من نفسك كويس… عشان خاطري يا بني."


انكسرت ملامح نور للحظة وهو يرى دمعةً تفلت من عين والده. مدّ يده ومسحها بطرف إصبعه، ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة، دافئة: 

"اطمن يا سيد الناس… طول ما انتوا معايا، ودعواتكم حواليا، هفضل دايمًا كويس. متقلقش."


لم يتمالك فارس نفسه أكثر. تقدّم خطوةً واحدة فقط، ثم جذب ابنه إلى صدره واحتضنه بقوة، كأنّه يخشى إن تركه سيفلت من بين يديه. 


شدّ ذراعيه حوله، ودفن وجهه في كتفه، يتشبّث به وكأنّ حضنه هو البرهان الوحيد أن كل ما رآه لم يكن حقيقة.


ارتسمت على وجه نور ابتسامة هادئة، ثم أحاط والده بذراعيه هو الآخر، وربّت على ظهره بحنان، في محاولةٍ لطمأنة قلبٍ ما زال يرتجف.


وقفت ياسمين على بُعد خطوة، تراقبهما بعينين تلمعان بالدموع وابتسامةٍ امتزج فيها الارتياح بالخوف المتبقّي. 


رفع نور رأسه نحوها، ثم مدّ يده إليها دون كلام. ابتسمت من بين دموعها، واقتربت ببطء، ثم انضمت إليهما، تلتفّ بذراعيها حولهما معًا.


                ♡ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡


في صباح اليوم التالي… داخل أروقة المستشفى، كان الضوء الأبيض البارد يملأ الممرات الطويلة، وصوت الأجهزة يمتزج بخطوات الممرضين في إيقاعٍ هادئ.


توقّف أحد الممرضين أمام مكتب الاستقبال، ثم التفت ونادى بصوتٍ منخفض:

"دكتورة خديجة."


رفعت خديجة رأسها ببطء. كانت ترتدي نقابًا أسود يُخفي ملامح وجهها، لكن عينيها الواسعتين بلونٍ يميل إلى العسليّ كانت كافية لتكشف الكثير. كان في نظرتها هدوءٌ ناعم. 


اقترب منها الممرض بخطواتٍ سريعة، وانحنى قليلًا وهو يقول:

"الأستاذ فارس عايز حضرتك في مكتبه."


أومأت برأسها في هدوء، وارتسمت ابتسامة خفيفة لم تُرَ إلا في انحناءة عينيها. أعادت ترتيب الملفات بين يديها، ثم تحرّكت بخطواتٍ ثابتة عبر الممر الطويل.


كانت الأرضية اللامعة تعكس ظلّها وهي تسير، وصوت كعب حذائها الخافت يتردد في الممر كنبضٍ منتظم. 


توقفت أمام باب المكتب للحظة، أخذت نفسًا قصيرًا… ثم رفعت يدها وطرقت الباب بخفّة.


سمعت صوته من داخل المكتب، ثابتًا وهادئًا:

"ادخلي يا دكتورة خديجة."


دفعت الباب برفق ودخلت، ثم أغلقت خلفها بهدوء. رفعت رأسها نحوه وقالت بصوتٍ ناعمٍ يحمل ابتسامةً خفيّة تحت النقاب:

"السلام عليكم."


رفع فارس رأسه عن الأوراق أمامه، وارتسمت ابتسامةٌ هادئة على وجهه وهو يرد:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."


اقتربت خديجة بخطواتٍ هادئة وجلست على المقعد المقابل لمكتبه، ثم قالت بلطف:

"حضرتك طلبتني؟"


ضحك فارس بخفّة، وهزّ رأسه وهو يقول بنبرةٍ مازحة:

"يا دي حضرتك دي… مش قولنا نبطلها بقى؟"


ضحكت خديجة برِقّة، وانحنت قليلًا للأمام قائلة:

"معلش… استحملني شوية. كنت عايزني في إيه بقى؟"


تغيّرت ملامح فارس تدريجيًا، وغابت الابتسامة شيئًا فشيئًا. أسند كفّه على سطح المكتب، ونظر إليها بجديةٍ واضحة: 

"المريض اللي مسؤولة عن حالته… أخباره إيه؟"


قالت خديجة بهدوءٍ ، ونبرتها ثابتة:

"لسه لحد دلوقتي في غيبوبة… ومفيش أي جديد في حالته."


أغمض فارس عينيه لثانيةٍ قصيرة، ثم رجع بظهره إلى الكرسي وتنهد ببطء. 


راقبته خديجة بصمتٍ لثوانٍ، ثم مالت قليلًا إلى الأمام، ونبرة الفضول تتسلل إلى صوتها:

"هو… ممكن أعرف مين ده؟ وليه حضرتك مهتم بحالته أوي كده؟"


رفع فارس عينيه إليها، وحدّق فيها لحظة، ثم قال بهدوءٍ حاول أن يبدو عاديًا:

"أنا بهتم بكل مريض في المستشفى دي."


أومأت خديجة برأسها، لكن نظرتها لم تتغيّر، وابتسامة خفيفة مرّت في صوتها:

"عارفة… بس اهتمامك بالمريض ده بالذات… غير أي مريض تاني هنا. والغريب إن لحد دلوقتي محدش جه سأل عليه."


ساد الصمت للحظة، قبل أن يردّ فارس بصوتٍ خافتٍ يختلط فيه التفكير بالشرود:

"يمكن أحسن…"


ثم استقام قليلًا وقال بنبرةٍ حاسمة:

"دلوقتي روحي شوفي شغلك يا دكتورة."

نظرت إليه خديجة لثوانٍ، كأنها تحاول قراءة ما خلف كلماته، لكنها لم تجد شيئًا سوى جدارٍ صامت. نهضت بهدوء، واتجهت نحو الباب، ثم خرجت وأغلقته خلفها بلطف.

بقي فارس وحده.

أسند مرفقيه إلى المكتب، ودفن وجهه بين كفّيه للحظةٍ طويلة. ثم أنزل يديه ببطء… وتوقفت عيناه على إطار الصورة فوق مكتبه.

صورة نور.

ظلّ يحدّق فيها طويلًا، وعيناه تغوصان في تفاصيل وجه ابنه، بينما تتراكم في أعماقه أسئلةٌ لا إجابة لها … وخوفٌ لا يعرف له مخرجًا.

الفصل الثاني 

انفتحت أبواب الشركة الزجاجية، وخرجت منها شابة. كان شعرها القصير الناعم ينسدل حول وجهها في انسيابٍ هادئ، وملامحها هادئة، بينما انعكس أناقتها في بساطة تفاصيلها ودقّتها.


كانت تسير إلى جوار فتاةٍ أخرى، تتبادلان الحديث والضحكات، لكن…توقّفت فجأة.


اختفت ابتسامتها في لحظة، وتجمّد الضوء في عينيها. انزلقت نظراتها إلى الأمام… حيث يقف هو... ثابتًا في مكانه، لا يتحرّك. 


تصلّبت أطرافها. لم تعد تسمع ما كانت تقوله صديقتها، ولا ضجيج الشارع… فقط ذلك الصمت الممتد بين عينيها وعينيه.


همست الفتاة التي بجوارها، ملاحظة تغيّرها المفاجئ:

"مالك؟ وقفتي ليه كده؟"


لكنها لم تُجب.. ظلت تنظر إليه…تحرّك نحوها بخطواتٍ بطيئة. 


تراجعت هي خطوةً إلى الخلف، ثم أخرى، وملامحها تتبدّل بسرعة؛ انطفأ ما تبقّى من هدوء عينيها، وحلّ مكانه ضيقٌ واضح، يمتزج بحزنٍ لم يُخفِه كبرياؤها.


الفتاة التي كانت تقف إلى جوارها نظرت بينهما لحظة، ثم آثرت الانسحاب بصمت. غادرت المكان دون كلمة. 


ظلّت مريم تنظر نحو الاتجاه الذي رحلت فيه صديقتها، وكأنها تبحث عن مهربٍ سريع. همّت أن تتحرّك خلفها—


لكن يده امتدّت فجأة، وأمسك بمعصمها.


توقّفت... نظرت إلى يده للحظة، ثم سحبتها بعنف. ارتفعت نبرتها:

"متلمسنيش."


ارتدّت يده ببطء، وعيناه لا تفارقانها. كان في نظرته شيءٌ منكسر.. قال بصوتٍ منخفض:

"مريم… اديني فرصة. حرام اللي انتي بتعمليه معايا ده."


ضحكت بسخريةٍ ثم قالت: 

"حرام؟… والله؟"


تقدّمت خطوةً نحوه:

"طيب واللي إنت بتعمله ده… تسميه إيه؟"


ظلّ ينظر إليها لثوانٍ. ثم قال بصوتٍ خافت:

"أنا بعمل كل ده… عشانك."


اشتعلت عيناها فجأة، وتفجّر ما كانت تحبسه بداخلها. ارتفعت نبرتها، حادّة كحدّ السكين:

"وأنا مش عايزاك! مش عايزة منك أي حاجة… ومش عايزة أشوف وشك أصلًا!"


ارتدّ للخلف خطوة. لكن الغضب سرعان ما اشتعل في عينيه، وانفلت صبره الذي تمسّك به طويلًا:

"هو إنتِ بتعملي معايا كده ليه؟! أنتي شوفتِ مني إيه وحش؟! نفسي أفهم… إنتِ مش عايزاني ليه؟! إيه العيب اللي فيّا يخليكي ترفضيني؟!"


كان صوته يعلو مع كل كلمة، ليس غضبًا فقط… بل وجعًا يطالب بإجابة.


نظرت إليه مريم بصمتٍ لثوانٍ، نظرة طويلة. ثم تحرّكت شفتاها أخيرًا:

"كلك على بعضك مش عاجبني…"


توقّفت لحظة، ثم أضافت، وعيناها لا ترمش:

"ولو كنت آخر راجل على الأرض… مش هتجوزك يا يوسف."


تجمّد يوسف في مكانه. اتّسعت عيناه بصدمةٍ ، بينما انقبضت كفّه ببطء، حتى ابيضّت مفاصله تحت ضغط الغضب المكبوت.


كانت مريم قد استدارت، مستعدةً للرحيل، لكن قبل أن تخطو…


امتدّت يده من جديد، هذه المرة أكثر حدّة، وأكثر قسوة.. أمسك بمعصمها بقوةٍ مباغتة.


توقّفت فجأة، والتفّت نحوه، وقد انعقدت أنفاسها. كان قبضه قاسيًا إلى حدٍّ موجع، حتى شعرت بأن العظم نفسه يئنّ تحت أصابعه.


حاولت أن تسحب يدها، لكن قبضته اشتدّت أكثر. صرخت:

"سيب إيدي!"


رفع عينيه إليها، ولم يعد في نظرته ذلك الانكسار السابق كان الغضب قد طغى، وغطّى كل ما عداه.


قال بصوتٍ خفيض، لكنه مليئ بحدّةٍ مرعبة:

"بقولك إيه يا بت إنتي… أنا لحد دلوقتي صابر عليكي، ومش عايز أتعامل معاكي بأسلوب مش هيعجبك."


اتّسعت عينا مريم بصدمة، وهي تحاول تخليص يدها من قبضته، لكن دون جدوى. شعرت لأول مرة بشيءٍ يشبه الخوف يتسلّل إلى صدرها، رغم محاولتها التماسك.


اقترب منها خطوة، وصوته ازداد صلابة:

"برضاكي… أو غصب عنك… هتبقي ليا."


توقّف لثانية، ثم أردف، وعيناه تخترقانها:

"إنتي فاهمة… ولا لأ؟"


شعرت مريم بقبضةٍ أخرى، أقوى… أكثر صلابة، تهبط على يد يوسف التي تقبض على معصمها.


تجمّد يوسف للحظة، ثم التفت بحدة... كان نور.


وقف أمامه ، وملامحه مشدودة . عينيه تشتعلان بشرر الغضب، وبدلته الشرطية تضيف إلى حضوره رهبةً و هيبة. 


اتسعت عينا مريم بدهشة، وهي تنظر إليه. 


لم يمنح نور يوسف فرصةً للكلام... بقبضةٍ حاسمة، أبعد يده عن مريم بعنف، ثم دفعه للخلف دفعةً قوية جعلته يترنّح خطوة.


رفع يوسف رأسه نحوه، وعيناه تلمعان بتوترٍ واضح. وقعت نظرته على زيّه… على الشارة… فتسرّب القلق إلى ملامحه رغم عناده.


أما نور، فكان ينظر إليه بغضبٍ شديد. تقدّم خطوة، وصوته ارتفع:

"مش أنا حذرتك قبل كده يا روح أمك؟ وقلتلك متقربش منها تاني؟! ولا إنت أطرش مبتسمعش؟!"


اشتدّت قبضة يوسف، واحتقن وجهه، لكنه تماسك وردّ بعصبية:

"وإنت مالك؟! متدخلش في حاجة متخصكش… ومتحشرش نفسك بينا!"


ضحك نور بسخريةٍ باردة، هزّت كتفيه باستخفاف، ثم قال وهو يشير نحوه:

"متخصنيش؟…"


تقدّم خطوة أخرى، ونظرته ازدادت حدّة:

"يعني واقف ماسك إيد أختي… وكمان بتهددها… وتيجي تقولّي متخصنيش؟!"


التفتت مريم إليه ببطء، وعيناها امتلأتا بدموعٍ لم تستطع حبسها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، مرتجفة... وشعورًا بالأمان عاد إليها بعد لحظةٍ كادت تفقده.


اندفع نور خطوةً للأمام، ثم رفع يده وضرب يوسف على كتفه ضربةً قوية، أرجعته نصف خطوة إلى الخلف. كان الغضب يتفجّر في عروقه:

"دي آخر مرة هقولهالك… متقربش منها تاني. عشان لو لمحتك— لمحتك بس— ماشي في نفس الشارع اللي هي ماشية فيه… هخليك تندم على اليوم اللي اتولدت فيه."


تجمّد يوسف في مكانه، وعيناه تشتعلان بالغضب، لكنه لم ينطق. كان واضحًا أنه يحسبها… يزن العواقب. التفت بنظرةٍ حادّة نحو مريم، ثم استدار ورحل. 


التفت نور نحو مريم، وتبدّلت ملامحه في لحظة؛ انطفأ ذلك الغضب العاصف، وحلّ محلّه حنانٌ واضح. 


لكن مريم لم تحتمل... انكسرت الدموع في عينيها وانهمرت على خديها.


قطّب نور حاجبيه، ونظر إليها باستغرابٍ ممزوج بقلق:

"بتعيّطي ليه دلوقتي؟ الحيوان ده عملك حاجة؟"


هزّت رأسها نفيًا، ودموعها لا تتوقف.

ازداد قلقه، واقترب خطوة:

"طيب مالك؟ في إيه؟"


لم تُجب... فجأة، انفلت بكاؤها أكثر، وكأن السدّ الذي كانت تقيمه في داخلها انهار .


تجمّد نور لثانية، الصدمة انعكست في عينيه، ثم اقترب منها بسرعة:

"طيب اهدي… فيه إيه؟ لو عملك حاجة قولي، وأنا أجيبه أحطه تحت رجلك، واعملي فيه اللي إنتِ عايزاه."


هزّت رأسها مرةً أخرى، تحاول أن تتكلم بين شهقاتها:

"معملش حاجة…"


سكت لحظة، يراقبها، وقلبه يضيق من عجزه عن فهم ما يحدث. عاد يسأل، لكن هذه المرة بنبرةٍ أكثر لينًا، أكثر خوفًا:

"طيب… مالك؟ في إيه؟"


كان السؤال بسيطًا…لكن الإجابة، على ما يبدو، لم تكن كذلك.

رفعت مريم يدها المرتجفة، ومسحت دموعها على عجل… ثم رفعت عينيها إليه.


كان الحزن واضحًا في نظرتها ثم قالت :

"من يوم ما بابا مات… وعمي فارس واخد باله مني، ومسبنيش لحظة واحدة…"


توقفت، وارتعشت شفتاها، ثم أكملت بصعوبة:

"حتى بعد ما ماما وتيتا ماتوا في الحادثة… هو برضو مسبنيش… وخدني، وخلاني أعيش معاه."


انفلتت شهقةٌ حادة من صدرها، وعادت الدموع تنهمر من جديد:

"بيعاملني زي ما أكون بنته… وأكتر كمان… ومش مخليني محتاجة حاجة."


ساد صمتٌ قصير، قطعه صوت أنفاسها المتقطعة.

ثم رفعت نظرها إليه مرةً أخرى:

"وإنت…"


توقفت لحظة ثم أكملت:

"إنت بتعاملني على إني أختك بجد… عمرك ما حسستني إني غريبة عنكم…"


ارتجف صوتها، وانكسرت نبرتها أكثر:

"ده أنا لو كان ليا أخ بجد… مكنش هيعمل معايا كل اللي إنت بتعمله معايا دلوقتي."


لم تستطع إكمالها... بكت.. ثم قالت بين دموعها، بصوتٍ يختنق:

"وأنا… مش عارفة أردّ لكم إزاي كل حاجة عملتوها معايا…"


وقفت أمامه، ضعيفة لأول مرة، لا تخفي امتنانها… ولا خوفها من أن تعجز عن الوفاء له.


ظلّ نور ينظر إليها لثوانٍ، وعيناه تمتلئان بدهشةٍ حنونة. ثم قال، بنبرةٍ فيها عتابٌ خفيف:

"إنتي عبيطة؟…"


هزّ رأسه، واقترب منها خطوة، ونظرته أكثر جدية:

"إنتي أختي… وبابا يبقى أبوكي… وماما تبقى أمك برضو. إنتي واحدة من العيلة."


توقّف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ ممزوجًا بحزنٍ عميق:

"إنتي أختي الكبيرة… أوعي تقولي الكلام ده تاني. إنتي سامعة؟"


ازدادت دموعها، لكنها هذه المرة لم تكن مجرد حزن… بل امتنانٌ دافئ. هزّت رأسها سريعًا، غير قادرة على الكلام.


تنهد نور بخفّة، ثم أخرج علبة مناديل من جيبه، ومدّ يده بها إليها وهو يقول بنبرةٍ مازحة:

"خدي… امسحي الدموع اللي عاملة زي الشلال دي… حنفية واتفتحت!"


انفلتت منها ضحكة خفيفة وسط بكائها، وأخذت المنديل منه. سحبت واحدًا، وبدأت تمسح دموعها، بينما ترتجف ابتسامتها بين الحين والآخر.


ظلّ ينظر إليها مبتسمًا، وكأن ابتسامتها الصغيرة كانت كفيلة بأن تُعيد إليه هدوءه.


رفعت عينيها نحوه أخيرًا، وابتسمت له، ثم قالت بنبرةٍ أخف:

"صحيح… إنت إيه اللي جابك هنا؟"


ارتسمت على وجه نور ابتسامة خفيفة، وهو يقول بهدوء:

"كالعاده… جيت أبص عليكي لو محتاجة حاجة قبل ما أروح القسم."


ابتسمت مريم، وعيناها لا تزالان تحتفظان ببقايا دموعٍ لم تجفّ تمامًا، وقالت :

"إنتوا مش مخلّيني محتاجة حاجة أصلًا… ربنا يخليكم ليا."


اتسعت ابتسامة نور قليلًا، ثم عقد حاجبيه بتساؤلٍ خفيف:

"طيب إنتي إيه اللي خرجك من الشركة دلوقتي؟"


رفعت كتفيها ببساطة، وقالت وهي تميل برأسها قليلًا:

"متنساش… أنا صحافية. هتلاقيني كل شوية في مكان… مش هفضل دايمًا في الشركة."


ضحك نور بخفّة، ثم أشار بيده نحو الخارج وكأنه يدعوها رسميًا:

"طيب يا صحافية مريم… اتفضّلي معايا في عربيتي المتواضعة، أوصّلك للمكان اللي إنتي عايزاه."


هزّت رأسها بابتسامة، وكادت تتحرّك معه، لكنها توقّفت فجأة، واتسعت عيناها وكأنها تذكّرت شيئًا مهمًا. رفعت يدها وضربت جبينها بخفّة:

"دقيقة واحدة! أنا نسيت الشنطة اللي فيها حاجتي… ثانية وراجعة!"


لم تنتظر ردّه، واستدارت مسرعة، تختفي داخل الشركة بخطواتٍ سريعة.


تبعها نور بنظره، ثم هزّ رأسه وهو يضحك لنفسه:

"مجنونة… وهتجننا معاها."


مرّت لحظات قليلة، قبل أن تعود، تحمل حقيبتها، وأنفاسها متلاحقة قليلًا من العجلة.


توقّفت أمامه، ابتسمت، ثم سارت معه نحو السيارة.


                        ♡ــــــــــــــــــــــــــــــ♡


خرجت أولُ عارضةِ أزياءٍ إلى المنصّة، بخطواتٍ واثقةٍ رشيقة، تنساب بثباتٍ يلفت الأنظار ويأسر القلوب. وفي اللحظة نفسها، تعالت ومضات الكاميرات من حولها، إذ انشغل الصحفيون بالتقاط صورها، بينما جلس الحضور يتأملون التصاميم في صمتٍ مليئ بالدهشة.


كان العرضُ مخصّصًا لفساتين الزفاف؛ فساتين بيضاء، أنيقة، آسرة في هيئتها، تشعّ جمالًا أخّاذًا يخطف الأبصار. 


أما الجالسون، فقد انعكس الانبهار على وجوههم بوضوح، إذ استسلموا لجمال وروعة تلك التصاميم. 


ما إن انتهى العرض، حتى عادت العارضات إلى المنصّة، تتقدّم كلٌّ منهن الأخرى في تناغمٍ منظم. اصطففن في صفٍ واحد، وقفةً متناسقة تعكس ختام ذلك العرض الآسر.


وفي اللحظة التالية، ظهرت مصممة الأزياء" ميرال"


كانت فتاةً رشيقة،  ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ جميلة تضفي عليها سحرًا خاصًا. انسدل شعرها الأسود الطويل في هيئة ذيل حصانٍ أنيق، ينساب خلفها ببساطةٍ جذابة، بينما اكتفى وجهها بمكياجٍ خفيف أبرز نعومتها . وكانت ترتدي فستانًا أسود قصيرًا، يليق برشاقتها، مع حذاءٍ أسود ذي كعبٍ عالٍ يزيد حضورها ثباتًا وأناقة.


تقدّمت قليلًا، ثم توقّفت، ولوّحت بيدها للحاضرين.

وفورًا، تعالى التصفيق في القاعة، تصفيقٌ حارّ يعكس انبهارهم، لا بها فحسب، بل بما قدّمته من تصاميم خطفت الأنفاس. وفي تلك الأثناء، لم تهدأ الكاميرات، إذ واصل الصحفيون التقاط الصور لها


ما إن انتهى العرض وخرجت من القاعة، حتى توقّفت لتواجه الصحفيين، الذين التفّوا حولها في حلقةٍ مزدحمة، تتعالى فيها الأسئلة وتتنافس فيها الأصوات.


كانت الأضواء لا تزال مسلّطة عليها، وعدسات الكاميرات تلاحق أدقّ تعبيرٍ يرتسم على ملامحها، بينما راحت تجيب بهدوءٍ واتزان عن أسئلتهم، التي دارت أغلبها حول مدى إعجابهم بتصاميمها وردود الأفعال التي حصدها العرض.


تقدّمت إحدى الصحفيات قليلًا، ثم وجّهت إليها سؤالها :

"خدتي وقت قد إيه عشان تعملي كل التصاميم دي؟"


ارتسمت على شفتي ميرال ابتسامةٌ هادئة، وقالت :

"مجموعة الفساتين كلها أخدت مني حوالي سنة عشان تطلع بالشكل اللي إنتوا شفتوه ده… من أول الرسم على الاسكتش لحد آخر غرزة في آخر فستان، أخدت مني سنة كاملة."


لم تكد تُنهي حديثها، حتى بادر أحد الصحفيين بسؤالٍ آخر:

"بمناسبة فساتين الفرح دي… هل تم تحديد يوم فرحكم ولا لسه؟"


اختفت ابتسامتها للحظةٍ عابرة، ثم عادت لترتسم من جديد، وقالت:

"لا لسه… بس قريب إن شاء الله."


تقدّمت الصحفية مرةً أخرى، ولم تتراجع هذه المرة، وقالت بإصرار:

"هو خطيبك مش بيظهر معاكي ليه؟ إحنا لاحظنا إنه مختفي ومش ظاهر على الشاشة خالص… ممكن نعرف السبب؟"


ساد الصمت لثوانٍ قليلة، توقّفت فيها ميرال، قبل أن تقول :

"ممكن من فضلكم نسأل بس عن الشغل… وبلاش أسئلة عن حياتي الشخصية."


كادت الصحفية أن تعقّب، إلا أن ميرال رفعت يدها في إشارةٍ واضحة، ثم ارتدت نظارتها، وقالت باقتضاب:

"كفاية… شكرًا."


تقدّم الحراس الخاصّون بها على الفور، ليُبعدوا الصحفيين ويفسحوا لها الطريق. ثم مضت دون أن تلتفت، حتى وصلت إلى سيارتها الحمراء. استقلّتها في هدوء، وما إن أدار السائق المحرّك، حتى انطلقت السيارة مبتعدة.


أخرجت هاتفها، وبحركةٍ سريعة اتصلت به، تنتظر أن يأتيها صوته من الطرف الآخر. لكن ما إن مرّت لحظاتٌ دون رد، حتى انقبضت ملامحها، وارتسم الضيق على وجهها بوضوح.


خفضت الهاتف قليلًا، ثم بدأت تكتب رسالة، وأصابعها تتحرّك ببطءٍ :

"عارفة إنك مضغوط في شغلك… بس أنا كمان ببقى مضغوطة في شغلي، ومع ذلك مش بنساك، ودايمًا بسأل عليك ومبسيبكش لوحدك في أصعب أوقاتك… لكن إنت مش بتديني حتى نص ساعة من وقتك… عارف، إنت لو كنت جيت العرض 5 دقايق بس ومشيت، كنت هبقى مبسوطة أوي."


توقّفت لحظة، كأنها تتردّد، ثم أرسلت الرسالة.


أغلقت الهاتف بعد ذلك بضيق، وارتسم الحزن على ملامحها. 


                  ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡


كانت ياسمين جالسةً برفقة نادين وليلى، إلا أنّها بدت غائبةً عنهما، غارقةً في شرودٍ عميق. 


تبادلت ليلى نظرةً سريعة مع نادين، ثم التفتت إلى ياسمين وقد ارتسم الاستغراب على ملامحها، وقالت:

"ياسمين!"


انتبهت ياسمين على صوتها، ورفعت عينيها نحوها.

قالت ليلى بتعجّب:

"مالك؟ سرحانة في إيه؟"


أردفت نادين وهي تميل قليلًا نحوها:

"أنا كمان لاحظت… من ساعة ما قعدنا وإنتِ مش مركّزة معانا خالص."


ظلّت ياسمين تنظر إليهما لثوانٍ، ثم قالت بصوتٍ خافت :

"تفتكروا الكوابيس اللي بيشوفها فارس ممكن تتحقّق؟"


ابتسمت ليلى ابتسامةً خفيفة، محاولةً تبديد هذا القلق، وقالت:

"ما إحنا قولنا ميت مرة… دي مجرد أحلام. من كتر ما فارس بيفكّر في ابنه وشاغل باله بيه، فطبيعي يحلم بكوابيس زي دي."


ازدادت خلاله ملامح ياسمين توترًا، ثم قالت بنبرةٍ يغلب عليها الخوف:

"طيب أنا ليه حاسة غير كده؟… ده أصلًا غير إن فارس بقاله فترة متغيّر… حاساه مخبّي عني حاجة ومش عايز يقولّي في إيه."


تبادلت نادين نظرةً متفحّصة معها، ثم قالت بتفكير:

"وإنتِ إيه اللي خلاكي تفكّري إنه مخبّي عنك حاجة؟"


قالت ياسمين:

"من تصرّفاته… بقاله فترة متغيّر، دايمًا بلاقيه سرحان… ومش مركّز معايا. في حاجة شاغلة باله وبيفكّر فيها كتير، وأنا مش عارفة إيه هي. وكل ما أسأله، يقولي مفيش حاجة."


نظرت إليها ليلى لحظة، ثم قالت :

"ما يمكن فعلًا مفيش حاجة… وإنتِ اللي مكبّرة الموضوع شوية."


قالت ياسمين بعصبيّةٍ واضحة، وقد انعكس اضطرابها في نبرة صوتها:

"أنا متأكدة إن في حاجة هو مخبّيها عني… والموضوع ده مضايقني وشاغل بالي، ومش مطمّنة خالص."


مدّت نادين يدها، وربتت على كتفها برفق، محاولةً تهدئتها، ثم قالت بنبرةٍ هادئة:

"طيب اهدي شوية… خلّينا نفترض إنه فعلًا مخبّي حاجة ورافض يقولك، مش يمكن عشان الموضوع ميستاهلش ومش عايزك تقلقي؟ يمكن مشكلة في المستشفى، ولا صاحب ليه واقع في مشكلة… متظلمهوش يا ياسمين."


قالت ياسمين بصوتٍ هادئ مليئ بالحزن:

"أنا مش بظلمه… أنا قلقانة عليه، عايزاه يحكيلي، يقولي ماله… أخفّف عنه، أشيل الحمل من عليه شوية… إنتوا فاهميني؟"


تبادلت نادين وليلى نظرةً سريعة، ثم هزّتا رأسيهما بتفهّم. وقالت ليلى بنبرةٍ دافئة:

"إحنا فاهمينك كويس… وعلى فكرة كلنا زيك كده، بس متضغطّيش عليه. وهو أكيد لو في حاجة، في الآخر هيقولك لوحده."

سكتت ياسمين قليلًا، ثم هزّت رأسها في إشارةٍ إلى تفهّمها. 

مدّت نادين يدها، وأمسكت كوب النسكافيه، ثم أعطته لياسمين قائلةً بلطف:

"خدي، اشربيها… قربت تبرد. ويلا نكمل الفيلم، ده قرب يخلص… وفكّي شوية، إحنا ما صدقنا اتقابلنا."

ضحكت ليلى بخفّة، وقالت:

"عندِك حق… إحنا كل فين وفين لما نقعد مع بعض قعدة زي دي."

ابتسمت ياسمين ابتسامةً خفيفة، وهزّت رأسها، ثم بدأت ترتشف النسكافيه بهدوء، بينما عادوا لمتابعة الفيلم سويًا.  

وقفت سيارة الشرطة أمام القصر الكبير. ترجل نور، وتقدّم بخطواتٍ ثابتة حتى وقف أمام بوابة القصر المتشمع، بينما كان فرق الدعم يحيط بالمكان من كل جانب. 

دخل نور القصر، يتقدّمه فريقه الذي كان منشغلًا بفحص مسرح الجريمة. توقّف عند منتصف المكان، وانحنى بصره نحو الجثة الملقاة على الأرض، غارقة في دمائها. 

اقترب منه أحد أفراد الفريق "ادهم"وقال:

"الجريمة دي مش عادية… وأنا بصراحة مش مطمّن خالص ليها، مش عارف ليه."

نظر إليه نور، ورفع حاجبيه بابتسامةٍ ساخرة، وقال:

"وهي الجرائم بشكل عام حاجة عادية بالنسبالك؟ وبعدين إيه الجديد يعني؟ ما إحنا مسكنا قضايا جرائم كتير قبل كده… المهم دلوقتي، جهّزت الملف؟ جمعت فيه معلومات الراجل ده زي ما قولتلك؟"

هزّ أدهم رأسه، ورفع يده التي تحمل الملف، قائلًا:

"حصل يا باشا."

نظر نور إلى الملف، وأخذه دون أن يفتحه. ثم تقدّم نحو الجثة، وجثا على ركبتيه، يتفحّصها بدقةٍ شديدة، وعيناه تنتقلان بين التفاصيل الصغيرة في صمتٍ حادّ.

بعد لحظات، نهض مجددًا، وألقى نظرةً سريعة حول المكان. كان القصر مرتبًا بشكلٍ لافت، لا فوضى فيه، ولا آثار صراع واضحة، وكأن شيئًا لم يحدث داخله. 

اقترب أدهم منه بخطواتٍ هادئة، ثم قال وهو يمعن النظر في محيط القصر:

"مظنش اللي عمل الجريمة دي كان غرضه السرقة… لأن كل حاجة في مكانها، ومفيش حاجة ناقصة، لا فلوس ولا مجوهرات."

سمعه نور، فاكتفى بهزّ رأسه دون تعليق، وعيناه لا تزالان تراقبان المكان بتركيزٍ حاد.

أكمل أدهم، وقد بدا عليه شيء من التردد:

"لكن في حاجة غريبة…"

رفع نور بصره إليه فورًا، وقال باهتمام:

"إيه هي؟"

أشار أدهم بيده ناحية الداخل:

"تعالى شوف بنفسك."

تحرّك نور خلفه حتى وصلا إلى غرفة القتيل. وقف أدهم أمام مرآةٍ كبيرة، ثم أشار إليها بصمت

تقدّم نور خطوة، ونظر إلى المرآة، فانكمشت ملامحه في لحظة دهشةٍ واضحة. فقد كان مكتوبًا عليها بالد*م:
بكتْ سماءُ نزفي تحتَ القمرِ (3 + 3)"... .
يتبع
          الفصل الثالث من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا
تعليقات



<>