رواية جعلتني مجرما الفصل السابع والعشرون27 والثامن والعشرون28 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل السابع والعشرون27 والثامن والعشرون28 بقلم دينا عبد الله
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"

ظلت ياسمين تضغط على اسم نور مرةً تلو الأخرى، وكلما وضعت الهاتف على أذنها، ازداد خفقان قلبها وهي تنتظر أن يأتيها صوته.. لكن...لا رد.

أبعدت الهاتف ببطء، ونظرت إلى شاشته بعينين امتلأتا بالقلق، ثم أعادت الاتصال من جدي. 

في المقابل...كان فارس يقف في منتصف الغرفة، وقد انعقدت ملامحه بشدة، بينما أخذت أنفاسه تتسارع دون أن يشعر.

مرر يده داخل شعره بعصبية، وغرز أصابعه بين خصلاته، وعيناه شاردتان في الفراغ، بينما قلبه كان ينقبض خوفًا على ابنه.

ظل صامتًا لثوانٍ، ثم التفت إلى مريم وسألها بصوتٍ حاول أن يجعله هادئًا، لكن القلق كان واضحًا فيه:
"هو طلع بعربية مين؟"

نهضت مريم من مكانها بسرعة، وأجابته دون تردد:
"بعربيته."

أومأ فارس برأسه ببطء، ولم ينطق بكلمة أخرى.. استدار فجأة، واتجه نحو باب المنزل بخطواتٍ سريعة، تكاد تتحول إلى ركض.

راقبته ياسمين بعينين دامعتين، وقد ازداد اضطرابها حين رأت ملامح القلق المرتسمة على وجهه.. همست بصوتٍ مرتجف:
"يارب... احفظه..و احميه"

اقتربت منها مريم، وربتت على كتفها بحنان، ثم احتضنت يدها بين كفيها وقالت بصوتٍ دافئ، تحاول أن تمنحها بعض الطمأنينة رغم خوفها هي الأخرى:
"إن شاء الله هيبقى بخير... متقلقيش."

لكن كلماتها لم تكن كافية لتهدئة ذلك الخوف الذي استقر في قلب ياسمين.

في الخارج...استقل فارس سيارته بسرعة، وأدار المحرك، ثم انطلق بأقصى سرعة.

كانت قبضتاه مشدودتين بقوة على عجلة القيادة، حتى برزت عروق يديه، بينما عيناه لا تفارقان الطريق.

مد يده إلى هاتفه، وشغّل نظام تتبع الـGPS الخاص بسيارة نور.. ظل يراقب الشاشة بترقب، وأنفاسه محبوسة، وقلبه يخفق بعنف داخل صدره.

مرّت ثوانٍ بدت له وكأنها ساعات...ثم...ظهرت أخيرًا إشارة السيارة على الخريطة.

اتسعت عيناه قليلًا، وضغط بقوة على دواسة الوقود.. ازدادت سرعة السيارة بشكلٍ جنوني.

كان يتجاوز السيارات الواحدة تلو الأخرى دون اكتراث، بينما تعالت أصوات أبواق السيارات من حوله، وبعض السائقين يصرخون غاضبين من تهوره.

لكنه...لم يكن يسمع شيئًا.. كل ما كان يراه أمامه هو نور.

وبعد وقتٍ قصير...وصل إلى المكان الذي تشير إليه الخريطة.. لكن...وقبل أن يكمل طريقه، ضغط على المكابح فجأة.

توقفت السيارة بعنف.. انعقد حاجباه في استغراب، وهو ينظر أمامه.

كانت هناك لافتة كبيرة كُتب عليها أن الطريق مغلق للصيانة، وإلى جوارها أقماع حمراء مصطفة تغلق الطريق بالكامل.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم عاد ببصره إلى شاشة التتبع.

عقد ملامحه أكثر.. كانت الإشارة تؤكد أن سيارة نور موجودة داخل هذا الطريق.

رفع رأسه ببطء، وأعاد النظر إلى الطريق المغلق.. تسلل شعورٌ ثقيل إلى قلبه.

لم يكن مطمئنًا.. بل كان يشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي.. حك ذقنه ببطء، بينما راحت عيناه تتفحصان المكان بدقة، وكأنهما تبحثان عن أي تفصيل يفسر ما يحدث.

ثم فتح باب السيارة ونزل منها.. وقف أمام اللافتة، وأخذ يتأملها طويلًا، بينما كانت ضربات قلبه تتسارع أكثر فأكثر.

أخرج هاتفه من جيبه.. ظل يحدق في الشاشة للحظات، ثم توقف إصبعه فوق اسم سيف.. تردد.

زفر ببطء، وأغمض عينيه للحظة.. لم يكن يريد الاتصال به...لكن لم يعد أمامه أي خيار.

ضغط على زر الاتصال.. مرّت ثوانٍ قليلة...ثم جاءه صوت سيف من الطرف الآخر، وكان صوته متوترًا، يملؤه القلق والاستعجال:
"عرفت حاجة عن بنتي؟"

أغمض فارس عينيه مرة أخرى، وأخذ نفسًا عميقًا يحاول به السيطرة على اضطرابه، ثم فتحهما وقال بصوتٍ جاد، يخفي خلفه خوفًا كبيرًا:
"تقريبًا... عرفت مكانهم."

توقف لحظة، ثم أكمل بسرعة:
"هبعتلك لوكيشن المكان... تعالى فورًا، وهات رجالتك معاك."

ساد الصمت لثوانٍ.. ثم جاءه صوت سيف أكثر ارتباكًا، وقد ارتفعت نبرته من شدة الخوف:
"ليه؟! بنتي فين؟! حد عملها حاجة؟!"

اشتد توتر فارس، وارتسمت ملامح الانفعال على وجهه، ثم قال بصوتٍ حازم، يكاد يكون أمرًا:
"مش وقت أسئلة يا سيف!"

ازدادت نبرة صوته صلابة وهو يكمل:
"هبعتلك المكان دلوقتي... وخلال ثواني عايزك قدامي."

أنهى المكالمة دون أن يمنحه فرصةً للرد.. أرسل الموقع بسرعة، ثم أنزل الهاتف ببطء.

رفع رأسه مرة أخرى نحو اللافتة، ثم أخذ يقترب منها بخطواتٍ حذرة.

كانت عيناه تتحركان في كل الاتجاهات، يتفحصان الطريق المغلق بعناية، بينما كان ذلك الشعور الثقيل في صدره يزداد مع كل خطوة.. كان قلبه يخبره...أن خلف هذا الهدوء المخيف، ينتظره شيءٌ أسوأ مما يتخيل... 
 
                   ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت نسرين مُقيدة بإحكام على المقعد، وقد التف الحبل حول معصميها وقدميها بقوة، بينما غطى شريطٌ لاصق فمها، يمنع حتى أنينها من الخروج.

كانت عيناها تدوران في أرجاء الغرفة باضطرابٍ شديد، وأنفاسها تتسارع، والدموع تنساب على خديها بلا توقف.

حاولت أن تحرر يديها مرارًا، وشدت الحبال بكل ما أوتيت من قوة، حتى احمرّ معصماها من شدة الاحتكاك، لكن دون جدوى.

وفجأة...صدر صوت فتح الباب.. انتفض جسدها كله، ورفعت رأسها نحو المدخل، وقد اتسعت عيناها بذعر.

دخل معتز.. كانت خطواته هادئة... لكنها ثقيلة، وهيبته تسبق حضوره.

وجهه جامد لا يحمل أي تعبير، إلا أن عينيه كانتا تشتعلان بغضبٍ مخيف، وكأن بداخله بركانًا يحاول كتمانه.

توقف أمامها مباشرة، وظل يحدق فيها للحظات طويلة دون أن ينطق.. كانت نظراته وحدها كافية لتجعل الرعب يتضاعف داخلها.

ثم مد يده فجأة، وأمسك بالشريط اللاصق، ونزعه بعنف.

صرخت نسرين متألمة، وقد أغمضت عينيها بقوة من شدة الوجع، ثم أخذت تلهث، ونظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع، وقالت بصوتٍ متقطع من البكاء:
"إنت... إنت عايز مني إيه يا بني آدم؟... أنا عملتلك إيه؟"

ظل ينظر إليها في صمتٍ بارد لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه حمل من التهديد ما جعل الدم يتجمد في عروقها:
"عايز أعرف كل الأماكن اللي أخوكي بيروحها."

اقترب منها خطوة، ثم أردف وعيناه لا تفارقان عينيها:
"عندكم بيوت تانية غير القصر؟... فيلل... مخازن... أي مكان يخصكم."

اشتدت نبرته وهو يقول:
"وعايز أعرف مكانهم... دلوقتي."

ابتلعت نسرين ريقها بصعوبة، وقالت بصوتٍ مرتجف:
"وإنت عايز تعرف ليه؟... لو ليك عداوة مع أخويا، روح حلوا بعيد عني... أنا مالي؟"

اقترب منها أكثر، حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها، وقال بفحيحٍ مخيف:
"لو موصلتش لمرام..."

ثم شدد على كلماته وهو ينظر داخل عينيها مباشرة:
"ولو مقولتيش أخوكي بيروح فين... والله لأدفنك مكانك."

اتسعت عينا نسرين فور سماع اسم مرام.. ثم تبدلت ملامحها إلى الضيق والاحتقار، وقالت بانفعال:
"مرام؟! يعني أنا يحصلي كل ده... عشان خاطر الزفتة بتاعة الشوارع دي؟!"

لم تكمل جملتها.. ففي اللحظة التالية...هوى كف معتز على وجهها بقوة.

دوّى صوت الصفعة داخل الغرفة.. التوى رأسها إلى الجانب من شدتها، وشعرت بحرارةٍ حارقة في خدها.

أعاد إليها وجهها بعينيه المشتعلتين غضبًا، وقال بصوتٍ مرتفع :
"لما تيجي تتكلمي عن الهانم..."

اقترب أكثر، حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها، وأردف بغضبٍ مرعب:
"ستك... وست كل البنات..تتكلمي عنها عدل...بدل ورب الكعبة... أقطع لسانك... عشان تعرفي تتكلمي عدل بعد كده."

حدقت فيه نسرين بصدمةٍ حقيقية.. حتى دموعها توقفت للحظة من هول ما سمعته.

ثم انهمرت بغزارة أكبر، وقالت وهي تهز رأسها بعدم استيعاب:
"إنت تعرفها منين أصلًا؟! دي لا ليها أصل ولا فصل... عمري ما شوفت ليها أهل ولا أصحاب... إنت ظهرت منين وإمتى وإزاي؟"

 قال بنبرةٍ ثابتة واحده: 
"أنا أبوها...وأمها. وأخوها."

اشتدت نبرته أكثر:
"أنا كل حاجة في حياتها."

وأشار إليها بإصبعه محذرًا:
"ومن هنا وطالع...أنا اللي هقفلكم... واللي هيمس شعرة منها...هدفنه بالحيا."

ظلت نسرين تنظر إليه في صمت، وقد تملكها الخوف بالكامل.. ابتعد عنها خطوة، ثم صاح فجأة بصوتٍ دوّى في الغرفة:
"خلصي... انطقي!"

انتفض جسدها بالكامل من شدة صوته.. فقال: 
"قولي... عندكم أملاك تانية غير القصر ده؟!"

هزت رأسها بسرعة، وقالت وهي ترتجف:
"آه... عندنا."

ثم أضافت بتوسل:
"بس... لو قولتلك... تفكني وتسيبني أمشي."

اشتعل غضبه من جديد، وصاح فيها:
"خلصي... انطقي!"

أغمضت عينيها للحظة، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بخوف:
"عصام عنده فيلا... بس نادر جدًا ما بيروحها."

ثم أكملت بسرعة:
"وكمان عنده مخازن الشركة... احتمال تلاقيها هناك."

ضرب معتز بقبضته الحائط المجاور بعنف، ثم صاح في وجهها:
"أنا مش عاوز احتمالات!"

كانت عروقه قد برزت من شدة الغضب: 
"أنا عاوز مكان مؤكد."

ثم أشار إليها بإصبعه وقال بوعيد:
"وأقسم بالله... لو طلعتي بتكدبي عليّا..."

توقف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ تقشعر له الأبدان:
"لأخلي أيامك كلها سودة."

انفجرت نسرين في البكاء، وقالت بين شهقاتها:
"والله... والله ما بكدب."

هزت رأسها بعنف وهي تبكي:
"كل اللي أعرفه... بقولهولك."

ظل يحدق فيها للحظات، ثم قال ببرود:
"مكانهم فين؟"

أخبرته بالعناوين واحدًا تلو الآخر.. كان يستمع إليها في صمت، يحفظ كل كلمة.. وحين انتهت...استدار دون أن ينظر إليها مرة أخرى.

خرج من الغرفة، ثم أغلق الباب خلفه بقوة.. صرخت نسرين وهي تبكي بانهيار:
"أرجوك!... متسبنيش هنا.. أنا قولتلك كل حاجة.. أرجوك فكني!"

لكن خطواته ابتعدت...ولم يلتفت إليها.. خرج إلى الرجال الواقفين بالخارج.تقدم قائدهم نحوه، وقال بثبات:
"قولنا ناوي على إيه... وإحنا معاك، وفي ضهرك."

ظل معتز صامتًا للحظات، يفكر.. ثم رفع رأسه وسأله:
"الراجل اللي بيراقب عصام... قال أي جديد؟"

هز الرجل رأسه بأسف:
"لا... لسه مفيش أي أخبار."

تنهد معتز بعمق، وأغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما وقد عاد إليهما ذلك الإصرار المخيف.. وقال بحزم:
"عاوز الرجالة تتفرق."

ثم بدأ يشير إلى الأماكن التي أخبرته بها نسرين.
"كل مجموعة تروح مكان."

وأكمل بنبرةٍ آمرة:
"وأول واحد يعرف أي معلومة... أو يلاقي مرام...يبلغني فورًا."

وضع الرجل يده على صدره باحترام، وقال:
"رجالتي كلهم تحت أمرك."

أنهى معتز توزيع المهام، فهز الرجال رؤوسهم بطاعة، ثم انطلقوا مسرعين، كلٌ إلى وجهته، يبحثون عن أي أثرٍ لمرام.

وبقي معتز وحده.. أدخل يده ببطء داخل جيب جلبابه.. وأخرج سلسلةً صغيرة.. سلسلة مرام.. ظل ينظر إليها طويلًا.

مرر إبهامه فوقها برفق، وكأنها آخر ما تبقى له منها.. ارتجفت شفتاه، وامتلأت عيناه بالدموع دون أن يشعر.

قبض على السلسلة بقوة، حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وأطبق كفه عليها بإحكام.. ثم رفع رأسه إلى السماء، وعيناه تشتعلان بالحزن والغضب، وهمس بصوتٍ مبحوح، خرج من أعماق قلبه:
"استحملي يا مرام..."

أغمض عينيه للحظة، وانحدرت دمعةٌ ساخنة على خده.. ثم فتحهما من جديد، وقد تحولت ملامحه إلى عزيمةٍ لا تعرف الاستسلام.. وقال بصوتٍ خافت، لكنه يحمل وعدًا لا رجعة فيه:
"والله... هرجعك، ولو هحارب الدنيا كلها عشان أوصلك."

               ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى دوّى صوت محركات السيارات في المكان.

ظهرت سيارة سيف، وخلفها سيارتان رجاله، يشقون الطريق بسرعةٍ كبيرة حتى توقفوا أمام فارس.

لم ينتظر سيف أن يفتح له السائق الباب، بل دفعه بنفسه ونزل مسرعًا، وأغلق الباب بعنف خلفه، ثم اتجه بخطواتٍ واسعة نحو فارس، وقد ارتسمت على وجهه ملامح القلق واللهفة، بينما راحت عيناه تجوبان المكان باضطراب، قبل أن تستقرا على الطريق المغلق.

عقد حاجبيه باستغراب، ثم قال بصوتٍ متوتر اختلط فيه الضيق بالخوف:
"بنتي فين؟... وإشمعنى طلبت مني أجي هنا؟"

رفع فارس بصره نحو الطريق المغلق، وظل يحدق فيه لثوانٍ، ثم التفت إلى سيف وقال بصوتٍ هادئ:
"إشارة عربية نور جاية من الطريق ده."

توقف لحظة، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أكمل وهو يضيق عينيه:
"ومش مطمن خالص لموضوع إنه مقفول للصيانة."

أشار بيده نحو اللافتة والأقماع الحمراء، ثم قال وهو يهز رأسه بعدم اقتناع:
"إزاي الطريق مقفول... وعربية ابني موجودة جواه؟"

ثم نظر مباشرةً إلى سيف، وقال بجدية:
في حاجة غلط..و احتمال كبير يكون في حد مدبر كل ده... وبما إن بنتك مختفية، يبقى بنسبة كبيرة هي كمان حياتها في خطر."

انقبض قلب سيف بمجرد سماعه تلك الكلمات.

نظر إلى الطريق طويلًا، ثم عاد ببصره إلى فارس، وقد ازدادت ملامحه توترًا، وقال بصوتٍ خافت يخفي خلفه خوفًا يكاد يفتك به:
"طيب... هنعمل إيه دلوقتي؟"

زفر فارس ببطء، ثم قال وهو يثبت نظره على الطريق:
"هنمشي فيه لحد ما نوصل لعربية نور."

ثم التفت إلى رجال سيف الواقفين خلفه، وأضاف :
"ولو توقعي طلع صح... وفي حد قاصد يقفل الطريق عشان يمنع أي حد يدخل..."

توقف لحظة، ثم قال بحزم:
"رجالتك هيتعاملوا مع أي حد يعترضنا."

أومأ سيف برأسه موافقًا دون تردد، ثم استدار نحو رجاله، وأشار إليهم بإشارةٍ حازمة ليتحركوا خلفهم في تشكيلٍ استعدادًا لأي مواجهة.

بعدها أدخل يده داخل سترته، وأخرج مسدسه.. أمسكه بثبات، ثم سحب خزنة الذخيرة، وأعاد تعبئتها بحركاتٍ سريعة تدل على اعتياده، قبل أن يغلقها بصوتٍ معدني حاد.

ثم أخرج مسدسًا آخر، ومده إلى فارس وهو ينظر إليه بنظرةٍ حملت شيئًا من السخرية رغم الموقف، وقال:
"لسه بتعرف تستعمله... ولا الزمن خيبك؟"

نظر فارس إلى السلاح، ثم رفع عينيه إلى سيف.. ساد بينهما صمتٌ قصير، امتلأ بسنواتٍ طويلة من الذكريات . 

أخذ فارس السلاح ببطء، ثم قال بصوتٍ خافت امتزج فيه العتاب بالألم:
"لو في حد خاب..."

ثبت عينيه في عيني سيف وأكمل:
"فهو إنت يا سيف."

اهتزت نظرات سيف للحظة.. انخفض بصره إلى الأرض، وشحب وجهه قليلًا.. ظل صامتًا لثوانٍ، ثم رفع رأسه من جديد، وقال بصوتٍ هادئ :
"خلينا نلاقيهم الأول...وبعدين نتعاتب."

لم يرد فارس.. اكتفى بإحكام قبضته على السلاح، ثم وجه نظره إلى الطريق من جديد.

أشار سيف إلى أحد رجاله قائلًا بصرامة:
"شيلوا اللافتة... وافتحوا الطريق."

أسرع الرجال ينفذون أوامره، فأزاحوا الأقماع الحمراء واللافتة الكبيرة إلى جانب الطريق، لتنكشف الطريق أمامهم.

عاد كلٌّ منهم إلى سيارته.. أداروا المحركات في اللحظة نفسها، وانطلقت السيارات بسرعةٍ كبيرة داخل الطريق.

كان فارس يقود، بينما لم تغادر عيناه شاشة جهاز التتبع المثبت أمامه، يراقب نقطة سيارة نور التي تقترب منها المسافة شيئًا فشيئًا... 

                       ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
ضرب معتز الطاولة التي أمامه بقبضته بكل ما أوتي من قوة، فاهتزت بعنف، وتناثرت فوقها بعض الأغراض، بينما اشتعلت عيناه بالغضب، وارتفعت أنفاسه بصورةٍ مخيفة بعدما وصله خبر أن الرجال لم يجدوا أي أثرٍ لمرام في أي مكان من الأماكن التي أخبرتهم بها نسرين.

استدار ببطء نحوها... كان ينظر إليها بنظراتٍ حادة، مشتعلة بالغضب، جعلت الرعب يتسلل إلى قلبها.

هزت نسرين رأسها بعنف، وانهمرت دموعها وهي تقول بصوتٍ متقطع من شدة البكاء والخوف:
"والله العظيم... أنا مش بكدب عليك... هما دول الأماكن اللي أعرفها... والله معرفش أكتر من كده."

لم يرد... اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، ثم قبض على شعرها بعنف، وجذبه بقوة إلى الخلف.

صرخت نسرين صرخةً موجوعة، وأغمضت عينيها من شدة الألم، بينما راحت تحاول إبعاد يده دون جدوى.

انحنى معتز حتى أصبح وجهه بجوار أذنها، وهمس بصوتٍ منخفض، لكنه كان أشد رعبًا من الصراخ، كفحيح أفعى تستعد للانقضاض:
"لو مرام جرالها حاجة..."

توقف لحظة، واشتدت قبضته على شعرها أكثر، ثم أكمل بوعيدٍ مرعب:
"هخلي أخوكي يدفع التمن غالي... وهخليه يبكي بدل الدموع دم... وهو بيتوسل لي عشان أرحمه."

ثم دفعها بعنف... اختل توازن المقعد، فسقطت به على الأرض بقوة، وارتطم جسدها بالأرض، لتتعالى شهقتها وهي تبكي من الألم والخوف، وقد أخذ جسدها يرتجف بالكامل.

رمقها معتز بنظرةٍ ملتهبة، ثم قال بصوتٍ حازم، يملؤه الغضب:
"هتفضلي هنا... من غير أكل ولا شرب... لحد ما ألاقيها."

ثم أشار إليها بإصبعه، وأردف بحدة:
"وادعي ربك ألاقيها... لأن لو ده محصلش..."

تصلبت ملامحه، وقال من بين أسنانه:
"إنتِ هتموتي هنا... وهتعفني في مكانك... وأخوكي لا هيعرف يوصلك... ولا هيقدر ينقذك مني."

صمت لحظة، ثم أكمل وعيناه تشتعلان بنار الانتقام:
"إنتوا لحد دلوقتي... متعرفوش معتز مؤمن العمدة يقدر يعمل فيكم إيه."

ثم ارتفع صوته وهو يقسم بغضب:
"أقسم بالله... لأطبق الدنيا على نفوخكم... ولأولع في الدنيا كلها."

ازدادت شهقات نسرين، وانهمرت دموعها بغزارة، بينما كانت تنظر إليه برعبٍ حقيقي.

استدار معتز وغادر المكان بخطواتٍ سريعة، وقد سيطر عليه القلق والغضب، ولم يعد يفكر إلا في إيجاد أي طريقٍ يوصله إلى مرام قبل فوات الأوان.

ظلت نسرين تنظر إلى الباب الذي خرج منه، ودموعها لا تتوقف عن الانهمار.

لم تكن تتخيل يومًا أن يكون لمرام شخصٌ يخاف عليها بهذه الصورة... ويجن جنونه خوفًا عليها.

من يكون؟
وكيف دخل حياتها؟
وهل سينجح في العثور عليها؟
ومتى ستخرج هي من هذا المكان؟

أغمضت عينيها، وانهارت في بكاءٍ مرير... 

               ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

توقفت السيارات دفعةً واحدة عندما ظهرت سيارة نور في منتصف الطريق... لم تكن هناك أي سيارات أخرى.

ولا جثث.ولا حتى بقع دماء أو أي أثر يدل على المعركة التي دارت في المكان، وكأن شئ لم لم يحدث. 

فتح فارس باب سيارته بعنف، وترجل منها بسرعة، ولحق به سيف، ثم نزل رجالهما وانتشروا حولهما بحذر، وأيديهم تستقر فوق أسلحتهم، بينما كانت أعينهم تجوب المكان في يقظة، تحسبًا لأي خطرٍ قد يظهر.

أسرع فارس نحو سيارة نور، وما إن اقترب منها حتى تباطأت خطواته تدريجيًا.

اتسعت عيناه بصدمة.. كان هيكل السيارة مثقوبًا بعشرات الطلقات، والزجاج الجانبي والأمامي محطمًا بالكامل، والمرآة الجانبية تتدلى محطمة، بينما تناثرت شظايا الزجاج داخل السيارة وخارجها.

تسارعت أنفاسه، ومال بجسده ينظر إلى الداخل بعينين مضطربتين، يبحث عن أي أثرٍ لنور أو خديجة.

لكن...لم يجد أحدًا.. رفع رأسه ببطء، والتقت عيناه بعيني سيف.. لم ينطقا بكلمة.. لكن النظرة وحدها كانت كافية.

لقد تعرضا لهجوم.. شعر فارس فجأة بوخزةٍ حادة اخترقت صدره.

انعقدت ملامحه بالألم، وارتفعت أنفاسه بصعوبة، ثم وضع يده فوق قلبه، وضغط عليه بقوة، وكأن شيئًا يعصره من الداخل.

استند بكفه الأخرى على السيارة حتى لا يفقد توازنه.

انتبه سيف إليه، فاتسعت عيناه بقلق، وركض نحوه سريعًا، وأمسك بذراعه وهو يقول بلهفة وصوتٍ مضطرب:
"فارس... إنت كويس؟"

أبعد فارس يده عنه بضيق، ثم أغمض عينيه لثوانٍ، وأخذ نفسًا عميقًا خرج من صدره بصعوبة، محاولًا السيطرة على ذلك الألم الذي اجتاح قلبه قبل جسده.

وفي مكانٍ غير بعيد...كان الرجل الذي يراقب نور وخديجة يقف مختبئًا، يتابع ما يحدث بعينين باردتين.

رفع هاتفه إلى أذنه وقال بصوتٍ خافت:
On dirait qu'ils ont découvert où ils se trouvent... On les élimine ?
يبدو أنهم عرفوا مكانهم... هل نتخلّص منهم؟

ثم جاءه صوت المرأة من الطرف الآخر، يحمل هدوءًا مخيفًا، تزينه ابتسامةٌ شيطانية:
Non... Ce n'est pas nécessaire
لا... لا داعي لذلك.

توقفت لحظة، ثم أكملت بسخريةٍ باردة:
De toute façon, ils n'arriveront pas à temps.
على أي حال، لن يصلوا في الوقت المناسب.

وأضافت وهي تضحك بخبث:
Quant à Khadija... ce sera pour une autre fois. Cette fois, elle n'aura pas l'honneur de me rencontrer.
أما خديجة... فلها مرة أخرى. هذه المرة لن تنل شرف لقائي.

ثم انخفض صوتها أكثر وهي تقول باستمتاع:
Mais ce qui m'intéresse maintenant... c'est de voir la réaction de Faris à la mort de son fils.
لكن ما يهمّني الآن... هو أن أرى ردّة فعل فارس على موت ابنه.

وانطلقت منها ضحكةٌ شيطانية منتصرة، قبل أن تنهي المكالمة.

في تلك الأثناء...فتح فارس عينيه من جديد، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوتٍ متماسك رغم الاختناق الذي يشعر به:
"وزع رجالتك."

أشار إلى الطريق وما حوله، ثم أردف بحزم:
"عايزين نفتش المنطقة كلها... يمكن نلاقيهم في أي حتة قريبة من هنا."

أومأ سيف برأسه فورًا، ثم التفت إلى رجاله وأصدر أوامره بسرعة:
"اتفرقوا... فتشوا كل شبر حواليكم، وأول ما تلاقوا أي أثر بلغوني فورًا."

انطلق الرجال في اتجاهاتٍ مختلفة، بينما عاد سيف ينظر إلى فارس وقال بجدية:
"وأنا معاك... رجلي على رجلك."

ارتسمت على شفتي فارس ابتسامةٌ ساخرة، لكنها كانت ممتلئة بالألم، وقال وهو يهز رأسه:
"قال يعني... خايف عليّا مثلًا؟"

أطرق سيف برأسه لحظة، ثم رفع عينيه إليه، وقال بصوتٍ خافت اختلط فيه الضيق بالحزن:
"ابنك... هو اللي خلاني أعمل فيه كده."

اشتعلت عينا فارس فجأة، واحتدت ملامحه، ثم صاح فيه بغضبٍ مكتوم:
"ابني مغلطش!"

توقفت أنفاسه للحظة، ثم أكمل بصوتٍ مرتفع:
"وحتى لو غلط... تحاول تقتله يا سيف؟!"

تجمعت الدموع في عينيه رغمًا عنه، واهتز صوته وهو يقول بوجعٍ مزق قلبه:
"إنت أكتر واحد عارف... أنا بخاف عليه قد إيه."

ابتلع غصته بصعوبة، ثم أكمل وعيناه تلمعان بالدموع:
"كنت خايف ييجي اليوم اللي حد يأذيه...لكن عمري ما تخيلت... إن اللي هيعمل فيه كده... يكون إنت يا صاحبي."

فتح سيف فمه ليتحدث، لكن فارس قاطعه بإشارةٍ حادة من يده، وقال بصوتٍ متعب:
"مش عايز أسمع أي حاجة منك دلوقتي."

ثم أشاح بوجهه عنه وأردف:
"خلينا نلاقيهم الأول...وبعدين... لينا كلام تاني."

استدار وغادر بخطواتٍ سريعة، ورفع يده يمسح دمعةً خانته وانزلقت على خده رغم مقاومته.

ظل سيف ينظر إلى ظهره بحزنٍ عميق، وشعر بوخز الندم يعتصر قلبه.

أحكم قبضته على سلاحه حتى ابيضت مفاصل أصابعه، ثم أخذ نفسًا طويلًا، وانطلق خلف فارس، وقد انعقد العزم في عينيه على ألا يغادر هذا المكان قبل أن يعثر على نور وخديجة... 

              ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقف معتز مستندًا بجسده إلى السيارة، وأراح رأسه عليها للحظات، بينما ضغط بكفه على موضع جرحه، فانقبضت ملامحه بقوة، وخرجت منه أنفاسٌ متقطعة مليئة بالألم. كان النزيف قد استنزف معظم قوته، وأصبح الوقوف وحده معركةً يخوضها بصعوبة.

قطع الصمت صوتٌ مألوف يقول بضيق:
"إنت مش بترد على تليفونك ليه؟"

رفع معتز رأسه ببطء، واستدار نحو مصدر الصوت، وما إن وقعت عيناه عليه حتى اتسعتا بدهشةٍ واضحة.

كان لؤي يقف أمامه، وإلى جواره تقي.. ظل يحدق فيهما لثوانٍ، وكأنه يحاول استيعاب أنهما يقفان أمامه بالفعل، لا أنهما مجرد وهمٍ صنعه إرهاقه.

تبادلت تقي ولؤي نظرةً مستغربة، بعدما لاحظا غرابة نظراته وصمته.

تقدم لؤي خطوة، وأخذ يتأمل وجه أخيه الشاحب، وعينيه المرهقتين، ثم قال بقلق:
"إنت كويس؟"

لم يُجب معتز، بل تجاهل سؤاله تمامًا، وقال بصوتٍ واهن:
"إنتوا... عرفتوا مكاني إزاي؟"

رفع لؤي كتفيه ببساطة، وظهرت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة رغم قلقه، وقال:
"عادي... من تليفونك."

لكن تقي لم تكن تستمع إلى حديثهما.. كانت عيناها معلقتين بيد معتز الموضوعة على بطنه.

ضيقت عينيها وهي تلاحظ أن جلبابه الداكن قد ابتلت أطرافه بسائلٍ لم يظهر بوضوح بسبب لونه.

اقتربت منه أكثر بقلق، ومدت يدها تتحسس القماش برفق.. وما إن أبعدت يدها...حتى تجمدت في مكانها.

حدقت في كفها، وقد غطته الدماء.. اتسعت عيناها بصدمة، وشحب وجهها وهي تهمس بصوتٍ مرتعش:
"دم..."

التفت لؤي إليها بسرعة، ثم نظر إلى يدها الملطخة بالدم، قبل أن تعود عيناه إلى معتز.

اتسعت عيناه هو الآخر، واندفع نحوه في لحظة، وأمسك كتفيه يتفحصه بقلقٍ بالغ، وقال بصوتٍ مرتفع اختلط فيه الخوف بالغضب:
"إنت متعور؟! مين اللي عمل فيك كده؟! رد عليا!"

ظل معتز ينظر إليهما بصمت.. كانت رؤيته تزداد ضبابية، والأصوات من حوله تتلاشى شيئًا فشيئًا.

حاول أن يتمسك بوعيه...لكن جسده لم يعد يحتمل.. وفجأة...ارتخت ركبتاه، وسقط فاقدًا للوعي.

شهقت تقي، ووضعت يدها على فمها، بينما امتلأت عيناها بالدموع من شدة الذعر.

أما لؤي، فاتسعت عيناه بصدمة، وألقى بنفسه على ركبتيه بجوار أخيه، وأسنده قبل أن يرتطم رأسه بالأرض.

أمسك وجهه بكلتا يديه، وهزه برفق في البداية، ثم بعنفٍ مع ازدياد خوفه، وهو يناديه بصوتٍ مرتجف:
"معتز!... معتز رد عليا!"

اقترب أكثر، وعيناه تبحثان عن أي استجابة...أي حركة...أي رمشة عين.. لكن...لا شيء.

ازداد انقباض قلبه، فرفع رأسه نحو تقي وصاح بسرعة:
"افتحي باب العربية... بسرعة!"

هزت تقي رأسها بعنف، وانطلقت تركض نحو السيارة، وكانت يداها ترتجفان بشدة وهي تفتح الباب بصعوبة من فرط توترها.

ثم عادت مسرعة، وانحنت بجوار أخويها، وساعدت لؤي في حمل معتز بحذر.

كان جسده ثقيلًا، ورأسه يتدلى بلا حراك، بينما كانت الدماء لا تزال تنزف من جرحه.

بصعوبة، تمكنا من إدخاله إلى السيارة.

جلست تقي في المقعد الخلفي بجواره، وأسندت رأسه فوق حجرها برفق، ثم مررت أصابعها المرتجفة على وجهه الشاحب، وأزاحت خصلات شعره المبتلة بالعرق عن جبينه، وقالت بصوتٍ اختنق بالبكاء:
"افتح عنيك يا حبيبي... مين اللي عمل فيك كده؟"

لكن لم يصلها منه أي رد.. أدار لؤي المحرك، وانطلقت السيارة بسرعة كبيرة.

كانت يداه تقبضان على عجلة القيادة بقوة حتى برزت عروق كفيه، بينما كان يرفع بصره بين الحين والآخر إلى مرآة السيارة، ينظر إلى أخيه الممدد في الخلف.

انقبض قلبه وهو يرى شحوب وجهه وسكونه المخيف.

اشتدت قبضته أكثر، وظهرت في عينيه نظرةٌ مظلمة، مليئة بالغضب والوعيد.. وفي داخله، كان يقسم أن من تجرأ على إيذاء أخيه...لن يرحمه أبدًا... 

                ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

ركض فارس بأقصى ما يملك من قوة، وخلفه سيف، وأصابعهما مطبقة بإحكام على أسلحتهما، بينما كانت أعينهما تجوب المكان في كل اتجاه بقلقٍ وترقّب، استعدادًا لظهور أي خطرٍ مباغت.

لكن خطوات فارس توقفت فجأة... ثبتت عيناه على المشهد أمامه، واتسعت حدقتاه بصدمةٍ أفقدته القدرة حتى على التنفس.

كانت خديجة جاثية على الأرض، تحتضن نور الغارق في دمائه، تبكي بانهيارٍ يمزق القلب.

تلاشى كل ما حوله... لم يعد يرى الطريق، ولا الأشجار، ولا الرجال... لم يرَ سوى ابنه.

انزلقت المسدس من بين أصابعه ليسقط على الأرض دون أن يشعر، بينما خانته دموعه وانهمرت بغزارة، وارتجف جسده كله، قبل أن يشق صوته المكان وهو يصرخ بكل ما تبقى في قلبه من روح:
"نــــــور!"

التفت سيف مذعورًا على صرخة فارس، وما إن وقعت عيناه على المشهد حتى تجمدت ملامحه هو الآخر، واتسعت عيناه بذهولٍ وصدمة، قبل أن يندفع راكضًا نحوهما بأقصى سرعة.

رفعت خديجة رأسها على صوت الصرخة، وعيناها الحمراوان الغارقتان بالدموع تبحثان عن مصدرها، وما إن رأت فارس حتى انهارت أكثر.

وصل فارس إليهما، وجثا على ركبتيه بعنف حتى ارتطمتا بالأرض، ثم مد يديه المرتجفتين نحو نور، وحمله من بين ذراعي خديجة بحذرٍ شديد، كأنه يخشى أن يؤلمه حتى بعد كل ما أصابه.

ضمه إلى صدره بقوة، بينما راحت يداه المرتعشتان تمران على وجه ابنه الشاحب الملطخ بالدماء، وكأنهما تبحثان عن أي دفء... أي نبض... أي علامة تخبره أنه ما زال حيًا.

تساقطت دموعه فوق وجهه وهو يهز رأسه برفضٍ هستيري، ويتمتم بصوتٍ متقطع، مخنوقٍ بالبكاء:
"لا... لا يا نور... قوم... أنا هنا... أنا جنبك يا ابني... قوم... عشان خاطري قوم... افتح عينيك... متعملش فيا كده."

وضعت خديجة يدها على فمها تكتم شهقاتها، لكن بكاءها انفجر رغمًا عنها، حتى ارتجف جسدها كله من شدة الانهيار.

أما سيف، فجثا سريعًا أمام ابنته، واحتضنها بقوة، ثم أبعدها عنه وهو يتفحص وجهها وجسدها بعينين امتلأتا بالرعب ، وراح يمرر كفيه المرتجفتين على كتفيها ووجهها، يسألها بصوتٍ مختنق:
"إنتِ كويسة؟... جرالك حاجة؟... حد أذاكي؟"

نظرت إليه بعينين زائغتين، وقد اختلطت دموعها بأنفاسها المتقطعة، ثم أشارت نحو نور وهي تقول بصوتٍ واهن، خرج بين شهقاتها:
"نور... يا بابا..."

لم يجد سيف ما يقوله.

ضمها إلى صدره من جديد، وربّت على ظهرها بحنانٍ يحاول أن يهدئ ارتجافها، ثم رفع بصره نحو فارس وابنه، فتبدلت ملامحه إلى حزنٍ ثقيل، وندمٍ نهش قلبه بصمت.

كان يرى صديقه ينهار أمام عينيه... ولم يكن يملك ما يخفف عنه.

احتضن فارس ابنه بقوة أكبر، حتى كاد يخفيه داخل صدره، وانفجر في صرخةٍ خرجت ممزقة من أعماق قلبه، صرخة رجلٍ يشعر أن روحه تُنتزع منه حيّة.

اقترب سيف منه ببطء، ووضع يده على كتفه، وربت عليه برفق، ثم قال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا رغم ارتجافه:
"قوم... خلينا ناخده على المستشفى... إن شاء الله هيبقى كويس."

رفع فارس رأسه إليه، وعيناه غارقتان بالدموع، وشفته السفلى ترتجف بعجز، وقال بصوتٍ مبحوح:
"ابني... ابني يا سيف... عملوها... أذوه..."

أغمض سيف عينيه للحظة، ومسح دمعةً خانته، فقد كان منظر صديقه يحطم قلبه هو الآخر، ثم أمسك بذراعه يحاول إفاقته من انهياره وقال بحزمٍ امتزج بالحزن:
"تماسك... زعلك عليه مش هينقذه... لازم نلحقه... قوم."

لكن فارس لم يتحرك.

ظل محتضنًا نور بكل قوته، وكأنه يخشى إن أفلت ذراعيه للحظة، أن يفقده إلى الأبد... أن يكون ذلك آخر حضنٍ يجمعهما.

هز سيف رأسه بأسى، ثم جذبه برفقٍ هذه المرة، وقال بانفعالٍ اختلطت فيه الدموع بالغضب:
"قوم يا فارس... مينفعش اللي انت بتعمله دا لازم ناخده علي المستشفى بسرعه."

أخرج هاتفه بسرعة واتصل بأحد رجاله، ثم صاح بلهجةٍ آمرة لا تحتمل التأخير:
"هات العربية على آخر الطريق... بسرعة!"

وصلت السيارة بعد لحظات.

نهض فارس بصعوبة بالغة، وقد بدا كأن قدميه لم تعودا تحملانه، بينما بقيت عيناه معلقتين بوجه ابنه، لا تستطيعان الابتعاد عنه ولو لثانية.

انحنى سيف ليحمل نور بحذرٍ شديد.

لكن خديجة اندفعت نحوه بسرعة، ودموعها لا تزال تنهمر، وقالت بصوتٍ مرتجفٍ مليء بالخوف:
"براحة عليه... أرجوك... متحركهوش كتير... ده خطر عليه."

أومأ سيف برأسه في صمت، ثم ناوله إلى فارس.

مد فارس ذراعيه المرتجفتين، وحمل ابنه بنفسه، يحتضنه بحنانٍ موجوع، وكأنه يحمل قطعةً من قلبه.

توقفت السيارة بجوارهم، فاندفع السائق يفتح الباب سريعًا.

أدخلا نور برفقٍ شديد، ثم جلس فارس إلى جواره، وأسند رأس ابنه إلى صدره، واحتضنه بقوة، بينما راحت أصابعه تمر على وجهه الشاحب، تزيح خصلات شعره الملطخة بالدم. 

ضمه إليه أكثر، وأغمض عينيه لحظة، ثم رفع بصره إلى السماء، وشفتيه تتحركان بدعاءٍ صامت، بينما كانت الدموع تنهمر بلا توقف.

لم يكن يطلب شيئًا في تلك اللحظة...إلا أن يبقى ابنه حيًا.. إن فقد نور، فلن يبقى منه شيء بعده... 

                     ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

نظر لؤي إلى معتز الذي لا يزال فاقد الوعي، ثم رفع بصره نحو الطبيب الذي كان يتفحص حالته، قبل أن يقول بجدية:
"الجرح عميق، والعملية لسه جديدة، والجرح ملحقش يلم. واضح إنه عمل مجهود عنيف أو اتحرك بعنف، عشان كده الجرح اتفتح ونزف."

ابتلعت تقي ريقها بصعوبة، ونظرت إلى الطبيب بقلق بالغ، ثم سألت بصوتٍ خافت مرتجف:
"طيب... الجرح ده من إيه؟"

نظر الطبيب إليهما لثوانٍ، وقد ظن أنهما يعلمان ما حدث، ثم قال بهدوء:
"طعنة... مطعون بسكين أو حاجة شبهها."

شهقت تقي، وارتفعت يدها تلقائيًا إلى فمها، بينما اتسعت عيناها بصدمة، ثم التفتت إلى معتز ترمقه بحزنٍ موجع.

أما لؤي، فاتسعت عيناه هو الآخر، وانعقد فكه بقوة، بينما انقبضت قبضته حتى برزت عروقها.

أضاف الطبيب وهو ينظر إليهما بجدية:
"ياريت المرة دي يحاول ميعملش أي مجهود، ومايتحركش كتير لحد ما الجرح يلم... لأن لو اتفتح تاني ونزف، الله أعلم ممكن يجراله إيه."

أنهى حديثه، ثم غادر الغرفة . 

اقتربت تقي من الفراش بخطواتٍ بطيئة، وجلست إلى جوار معتز، وقد تجمعت الدموع في عينيها. مدت أصابعها برفق بين خصلات شعره، وربتت عليها بحنان وهي تقول بصوتٍ مكسور:
"حقك علينا... إحنا اللي مكناش واخدين بالنا منك. كل واحد انشغل بحياته... وبمشاكله... ومكناش مهتمين ولا واخدين بالنا من بعض... رغم إننا إخوات، والمفروض نبقى في ضهر بعض على طول... حقك علينا يا حبيبي."

اقترب لؤي، وربت على كتفها في محاولة لمواساتها، لكن عينيه كانتا تشتعلان بالغضب، وقال بصوتٍ حازم:
"أيًا كان مين اللي عمل فيه كده... أنا مش هسيبه، وتمن اللي عمله... موته."

مر بعض الوقت... بدأت أصابع معتز تتحرك قليلًا، قبل أن يفتح عينيه بصعوبة. عقد ملامحه بألم، ووضع يده فوق جرحه، ثم أدار رأسه ينظر حوله، حتى وقعت عيناه على لؤي وتقي.

راح يبحث بعينيه في أرجاء الغرفة، ثم قال بصوتٍ متعب:
"تليفوني فين؟"

نظرت إليه تقي بلهفة، وقالت بسرعة:
"إنت كويس دلوقتي؟... قولنا مين اللي عمل فيك كده؟"

تحامل معتز على نفسه ونهض رغم الألم الذي اجتاح جسده، وقال متجاهلًا سؤالها:
"بقولك... تليفوني فين؟"

انفعل لؤي، وقال بحدة:
"سيبك من أم التليفون دلوقتي، وقولنا مين اللي عمل فيك كده وليه!"

أغمض معتز عينيه لثوانٍ، وكأنه يحاول كبح ما بداخله. لم يكن يملك الوقت ولا القدرة ليشرح لهما شيئًا.

وفي تلك اللحظة، دوّى رنين هاتفه.. فتح عينيه بسرعة، وبحث عنه حتى وجده فوق الكومود، فمد يده والتقطه على الفور، ثم أجاب بلهفةٍ امتزجت بالحدة رغم إرهاقه:
"عرفتوا حاجة عنها؟"

تبادل لؤي وتقي نظرةً حائرة، وقد ازداد استغرابهما.

جاءه صوت قائد الرجال من الطرف الآخر:
"لقيناها يا كبير."

انتفض معتز واقفًا، ولمعت الفرحة في عينيه، متناسيًا الألم الذي مزق جرحه مع حركته المفاجئة، وقال بلهفة:
"لقيتوها فين؟"

أجابه الرجل:
"فضلنا مراقبين عصام الكلب لحد ما وصلنا لمصنع قديم دخله، وفي حراسة شديدة عليه. مرضيتش أعمل أي حاجة غير لما أرجعلك الأول."

هز معتز رأسه بأمل، وقال بسرعة:
"ابعتلي المكان حالًا... ومتعملوش أي حاجة غير لما أوصل."

أجابه الرجل فورًا:
"أوامرك يا كبير."

أنهى معتز المكالمة، وبعد ثوانٍ وصلته رسالة تحتوي على عنوان المكان.

أمسك هاتفه واتجه نحو الباب، لكن تقي ولؤي وقفا في طريقه.

نظر إليه لؤي مباشرة، وقال بصرامة:
"أنا عايز أفهم دلوقتي حالًا... إيه اللي بيحصل بالظبط؟"

نظر معتز إليهما بضيقٍ واضح، وقد كان كل ما يشغل عقله في تلك اللحظة هو الوصول إلى مرام قبل فوات الأوان، فقال بنبرة حادة:
"ابعدوا عن وشي دلوقتي... معنديش وقت."

ثم أبعدهما من طريقه واتجه إلى الخارج.

لكن لؤي لحق به سريعًا، وأمسكه من ذراعه بقوة، وقال بانفعال:
"الدكتور قال لازم ترتاح، وإلا الجرح هيتفتح وتنزف تاني!"

انتزع معتز ذراعه بعنف، والتفت إليه بعينين مليئتين بالغضب، وقال بصوتٍ مرتفع:
"قولتلك... ابعد عن وشي! ملكش صالح بيا دلوقتي."

تجمد لؤي مكانه، ونظر إليه بصدمةٍ وضيق من طريقته معه، وكاد يتحدث، لكن تقي أمسكت بذراعه برفق لتمنعه.

ثم قالت بهدوء:
"سيبه يمشي... خلينا نعرف هو عايز إيه وبيعمل إيه. عصبيتك عليه دلوقتي ملهاش أي لازمة."

ظل لؤي صامتًا للحظات، ثم زفر بضيق، وهز رأسه موافقًا.. وبدون كلمة أخرى... خرج هو وتقي خلف معتز.. 

                 ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

ركضت ياسمين بأقصى ما تملك من سرعة، ودموعها تنهمر بلا توقف بعدما أخبرها سيف بما حدث.

تعثرت خطواتها أكثر من مرة، فكادت تسقط، لكن مريم أسرعت إليها وأمسكتها من ذراعها تسندها، بينما كانت هي الأخرى تبكي بصمت.

توقفت ياسمين ما إن وصلت إلى الممر.

كان سيف يسير ذهابًا وإيابًا بخطواتٍ متوترة، يمرر يده بين خصلات شعره بين الحين والآخر، وعيناه لا تفارقان باب غرفة العمليات.

أما خديجة، فكانت تجلس على أحد المقاعد، وقد شبكت كفيها أمام صدرها، ترفع بصرها إلى السماء بين الحين والآخر، وتتمتم بأدعيةٍ متقطعة، بينما كانت دموعها تنساب بصمت فوق وجنتيها.

وفارس...

كان يجلس على الأرض مستندًا برأسه إلى الحائط، محدقًا في باب غرفة العمليات بنظراتٍ جامدة، لم ترمش عيناه ولو مرة. لم يكن يتحرك... فقط كانت دموعه تنحدر في صمت. 

وفي تلك اللحظة... عاد به الزمن سنواتٍ إلى الوراء.. تذكر يوم دخل غرفة والدته، فوجدها قتيلة على فراشها بلا حراك...

وتذكر حمزة... حين أصيب وسقط أمام عينيه، ولم يستطع إنقاذه.

ثم رأى هاني من جديد... وهو يتلقى الطلقات الواحدة تلو الأخرى، قبل أن يهوي جثةً هامدة على الأرض.

والآن...نور...ابنه...ارتجف جسده، وانقبض قلبه بعنف، بينما تسلل إلى داخله ذلك السؤال الذي طالما عذبه...لماذا؟

لماذا كل من أحبهم كانت نهايتهم القتل؟
هل كُتب عليه أن يودع كل من يتعلق بهم قلبه؟

انتفض سيف على صوت خطوات ياسمين المسرعة، وما إن وصلت إليه حتى أمسكت كتفه بكلتا يديها، تهزه بعنف، وهي تبكي بانهيار:
"ابني فين؟... ابني فين يا سيف؟!"

نظر إليها بعينين امتلأتا بالحزن، ثم احتضن وجهها بين كفيه برفق، ومسح دموعها بإبهامه وهو يقول بصوتٍ حاول أن يبدو مطمئنًا رغم اختناقه:
"اهدي... إن شاء الله هيبقى كويس... اطمني."

حدقت فيه بعدم تصديق، وكأنها تبحث في عينيه عن الحقيقة التي يخفيها عنها.. لم تجد...فأطبق سيف ذراعيه حولها وضمها إلى صدره، وربت على ظهرها بحنان، بينما انفجرت هي في بكاءٍ مرير، كان قلبها يتمزق خوفًا على ابنها.

توقفت مريم على بعد خطوات، وعيناها معلقتان بفارس.

وضعت يدها على فمها تكتم شهقةً خرجت رغمًا عنها، بينما هبط بصرها إلى ملابسه ويديه الملطختين بدماء نور.

شعرت بوخزةٍ مزقت قلبها.

اقتربت منه بخطواتٍ بطيئة، ثم جلست أمامه.. رفع فارس بصره إليها ببطء، وكانت عيناه حمراوين من كثرة البكاء، بينما لم تتوقف دموعه عن الانهمار.

مدت مريم يدها، ومسحت دمعةً انزلقت على خده برفق، ثم قالت بصوتٍ مرتجف، تحاول أن تمنحه ذرة أمل:
"هيبقى كويس... نور قوي... وعمره ما استسلم بسهولة."

ابتسمت ابتسامةً باهتة اختلطت بدموعها، ثم أردفت:
"هيواجه الموت... وهيرجعلنا... وهيبقى كويس."

توقفت لحظة، ثم قالت وهي تنظر في عينيه:
"إنت أكتر واحد عارف هو قد إيه عنيد... وقد إيه مش سهل ان حد يهزمه ."

ربتت على كتفه برفق، وهمست:
"عشان كده... اطمن... هيقوم... وهيفتح عينيه تاني."

أنزل فارس بصره ببطء إلى يديه الملطختين بدماء ابنه.. ظل يحدق فيهما طويلًا...ثم أغمض عينيه بألمٍ مزق صدره، فعاد إليه ذلك المشهد من جديد...نور...غارقًا في دمائه بين ذراعي خديجة.

وتدفقت إلى ذاكرته الكوابيس التي كانت تطارده ليلًا، حين كان يرى ابنه في كل مرة ممددًا وسط بركةٍ من الدماء.

كان يستيقظ منها مذعورًا، ويقنع نفسه بأنها مجرد أحلام...لكن...ها هي كوابيسه تتحول أمام عينيه إلى حقيقةٍ مرعبة، يعجز عن الهروب منها... 

                   ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

توقف معتز بالقرب من سيارات رجاله، وما إن لمحوه حتى تقدم قائدهم نحوه بخطواتٍ ثابتة، وقال بصوتٍ جاد:
"إحنا مستنيين إشارتك يا كبير."

همَّ معتز أن يرد، لكنه توقف فجأة عندما لمح لؤي وتقي يقفان إلى جواره.

التفت إليهما بصدمةٍ ممزوجة بالضيق، ثم عقد حاجبيه وقال بحدة:
"إنتوا اللي جابكم ورايا؟"

اقترب منه لؤي بخطوة، وعقد ذراعيه أمام صدره، ثم قال :
"ولاااا... أنا ساكت لحد دلوقتي عشان أشوف آخرتك ايه... دلوقتي بقى، عايز أفهم... إيه اللي بيحصل؟"

في تلك الأثناء، راحت تقي تتأمل قائد الرجال وهيبته، ثم انتقلت بنظرها إلى الرجال المنتشرين خلفه، يحملون أسلحتهم في استعدادٍ واضح لأي مواجهة.

عادت تنظر إلى معتز بدهشة، وقالت:
"إنت تعرف الناس دي منين؟"

أغمض معتز عينيه لثوانٍ، وأخذ نفسًا عميقًا يحاول به السيطرة على أعصابه، ثم قال بنبرةٍ متعبة:
"معنديش وقت أجاوب على أسئلتكم دلوقتي... ارجعوا البيت، ولما أخلص هحكيلكم كل حاجة."

تبادلت تقي ولؤي النظرات، ثم أطلقت تقي ضحكةً ساخرة وهي تهز رأسها:
"قال نرجع البيت...!"

زفر لؤي بضيق، ثم أشار إلى نفسه وإليها قائلًا بحزم:
"إحنا رجلنا على رجلك... وبعد ما نخلص اللي إحنا أصلًا مش فاهمين منه حاجة، هتقعد معانا وتحكيلنا كل حاجة بالتفصيل."

قلب معتز عينيه بنفاد صبر، وشعر في تلك اللحظة أنه هو الأخ الأكبر، وليس هما.

قطع قائد الرجال ذلك الجدال وهو يقول:
"المهم دلوقتي... في واحد من رجالتي جوه، وقدر يحدد مكان الهانم بالظبط."

نظر لؤي إلى تقي بعدم فهم.
الهانم؟

أما معتز... فقد لمعت عيناه بأملٍ وشعر أن المسافة بينه وبين مرام أصبحت خطواتٍ قليلة.. لاحظت تقي نظراته، فنغزت لؤي بمرفقها وهمست:
"واضحة."

هز رأسه بخفة علامة أنه فهم.. ثم تنحنحت تقي وقالت بحماس:
"من اللي فهمته... إحنا رايحين ننقذ بنت، صح؟"

ابتسم قائد الرجال ابتسامةً خفيفة، وأجاب باحترام:
"صح يا هانم."

شمر لؤي كمي قميصه، وحرّك رقبته يمينًا ويسارًا حتى صدر منها صوت فرقعة خافت، ثم قال بحماس:
"طيب... يلا بينا. إحنا مستنيين إيه؟"

رمقه معتز بنظرةٍ حادة وقال بصرامة:
"يلا بينا إيه؟ إنتوا هتفضلوا هنا... لحد ما نرجع."

اقتربت منه تقي بعناد، وقالت وهي ترفع حاجبها:
"رجلنا..."

وأكمل لؤي وهو يقف بجوارها:
"...على رجلك."

أغمض معتز عينيه بضيق، ثم هز رأسه مستسلمًا للأمر الواقع.. رفع يده إلى رجاله، وأشار إليهم بإشارةٍ سريعة: 
"اتفرقوا... وحاصروا المكان من كل الاتجاهات."

أومأ الرجال بطاعة، ثم انطلقوا بصمت، ينتشرون حول المصنع كالأشباح، حتى أحكموا الحصار على رجال عصام دون أن يشعر بهم أحد.

ولم تمضِ سوى لحظات...حتى دوى أول إطلاقٍ للنيران.

اشتعل المكان بالرصاص، وتعالت أصوات الاشتباكات، بينما انشغل رجال عصام بالرد على الهجوم المفاجئ.

سحب قائد الرجال سلاحًا، وناوله إلى معتز.. أمسكه الأخير، وفحصه بسرعة، ثم اندفع إلى الداخل، وخلفه لؤي وتقي دون تردد.

استغل الثلاثة الفوضى، وانشغال الحراس بتبادل إطلاق النار.

وما إن دخلوا الممر الأول، حتى ظهر أحد الحراس أمامهم.. رفع سلاحه...لكن معتز كان الأسرع.

أطلق عليه رصاصةً واحدة استقرت في صدره، فسقط أرضًا قبل أن ينطق بحرف.

وفي اللحظة التالية، اندفع رجل آخر من الجهة المقابلة نحوهم.

استدارَت تقي بسرعةٍ خاطفة، ووجهت إليه ركلةً قوية استقرت في صدره، أفقدته توازنه، ثم تبعتها بلكمةٍ مباشرة أطاحت به أرضًا فاقدًا للقدرة على المقاومة.

وقبل أن يلتقط الثلاثة أنفاسهم، خرج رجل ثالث من خلف أحد الأعمدة.

التفت إليه لؤي في اللحظة الأخيرة، وقفز نحوه، ثم وجه إليه ضربةً جانبية بقدمه استقرت في عنقه، ليسقط على الأرض فاقدًا وعيه على الفور.

ساد الصمت بينهم للحظات.. نظر الثلاثة إلى بعضهم البعض بدهشة.. لم يكن أيٌ منهم يتوقع أن يرى الآخر بهذه المهارة.

قطع معتز الصمت وهو ينظر إليهما بشك، وقال:
"واضح إن إحنا فعلًا... محتاجين قعدة بعد المعركة دي."

في الداخل...كان عصام يقبض بعنف على شعر مرام، التي لم تعد تملك حتى القوة لتصرخ، ولم يكن يخرج منها سوى أنينٍ ضعيف متقطع.

لكن ما إن دوّت أصوات الرصاص بالخارج...حتى أفلت شعرها بعنف، فسقط جسدها على الأرض بلا مقاومة.

خرج مسرعًا، ليقابله قائد رجاله وهو يقول بلهفة:
"لازم نمشي حالًا... رجالتنا مش هتقدر عليهم، عددهم كبير."

نظر عصام إلى مرام للحظة، وقد اشتعل الغضب في عينيه.. لكن...سرعان ما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خبيثة.. استدار، وغادر مع رجله عبر بابٍ سري.

وصل معتز إلى الرجل الذي يعرف مكان مرام.. ذهب معه ثم أشار  إلى إحدى الغرف وهو يقول بسرعة:
"هناك."

لم ينتظر معتز ثانيةً واحدة.

اندفع نحو الباب، وخلفه لؤي وتقي، اللذان لم يكونا يفهمان حتى الآن من هي تلك الفتاة التي يخاطر معتز بحياته من أجلها.

دفع الباب بقوة...ثم...تجمد في مكانه.

توقفت قدماه عن الحركة، وانحبس الهواء داخل صدره.. كانت مرام...أمام عينيه أخيرًا.

سقط المسدس من بين أصابعه، وارتطم بالأرض بصوتٍ معدني، بينما امتلأت عيناه بالدموع.

اندفع نحوها كالمجنون، وجثا على ركبتيه أمامها، ثم حملها بين ذراعيه برفقٍ ش
الفصل الثامن والعشرون 
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"

أطرق الطبيب رأسه ببطء، وانعقدت ملامحه بالحزن، ثم رفع بصره إلى فارس مرةً أخرى، وقال بصوتٍ يملؤه الأسف:
"للأسف... حالته حرجة جدًا. وإنتوا اتأخرتوا في وصوله للمستشفى، وده أثر على حالته بشكل كبير. مقدرش أقولكم أي حاجة أكتر من كده دلوقت.. "

شهقت خديجة، وارتفعت يدها تلقائيًا إلى فمها تكتم بكاءها، بينما راحت الدموع تنهمر بغزارة على خديها.

كل هذا... كان بسببها.. هي السبب فيما حدث له.. ولو أصابه مكروه...فلن تسامح نفسها ما دامت حية.

أما ياسمين، فوضعت يدها المرتجفة فوق قلبها، تحاول أن تخفف ذلك الألم الذي يعصف بصدرها، بينما كانت تبكي بحرقة، حتى أوشكت ساقاها أن تخذلاها، فأسرعت مريم تسندها، واحتضنتها وهي تبكي معها في صمت.

ظل فارس يحدق في الطبيب لثوانٍ، وعيناه ممتلئتان بالصدمة، وكأنه يرفض استيعاب ما سمعه.

وفجأة...اندفع نحوه، وقبض على مقدمة معطفه الطبي بعنف، حتى تجعد القماش بين أصابعه، وصاح بصوتٍ مبحوح، اختلط فيه الغضب بانكسار قلبه:
"مش إنت دكتور؟! مش شغلتك تنقذه؟!"

اهتز صوته، وامتلأت عيناه بالدموع وهو يهزه بعنف، ثم أردف بانفعال:
"ابني لو جراله حاجة... والله لأدفنك مكانك سامع؟!" 

اندفع سيف نحوه بسرعة، وأمسك بذراعيه بكل قوته، محاولًا إبعاده عن الطبيب، بينما كان فارس يقاومه في حالة انهيار كاملة.

وبصعوبة، تمكن سيف من إبعاده، ثم صاح فيه بصوتٍ اختلط فيه الحزن بالغضب:
"مش كده يا فارس! ذنب الدكتور إيه؟! هو بيعمل كل اللي يقدر عليه... هيعمل إيه أكتر من كده؟!"

عدل الطبيب معطفه الذي تجعد من شدة قبضة فارس، ثم أخذ نفسًا هادئًا، وقال :
"صدقني... إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه."

ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف بهدوء:
"ادعوله... ده أهم حاجة دلوقتي."

أنهى حديثه، ثم استأذن وانصرف،لم يعد فارس قادرًا على الوقوف.

ارتخت ساقاه فجأة، فاستند بظهره إلى الحائط، ثم انزلق ببطء حتى جلس على الأرض، وقد تدلت ذراعاه في استسلام، بينما كانت دموعه تنساب بصمت، وعيناه معلقتين بباب غرفة العمليات.

كان قلبه يعتصره الألم...ولم يعد يملك سوى الدعاء، خوفًا من أن يخسر آخر ما تبقى له في هذه الحياة.

نظر إليه سيف بعينين غمرهما الحزن، وشعر بقلبه ينقبض وهو يرى صديقه ينهار بهذه الصورة.

اقترب منه ببطء، ثم جثا على ركبتيه إلى جواره، ووضع يده على كتفه، وربت عليه برفق، محاولًا أن يمنحه أي قدرٍ من القوة... لكنه كان يعلم، في قرارة نفسه، أن لا شيء يمكنه أن يخفف وجع أبٍ يقف عاجزًا بين الحياة والموت، منتظرًا مصير ابنه... 

                    ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت ميرال تقف أمام المرآة، بعدما صففت شعرها وتركته منسدلًا فوق ظهرها، ثم وضعت لمساتٍ خفيفة من مساحيق التجميل، وأنهت زينتها بأحمر شفاهٍ داكن أبرز جمال ملامحها.

وقفت تتأمل انعكاسها بإعجاب، ثم استدارت ببطء تنظر إلى الفستان الذي يتناسق علي جسدها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رضا.

التقطت زجاجة عطرها المفضل، ورشت منه القليل على عنقها ومعصميها، ثم أغمضت عينيها للحظة تستنشق رائحته.

بعدما انتهت، أمسكت هاتفها، وفتحت الرسالة الصوتية التي أرسلها إليها نور.

سرعان ما انطلق صوته الدافئ من الهاتف:
"صباح الخير يا وردتي... خلاص، كلها أيام وهقولهالك وإنتِ معايا. المهم دلوقتي، هبعتلك مكان تيجيلي عليه، وهبعتلك كمان المعاد... بس متتأخريش ها... هستناكي... باي."

استمعت إليها مرةً أخرى، وقد ازدادت ابتسامتها اتساعًا، ثم وضعت يدها فوق قلبها، تشعر بخفقاته المتسارعة كلما سمعت صوته.

همست بعشق:
"وحشتني."

وضعت الهاتف داخل حقيبتها، وحملتها، واتجهت نحو الباب.. وقبل أن تغادر...رن هاتفها.

اتسعت ابتسامتها، وظنت للحظة أن نور اتصل بها... لكن سرعان ما خبت ابتسامتها عندما رأت اسم والدتها على الشاشة.

أجابت بهدوء:
"Bonjour, maman."
 مرحبًا يا أمي.

جاءها صوت والدتها هادئًا:
"Où es-tu maintenant ?"
 أين أنتِ الآن؟

أجابت ميرال بابتسامة لم تفارق وجهها:
"Je descends voir Nour... nous avons rendez-vous."
 أنا ذاهبة لمقابلة نور... لدينا موعد.

ساد الصمت لثوانٍ، ثم سألتها والدتها:
"Et quelle est l'occasion ?"
 وما المناسبة؟

ضحكت ميرال بخفة، وقالت بحماس:
"Il me prépare sûrement une surprise pour mon anniversaire aujourd'hui."
 بالتأكيد يُحضّر لي مفاجأة بمناسبة عيد ميلادي اليوم.

وأردفت وعيناها تلمعان عشقًا:
"Chaque fois qu'il me fait une surprise, il me prouve à quel point il m'aime. Pourtant, je te jure que je ne veux rien de lui... sauf qu'il soit avec moi, c'est tout."
 في كل مرة يفاجئني فيها، يثبت لي كم يحبني. ومع ذلك، أقسم أنني لا أريد منه شيئًا... سوى أن يكون معي وفقط.

ثم قفزت في مكانها بسعادة وهي تضحك:
"Je l'aime tellement... tellement, tellement, maman."
 أنا أحبه كثيرًا... كثيرًا جدًا يا أمي.

ساد الصمت من الطرف الآخر للحظات.. ثم قالت والدتها بصوتٍ غريب، امتزج فيه الهدوء بالحزن:
"Alors... tu ne sais toujours pas ce qui lui est arrivé."
 إذًا... ما زلتِ لا تعرفين ما الذي حدث له.

اختفت ابتسامة ميرال تدريجيًا، وانعقد حاجباها بقلق، وقالت بسرعة:
"Qu'est-ce qui s'est passé ?... Tu sais quelque chose ?"
 ماذا حدث؟... هل تعرفين شيئًا؟

تنهدت والدتها ببطء، ثم قالت بصوتٍ حزين:
"Nour a été attaqué par ses ennemis... et j'ai reçu la nouvelle qu'il est mort."
 تعرض نور لهجوم من أعدائه... ووصلني خبر أنه مات.

اتسعت عينا ميرال بصدمة، وانزلقت حقيبتها من يدها لتسقط على الأرض.

حدقت أمامها لثوانٍ، ثم أطلقت ضحكةً قصيرة مرتبكة، وقالت وهي تهز رأسها:
"Maman... tu plaisantes avec moi, n'est-ce pas ?"
 أمي... أنتِ تمزحين معي، أليس كذلك؟

جاءها صوت والدتها هادئًا:
"J'aimerais que ce soit une plaisanterie... mais ce sont les nouvelles que j'ai reçues."
 ليتني أمزح... لكن هذه هي الأخبار التي وصلتني.

بدأت دموع ميرال تتساقط دون أن تشعر، وهزت رأسها بعنف وهي ترفض تصديق ما تسمعه.

ثم انفجرت تصرخ بانهيار:
"Non... c'est impossible !"
 لا... هذا مستحيل!

ارتفعت أنفاسها، وأكملت وهي تبكي:
"Tu me mens... oui, tu me mens ! Pour m'empêcher d'aller le voir."
 أنتِ تكذبين عليّ... نعم، تكذبين عليّ! لكي تمنعيني من الذهاب لرؤيته.

وأشارت بيدها بعصبية، وكأن والدتها تقف أمامها:
"Tu l'as toujours détesté... et tu ne veux pas que je sois avec lui."
 لقد كنتِ دائمًا تكرهينه... ولا تريدينني أن أكون معه.

ثم أضافت بحرقة:
"Même son père... Faris... me déteste et veut nous séparer."
 حتى والده... فارس... يكرهني ويريد أن يفرق بيننا.

شهقت وهي تبكي:
"Qu'est-ce que vous nous voulez ?!... Pourquoi essayez-vous de nous séparer ?"
 ماذا تريدون منا؟!... لماذا تحاولون التفريق بيننا؟

قالت والدتها بهدوء:
"Laisse cette discussion de côté pour l'instant... si tu ne me crois pas, appelle-le toi-même."
 دعي هذا الحديث جانبًا الآن... وإن لم تصدقيني، فاتصلي به بنفسك.

ثم أغلقت الخط.. ظلت ميرال تحدق في شاشة الهاتف للحظات، ودموعها تنهمر بلا توقف.

مسحتها بعنف، ثم ضغطت على اسم نور... مرة...ومرتين...وثلاثًا...لكن...لا رد.

ارتخت ساقاها فجأة، وسقطت على الأرض، بينما انفجر بكاؤها بقهر.

كانت تهز رأسها باستمرار، ترفض تصديق ما يحدث.. لا...مستحيل أن يرحل.. مستحيل أن يتركها وحدها.

وبحركةٍ مفاجئة، نهضت من مكانها، والتقطت حقيبتها، ثم اندفعت خارج الغرفة.. خرجت من الفيلا مسرعة، واتجهت إلى سيارتها.

نظر إليها السائق باستغراب، وحاول أن يسألها:
"يا هانم..."

لكنها لم تمنحه فرصة.. فتحت باب السيارة، وجلست خلف المقود، ثم أدارت المحرك وانطلقت بسرعة.

وفي اللحظة نفسها، استقل أحد حراسها سيارةً أخرى، وانطلق خلفها مسرعًا، بعدما أدرك أن شيئًا خطيرًا قد حدث.. 

                        ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

ارتخى جسد مرام بين ذراعيه بلا حراك.

حدق معتز في وجهها، واتسعت عيناه بصدمةٍ ورعب، وشحب وجهه في لحظة. أمسك وجهها بكلتا يديه، وهزه برفق في البداية، ثم ازداد عنفًا مع تصاعد خوفه، وقال بصوتٍ مرتجف اختلط فيه الرجاء بالبكاء:
"نورهان... نورهان، فوقي... ردي عليا... أنا خلاص هنا معاكي، ومش هخلي كلب فيهم يقربلك تاني... فوقي يا حبيبتي."

نظرت تقي إلى لؤي، فبادلها النظرة نفسها. اختلطت ملامحهما بالصدمة، والاستغراب، والحزن، وهما يشاهدان انهيار معتز أمام أعينهما.

لكن مرام لم تُبدِ أي استجابة.

ارتجفت يدا معتز، ثم أمسك كتفيها وهز جسدها الهزيل بعنف، بينما انهمرت دموعه بغزارة، وصاح بصوتٍ ممزق من شدة الوجع:
"بقولك فوقي!... مش هسيبك تبعدي عني تاني... أنا صدقت إني لقيتك... مش هخليكي تروحي وتسيبيني تاني أبدًا... نورهان... فوقي!"

ثم ضمها إلى صدره بقوة، وكأنه يخشى أن تُنتزع منه مرةً أخرى، وأغمض عينيه وهو يصرخ باسمها بكل ما في قلبه من ألم:
"نورهــــــــــــان!"

تقدمت تقي نحوه بخطواتٍ مترددة، ثم جلست إلى جواره، وربتت على كتفه برفق، وقد تجمعت الدموع في عينيها، وقالت بصوتٍ خافت:
"متعملش في نفسك كده... قوم نلحقها على المستشفى."

مدت يدها أمام أنف مرام تتحسس أنفاسها، فشعرت بزفيرٍ ضعيف للغاية.

ارتسمت على وجهها ابتسامة أمل، والتفتت إلى معتز بسرعة وقالت:
"لسه عايشة... بتتنفس."

انتفض معتز، واتسعت عيناه بأملٍ تمسك به بكل قوته.. أسرع يضع أذنه فوق صدرها، ينصت بلهفة.. وبعد لحظات...شعر بنبضٍ ضعيف.

أغمض عينيه للحظة، وزفر أنفاسًا مرتجفة، وكأنه استعاد روحه من جديد.

تحامل على نفسه ونهض سريعًا ليحملها، لكن ما إن اعتدل واقفًا حتى انقبضت ملامحه بقوة، ووضع يده لا إراديًا على موضع جرحه، بعدما اجتاحه ألمٌ حاد.

أسرع لؤي نحوه، وقال بجدية:
"امشي قدامي على العربية... أنا هشيلها."

مد يديه نحو مرام، لكن معتز منعه، وقال بنبرةٍ حاسمة، رغم الألم الواضح في صوته:
"محدش يلمسها... أنا هقدر أشيلها."

انحنى بحذر، وحملها بين ذراعيه.

وفي اللحظة التي اعتدل فيها، بدأ الدم يتسرب ببطء من جرحه تحت ملابسه.

أغمض عينيه للحظة من شدة الوجع، وانعقد فكه بقوة، لكنه تجاهل ألمه تمامًا.

ثم خرج بها متجهًا إلى السيارة، وخطواته متثاقلة، بينما كان يتمالك نفسه بصعوبة حتى لا يسقط.

ظل ينظر إلى وجهها الشاحب، وإلى شفتيها الجافتين، فازداد انقباض قلبه.

شعر أن كل ألم يمزق جرحه لا يساوي شيئًا أمام ما عاشته هي وحدها طوال تلك الفترة... بينما لم يكن بجوارها.

راقبته تقي بحزن، ثم التفتت إلى لؤي وقالت بصوتٍ حزين:
"هو بيعمل في نفسه ليه كده؟"

تنهد لؤي، وابتسم ابتسامةً باهتة يملؤها الأسى، وهو يتابع أخاه بعينيه، ثم قال:
"قلب الراجل... لما يتنيل يحب."

وصل معتز إلى السيارة، وانحنى بحذر، ووضع مرام على المقعد الخلفي برفقٍ شديد، وكأنها قطعة زجاج يخشى أن تنكسر بين يديه.

اتجه بعد ذلك إلى مقعد القيادة... لكن لؤي سبقه، وأوقفه وهو يقول بلهجةٍ حادة:
"كفاية بقى... اتنيل اقعد جنبها، وأنا هاخدكم إنتوا الاتنين على المستشفى."

نظر إليه معتز في صمت.. لم يعد قادرًا على القيادة أو حتى الوقوف طويلًا.

استسلم أخيرًا، واتجه إلى المقعد الخلفي، وجلس إلى جوار مرام.

رفع رأسها برفق، وأسندها فوق ركبته، ثم أخذ يزيح خصلات شعرها الباهتة عن وجهها المرهق بأطراف أصابعه، بينما كانت دموعه تنهمر في صمت، وعيناه لا تفارقان ملامحها لحظةً واحدة.

ركبت تقي بجوار لؤي.

أدار لؤي المحرك، وانطلقت السيارة بأقصى سرعة، تشق الطريق نحو المستشفى، بينما كان معتز يحتضن مرام بين ذراعيه، ويتمسك بالأمل كما يتمسك الغريق بطوق النجاة.. 

               ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت ميرال تقود سيارتها بسرعةٍ جنونية، بينما تضع الهاتف على أذنها، ودموعها لا تتوقف عن الانهمار، حتى بعثرت مساحيق التجميل فوق وجهها، وسالت خطوط الكحل على وجنتيها.

أنزلت الهاتف، وصرخت بانفعال بعدما لم يرد نور على اتصالاتها، وكأن صمته يؤكد لها صحة كلمات والدتها.

بحثت بسرعة عن رقم مريم، وضغطت على زر الاتصال.

رن الهاتف...لكنها لم تُجب... ازداد بكاء ميرال، وأعادت الاتصال مرةً أخرى.

وأخيرًا...جاءها صوت مريم، لكنه كان مختنقًا بالحزن:
"أيوه يا ميرال."

تنفست ميرال بسرعة، وقالت بلهفة:
"إنتِ مبترديش عليا ليه؟... ونور فين؟"

ارتجف صوتها، ثم انفجرت في البكاء وهي تقول:
"صحيح اللي أنا سمعته؟... أرجوكي يا مريم، قولي لأ... قوليلي إنه كويس... أرجوكي."

مسحت مريم دموعها بطرف كفها، ثم قالت بصوتٍ متعب:
"إحنا في المستشفى... ولسه الدكتور مقالش أي حاجة."

توقفت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ اختنق بالبكاء:
"بس... بيقول حالته صعبة أوي."

اتسعت عينا ميرال، وشعرت بأن أنفاسها انحبست داخل صدرها.. هزت رأسها بعنف وهي تبكي، ثم قالت بسرعة:
"إنتوا في أنهي مستشفى؟"

أخبرتها مريم باسم المستشفى.

أنهت ميرال المكالمة، وضغطت بقوة على عجلة القيادة، ثم زادت سرعتها أكثر، بينما وضعت يدها فوق فمها تكتم شهقاتها، وقلبها يرتجف خوفًا على نور.

وبعد وقتٍ قصير...وصلت إلى المستشفى.

ترجلت من السيارة مسرعة، وسألت موظفة الاستقبال عن مكانهم، ثم ركضت نحو الطابق الذي أخبرتها به.

وما إن وصلت...حتى توقفت مكانها.

كان الجميع يجلسون في الممر، والوجوم يكسو وجوههم، بينما كانت الدموع تملأ أعينهم.

شعرت أن قلبها هبط بين قدميها.. أسرعت نحو مريم، وجثت بجوارها وهي تبكي، ثم أمسكت بيديها وقالت بلهفة:
"طمنيني عليه... الدكتور قال حاجة؟... قوليلي إنه كويس."

رفعت مريم رأسها إليها، وكانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء، ثم قالت بصوتٍ واهن:
"لسه... مفيش أي جديد."

ابتلعت غصتها بصعوبة، ثم أردفت:
"حالته... زي ما هي."

ألقت خديجة نظرةً سريعة نحو ميرال.

تأملت وجهها الملطخ بآثار الدموع، وفستانها واحمر الشفاه، ثم أشاحت بوجهها سريعًا، وأغمضت عينيها، بينما سالت دموعها من جديد. 

في تلك اللحظة...اقترب أحد ضباط الشرطة، وبرفقته مساعده.

انتبه إليه سيف، فنهض من مكانه واتجه نحوه.. نظر الضابط إلى الحاضرين، ثم قال بهدوء:
"إحنا هنا عشان نحقق في اللي حصل لحضرة الظابط نور."

ثم التفت إلى فارس، وأضاف بجدية:
"عايزين نعرف... اللي هجموا عليه دول أعداء بسبب شغله والقضايا اللي ماسكها، ولا حد من بره المجال... عشان نتأكد إذا كانت الواقعة دي مرتبطة باللي حصل للظابط مجدي ولا لأ."

ساد الصمت...ثم انطلق صوتٌ خافت، لكنه كان مليئًا بالانكسار:
"كانوا عايزني أنا."

التفتت جميع الأنظار نحو خديجة.. كانت تحدق في الأرض، ودموعها تنساب في صمت، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:
"كانوا عايزين يخطفوني... ونور كان بينقذني منهم."

تجمدت ميرال في مكانها.. حدقت في خديجة بصدمة، ثم انقبض فكها بقوة، وأطبقت أصابعها على كفها حتى ابيضت مفاصلها، بينما انهمرت دموعها بصمت.

اندفع سيف نحو ابنته، وأمسك بذراعها وهو يسألها بلهفة وغضب:
"مين هما؟... شوفتي وشوشهم؟... عرفتي حد فيهم؟"

هزت خديجة رأسها بعنف، وانفجرت في البكاء وهي تقول:
"معرفش... والله معرفش."

شهقت بقوة، ثم أكملت:
"هما هجموا علينا، وكانوا عايزين يخطفوني... لكن نور أنقذني منهم."

واختنق صوتها أكثر وهي تضيف:
"وفي الآخر... هو اللي اتأذى."

ثم رفعت عينيها نحو والدها، وقالت بانهيار:
"اللي إنت كنت عايز تقتله... أنقذني مرتين."

سقطت دموعها بغزارة وهي تكمل:
"مش عارفة إذا كانوا نفس الناس ولا لأ... بس أنا اتعرضت للخطف قبل كده، وهو برضه أنقذني."

شهقت، ثم قالت بصوتٍ مزقه البكاء:
"وللمرة التانية... بينقذني منهم."

توقفت لحظة، ثم نظرت إلى والدها بألم:
"وإنت... كنت هتقتله."

 اقترب الضابط منها، وقال بنبرةٍ هادئة:
"طيب... حفظتي أي ملامح؟ أي حاجة لفتت انتباهك؟... شكّيتي في حد؟"

رفعت خديجة بصرها للحظة.

التقت عيناها بعيني ميرال، التي كانت تنظر إليها بنظراتٍ مشدودة، يملؤها الضيق والغضب المكتوم.

استمرت النظرة بينهما لثوانٍ...ثم حولت خديجة بصرها إلى الضابط، وهزت رأسها بأسف وهي تقول:
"للأسف... لا."

تنهد الضابط بهدوء، ثم قال:
"تمام... هنستنى لحد ما نور يتحسن، إن شاء الله، ونسأله بنفسه. يمكن يقدر يفيدنا بأي معلومة تساعدنا نوصل للي عمل كده."

أومأ سيف برأسه في صمت.. استأذن الضابط، ثم غادر المكان برفقة مساعده.

وما إن ابتعدا...حتى عادت خديجة تنظر إلى ميرال.

بينما كانت الأخيرة لا تزال تحدق فيها بصمت، وفكها مشدود، وقبضتها منغلقة بقوة، وكأنها تحاول بكل ما فيها أن تمنع نفسها من قول شيءٍ قد لا تستطيع التراجع عنه... 

                ♡   ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡خرجت الممرضة من الغرفة راكضة، تبحث عن الطبيب. نهض فارس والجميع بفزع، وقد انعقدت ملامحهم بالقلق، فلم يفهم أحد ما الذي حدث.

وبعد لحظات، عادت الممرضة وخلفها الطبيب الذي كان يركض مثلها.

لم يُمهل فارس نفسه فرصة ليسألهم عما يحدث، فقد اندفع الطبيب إلى الغرفة، ولحقته الممرضة وأغلقت الباب خلفهما.

وقبل أن يُغلق الباب تمامًا، ألقى فارس نظرة خاطفة إلى الداخل، فرأى ابنه ممددًا على الفراش، جسده موصول بالأجهزة والمحَاليل من حوله، وقناع الأكسجين يغطي وجهه، بينما ظل غائبًا عن الوعي، لا يشعر بشيء مما يدور حوله.

أُغلق الباب أمام عينيه.

وضع فارس يده على الباب، بينما استقرت الأخرى فوق قلبه الذي انقبض ألمًا، وأسند جبهته إلى الباب، وأغمض عينيه، وانهمرت دموعه دون توقف.

"يا رب... ابني."
خرجت كلماته مخنوقة، بالكاد سُمع صوته من شدة بكائه.

داخل الغرفة، أسرع الطبيب إلى جهاز مراقبة نبضات القلب، وظل يحدق في الشاشة بقلق، بينما بدأ الخط ينخفض تدريجيًا...حتى استقام فجأة.

وانطلق صوت الصفير الحاد في الغرفة.

تجمدت الممرضة للحظة، ثم أسرعت بإعطاء الطبيب جهاز الصدمات، فأمسكه فورًا وبدأ يضغط به على صدر نور، محاولًا إعادة النبض إلى قلبه.

وفي تلك الأثناء، كانت خديجة جالسة على سجادة صلاتها، بعدما استحمت وبدلت ملابسها وتوضأت.

رفعت يديها إلى السماء، وارتجفت شفتاها وهي تبكي:
"يا رب... يا رب، أنت اللي قادر على كل شيء، وأنت اللي قادر تنقذه دلوقتي... لو جراله حاجة أنا مش هسامح نفسي طول عمري، ومش هقدر أعيش من غيره... يعني أعيش معاه وأنا قلبي موجوع، وأنا شيفاه مع واحدة تانية، أو يروح مني نهائي ومشفهوش... أنا تعبت والله، تعبت من كل الاختبارات دي."

شهقت، وانخفض صوتها من شدة البكاء، ثم رفعت عينيها إلى السماء مرة أخرى.
"مش طالبة منك أي حاجة دلوقتي غير إنك ترجعه لأهله... يا ربي، أنقذه ومتحرمش أهله منه. عمتي زعلانة أوي عليه، ولا عمي فارس هيموت من وجعه على ابنه... أرجوك يا رب، ربي أنقذه ورجعه لينا."

دفنت وجهها بين كفيها، وانهارت في بكاء شديد، بينما استمرت شفتاها في ترديد الدعاء، تتوسل إلى الله أن يبقى نور بخير ويعود إليهم سالمًا.

داخل الغرفة، ضغط الطبيب على صدر نور بجهاز الصدمات مرة أخرى، ثم رفع عينيه سريعًا إلى شاشة الجهاز، يراقب الخط الذي لا يزال مستقيمًا.

لكن بلا جدوى.

وفي تلك اللحظة، وبينما كان نور معلقًا بين الحياة والموت، بدأت ذكرياته تتدفق في عقله...ظهرت أمامه ميرال.

تذكر أول مرة قابلها فيها، وكيف وقعت عيناه عليها، ثم كيف تسللت إلى قلبه دون أن يشعر.

تذكر لحظات حبهما، وخطبته لها، وكل لحظة جميلة جمعتهما معًا.

ومع استمرار الطبيب في محاولة إنعاش قلبه، انزلقت دمعة من عين نور دون إرادة منه.

خارج الغرفة، كان فارس يقف إلى جوار سيف، ودموعه لا تجف. رفع بصره إلى السماء، وضمت يداه بعضهما وهو يدعو بصمت، يتوسل أن يبقى ابنه بخير.

أما ميرال، فكانت جالسة بالقرب منهما، منهارة، تضم يديها إلى صدرها وتدعو ربها في صمت، ودموعها تنساب على خديها.

وفي الوقت نفسه، كانت ياسمين في المنزل تصلي برفقة مريم ونادين وليلى، وقد اجتمعت أصواتهن في الدعاء، وكل واحدة منهن تتوسل إلى الله أن يعيده إليهم سالمًا.

داخل الغرفة، تنهد الطبيب، ثم حاول للمرة الأخيرة.

ضغط على صدر نور بقوة، وانتظر...وفجأة...تحرك الخط على الشاشة.

ثم ظهرت نبضات قلبه من جديد.

اتسعت عينا الطبيب، وارتسمت على وجهه ملامح ارتياح، قبل أن يزفر بتعب، بينما ابتسمت الممرضتان بفرحة واضحة.

قالت إحداهما وهي تضع يدها على صدرها:
"الحمد لله... كان هيموت."

وبعد قليل، خرج الطبيب من الغرفة.

وما إن رآه فارس حتى أسرع إليه، وأمسك بذراعه، وصوته يرتجف من شدة الخوف والدموع في عينيه:
"ابني ماله؟ في إيه؟ طمني."

تنهد الطبيب، ثم نظر إليه بهدوء وقال:
"لحد دلوقتي حالته تحت السيطرة... لكن ادعوله، الشفاء من ربنا."

ثم تركهم وغادر.

ظل فارس ينظر إلى باب الغرفة بصمت، وعيناه ممتلئتان بالخوف والحزن، بينما ربت سيف على كتفه وقال محاولًا طمأنته:
"هيبقا كويس... اطمن."

           ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

أسند لؤي معتز حتى أوصله إلى غرفة نورهان، ثم أوقفه أمام بابها ينتظران خروج الطبيب، بعدما عقّم جرحه الذي لم يكن يعاني سوى من نزيفٍ بسيط.. و لحسن حظه لم يُفتح بدرجة كبيرة. 

جلس معتز على المقعد، وألقى برأسه إلى الخلف متعبًا، بينما جلست تقي بجواره. ظلت صامتة للحظات، وعيناها معلقتان بباب الغرفة، ثم قالت وهي تعقد حاجبيها بتفكير:
"البنت دي... ملامحها مش غريبة عليا."

التفت إليها معتز بصمت، فأكملت وهي تحاول استرجاع ما في ذاكرتها:
"تسريحة شعرها دي... وملامح وشها... أنا شيفاها قبل كده، لكن أول ما عرفتها... انصدمت. معقول تكون هي؟"

وضع لؤي يده على ذقنه وهو يفكر، ثم سألها باستغراب:
"قصدك مين؟"

نظرت إليه تقي، ثم حولت بصرها إلى معتز وقالت بهدوء:
"مرام... مرات رجل الأعمال عصام، اللي يبقى عدو عمك سيف في الشغل... عارفها؟"

بقيت ملامح معتز جامدة، كلماتها لم تفاجئه.. أما لؤي، فاتسعت عيناه وقال بذهول:
"نعم؟! تبقى مرات مين؟"

ثم التفت إلى معتز، وحدق فيه قائلًا بجدية:
"الكلام ده صح؟"

ظل معتز ينظر إليهما بصمت، دون أن ينطق بحرف.

انتظر لؤي إجابته للحظات، وحين لم يتلقَّ أي رد، زفر بضيق وقال بحدة امتزجت بالقلق:
"أنت لازم تشرحلنا كل اللي حصل... ودلوقتي حالًا. دي مين؟ وإنت تعرفها منين؟ وإيه علاقتك بيها بالظبط؟"

أنزل معتز رأسه ببطء، ثم فتح كفه المرتجفة.. كانت سلسلة نورهان تستقر بين أصابعه.

ثبت نظره عليها طويلًا، وارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة يملؤها الألم، ثم تنهد بحزن، وبدأ يحكي لهما كل شيء...

منذ أيام طفولته مع نورهان... وحتى أصبحت مرام، ثم زواجها من عصام، وكل ما عاشته معه... إلى أن انتهى حديثه بلحظة وصولهم وإنقاذها.

ظل لؤي وتقي يستمعان إليه في صدمة، وقد انعقدت ملامحهما بعدم التصديق.

قالت تقي بصوت خافت، وهي لا تزال مذهولة:
"لا... عصام بيحبها أوي. إزاي يعمل فيها كل ده؟ بجد إزاي؟ ده مفيش قصة حب بيتكلموا عنها على مواقع الإنترنت غير قصة مرام وعصام."

ارتسمت على شفتي معتز ابتسامة ساخرة، لكنها كانت ممتزجة بوجعٍ عميق، وقال وهو يهز رأسه بمرارة:
"قدام الناس... لكن محدش كان حاسس بيها، ولا حد كان عارف هو بيعاملها إزاي من ورا الكاميرات."

ضمت تقي قبضتها بقوة، واحمر وجهها من شدة الغضب، وقالت بانفعال:
"الحيوان ده لازم يتحاسب على كل اللي عمله فيها... والله أعلم كان بيعمل فيها إيه طول الفترة اللي كانت مخطوفة فيها."

وقف لؤي فجأة، وأخذ يدور بعينيه في المكان، ثم قال وهو يضم قبضته بقوة:
"يبقى اللي اسمه عصام ده هو اللي عمل فيك كده... وكان عايز يقتلك؟"

رفع معتز رأسه إليه، ثم أومأ بهدوء وقال:
"أيوه... لولا مريم، والراجل اللي اسمه أدهم، صاحب نور في الشغل... جم وأنقذوني. لولاهم... كان زماني ميت، ومحدش عارف مكاني."

وضعت تقي يدها على كتفه وربتت عليه برفق، وقالت بسرعة:
"بعد الشر عليك يا حبيبي... إن شاء الله في عدوينك."

ظل لؤي صامتًا، يطرق الأرض بعينيه، بينما كانت عضلات فكه تنقبض بقوة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح توحي بأن شيئًا ما يدور في رأسه... وأنه اتخذ قرارًا لن يتراجع عنه.

وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة.

خرج الطبيب، وقد بدت على وجهه علامات الغضب والانفعال، وقال بحدة قبل أن يمنح أحد فرصة للكلام:
"أنا مش فاهم ايـــــــه الإهمال ده !"

تبادل الثلاثة نظراتٍ حائرة، ولم يفهم أيٌ منهم ما يقصده.. تقدمت تقي خطوة، وسألته بقلق:
"في إيه يا دكتور؟"

نظر إليها الطبيب، ثم قال بغضب واضح:
"المريضة حصلها إجهاض... وإجهاض غير مكتمل. لسه فيه بقايا من الجنين داخل الرحم، وخسرت كمية كبيرة من الدم بسبب النزيف المستمر. أنا مش عارف عقولكم كانت فين وإنتوا سايبينها بالحالة دي!"

اتسعت عينا لؤي وتقي في اللحظة نفسها، ونطقا معًا بصدمة:
"إجهاض؟!"

أما معتز، فتجمد مكانه.

انعقد فكه بقوة، واهتزت أنفاسه، بينما امتلأت عيناه بالدموع، وشعر وكأن الكلمات سقطت فوق صدره كالصخرة.

ضم قبضته حتى ابيضت مفاصل أصابعه، ثم قال بصوتٍ مبحوح، اختلط فيه الخوف بالألم:
"طيب... والعمل إيه دلوقتي؟"

أجابه الطبيب، وقد خفتت حدة صوته قليلًا، لكنه ظل جادًا:
"لازم تدخل جراحة فورًا."

تقدمت تقي خطوة أخرى، وقالت بسرعة ولهفة:
"طيب اعملوا اللي إنتوا شايفينه صح... المهم تبقى كويسة."

أومأ الطبيب برأسه دون أن يضيف كلمة أخرى، ثم غادر مسرعًا، بينما بدأ الممرضون في تجهيز غرفة العمليات.

ظل معتز واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان بباب الغرفة .

كانت الدموع تلمع في عينيه، لكن ملامحه لم تعد تحمل سوى شيءٍ واحد...الغضب.

غضبٌ هادئ، لكنه كان كافيًا ليكشف أن انتقامه من عصام لم يعد مجرد رغبة... بل أصبح وعدًا... 

                ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وصل مؤمن مسرعًا فور علمه بما حدث، وبرفقته ليلى.

ما إن وقع بصره على فارس حتى اتجه إليه بخطوات سريعة، وجثا أمامه قليلًا، ثم ربت على كتفه بحزن وقال بصوت هادئ يحاول أن يبث فيه الطمأنينة:
"متقلقش يا صاحبي... هيبقى كويس."

ثم جلس إلى جواره، وظل يربت على كتفه بصمت، محاولًا التخفيف عنه، لكن فارس لم يبدِ أي استجابة، وظلت عيناه معلقتين بباب غرفة العناية، وكأن روحه بأكملها هناك.

في الجهة الأخرى، جلست ليلى بجوار ياسمين، وسحبتها إلى حضنها، وأخذت تربت على ظهرها بحنان، بينما انهمرت دموعها هي الأخرى.

أما ياسمين، فلم تستطع التماسك أكثر، فانهارت في بكاءٍ مرير، وهي تضم يدها إلى صدرها، وقلبها يرتجف رعبًا على ابنها.

اقتربت مريم بهدوء من ميرال، وجلست إلى جوارها دون أن تتحدث.

كانت ميرال تحدق في باب الغرفة بلا رمشة، ودموعها تنساب في صمت، وكأنها تخشى أن تبتعد عيناها عنه للحظة، فيحدث له مكروه.

وبعد قليل...

نظر  مؤمن إلى سيف، ثم إلى الجميع، وقال بهدوء حازم:
"سيف... خدهم ورجعهم على البيت. وجودهم هنا ملوش فايدة، ولو في أي جديد هنبلغهم على طول..و روح انت ارتاح شويه وانا هفضل مع فارس"

نهضت خديجة فورًا، وهزت رأسها بعناد، وقالت بصوت مرتجف من شدة البكاء:
"أنا مش هتحرك من هنا غير لما أطمن عليه."

وأومأت ياسمين برأسها سريعًا، وقالت وهي تمسح دموعها دون جدوى:
"وأنا... أنا مش هسيب ابني وأمشي."

تنهد مؤمن، ثم قال محاولًا إقناعهما:
"قعدتنا كلنا قدام الباب وفي الممر كده مش هتنفع... روحوا، وأول ما الدكتور يبلغنا بأي حاجة، هنقولكم على طول."

وبعد محاولات طويلة من سيف ومؤمن لإقناعهم، وافقوا أخيرًا على العودة إلى المنزل.

إلا ميرال...بقيت جالسة مكانها، ولم تتحرك خطوة واحدة. 

وقبل أن ترحل خديجة التفتت إليها.. نظرت إليها نظرة طويلة، حملت داخلها مشاعر متداخلة لم يستطع أحد تفسيرها، ثم أشاحت بوجهها بصمت.

أمسكت مريم بيد خديجة، وغادروا جميعًا مع سيف الذي تولى إيصالهم إلى المنزل.

أما مؤمن، فعاد وجلس إلى جوار فارس.. كان فارس شاردًا تمامًا، لا يسمع ما يدور حوله، ولا يرى أحدًا أمامه.

كل تركيزه... وكل قلبه... كان مع ابنه، خلف ذلك الباب المغلق... 

                ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

دخل عصام غرفته كالثور الهائج، بعدما أمضى وقتًا طويلًا في البحث عن أخته دون أن يتمكن من معرفة مكانها.

ألقى مفاتيحه على التسريحة بعنف، فارتطم صوتها بالسطح الخشبي، ثم رفع عينيه إلى المرآة.

كانت ملامحه حادة، ووجهه مشدودًا بالغضب، وعيناه تشتعلان كأنهما على وشك الفتك بأول شخص يعترض طريقه.

لكن...تبدلت ملامحه فجأة.. توقف مكانه، وحدق في انعكاس المرآة بتركيز.

اتسعت عيناه بصدمة.

كان هناك شخص يجلس بهدوء على كرسيه الهزاز خلفه، يرتدي قناعًا يخفي ملامحه، ويحدق فيه دون أن يتحرك.

تجمد عصام للحظة، ثم استدار بسرعة لينظر خلفه.

لكن قبل أن تكتمل استدارته...شعر بشيء حاد يمر على رقبته... اتسعت عيناه، وتجمد جسده من الصدمة.

رفع يده إلى رقبته، ونظر إلى الدماء التي بدأت تتساقط بغزارة بين أصابعه.

حاول أن يلتقط أنفاسه، لكن جسده خانه.. ترنح للحظة...ثم سقط أرضًا. 

ظل الشخص المقنع واقفًا ينظر إليه بعينين حادتين لثوانٍ، ثم استدار بهدوء وغادر الغرفة.

وبقي عصام ملقى على الأرض...غارقًا في بركة من دمائه.... 

                      ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

تقدمت في الممر بخطوات هادئة، بينما كان صوت كعب حذائها العالي يتردد في أرجائه، فيعلن عن اقترابها دون أن تستعجل الوصول.

كانت عيناها معلقتين بفارس تحديدًا، تراقبه من بعيد، لكنه لم يشعر بوجودها، فقد كان غارقًا في شروده، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة التي يرقد خلفها ابنه.

توقفت خطواتها.

وقفت تراقبه لثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، تحمل في ملامحها شماتةً وانتصارًا خفيًا.

قالت في نفسها، وعيناها لا تزالان معلقتين به:
" Ce n’est que le début, Faris. Tu n’as encore rien vu de moi... Je te le jure, tu paieras pour ce que tu as fait à mon mari. "

"هذه البداية فقط يا فارس... أنت لم ترَ مني شيئًا حتى الآن. أقسم لك... ستدفع ثمن ما فعلته بزوجي."

تعليقات



<>