
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
كان مجدي يجلس في أحد المقاهي، يحرّك ملعقة صغيرة داخل فنجان القهوة أمامه ببطء، بينما تنقلت عيناه بين ساعة يده ومدخل المكان.
زفر بضيق وهو يتمتم:
"اتأخرت..."
رفع الفنجان وارتشف منه رشفة صغيرة، ثم أعاده إلى الطاولة.. وفي اللحظة التالية...وقعت عيناه عليها.
كانت خديجة تدخل المقهى بخطوات ثابتة، ترتدي نقابها المعتاد، حتى وصلت إلى الطاولة وسحبت الكرسي وجلست دون مقدمات.
رفع مجدي زاوية فمه بابتسامة جانبية وقال بنبرة خفيفة:
"اتأخرتِ أوي... بس مش مشكلة."
رمقته بنظرة باردة وقالت باقتضاب:
"قول عايز إيه."
أسند مرفقه على الطاولة، ثم شبك أصابعه أمامه وقال:
"نتائج الطب الشرعي وصلتني... لكن حابب أسمعها منك."
عقدت حاجبيها بضيق وقالت:
"هو التقرير ناقص حاجة؟"
ابتسم وهو يهز رأسه:
"لا... بس أنا بحب أسمع أكتر ما أحب أقرأ."
أطلقت زفرة قصيرة تدل على نفاد صبرها، ثم قالت بصوت عملي خالٍ من أي انفعال:
"زي ما هو مكتوب في التقرير... عباس مات نتيجة حقنه بمادة قاتلة سريعة المفعول. بعد الفحوصات اتأكدنا إنها مش سم معروف، ولا مخدر، ولا أي مادة متداولة طبيًا."
توقفت لحظة، ثم أضافت وهي تنظر إليه مباشرة:
"وده معناه إن اللي عمل كده عنده معرفة طبية كبيرة... أو فيه فريق طبي بيساعده."
ظل مجدي يستمع باهتمام، بينما أكملت:
"لحد دلوقتي معرفناش نوع المادة، ولا مصدرها، ولا حتى إذا كانت مادة مصنعة محليًا أو مستوردة."
ساد صمت قصير.. ثم قالت بجدية:
"بس المؤكد... إن دي مش جريمة عادية."
أومأ مجدي برأسه ببطء، ثم سأل:
"والخدامة؟"
أجابته مباشرة:
"ماتت بطريقة مختلفة... بعد تشريح الجثة ملقيناش أي أثر للمادة اللي كانت في جسم عباس."
ظل صامتًا لثوانٍ وهو يطرق بأصابعه على سطح الطاولة، ثم قال:
"تفتكري ليها علاقة بتجارة الأعضاء؟ خصوصًا إن جزء من أعضاءها كان مستأصل."
وقفت خديجة من مكانها، وأعادت حقيبتها إلى كتفها وهي تقول ببرود:
"دي مهمتك أنت... مش مهمتي أنا."
ثم استدارت وهي تضيف:
"أنا خلصت اللي عندي."
خطت عدة خطوات.... لكن صوته أوقفها.. قال بنبرة تحمل خبثًا واضحًا:
"غريبة..."
توقفت مكانها دون أن تلتفت إليه.. ابتسم وهو يكمل:
"مستغرب إن ازاي نور ساب واحدة زيك... وراح لغيرك."
انقبضت أصابعها داخل كفها.. لكنها لم ترد.
اقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة، ونظر إليها من أعلى لأسفل بنظرة أثارت اشمئزازها، ثم قال بابتسامة مستفزة:
"بصراحة... إنتِ أحلى من ميرال بكتير."
مال قليلًا وهو يضيف بصوت أخفض:
"واضح إن النقاب مخبي ملامح تستاهل تتشاف."
في لحظة...اشتعل الغضب داخلها.. وقبل أن يستوعب ما سيحدث...ارتفعت يدها.
صفعة قوية ارتطمت بوجهه، فمال رأسه إلى الجانب من قوة الضربة، وساد صمت مفاجئ داخل المقهى.
التفتت أنظار الجالسين إليهما.
عاد مجدي بوجهه إليها ببطء، بينما احمر خده مكان الصفعة، واشتدت عضلات فكه.
أما خديجة...فرفعت إصبعها في وجهه، وكانت عيناها تشتعلان غضبًا، وقالت بصوت ثابت رغم انفعالها:
"اسمعني كويس... أنا دكتوره محترمة، وجيت هنا عشان الشغل وبس."
اقتربت خطوة، ثم أكملت باحتقار واضح:
"لكن واضح إنك متعرفش يعني إيه احترام، ولا تعرف تتعامل مع الناس بأدب."
ازدادت نبرتها حدة:
"إياك... تكرر كلامك ده معايا مرة تانية."
ثم أردفت وهي تنظر إليه بازدراء:
"ومن النهارده... شغلي معاك انتهى."
استدارت وغادرت المقهى بخطوات ثابتة، دون أن تنظر خلفها.
أما مجدي...فظل واقفًا مكانه، يضع يده على خده، وعيناه تقدحان شررًا من شدة الإهانة أمام الجميع.
وانكمشت أصابعه ببطء حتى أصدرت مفاصله صوتًا خافتًا، بينما ارتسمت على وجهه نظرة حاقدة أوحت بأن تلك الصفعة... لن تمر بسهولة..
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
دلف إبراهيم إلى الشركة بعد الانقلاب الذي شهدته عقب سجن سيف. وما إن وطأت قدماه بهو المبنى حتى ارتفعت إليه أنظار الموظفين في صمتٍ مليئ بالتوتر؛ بعضهم توقف عن الكتابة للحظات، وآخرون تبادلوا نظرات خاطفة قبل أن يعاودوا الانشغال أمام شاشات الحاسوب.
واصل سيره بخطوات هادئة وثابتة حتى وصل إلى مكتب محمد، الذي تولّى إدارة الشركة مؤقتًا خلال غياب سيف.
طرق الباب طرقات خفيفة، وما إن سمع الإذن حتى دخل. نهض محمد من مقعده ليستقبله، فتبادلا مصافحة مقتضبة اتسمت بالاحترام أكثر من الود، ثم أشار له بالجلوس.
جلس إبراهيم، وفك الزر الأمامي لسترته، ثم وضع حقيبته الجلدية السوداء بجوار المقعد، وألقى نظرة سريعة حول المكتب قبل أن يستقر ببصره على محمد وقال بنبرة عملية مباشرة:
"أنت أكيد عارف سبب وجودي هنا."
أومأ محمد برأسه في هدوء، ثم أجاب بثبات:
"عارف طبعًا... لكن قبل أي كلام، أحب أوضح إن كل اللي بيتداول عن البشمهندس سيف مجرد إشاعات وأخبار كاذبة، هدفها الإساءة ليه ولسمعة الشركة... مش أكتر."
ظل إبراهيم يتأمله لثوانٍ، وكأنه يزن صدق كلماته، ثم قال بهدوء:
"وأنا شخصيًا صعب أصدق الكلام ده... لأن لو كان عندنا أي دليل يثبت العكس، ماكنتش هكون قاعد هنا دلوقتي."
توقف لحظة، ثم أردف وهو يعقد كفيه أمامه:
"لكن السيد إدوارد بعتني عشان أعرف الصورة كاملة. المشروع اللي بينكم استثمار ضخم، وأي تطور بالشكل ده طبيعي يخلينا نراجع موقفنا ونتأكد إن مفيش مخاطر ممكن تهدد التنفيذ."
تنفس محمد بعمق قبل أن يجيب بثقة واضحة:
"وده حقكم بالكامل. وأنا أقدر قلق السيد إدوارد، لكن أحب أطمنه إن المشروع شغال بنفس الجدول الزمني المتفق عليه، وكل فرق العمل مكملة شغلها بشكل طبيعي. أما البشمهندس سيف، فإحنا واثقين إنه هيخرج قريب جدًا."
أمال إبراهيم جسده للأمام قليلًا، وعقد حاجبيه وهو يسأله:
"اسمحلي أسأل بشكل مباشر... اسهم الشركة انخفضت، والسوق بيتعامل بحذر مع أي أخبار تخصكم. لو الوضع استمر بالشكل ده، هل عندكم القدرة تمولوا المشروع للنهاية من غير ما يتأثر؟"
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي محمد، ابتسامة بدت أقرب إلى الثقة منها إلى المجاملة، ثم قال:
"سعر السهم بيعكس رد فعل السوق... مش الوضع المالي الحقيقي للشركة. عندنا سيولة كافية، وخطة تشغيل بديلة اتفعلت من أول يوم للأزمة، وكل الالتزامات المالية ماشية في مواعيدها من غير أي تأخير."
ظل إبراهيم صامتًا للحظات، ثم قال:
"السيد إدوارد مش بيبني قراراته على الوعود... هو محتاج أرقام ومستندات يقدر يعتمد عليها."
أومأ محمد دون تردد، ثم نهض واتجه نحو الخزانة الجانبية. فتح أحد الأدراج وأخرج ملفًا أسود، عاد به إلى المكتب، ووضعه أمام إبراهيم قائلًا:
"الملف ده فيه القوائم المالية، وتقارير التدفقات النقدية، ونسب الإنجاز الحالية، وكمان الضمانات الخاصة بتمويل باقي مراحل المشروع. تقدروا تراجعوه بالكامل."
تناول إبراهيم الملف، وقلب غلافه للحظات دون أن يتصفح محتواه، ثم وضعه داخل حقيبته بعناية.
رفع بصره إلى محمد مجددًا وقال بنبرة أكثر جدية:
"في نقطة أخيرة... إيه السبب الحقيقي وراء احتجاز البشمهندس سيف؟ لأن بصراحة... إحنا مش مقتنعين إطلاقًا برواية إن راجل بالحجم ده متورط في أعمال غير قانونية."
انعقد حاجبا محمد للحظة، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه وقال:
"لأنها ببساطة مش حقيقة. اللي حصل خلاف شخصي بينه وبين الظابط نور، والخلاف خرج عن إطاره الطبيعي ووصل للنيابة. أما كل الكلام عن غسيل أموال أو تجارة غير مشروعة، فمجرد شائعات مالهاش أي سند قانوني."
ظل إبراهيم ينظر إليه في صمت، مراقبًا ثبات ملامحه وطريقة حديثه، ثم قال بعد لحظة:
"لو التحقيقات طالت؟"
أجابه محمد دون أن يتردد:
"إدارة الشركة مش قائمة على شخص واحد. حتى لو غاب سيف لفترة، عندنا مجلس إدارة، وإدارات تنفيذية، وخطط بديلة لكل مرحلة. المشروع مش هيتوقف."
هز إبراهيم رأسه ببطء، وأغلق حقيبته بعدما تأكد من وجود الملف بداخلها، ثم نهض من مقعده وهو يقول:
"أنا هرفع كل اللي شفته وسمعته للسيد إدوارد... والقرار النهائي هيكون بعد مراجعة المستندات."
نهض محمد هو الآخر، ومد يده مصافحًا إياه مرة ثانية، وقال بثقة:
"وأنا واثق إن بعد ما يراجعها... هيعرف إن ثقته في الشركة كانت في محلها."
تبادلا نظرة صامتة لثوانٍ، حملت كثيرًا من الحذر وقليلًا من الاطمئنان، قبل أن يستدير إبراهيم ويتجه نحو الباب، بينما بقي محمد واقفًا في مكانه يتابعه بعينيه، مدركًا أن نتيجة هذا اللقاء قد تحدد مستقبل المشروع بأكمله...
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان عصام يقف أمام عشرات الصحفيين وعدسات الكاميرات، بعد انتهاء المؤتمر الخاص بالمشروع المشترك بين شركته والمستثمرين الأجانب، والذي كان سيف أحد أبرز شركائه فيه.
انهالت عليه الأسئلة حول المشروع وخططه المقبلة، فأجاب عنها بهدوء وثقة، حتى رفع أحد الصحفيين يده وسأله بصوت واضح:
"أستاذ عصام... إيه رأيك في اللي حصل مع البشمهندس سيف؟ وهل الأخبار اللي بتتقال عنه صحيحة ولا مجرد إشاعات؟"
ساد الصمت لثوانٍ، واتجهت عدسات الكاميرات كلها نحوه، في انتظار إجابته.
حافظ عصام على هدوء ملامحه، ثم قال بنبرة متزنة:
"بصراحة... مقدرش أتكلم في موضوع بالشكل ده، لأني شخصيًا معنديش أي معلومات مؤكدة عنه. وأي كلام غير مبني على حقائق هيكون مجرد اجتهاد مني، وده مش من حقي."
اكتفى بتلك الإجابة، ثم ألقى نظرة سريعة على ساعته، واستدار استعدادًا للمغادرة.
لكن قبل أن يبتعد، ارتفع صوت صحفية من بين الحضور:
"معلش... آخر سؤال."
التفت إليها، فرفعت مريم الميكروفون نحوه وقالت وهي تراقب ملامحه باهتمام:
"الناس لاحظت إن المدام مرام مختفية من فترة. آخر ظهور ليها كان مع حضرتك في فرح زميلكم، وبعدها اختفت تمامًا. ممكن نعرف سبب غيابها؟"
تجمدت ملامحه للحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لتلتقطها عين مريم، قبل أن يرسم ابتسامة هادئة على شفتيه ويجيب وكأنه لا يرى في السؤال أي أهمية:
"مرام سافرت... حبت تغيّر جو شوية وتقضي فترة برة، وده سبب عدم ظهورها معايا مؤخرًا."
ظلّت مريم تنظر إليه لثوانٍ، مركزة في نظراته ونبرة صوته أكثر من كلماته نفسها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم أنزلت الميكروفون دون أن تعقّب، لكنها لم تكن مقتنعة بإجابته. كان هناك شيء في داخلها... شيء أخبرها أن الحقيقة مختلفة.
وفجأة...شقّ صوت غاضب ضجيج المكان، أعقبه اندفاع رجل من بين الحشود بسرعة أربكت الجميع.
وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث، كان معتز قد وصل إلى عصام، وأمسكه من مقدمة سترته بعنف حتى اهتز جسده إلى الخلف، ثم صاح في وجهه، وصدره يعلو ويهبط من شدة انفعاله:
"هي فين؟!... أخدتها على فين؟!"
اتسعت عينا عصام للحظة في صدمة لم يستطع إخفاءها. لم يكن يتوقع رؤيته مجددًا... كان يظن أن رجاله قد أنهوا أمره.
أما الصحفيون، فتراجع بعضهم خطوة للخلف، بينما اندفع آخرون للأمام، وارتفعت الكاميرات والهواتف لتوثيق ما يحدث.
بينما همست مريم، وقد اتسعت عيناها بدهشة:
"معتز...!"
في اللحظة نفسها، اندفع رجال الأمن الخاص بعصام نحوه، وأمسكوا بمعتز محاولين إبعاده.
لكن الأخير قاومهم بجنون.
انتزع ذراعه من أحدهم، ثم وجه له لكمة قوية أطاحت به خطوة إلى الخلف، قبل أن يستدير ويركل الآخر بعنف في بطنه، فترنح متألمًا وهو يمسك بموضع الضربة.
استغل معتز اللحظة، وانقض على عصام من جديد، وقبض على ملابسه بكلتا يديه حتى تجعد القماش بين أصابعه، ثم صرخ في وجهه، وعيناه محمرتان من شدة الغضب:
"لو ما قلتليش هي فين... والله لأوديك في ستين داهية!"
ورغم الفوضى التي اشتعلت حوله، ورغم عشرات العدسات المصوبة نحوه، حافظ عصام على هدوئه بصعوبة، محاولًا ألا يمنح الصحفيين المشهد الذي ينتظرونه.
وفي ثوانٍ، وصل بقية رجاله، وأحاطوا بمعتز من كل اتجاه، ثم انتزعوه بالقوة من أمام عصام.
حاول الإفلات منهم بكل ما يملك، كان يضرب ويقاوم ويشد ذراعيه بعنف، لكن عددهم كان أكبر، وقوتهم كانت كافية لتثبيت حركته.
ورغم أنهم كانوا يسحبونه بعيدًا، رفع رأسه نحو عصام وصرخ بأعلى صوته، حتى دوّى صوته في المكان كله:
"أقسم بالله العظيم... لو لمست منها شعرة واحدة، مش هرحمك! وهدفعك تمن كل اللي عملته فيها... يا ******!"
ساد المكان صمت للحظة، بينما بقيت الكاميرات تلتقط كل ثانية من المشهد، وأدرك الجميع أن هذا الاشتباك لن يكون مجرد خبر عابر، بل بداية لقضية ستشغل الرأي العام.
ظل عصام واقفًا في مكانه، يعدل ياقة سترته بهدوء بعدما أفلتها رجال الأمن من قبضة معتز، ثم مرر كفه عليها في حركة هادئة، وكأنه يمحو أثر ما حدث، قبل أن يجول بنظره بين عشرات الكاميرات المصوبة نحوه.
لم يكن على وجهه أي انفعال، رغم أن عينيه ظلتا تراقبان المكان بحذر.
وما إن اختفى معتز بين رجال الأمن، حتى اندفع الصحفيون نحو عصام مرة أخرى، حتى كادت الميكروفونات تلامس وجهه.. تعالت الأصوات في وقت واحد:
"باشمهندس عصام... مين الشخص ده؟!"
"كان بيقصد مين لما قال: (هي فين؟ أخدتها على فين؟)"
"هل بينكم أي خلافات سابقة؟"
"إيه سبب اعتدائه على حضرتك؟"
"هتقدم فيه بلاغ؟"
اختلطت الأسئلة ببعضها، وتحولت إلى ضجيج متواصل.
ظل عصام صامتًا لثوانٍ، ثم رفع إحدى يديه في هدوء، وقال بنبرة ثابتة:
"لو سمحتوا... واحد واحد."
خفتت الأصوات تدريجيًا.
كانت مريم أول من رفع الميكروفون، وبرغم أنها تعرف معتز، فإن ملامحها لم تُظهر شيئًا، وكأنها تراه للمرة الأولى.. قالت بهدوء:
"باشمهندس عصام... حضرتك تعرف الشخص ده؟"
ثبت عصام نظره عليها للحظة قصيرة، ثم أجاب دون تردد:
"لا."
تبادل الصحفيون النظرات، فسأل أحدهم سريعًا:
"أمال ليه اعتدى على حضرتك؟"
تنفس عصام بهدوء، ثم قال:
"ده سؤال المفروض يتوجه له هو... مش ليا."
لم يكد ينهي جملته حتى قاطعه صحفي آخر:
"بس واضح إنه كان جاي لحضرتك تحديدًا."
هز عصام كتفيه بخفة، وقال بابتسامة باهتة:
"واضح."
ارتفعت همهمات بين الحضور، ثم جاء السؤال الذي انتظره الجميع:
"وكان بيقول هي فين أخدتها على فين ... يقصد مين؟"
قطب عصام حاجبيه قليلًا، وكأن السؤال فاجأه بالفعل، ثم قال بهدوء:
"معنديش أي فكرة."
تقدمت مريم خطوة أخرى، مثبتة عينيها على وجهه و تراقب ملامحه، وقالت:
"يعني حضرتك بتنفي تمامًا إن كلامه ليه أي علاقة بيك؟"
ابتسم عصام ابتسامة صغيرة، لم تصل إلى عينيه، ثم أجاب:
"أنا مش هفسر كلام شخص اقتحم مؤتمر، واعتدى عليّ قدام الناس. لو عنده اتهام أو معلومة، فيه جهات رسمية يقدر يتكلم قدامها."
قاطعه صحفي آخر بسرعة:
"يعني حضرتك شايف إنه شخص غير متزن؟"
توقف عصام لحظة، وكأنه يختار كلماته بعناية، ثم قال:
"أنا ما حكمتش عليه... ولا هحكم. اللي حصل قدامكم واضح."
تدخلت صحفية أخرى:
"هتتخذ ضده إجراء قانوني؟"
أطرق برأسه للحظة، ثم قال:
"الموضوع بالكامل في إيد الفريق القانوني، وهم اللي هيحددوا الخطوات المناسبة."
وقبل أن يتحرك، دوّى سؤال جديد من آخر القاعة:
"حضرتك شايف إن اللي حصل النهارده هيأثر على سمعة الشركة أو المشروع؟"
استدار إليهم للمرة الأخيرة، واستقامت وقفته، ثم قال بثقة هادئة:
"الاسم اللي اتبنى على مدار سنين... مش هيتهز بسبب تصرف فردي استغرق دقيقة."
ساد صمت قصير، قبل أن يومئ لحراسه قائلًا:
"شكرًا... المؤتمر انتهى."
شق رجال الأمن طريقًا له بين الصحفيين، بينما استمرت الأسئلة تنهال من كل اتجاه.
"باشمهندس عصام... رد على سؤالنا!"
"مين الشخص ده؟!"
"هل هتصدروا بيان رسمي؟!"
لكنه لم يلتفت إليهم.
خرج بخطوات ثابتة حتى وصل إلى سيارته، فتح الباب، ثم استقلها بهدوء، وأغلقه خلفه، بينما ظلت عدسات الكاميرات تلاحقه حتى تحركت السيارة مبتعدة عن مقر المؤتمر.
أما مريم، فبقيت واقفة في مكانها، تحدق في السيارة حتى اختفت عن أنظارها.
لم تكن المشكلة في إجاباته...بل في هدوئه.
كل رد قاله كان منطقيًا بما يكفي ليُنهي السؤال، لكنه لم يكن كافيًا ليُطفئ شكوكها.. هناك شيء أخفاه...وشعرت أن ظهور معتز لم يكن حادثًا عابرًا، بل خيطًا قد يقود إلى حقيقة أكبر بكثير مما يتخيله الجميع.
خفضت الميكروفون ببطء، وقالت في سرها:
"لو فيه سر... فأنا هعرفه. ومهما حاول يدفنه... هييجي اليوم اللي الحقيقة هتطلع فيها للنور."
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
خرج لؤي من المول وهو يحمل عدة أكياس في يديه، يتجه نحو موقف السيارات بخطوات هادئة. نزل درجات السلم، ثم توقف فجأة في منتصف الطريق.
عقد حاجبيه وهو يحدق في المكان الذي ترك فيه دراجته النارية.. فارغ...
رمش عدة مرات، وكأنه يظن أنه أخطأ المكان، ثم التفت يمينًا ويسارًا يبحث عنها بعينيه.
لا شيء.
ارتخت أصابعه من شدة الصدمة، فسقطت الأكياس من يديه وتناثرت محتويات بعضها على الأرض.
ظل واقفًا لثوانٍ، ثم قبض على شعره بكلتا يديه وهو يصرخ بانفعال:
"لا... كده كتير! يعني العربية اتسرقت... ودلوقتي الموتوسيكل كمان؟! هي عايزة مني إيه بالظبط؟!"
دار حول نفسه بعصبية، يرمق المارة والسيارات لكن فجأة...توقفت عيناه على سيارة تقف غير بعيد عنه.
تجمد مكانه، ثم ضيق عينيه غير مصدق.. همس لنفسه:
"...عربيتي."
وفي اللحظة التالية، انطلق إليها راكضًا.
بدأ يدور حولها بسرعة، يمرر يده على هيكلها، ويتفحصها من جميع الجهات، حتى تأكد أنها سيارته بالفعل.
تنفس بارتياح للحظة، لكنه رفع رأسه ينظر حوله بريبة.. همس بضيق:
"يعني أخدت الموتوسيكل... ورجعت العربية؟!"
ضغط على أسنانه بقوة، ثم قال وهو يشير بإصبعه في الهواء، وكأنه يخاطب تلك المرأة الغامضة:
"أشوفك بس المرة دي... والله ما هسيبك غير لما آخد حقي منك."
فتح باب السيارة ليتأكد أن كل شيء كما تركه.. لكن ما إن جلس، حتى وقعت عيناه على ورقة صغيرة موضوعة فوق مقعد السائق.
تجمدت يده في الهواء.. نظر حوله مرة أخرى بحذر، فلم يجد أحدًا يراقبه.. التقط الورقة ببطء، وفتحها.. كان مكتوبًا بخط واضح:
"خلي ابني معاك لحد ما أرجع... أمانة في رقبتك."
قرأها مرة...ثم ثانية...ثم ثالثة.
أنزل الورقة ببطء، وحدق أمامه بعدم استيعاب.
ثم قال مستنكرًا:
"ابن مين؟... وأمانة إيه؟! وأنا مالي أصلًا؟!"
كور الورقة بإهمال، وألقاها على المقعد المجاور، ثم نزل يجمع الأكياس المتناثرة، ووضعها داخل صندوق السيارة.
أغلقه بقوة، ثم استقل السيارة وانطلق.. مرّت عدة دقائق.. كان الطريق هادئًا...لكن وسط صوت المحرك، سمع همهمة بكاء خافتة.
التفت بسرعة إلى المقعد الخلفي.. لم يجد شيئًا.. هز رأسه وهو يتمتم:
"أكيد بتهيألي."
أكمل القيادة.. لكن بعد لحظات...عاد الصوت مرة أخرى.. هذه المرة كان أوضح.
أوقف السيارة على جانب الطريق، وانعقد حاجباه بقلق.. أدار المحرك، ثم التفت للخلف مرة أخرى.
ظل ينظر لثوانٍ، قبل أن ينحني بجسده بين المقعدين، محاولًا اكتشاف مصدر الصوت.
وفجأة...اتسعت عيناه بصدمة.. كان طفل صغير منكمشًا أسفل المقعد الخلفي، يحتضن ركبتيه بكلتا ذراعيه، ويرتجف وهو يبكي بصوت مكتوم، وكأنه يحاول ألا يشعر به أحد.
ظل لؤي يحدق فيه غير مستوعب.. ثم تذكر الرسالة.. رفع الورقة من المقعد بجواره، ونظر إليها، ثم إلى الطفل.. وهمس مذهولًا:
"يبقى... ده ابنها؟!"
عاد يستند إلى مقعده، وألقى رأسه للخلف وهو يغمض عينيه بيأس.. ثم قال وهو يزفر بقوة:
"أنا عملت إيه يا رب عشان تبتليني بواحدة زي دي؟! لا أعرفها، ولا عمري شفتها قبل كده... سرقت عربيتي، وبعدها الموتوسيكل، وفي الآخر سابتلي ابنها! دي واحدة قادرة... وفاجرة! وكمان متجوزة وعندها طفل! وأنا مال امي بكل ده؟! أنا كنت ماشي في حالي... إيه البلاوي اللي عمالة تقع فوق دماغي دي؟!"
فتح عينيه فجأة، ثم التفت إلى الطفل وقال بصوت مرتفع:
"تعالى هنا يا واد."
انتفض حسن في مكانه، والتصق أكثر بالمقعد، بينما ازدادت شهقاته.
قطب لؤي حاجبيه، ثم كرر بنبرة أعلى:
"بقولك تعالى هنا."
ظل حسن ينظر إليه بخوف، قبل أن يخرج ببطء من مخبئه، وجسده الصغير يرتعش، حتى جلس بجواره وهو يخفض رأسه، محاولًا كتم بكائه.
نظر إليه لؤي للحظات.. لاحظ ارتجاف شفتيه، ودموعه التي لم تتوقف، وأنامله الصغيرة التي كانت تتشبث بطرف قميصه من شدة الخوف.
تنهد بضيق.. هو لا يحتمل رؤية طفل يبكي.. أغلق عينيه لثانية، وكأنه يحاول تهدئة أعصابه، ثم مد يده نحوه.
انتفض حسن فورًا، وتراجع بفزع.. ابتسم لؤي ابتسامة صغيرة، وربت برفق على شعره قائلًا بصوت أهدأ:
"متخافش... مش هعملك حاجة."
ثم تنحنح بخجل وهو يضيف:
"وآسف... كنت متعصب شوية."
رفع حسن عينيه إليه بحذر، وما زال الخوف واضحًا في نظراته.
ابتسم لؤي مجددًا وقال:
"اسمك إيه يا بطل؟"
تردد الطفل قليلًا، ثم أجاب بصوت خافت:
"حسن."
هز لؤي رأسه مبتسمًا:
"اسم جميل."
ثم أردف بلطف:
"طيب قولي... مامتك فين؟"
امتلأت عينا حسن بالدموع من جديد، وقال بصوت متقطع:
"معرفش... سابتني في العربية، وقالت متتحركش من مكاني غير لما ترجع."
حك لؤي ذقنه وهو يفكر، ثم سأل:
"واسم مامتك إيه؟"
مسح حسن دموعه بطرف كمه، وقد بدأ يشعر ببعض الأمان، ثم قال ببراءة:
"أسيل."
انعقد حاجبا لؤي، ثم حدق فيه لحظة وقال باستنكار:
"نعم... أسيل؟! مش لايق عليها خالص؟"
هز حسن رأسه مؤكدًا بكل براءة.
أما لؤي، فألقى رأسه على مسند المقعد، وحدق في سقف السيارة طويلًا، ثم تمتم بيأس:
"أسيل اسم يدل علي النعومه..انما امك دي اعوذ بالله منها يا أخي."
وبقي صامتًا، يحاول أن يفكر...ماذا سيفعل الآن بهذا الطفل الذي أُلقي فجأة في حياته؟
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كانت أسيل تقود دراجتها النارية بسرعة جنونية، تشق طريقها بين السيارات بمهارة مذهلة، تميل بجسدها مع كل منعطف، بينما يزمجر محرك الدراجة تحتها بقوة.
خلفها مباشرة، كانت سيارتان سوداوَان تطاردانها بلا هوادة.
فتح أحد الرجال النافذة، وأخرج نصف جسده، ثم صوب سلاحه نحوها.
دوّى صوت عدة طلقات متتالية.. ارتطمت الرصاصات بالإسفلت والسيارات القريبة، وتناثرت الشرارات في كل اتجاه، بينما انحنت أسيل بجسدها فوق خزان الوقود، وغيرت مسارها بسرعة خاطفة، فمرت الرصاصات بجوارها دون أن تصيبها.
تعالت صرخات المارة.. ألقى بعضهم بأنفسهم خلف السيارات، بينما هرول آخرون مبتعدين عن الطريق، في حين أخرج عدد منهم هواتفهم وبدأوا يصورون ما يحدث، غير آبهين بالخطر، طمعًا في سبقٍ أو شهرة على مواقع التواصل.
ألقت أسيل نظرة خاطفة حولها، فرأت حالة الذعر التي تسببت فيها المطاردة.. ضغطت على أسنانها.. لا... لن تجعل الأبرياء يدفعون الثمن.
أدارت المقود فجأة، وانحرفت نحو طريق جانبي مهجور، تغطيه الحفر والتشققات، ونادرًا ما تمر به السيارات.
اهتزت الدراجة بعنف فوق الطريق غير الممهد، وقفزت عجلاتها أكثر من مرة، لكن قبضتها بقيت ثابتة على المقود، وسيطرت عليها بخبرة، حتى واصلت السير دون أن تفقد توازنها.
وبعد أن ابتعدت عن المنطقة المزدحمة بمسافة كافية، أوقفت الدراجة في منتصف الطريق.. استدارت تنظر خلفها.
كانت السيارتان تقتربان بسرعة، ولم يعد أمامها وقت للهرب.
أطلقت زفيرًا بطيئًا.. وفي اللحظة نفسها، لمحَت سيارة مدنية تقترب من الطرف الآخر للطريق.
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيها.. أوقفت دراجتها جانبًا، ثم ارتمت على الأرض، وأغمضت عينيها، لتبدو وكأنها فاقدة للوعي إثر حادث.
كان الرجل يقود سيارته بهدوء، قبل أن يضغط على المكابح فجأة عندما لمح فتاة ملقاة وسط الطريق.
اتسعت عيناه بقلق.. أطفأ المحرك، وترجل مسرعًا، ثم اقترب منها وهو يهتف:
"يا آنسة... إنتِ كويسة؟"
انحنى بجوارها، ومد يده ليتفقد نبضها.. وفي أقل من ثانية...فتحت أسيل عينيها.. اعتدلت بسرعة خاطفة، وضربته بمؤخرة مسدسها ضربة قوية على مؤخرة رأسه.
اتسعت عيناه من الصدمة، وترنح خطوتين، قبل أن يسقط أرضًا فاقدًا للوعي.. وقفت أسيل فوقه لثوانٍ، تتأكد من أنه ما زال يتنفس، ثم سحبته سريعًا إلى جانب الطريق حتى لا يتعرض للأذى.
بعد دقائق معدودة...وصلت السيارتان إلى المكان.
توقفتا على بعد أمتار، وترجل منهما أربعة رجال ضخام البنية، انتشرت نظراتهم في المكان بحذر، بينما كانت أيديهم تستقر فوق أسلحتهم.
أما قائدهم، فبقي جالسًا داخل السيارة، يراقب المشهد من خلف الزجاج الداكن، دون أن يتحرك.
كان واثقًا أن رجاله الأربعة وحدهم يكفون لإنهاء المهمة...أما إذا سارت الأمور على غير المتوقع...فسيتدخل بنفسه.
توقف الرجال في أماكنهم، وأخذت أعينهم تجوب الطريق بحذر.. لم يجدوا سوى دراجتها النارية متوقفة على جانب الطريق، وبالقرب منها سيارة مدنية ساكنة، لكن لم يكن هناك أي أثر لأسيل.
تبادلوا النظرات في حيرة.. في تلك الأثناء...كانت أسيل منحنية خلف السيارة، تلصق ظهرها بهيكلها المعدني، وتتنفس ببطء حتى لا يصدر عنها أي صوت.
نزعت الأمان عن مسدسها، بعدما ضبطته على كاتم الصوت، ثم أخرجت يدها ببطء شديد من خلف السيارة.
أغمضت إحدى عينيها، وثبتت السلاح.. ثم ...خرجت الرصاصة مكتومة الصوت، لتستقر في صدر أحد الرجال.
اتسعت عيناه في ذهول، وترنح إلى الخلف، قبل أن يهوي أرضًا بلا حراك.
استدار الثلاثة الآخرون نحوه بصدمة.. وفي اللحظة نفسها، رفع قائدهم رأسه نحو السيارة، وضاقت عيناه وهو يقول بحدة:
"ورا العربية يا بهايم!"
وفي أقل من ثانية، دوى وابل من الطلقات.. انهالت الرصاصات على السيارة من كل اتجاه، فتناثر الزجاج، واخترقت الطلقات الأبواب، بينما ارتد بعضها عن الهيكل المعدني مصدرة شرارات حادة.
انخفضت أسيل أكثر، وألصقت رأسها بالأرض، واضعة ذراعها فوق رأسها، بينما كانت تنتظر اللحظة المناسبة.
توقفت الطلقات لثانية قصيرة.. كانت تلك فرصتها.. رفعت يدها بحذر من خلف الرفرف الأمامي، ولم تُظهر سوى جزء صغير من المسدس، ثم أطلقت رصاصة واحدة.
أصابت الرجل الثاني في كتفه العلوي، لكنها انحرفت إلى صدره، فسقط على ركبتيه، ثم انهار أرضًا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
اشتعل الغضب في عيني الرجلين المتبقيين.. أشار القائد إليهما بإشارة سريعة، فأومآ في صمت.
انفصل كل واحد منهما في اتجاه.. بدأ الأول يلتف حول السيارة من الجهة اليمنى، بينما تحرك الآخر بخطوات حذرة من الجهة اليسرى، وأسلحتهما مصوبة للأمام، في محاولة لتطويقها ومنع أي فرصة لهروبها.
أما قائدهم...فبقي جالسًا داخل السيارة، يراقب كل حركة بعينين باردتين، واضعًا يده على مقبض سلاحه، مستعدًا للتدخل إذا فشل رجلاه في إنهاء المهمة.
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كانت ميرال تقف خلف نور، تضع كفيها فوق عينيه، بينما تقول بحماس طفولي:
"إوعى تبص!"
تعثر في خطواته، فضحك قائلًا وهو يحاول أن يتحسس طريقه:
"هو إنتِ سايبالي فرصة أصلًا؟"
توقفت فجأة.. أبعدت يديها عن عينيه، لكنه كاد يفتحهما، فأسرعت تغطيهما مرة أخرى وهي تقول باستعجال:
"لا... استنى لسه."
ضحك نور وهز رأسه باستسلام، ثم أغلق عينيه بإرادته هذه المرة.
ابتعدت عنه عدة خطوات، وأخذت ترتب شيئًا أمامه في لهفة، قبل أن تستدير إليه وهي تكاد تقفز من شدة الحماس، وقالت بابتسامة عريضة:
"يلا... افتح عينيك."
فتح نور عينيه ببطء...فتوقفت أنفاسه للحظة.
أمامَه كان يقف فستان زفافٍ أنيق، تنساب تفاصيله برقيٍّ لافت، وقد امتلأ بالتطريزات الدقيقة التي بدت وكأنها رُسمت بحب، حتى إنه لم يرَ تصميمًا يشبهه من قبل.
وقفت ميرال بجواره، وعيناها تلمعان بانتظار رأيه، ثم قالت بحماس وهي تشير إلى الفستان:
"إيه رأيك؟ من يوم ما قلتلي إن فرحنا بعد شهر، وأنا كل وقتي ليه. فضلت أشتغل فيه يوم ورا يوم... لحد ما خلصته أخيرًا."
التفتت إليه بابتسامة متحمسة، ثم أردفت:
"ها؟ قول بقى... لو شايف أي حاجة محتاجة تتعدل قولي. أنا عايزة أبقى مختلفة... ومثالية يوم فرحنا."
أدار نور بصره بين الفستان وبين ملامحها المشرقة، ثم ابتسم ابتسامة دافئة وقال بحب:
"إنتِ من غير أي حاجة أصلًا... مختلفة واستثنائية."
احمر وجهها بخجل، وانخفضت عيناها للحظة، قبل أن تتمتم وهي تحاول إخفاء ابتسامتها:
"لا بجد... سيبك مني. ركز في الفستان."
نظر إليه مرة أخرى، ثم هز رأسه بإعجاب وقال:
"أي حاجة بتطلع من تحت إيدك تحفة... ومش محتاجة أي تعديل."
اتسعت ابتسامتها أكثر، ثم قالت وهي ترفع إصبعها محذرة:
"وبدلتك أنا كمان بدأت فيها... لأنك طبعًا مستحيل تلبس بدلة من أي براند غير بتاعي، ومن تصميمي أنا شخصيًا... فاهم؟"
ضحك نور، ورفع يديه باستسلام قائلًا:
"هو أنا أقدر أعترض؟"
ثم صمت لحظة، قبل أن يبتسم بمكر ويقول:
"بس حاولي تسرعي شوية... عشان خلاص، كلها أسبوع ونتجوز."
تجمدت مكانها.. اتسعت عيناها، ووضعت يدها فوق فمها بعدم تصديق، ثم همست:
"بجد... احلف."
ضحك بخفوت، وأجاب وهو ينظر إليها بحب:
"والله... أسبوع واحد بس، وهتبقي مراتي. جهزي نفسك."
صرخت بفرحة طفولية، وقفزت في مكانها وهي تقول:
"أنا جاهزة من دلوقتي! واعتبر بدلتك كمان جاهزة... أنا متحمسة أوي."
ثم ضمت كفيها إلى صدرها، وقد غلبتها السعادة، وأضافت بصوت امتزج فيه الفرح بالشوق:
"مش مصدقة إن خلاص... أيام قليلة، وهنعيش سوا في بيت واحد، ونبدأ حياتنا مع بعض."
ظل نور يتأملها بصمت.. تلك اللهفة في عينيها...وابتسامتها التي كانت كفيلة بأن تنسيه هموم الدنيا كلها.
ابتسم هو الآخر، وقال بصوت خافت:
"وأنا اللي مش مصدق إن خلاص... أيام، وهتبقي ليا، وتملّي بيتي وحياتي."
بادلته ابتسامة عاشقة... فبادلها الابتسامة، ثم ظل يتأمل الفستان للحظات، قبل أن يزفر زفرةً خافتة.
كان يعلم أن الطريق إليها لن يكون سهلًا...فوالده ما زال يرفض ميرال رفضًا قاطعًا، ولا يرى زوجةً مناسبة له سوى خديجة.
لكنه لن يتخلي عنها.. ظل شاردًا، يفكر في طريقةٍ يقنع بها والده بالموافقة على زواجه من ميرال، مهما كلّفه الأمر...فقد حسم قراره منذ زمن.. لن يتزوج سوى ميرال.
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
انحنت أسيل أكثر خلف السيارة، بينما كانت أنفاسها تتسارع وصدرها يعلو ويهبط بقوة.. أغمضت عينيها للحظة، محاولةً التركيز.. كانت تسمع وقع خطواتهما بوضوح...واحد يقترب من الجهة اليمنى...والآخر من الجهة اليسرى.
أصبحت محاصرة.. قبضت على مسدسها بقوة، وعقلها يعمل بسرعة بحثًا عن أي مخرج.. إن انتظرت أكثر... ستكون نهايتها.
ألقت نظرة خاطفة نحو الجهة اليسرى.. كانت الخطوات أقرب.. ابتلعت ريقها، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وقبضت على سلاحها بكلتا يديها.
وفجأة...اندفعت من خلف السيارة بسرعة البرق.. اتسعت عينا الرجل فور رؤيتها، ورفع سلاحه غريزيًا، محاولًا الضغط على الزناد.
لكنها كانت الأسرع خرجت الرصاصة المكتومة لتستقر في صدره.. شهق الرجل، وارتخت قبضته على سلاحه وسقط منه، بينما بدأ جسده الضخم يميل إلى الخلف.
لم تمنحه فرصة للسقوط.. اندفعت نحوه، وأمسكته من سترته بكلتا يديها، ثم جذبته إليها بكل ما تملك من قوة، لتتخذه ساترًا بينها وبين الرجل الآخر.
وفي اللحظة نفسها.... انهمر وابل من الطلقات.. ارتطمت الرصاصات بجسد الرجل، فتلقى الواحدة تلو الأخرى، بينما بقيت أسيل مختبئة خلفه، لا يظهر منها سوى جزء يسير من كتفها.
لم تنتظر.. رفعت مسدسها من جانب الجثة، وصوبت مباشرة نحو الرجل الأخير.
ضغطت على الزناد...لا شيء.. قطبت حاجبيها، وضغطت مرة أخرى.. تجمدت ملامحها.. نفدت الذخيرة.
ارتسمت ابتسامة باردة على وجه الرجل الأخير.. أدرك أن الكفة انقلبت لصالحه.
نظرت أسيل إلى مسدسها، وضغطت على الزناد مرة أخيرة، لكن لم يصدر سوى صوتٍ أجوف أكد لها الحقيقة... لقد نفدت الذخيرة.
انتقلت عيناها بسرعة إلى المسدس الساقط من جثة الرجل الذي قتلته قبل لحظات، ثم عادت بنظرها إلى خصمها.
لم يكن يفصل بينهما سوى مترين... أو أقل.
ابتسم الرجل بسخرية وهو يثبت فوهة سلاحه نحو رأسها، ثم ضغط على الزناد دون تردد.. وفي اللحظة نفسها...دفعت أسيل الجثة التي كانت تحتمي بها بكل ما أوتيت من قوة، فانطلقت نحو الرجل وارتطمت به بعنف، فأجبرته على التراجع عدة خطوات، واختل توازنه بينما انحرفت طلقاته لتخترق الهواء بعيدًا عنها.
لم تهدر أسيل تلك الفرصة.. انخفضت بسرعة، وانزلقت على ركبتيها فوق التراب، ومدت يدها تلتقط المسدس الملقى على الأرض، ثم استدارت في حركة واحدة خاطفة، ورفعت السلاح نحوه.
وقبل أن يستعيد توازنه...ضغطت على الزناد.دوّى صوت الطلقة، لتستقر الرصاصة في صدره.
اتسعت عيناه في ذهول، وارتخى سلاحه من بين أصابعه، قبل أن يهوي أرضًا بلا حراك.
ساد الصمت فجأة...ولم يعد يُسمع سوى صوت أنفاس أسيل المتسارعة، وهي تقف بصعوبة بين الجثث، وصدرها يعلو ويهبط بعنف إثر الاشتباك.
مررت ظهر يدها على جبينها تمسح حبات العرق، ثم أخذت تتأمل الرجال الممددين أمامها، محاولةً استعادة أنفاسها.
لكنها أخطأت حين ظنت أن المعركة انتهت.. دوّى صوت طلقة نارية واحدة اخترقت سكون المكان.
شعرت بحرارة حادة تمزق جسدها، ثم اندفعت الرصاصة لتستقر في كتفها، فارتجف جسدها بعنف، وانفلت المسدس من يدها ليسقط على الأرض.
اتسعت عيناها وهي تترنح إلى الخلف، قبل أن تخونها قدماها وتسقط بقوة على الإسفلت.
بدأ الدم يتسلل من موضع الإصابة، يصبغ ملابسها بلونه القاني، بينما أخذ بصرها يضطرب شيئًا فشيئًا.
ومن داخل السيارة...فتح القائد الباب ببطء، وترجل منها وهو يمسك مسدسه، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة، ثم بدأ يقترب منها بخطوات هادئة، بعدما تأكد أن رجاله الأربعة دفعوا حياتهم ثمنًا للإيقاع بها.
توقفت خطواته أمامها.. ظل ينظر إلى أسيل الممددة على الأرض، بينما كانت بقعة الدم تمتد تدريجيًا أسفل جسدها، وأنفاسها بالكاد تُسمع من شدة ضعفها.
لم يقترب مباشرة.. أبقى مسدسه مصوبًا نحوها، وانتظر بضع ثوانٍ يراقب أي حركة قد تصدر منها.
لكنها لم تتحرك.. تقدم بخطوات حذرة، حتى وقف فوقها تمامًا.
انحنى بجزعه العلوي ببطء، دون أن يُبعد إصبعه عن الزناد، ثم وضع طرفي أصابعه على جانب عنقها، يتحسس نبضها.
ظل صامتًا للحظات...حتى شعر بنبضها الخافت.
ابتعد قليلًا، ثم مرر بصره على المسدس الساقط بجوارها، فركله بقدمه إلى مسافة بعيدة، قبل أن يعيد نظره إليها.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، وهو يتمتم بصوت منخفض:
"أخيرًا..."
اعتدل في وقفته بعدما تأكد أنها فقدت وعيها تمامًا، ثم انحنى مرة أخرى، وحملها بين ذراعيه بحذر، متجنبًا الضغط على موضع إصابتها.
اتجه بها نحو سيارته، وفتح الباب الخلفي، ثم أنزلها على المقعد، وأغلق الباب بإحكام.
وقف للحظة خارج السيارة، ينظر إليها من خلال النافذة، وكأنه يتأكد للمرة الأخيرة أنها لن تستيقظ.
ثم استدار، وصعد إلى مقعد القيادة.
أدار المحرك، فانطلقت السيارة بسرعة، تاركةً خلفها الطريق الخالي، والجثث الملقاة على الإسفلت، وآثار اشتباكٍ لم يبقَ فيه أحدٌ على قيد الحياة... سوى أسيل، التي أصبحت الآن بين يديه.
وبعد دقائق...
تأوه الرجل وهو يفتح عينيه ببطء، ثم اعتدل جالسًا واضعًا يده على مؤخرة رأسه، يتألم من الضربة التي تلقاها.
رمش عدة مرات ليستعيد تركيزه، ثم التفت حوله باستغراب.
ما إن وقع بصره على سيارته المثقبة بالرصاص، وآثار الدماء المنتشرة على الإسفلت، والجثث الملقاة في أرجاء الطريق، حتى شحب وجهه بالكامل.
اتسعت عيناه، وتجمد في مكانه لثوانٍ، قبل أن يصرخ بأعلى صوته:
"يماااااااا "
ثم استدار، وانطلق يركض بأقصى سرعة مبتعدًا عن المكان، دون أن يلتفت خلفه ولو مرة واحدة.
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
فرد فارس جسده .. بينما كانت ياسمين تستند إليه وتحتضنه بحب، مستمتعة بالهدوء الذي يلف المكان.
أدار رأسه إليها، وظل يتأمل ملامحها للحظات، قبل أن يبتسم بخفة، ثم مد يده ونزع طرحتها برفق، فانسكبت خصلات شعرها على كتفيها.
شهقت ياسمين بسرعة، ورفعت يديها تغطي بهما شعرها، ثم قالت بارتباك:
"لا... حد يشوفني وأنا كده!"
ضحك فارس، وأشار بيده إلى البحر الممتد أمامهما قائلًا:
"مين هيشوفك؟ محدش هنا غيري أنا وإنتِ... والبحر."
ألقت نظرة سريعة حولها، وكأنها تتأكد بنفسها، ثم قالت بتردد:
"طب افرض حد عدى من هنا؟"
رمش عدة مرات، ثم عقد حاجبيه وقال باستنكارٍ ممزوج بالمرح:
"حد عدى؟! هو إحنا قاعدين على قهوة؟"
ضحكت بخجل، بينما جذبها إليه أكثر، وأخذ يداعب خصلات شعرها الناعمة التي كانت تتحرك مع نسمات البحر، ثم قال بصوتٍ دافئ:
"أنا أصلًا ميرضينيش حد يشوفك بالشكل ده... لكن دلوقتي إحنا لوحدنا."
ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها، ثم أومأت برأسها في هدوء، وأراحت رأسها على صدره، تستمع إلى دقات قلبه، بينما كانت عيناها معلقتين بزرقة البحر الممتدة أمامها.
حتى الآن...لم تستوعب أنها تعيش اللحظات التي كانت تحلم بها يومًا.
قطع هدوء المكان رنين هاتفها.. مدت يدها لتلتقطه، لكن فارس كان أسرع منها، فأخذه أولًا.
ما إن وقعت عيناه على اسم المتصل...نادين.
ضاقت ملامحه للحظة.. كان يعلم سبب اتصالها.. بالتأكيد تريد إخبار ياسمين بما فعله نور بزوجها وابنتها.
مدت ياسمين يدها نحوه لتأخذ الهاتف، لكنه قال قبل أن تجيب:
"مش إحنا اتفقنا إن التليفونات تتقفل النهارده؟"
عضّت على شفتيها بخجل، وقالت معتذرة:
"آسفة... نسيت."
أشاح فارس وجهه عنها متظاهرًا بالحزن، ثم قال بنبرة طفولية:
"لو نادين دلوقتي أهم مني... ردي عليها."
نظرت إليه لثوانٍ، ثم إلى الهاتف، قبل أن تبتسم وهي تهز رأسها قائلة:
"طبعًا... مفيش حد أهم منك."
ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيه.. أغلق الهاتف تمامًا، ثم ألقاه برفق فوق المنشفة بعيدًا عنهما، وعاد يضمها إلى صدره قائلًا:
"يبقى خلاص... انسِي أي حاجة، وركزي معايا أنا وبس."
ضحكت وهي تهز رأسها، ثم احتضنته بقوة أكبر، وأغمضت عينيها، مستسلمة لذلك السلام الذي كانت تشعر به بين ذراعيه.
وفي تلك الأثناء...داخل المستشفى...كان حكيم يحاول الاتصال بفارس للمرة التي لا يعلم عددها، لكن الهاتف ظل مغلقًا في كل مرة.
أنزل الهاتف ببطء، وزفر بضيق، وقد ارتسم القلق بوضوح على ملامحه.
كان مؤمن يقف إلى جواره، يراقب محاولاته الفاشلة، ثم قال بقلق امتزج بالحزن:
"طيب... مينفعش جلسة الكيماوي تتأجل لحد ما يرجع؟"
أغمض حكيم عينيه للحظة، ثم قال بصوتٍ حزين:
"في الحالات المتأخرة زيه... الالتزام بمواعيد جلسات الكيماوي أهم من العلاج نفسه. أي تأخير ممكن يأثر عليه بشكل كبير."
ساد الصمت بينهما.. ظل مؤمن شاردًا لثوانٍ، ثم رفع رأسه وقال بحزم:
"هحاول أوصل له بأي طريقة... واقنعه يرجع في أسرع وقت."
أومأ حكيم بصمت، لكن القلق الذي كان يملأ عينيه أوضح أن الوقت... لم يعد في صالح فارس...
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان الرجل يجلس على مقعده الجلدي، يهتز ببطء إلى الأمام والخلف، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، بينما تتصاعد خيوط دخان سيجارته الكثيفة حول وجهه.
بدت ملامحه جامدة، لكنها كانت تحمل لقسوة... كان ينتظر عودة رجاله...وينتظر معهم خبرًا واحدًا.. نجاح المهمة.
قطع الصمت صوت طرقات هادئة على الباب.. لم يرفع رأسه، واكتفى بأن قال بصوته الخشن:
"ادخل."
انفتح الباب، ودخل أحد رجاله، مطأطئ الرأس باحترام، وهو يحمل صندوقًا أسود متوسط الحجم بين يديه.
توقف أمام المكتب في صمت.. نفث الرجل دخان سيجارته ببطء، ثم رمقه بطرف عينه، قبل أن ينتقل ببصره إلى الصندوق.
وقال ببرود:
"إيه ده؟"
أجاب الرجل بسرعة:
"لقينا الصندوق ده قدام الباب يا باشا."
رفع حاجبًا واحدًا، ثم قال بنبرة باردة تحمل توبيخًا:
"وأنت أي حاجة تلاقيها قدام الباب تجيبهالي؟... افرض كانت قنبلة؟ كنت هتنسفني بيها؟"
ارتبك الرجل، وانخفض رأسه أكثر وهو يقول بخوف:
"العفو يا باشا... لكن حضرتك بنفسك نبهت علينا إن أي حاجة توصلك الفترة دي لازم تتعرض عليك الأول."
ظل يحدق فيه لثوانٍ طويلة، حتى ازداد توتر الرجل، قبل أن يشير إليه بإصبعه قائلًا:
"افتحه."
ابتلع الرجل ريقه، ثم وضع الصندوق فوق المكتب.. رفع الغطاء ببطء...وما إن نظر إلى داخله، حتى اتسعت عيناه، وتراجع خطوة إلى الخلف دون إرادة.
لم تتغير ملامحه البارده ثم قال:
"إيه اللي جواه؟"
ابتلع ريقه مرة أخرى، ثم دفع الصندوق نحوه بيدين مرتجفتين وقال بصوت خافت:
"...راس جون."
توقفت السيجارة بين أصابع الرجل للحظة.. أنزل بصره إلى داخل الصندوق...فوجد رأس جون، قائد المجموعة التي أرسلها للقضاء على أسيل.
كانت عيناه مفتوحتين في اتساع، وكأن الرعب ظل عالقًا به حتى بعد موته.. إلى جوار الرأس...استقرت بطاقة سوداء صغيرة.
مد الرجل يده إليها بهدوء، والتقطها، ثم فتحها.. في منتصفها...
كانت علامة × حمراء مرسومة بطلاءٍ قانٍ، وأسفلها كُتبت عبارة قصيرة بخط واضح:
"أنا... الكوبرا."
لم يظهر على وجه الرجل أي انفعال، لكن قبضته انطبقت ببطء على البطاقة، حتى تجعدت بين أصابعه...
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
جلس مجدي خلف مكتبه، وأمامَه أكوام من الملفات والصور المبعثرة، بينما كان ضوء المصباح الأصفر ينعكس على الأوراق التي لم يفارقها منذ ساعات.
التقط كوب القهوة، وارتشف منه عدة رشفات متتالية، ثم أعاده إلى الطاولة وهو يزفر ببطء، قبل أن يعيد تركيزه إلى ملف القضية.
كانت أمامه صور عباس، وأسماء أقاربه، وتقارير الطب الشرعي، إلى جانب الورقة التي تركها المجرم.
مرر بصره فوق الكلمات مرةً أخرى، وكأنه يحاول انتزاع معناها بالقوة.
«ليس كل ما دُفن انتهى...»
ثم انتقلت عيناه إلى السطر الثاني.
«وبكت سماء نزفي تحت القمر.»
وأخيرًا...3 + 3
عقد حاجبيه، وأسند مرفقيه إلى المكتب، ثم شبك أصابعه أمام فمه، وقد بدأ عقله يدور في دوامة من الاحتمالات.
تمتم بصوتٍ خافت:
"أكيد ليها معنى... بس إيه هو؟"
وقبل أن يواصل التفكير...قطع الصمت صوت ارتطامٍ خافت، أعقبه احتكاك شيء بالأرض في الخارج.. رفع رأسه ببطء.. ظل ينصت لثوانٍ.
ساد الصمت من جديد.. نظر حوله باستغراب.. فهو يعلم جيدًا أنه بمفرده داخل المنزل في تلك الساعة المتأخرة.
نهض من مقعده، والتقط مسدسه بحذر، ثم اتجه نحو الباب وفتحه ببطء.. ألقى نظرة طويلة في الممر.
كان خاليًا.. لا أحد.. خرج عدة خطوات، وأخذ يتفقد المكان بعينيه، ثم عاد وهو يهز رأسه ساخرًا من نفسه.
مد يده إلى المقبض، وكاد يغلق الباب.... لكن صوتًا جديدًا دوى فوق رأسه.. هذه المرة كان أوضح.. صوت ارتطام أعقبه احتكاك خفيف، صادر من الطابق العلوي.
تجمد في مكانه.. ثم قبض على مسدسه بإحكام، وبدأ يصعد الدرج ببطء، بينما كانت خطواته تتردد في المكان الخالي.
وصل إلى الباب.. وقف أمامه للحظة، وأخذ نفسًا عميقًا.. ثم دفعه بقوة.. اندفع الباب ليرتطم بالحائط.. رفع مسدسه بسرعة، وأخذ يمسح الغرفة بعينيه...
لكن...لم يجد سوى قطة سوداء تقف في منتصف الغرفة، تلعق إحدى قدميها بهدوء، وكأنها لم تشعر باقتحامه للمكان.
ظل يحدق بها لثوانٍ.. ثم أرخى ذراعه قليلًا، وزفر براحة وهو يبتسم بسخرية.. ووضع يده على خصره قائلًا:
"قطة؟... وأنا اللي افتكرت حرامي..... "
ولم يكمل جملته.. شعر فجأة بألمٍ حارق يمزق ظهره.. اتسعت عيناه، وتيبس جسده في مكانه.. نظر إلى أسفل...فرأى طرف نصلٍ حاد قد خرج من صدره، تقطر منه الدماء.
خرجت شهقة مكتومة من بين شفتيه، بينما اندفعت الدماء من فمه، وسقطت قطرات منها على الأرض.
ارتجفت يده، وانفلت المسدس من بين أصابعه، ليرتطم بالأرض بصوتٍ مكتوم.
بصعوبة...استدار إلى الخلف.. كانت أنفاسه تتقطع، ورؤيته تزداد ضبابية.
وما إن وقعت عيناه عليها...حتى اتسعتا في صدمةٍ امتزجت بعدم التصديق.. كانت تقف أمامه بهدوء.
وعلى شفتيها ابتسامة باردة، بينما كانت عيناها تلمعان بنظرةٍ شيطانية مخيفة.
أمالت رأسها قليلًا إلى
الفصل الرابع والعشرون
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
فتح عصام الباب بعنف، ودلف إلى الداخل بخطواتٍ واثقة، بينما كانت نظراته الملتهبة تستقر على معتز .
وبإشارةٍ واحدة من يده، اندفع أحد رجاله نحو معتز، ووجه إليه ضربةً قوية أسقطته على ركبتيه.
كان جسده يحمل آثار التعذيب بوضوح؛ كدماتٌ داكنة غطت وجهه، وشفته المشقوقة تقطر دمًا، وأنفاسه متقطعة من شدة الضرب الذي تعرض له. ومع ذلك، لم تنكسر نظراته، ولم ينحنِ كبرياؤه.
رفع رأسه بصعوبة، وحدق في عصام بعينين تشتعلان غضبًا، ثم قال بصوتٍ أجش اختلط بالألم، لكنه لم يفقد حدته:
"أقسم بالله العظيم... لو ما قلتليش هي فين، لأقلب الدنيا فوق دماغك. وساعتها محدش هيعرف يحميك... ولا حتى شوية الكلاب اللي مستخبي وراهم، يا جبان."
ظل عصام يتأمله في صمتٍ بارد، وكأن كلماته لم تمس فيه شيئًا. ثم تقدم خطوةً أخرى، وأشار بعينيه إلى أحد رجاله.
فهم الرجل الإشارة فورًا، فأمسك بمعتز من ذراعيه بعنف، وأجبراه على الوقوف. ترنح جسده المنهك، وكادت ساقاه تخذلانه من شدة ما تعرض له، لكنه قاوم بكل ما تبقى لديه من قوة حتى استقام واقفًا.
اقترب عصام منه أكثر، حتى لم تعد تفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة، وثبت بصره داخل عينيه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة شيطانية باردة.. قال بنبرةٍ امتلأت بالسخرية والشماتة:
"عايز تعرف مكانها ليه... وأنت أصلًا مش هتبقى عايش عشان تنقذها"
اشتعل الغضب في عيني معتز، وهمَّ أن يجيبه، لكن الكلمات تجمدت على شفتيه فجأة.
اتسعت عيناه في صدمة، وانقطع نفسه عندما شعر بشيءٍ حاد يخترق بطنه.
أنزل بصره ببطء، فرأى مقبض سكينٍ مغروسًا في جسده... بينما كانت يد عصام ما تزال تقبض عليه.
تجمد للحظة من هول المفاجأة، قبل أن ينتزع عصام السكين بعنف.
مزق الألم أحشاءه، وانطلق صراخه المدوي ليرتطم بجدران المكان، بينما اندفعت الدماء بغزارة من الجرح، وصبغت ملابسه والأرض تحته.
اهتز جسده بعنف، وشعر بأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله. فانهار على الأرض، واضعًا كلتا يديه فوق جرحه محاولًا إيقاف النزيف، بينما كانت ملامحه تنقبض بقسوة، وشفتيه ترتجفان من شدة الألم، وأنفاسه تخرج متقطعة ومتسارعة.
انحنى عصام بجزعه العلوي نحوه، وحدق فيه بعينين امتلأتا بالحقد، ثم قال بصوتٍ منخفض مليئ بالخبث :
"دي نهاية اللي يفكر يلعب معايا... هتموت هنا، وجثتك هتتعفن في المكان ده، ومحدش هيعرف يوصلك."
ثم اتسعت ابتسامته الساخرة وهو يضيف بتشفٍّ:
"ومتقلقش... حبيبة قلبك هتحصلك قريب."
اشتعلت عينا معتز بجنونٍ مرعب، وانغرست أنامله في الأرض من شدة الغضب. وبكل ما تبقى لديه من قوة، اندفع فجأة وأمسك بعصام من عنقه، وضغط عليه بعنف، حتى برزت عروق يده.
وقال من بين أسنانه:
"لو قربت منها... هطلع روحك بإيدي."
اتسعت عينا عصام، وراح يحاول انتزاع يد معتز عن عنقه، بينما بدأ وجهه يحمر، وأنفاسه تختنق شيئًا فشيئًا.
لكن أحد رجاله اندفع بسرعة، ووجه ضربةً قوية إلى موضع الطعنة.
شهق معتز شهقةً موجوعة، واتسعت عيناه بقوة، قبل أن تنفلت يداه من عنق عصام رغماً عنه.
انحنى على نفسه وهو يطلق صرخةً ممزقة، وضغط بكلتا يديه على جرحه، بينما التف جسده من شدة الألم حتى كاد يفقد وعيه.
تراجع عصام عدة خطوات وهو يلهث بعنف، واضعًا يده على عنقه، يحاول التقاط أنفاسه التي كادت تنقطع.
ثم رمق معتز بنظرةٍ مشتعلة بالغضب والوعيد، واستدار مغادرًا.
تبعه رجاله، وأغلقوا الباب الحديدي بإحكام، ثم أوصدوه بالقفل، قبل أن يغادروا المكان، لتتعالى بعد لحظات أصوات محركات سياراتهم وهي تبتعد تدريجيًا، حتى ابتلعها الصمت.
ساد المكان هدوءٌ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أنفاس معتز المتقطعة.
رفع رأسه بصعوبة نحو الباب المغلق، بينما بدأت الرؤية أمام عينيه تتلاشى شيئًا فشيئًا، وشعر بأن الحياة تنسحب من جسده مع كل قطرة دم تسقط على الأرض.
غرس كفيه المرتجفتين في الأرض، وحاول النهوض بصعوبة بالغة. ارتجفت ذراعاه تحت ثقل جسده، لكنه أجبر نفسه على الوقوف، وأسند ظهره إلى الحائط قبل أن يسقط .
وضع إحدى يديه على الجرح النازف، بينما استند بالأخرى إلى الحائط، وأخذ يجر قدميه بخطواتٍ بطيئة ومترنحة، وكل خطوة كانت أشبه بطعنةٍ جديدة تمزق أحشاءه.
لكن جسده المنهك لم يعد قادرًا على المقاومة.. خارت قواه فجأة، وخانته ساقاه، فسقط بقوة على الأرض.
ارتطم جسده بالارض الباردة، وانطلقت من بين شفتيه آهةٌ مكتومة، بينما أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بعنف.
أصبحت رؤيته ضبابية، وبدأت جفونه تثقل تدريجياً، حتى أخذت عيناه تنغلقان ببطء... بينما كانت الدماء تواصل الزحف من جرحه......
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
ركنت تقي سيارتها على جانب الطريق، وأغلقت الباب خلفها، ثم استدارت لتتابع طريقها، لكنها انتفضت في مكانها عندما وجدت مهران يقف أمامها فجأة.
شهقت بخفة، ووضعت كفها فوق صدرها تتحسس نبضات قلبها التي تسارعت من الفزع، ثم رمقته بنظرة مستاءة وقالت بحدة:
"الله يخرب بيتك! إنت بتطلعلي منين يا جدع إنت؟!"
لم يبدُ عليه أي ارتباك، بل بقي يتأملها بابتسامة هادئة، وكأن انفعالها لم يكن سوى مشهدٍ يحفظه عن ظهر قلب. كانت عيناه تستقران على ملامحها بحنانٍ صادق، قبل أن يقول بنبرة واثقة امتزجت بالمزاح:
"ستجدينني أمامك أينما ذهبتِ، عزيزتي. ولن أتركك وشأنك إلا بعدما تصبحي زوجتي... وقتها سترينني أمامك طوال الوقت."
أطلقت زفرة طويلة، وأمالت رأسها إلى الخلف في نفاد صبر، ثم هزت رأسها وهي تتمتم بضيق:
"ياختييي... أنا أقولها لك بكام لغة عشان تفهم؟ أنا مش عايزاك، ومش هتجوزك. ارجع بلدك يا حبيبي، هناك أريح لك."
ما إن نطقت بكلمة "يا حبيبي" حتى اتسعت ابتسامته تلقائيًا، ووضع يده فوق قلبه في حركة مسرحية، وكأنه تلقى أعظم اعتراف في حياته.
وقال بسعادةٍ لم يحاول إخفاءها:
"حبيبي... مجرد خروجها من بين شفتيكِ كانت كافية لتذيب قلبي."
رمشت عدة مرات، ثم نظرت إليه وكأنها تشك في سلامة قواه العقلية، قبل أن تهتف باستنكار:
"هو ده كل اللي فهمته من كلامي؟!"
تنهد بخفة، واختفت ملامح المزاح من وجهه، ليحل محلها شيء من الجدية.. ثم قال بهدوء:
"بل أنتِ من لا تفهمينني. أخبريني... كم لغة يجب أن أحدثك بها حتى تصدقي حبي، وتمنحيني فرصة واحدة فقط؟"
أدارت عينيها في ملل، وصرفت بصرها عنه وهي تزفر بضيق، لكن فجأة لمع بريق المكر في عينيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة بعدما خطرت لها فكرة.
التفتت إليه مجددًا وقالت بنبرة متحدية:
"طيب... اسمع بقى. هديك اختبار، ولو نجحت فيه... ساعتها ممكن أفكر في الموضوع...و اديك فرصة."
أضاء الحماس وجهه على الفور، حتى كاد يخطو نحوها من فرط لهفته، وقال بسرعة:
"موافق... ومستعد أن أفعل أي شيء."
عقدت ذراعيها أمام صدرها، ورفعت حاجبًا وهي ترسم ابتسامة واثقة:
"ما تستعجلش أوي. المطلوب بسيط... هتقول كلمة بحبك بكل لغات العالم. ولو وقعت في لغة واحدة بس، أو معرفتش تكمل... يبقى من النهارده ما أشوفش وشك هنا تاني."
ساد الصمت لثوانٍ.
راقبت ملامحه في ترقب، ولاحظت الدهشة العابرة التي ارتسمت على وجهه، فازدادت ثقتها بأنها وضعت أمامه مهمة مستحيلة.
ابتسمت بانتصار، ولوحت بيدها في استخفاف وهي تقول:
"شوفت؟ خسرت قبل ما تبدأ... يلا بقى، ابعد عني."
واستدارت لتغادر، معتقدة أنها تخلصت منه أخيرًا.. لكنها لم تكمل خطوتها.
شعرت بيده تمسك معصمها برفق، فاستدارت نحوه على الفور، إلا أنه جذبها نحوه بخفة، حتى استند ظهرها إلى باب سيارتها.
تجمدت في مكانها.
وقف أمامها على مسافة قصيرة، لم تكن تفصل بينهما سوى أنفاسهما. رفعت رأسها إليه دون قصد، فالتقت عيناها بعينيه الخضراوين اللتين كانتا تلمعان بهدوءٍ غريب.
للحظة... نسيت أن تتحدث.
تسارعت دقات قلبها دون أن تعرف السبب، وشعرت بحرارةٍ خفيفة تتسلل إلى وجنتيها. ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما ارتفع صدرها وهبط مع أنفاسها المتلاحقة، وحاولت أن تبدو ثابتة، رغم الارتباك الذي بدأ يتسلل إليها.
أما هو، فاكتفى بالنظر إليها لثوانٍ، ثم أرخى قبضته عن معصمها، وتراجع خطوة إلى الخلف، تاركًا لها مساحتها كاملة، قبل أن يقول بابتسامة واثقة:
"بأي لغة تريدينني أن أبدأ؟"
راقبته تقي للحظات بصمت، وكأنها تحاول استيعاب أنه أخذ تحديها على محمل الجد فعلًا. لم تتوقع أن يوافق بهذه السرعة، ولا أن تبدو عليه تلك الثقة الغريبة.
تبدلت ملامحها سريعًا، وحلّ التحدي محل الدهشة، فرفعت حاجبها قليلًا وقالت بنبرة ساخرة:
"نبدأ بالسهل عشان تتحمس بس... وريني بقى هتعملها إزاي. أول حاجة بالفصحى... وبالإيطالية بلدك."
هز مهران رأسه بابتسامة واسعة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة، ثم قال بثقة:
"بالفصحى نقول أحبك... وبالإيطالية نقول Ti amo."
راقبته تقي للحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة تحمل مكرًا واضحًا:
"طيب... قولها بالهندي. بس استنى، هفتح تليفوني عشان أتأكد إذا كنت بتقول صح ولا بتألف."
أخرجت هاتفها سريعًا، وفتحت أحد التطبيقات، ثم رفعت عينيها إليه منتظرة إجابته.
ساد صمت قصير.. راقبته وهي تحاول قراءة أي علامة تفضح تردده، وحين طال سكوته للحظات، لمعت عيناها بانتصار، وفتحت فمها لتعلن فوزه عليها... لكنه سبقها قائلًا بهدوء:
"Main tumse pyar karta hoon."
توقفت الكلمات عند شفتيها.. اتسعت عيناها بدهشة، ثم أسرعت تنقل بصرها بينه وبين شاشة هاتفها، لتتأكد من النطق... وكانت الصدمة أنه كان صحيحًا.
ظهرت على وجه مهران ابتسامة أكثر اتساعًا وهو يلاحظ دهشتها، بينما ضغطت تقي على شفتيها بضيق.
مستحيل أن تجعله يفوز بهذه السهولة.. رفعت رأسها من جديد وقالت بتحدٍ:
"الفرنسية."
أجاب دون تردد:
ـ "Je t'aime."
ـ "الإسبانية."
ـ "Te amo."
ـ "البرتغالية."
ـ "Eu te amo."
ـ "الألمانية."
ـ "Ich liebe dich."
ـ "التركية."
ـ "Seni seviyorum."
ـ "الروسية."
ـ "Я тебя люблю."
ـ "اليونانية."
ـ "S'agapo."
ـ "الصينية."
ـ "我爱你."
كانت كل إجابة تزيد دهشتها أكثر.. في البداية كانت تتعامل مع الأمر كلعبة، لكنها بدأت تشعر بالقلق حين أدركت أن مهران لا يخطئ ولو مرة واحدة. حاولت أن تحافظ على ثباتها، ثم هزت رأسها وكأنها ترفض الاعتراف باستسلامها.
قالت بسرعة:
ـ "اليابانية."
رد عليها ببساطة:
ـ "愛してる."
تجمدت للحظة.. ثم قالت:
ـ "الكورية."
ـ "사랑해."
ضيقت عينيها قليلًا، وكأنها تبحث عن لغة أخيرة تنقذها.
ـ "الفارسية."
ابتسم مهران وأجاب:
ـ "Dooset daram."
خفضت تقي هاتفها ببطء.
لقد انتهى الأمر... لم تجد ثغرة واحدة.. وقف مهران أمامها، يراقب صمتها بابتسامة هادئة، ثم قال بصوت منخفض يحمل كل صدقه:
"ولو كانت هناك ألف لغة أخرى... لتعلمتها كلها، فقط لأقول لكِ كلمة واحدة... أحبك."
تراجعت تقي خطوة إلى الخلف دون أن تشعر، وكأن كلماته أربكتها أكثر من كل الإجابات السابقة.
أما هو، فوضع يده في جيب بنطاله، وظل محتفظًا بتلك الثقة الهادئة وهو يقول:
"أظن أنكِ الآن ستمنحينني الفرصة التي وعدتِني بها... وأنا أعرفك جيدًا، عندما تعطين كلمة فإنكِ تلتزمين بها، أليس كذلك؟"
بقيت صامتة للحظات، تراقب عينيه اللتين كانتا تحملان إصرارًا لا يشبه إصرار أي شخص آخر قابلته.. ثم قالت بتردد لم تستطع إخفاءه:
"أنت تعرف عني إيه عشان تحبني وتبقى متمسك بيا بالشكل ده؟"
تغيرت ملامحه قليلًا، وكأن سؤالها أعاده إلى شيء أعمق من المزاح.. قال بهدوء:
"أعرف عنكِ الكثير... أعرف الأشياء التي تحبينها وتلك التي تكرهينها. أحفظ ملامحك، تفاصيلك، طريقة حديثك... حتى ضحكتك أصبحت أعرفها. أنا مغرم بكل شيء يخصك."
سكتت تقي، وبقيت تنظر إليه بدهشة حقيقية.
كيف استطاع أن يعرف عنها كل هذا، بينما هي لا تعرف عنه سوى اسمه وبعض كلماته. قالت بصراحة:
"بس أنا معرفش عنك أي حاجة."
ظهرت في عينيه لمحة عتاب، لكنه حافظ على هدوئه:
"لأنكِ لم تفتحي لي أي باب لأخبرك عن نفسي... لم تمنحيني فرصة لتعرفيني، أو لتري مدى حبي وتمسكي بكِ. أرجوكِ... أعطيني فرصة واحدة فقط. ربما يتغير كل شيء بيننا."
توقف قليلًا، ثم أكمل بجدية:
"وبعدها، إذا لم ترتاحي لي، وإذا بقي رفضك كما هو...سأتركك وأعود إلى بلدي. هذا وعد مني."
للمرة الأولى، لم تجد تقي ردًا ساخرًا.. شعرت بشيء بداخلها يدفعها لتصديقه، رغم أنها لم تكن مستعدة للاعتراف بذلك.
خفضت نظرها قليلًا، ثم قالت:
"عاداتنا في مصر مختلفة عن بلدك... مينفعش نخرج ونتقابل كده، ومفيش بينا أي حاجة."
ما إن سمع كلماتها حتى أضاءت ملامحه بشيء من الفرح، فقد كانت تلك أول مرة لا ترفضه فيها مباشرة.
قال بابتسامة ممتنة:
"أعلم ذلك. حددي موعدًا مع والدك، وسأذهب إليه وأطلبك منه. ستكون فترة الخطوبة فرصة لنتعرف على بعضنا أكثر، وبعدها إذا وثقتِ بي نتزوج."
ثم أضاف بهدوء:
"وإذا لم يحدث ذلك، فلا بأس... يكفيني أنكِ منحتِني فرصة."
هزت رأسها بالموافقة:
"تمام... هبعتلك عنوان بيتنا."
قاطعها بابتسامة صغيرة:
"أعرفه جيدًا... أنتِ فقط حددي الموعد."
نظرت إليه باستغراب للحظة، ثم قالت:
"هتكلم مع بابا وأحدد معاد وأبلغك."
مدت هاتفها نحوه:
"اكتبلي رقمك."
أخذ مهران الهاتف منها، وكانت الفرحة واضحة على وجهه لدرجة أنها لم تستطع منع نفسها من مراقبته.
نظرت له ومن الساعدة التي ظهرت عليه فقط لانها اعطته فرصه.. اذا كيف ستكون فرحته إن وافقت علي الزواج.. هل هو لهذه الدرجة يحبها.
أنهى كتابة رقمه وأعاد الهاتف إليها.. نظرت إليه قليلًا، ثم قالت بنبرة تحذير خفيفة:
"من دلوقتي لحد ما أرن عليك... مش عايزة أشوفك، وإلا هغير رأيي."
ضحك بهدوء ورفع يديه باستسلام:
"حسنًا، لن أفعل. سأبتعد حتى تتصلي بي... لكن لا تتأخري عليّ."
نظرت إليه للحظة، ثم استدارت وغادرت لتكمل ما جاءت من أجله.
ظل واقفًا مكانه يتابع ابتعادها، حتى اختفت من أمامه... وفجأة، لم يستطع السيطرة على فرحته.
رفع يده في الهواء، وبدأ يرقص بحماس وهو يغني بسعادة، غير قادر على تصديق أنها وافقت أخيرًا على منحه فرصة.
لكن فرحته توقفت فجأة عندما لاحظ نظرات الناس حوله.
تجمد مكانه، ثم تذكر أن ما يفعله قد يكون طبيعيًا في إيطاليا، لكن هنا... ربما سيظنه الجميع فقد عقله.
ابتلع إحراجه، وفرك مؤخرة رأسه وهو يطلق ضحكة خافتة.. ثم غادر المكان بخطوات سريعة، بينما بقيت ابتسامته لا تفارق وجهه..
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كانت مرام تضم بطنها بكلتا يديها. لم يتوقف النزيف، وكانت تشعر مع كل دقيقة أن قواها تتسرب منها قطرةً بعد أخرى.
اكتسى وجهها شحوبٌ قاسٍ، وغارت ملامحها حتى بدت كورقةٍ ذابلة لفظها غصنها قبل أوانها. ارتجف جسدها النحيل، وتعالت أنفاسها المتقطعة، بينما كانت آهاتها المكتومة تتحول بين الحين والآخر إلى صرخات تمزق سكون المكان.
ضمت ركبتيها إلى صدرها، وأغمضت عينيها بقوة وهي تبكي. كان الظلام يطبق عليها من كل اتجاه، حتى خُيل إليها أن شيئًا يزحف في الأركان، وأن عشرات الحشرات ستخرج من بين الشقوق لتلتهمها. حاولت أن تقنع نفسها بأنها مجرد أوهام، لكن الرعب كان أقوى من قدرتها على المقاومة.
انتفضت عندما انشق الصمت بصوت الباب وهو يُفتح.
رفعت رأسها بصعوبة، وأرهفت سمعها لوقع خطواتٍ تقترب ببطء... خطوة تلو الأخرى.
توقف القادم لثوانٍ، ثم أضاء المصباح.
اندفعت الإضاءة إلى عينيها فجأة، فأغمضتهما بسرعة، ورفعت يدها تحجب الضوء عن وجهها. احتاجت بضع لحظات حتى اعتادت عيناها السطوع، ثم أنزلت ذراعها تدريجيًا.
كان عصام يقف أمامها.. تجولت عيناه فوق هيئتها البائسة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة خلت من أي ذرة رحمة.
انهمرت دموعها وهي تقول بصوتٍ متقطع بالكاد خرج من بين شهقاتها:
"أرجوك... خرجني من هنا... أو خدني مستشفى... أنا بموت... والله ما بقيتش قادرة أستحمل... أرجوك."
انطلقت منه ضحكة ساخرة قصيره. ثم قال ببرودٍ أثار القشعريرة:
"وده بالضبط اللي أنا مستنيه... أوصلك للمرحلة اللي تتمني فيها الموت من الوجع."
أخرج يده من خلف ظهره ببطء.. تعلقت أنظار مرام بما يحمله، وسرعان ما شحب وجهها أكثر عندما رأت السكين الملطخة بالدماء.
تقدم منها بخطوات هادئة، وقال وكأنه يزف إليها خبرًا سعيدًا:
"بالمناسبة... حبيب قلبك عرف يهرب من رجّالتي، والرصاص اللي سمعتيه مكانش هو اللي أصابه."
ارتعشت شفتاها، وظهر بصيص أملٍ في عينيها. لكن ذلك الأمل لم يعش سوى لحظات.. مال برأسه قليلًا، وأكمل بابتسامة متشفية:
"أنا اللي قتلته بإيدي... والدم اللي على السكينة ده... دمه."
تجمدت ملامحها.. بدت وكأنها لم تستوعب ما سمعته.. ثم هزت رأسها بعنف، والدموع تنهمر على وجنتيها وهي تردد بصوتٍ مختنق:
"لأ... لأ... مستحيل..."
ابتسم ابتسامة واسعة، واستمتع بإنكارها قبل أن يقول:
"حصل... ومش بس مات... حبسته بعد ما خلصت عليه، زي ما حبستك هنا. هيقضي عليه الزمن، وجثته هتتعفن... ومحدش هيعرف حتى يدفنه."
انفجر صوتها وسط بكائها:
"إنت وحش... إنت مش بني آدم... حسبي الله ونعم الوكيل فيك... حسبي الله ونعم الوكيل..."
لم يبدُ عليه أي تأثر.. بل ضحك وهو يناول السكين للرجل الواقف خلفه، فأخذها الأخير وغادر بصمت.
تقدم عصام خطوة أخرى.. أما مرام، فانكمشت إلى الخلف تلقائيًا، حتى اصطدم ظهرها بالحائط، وأخذت تهز رأسها في ذعر.
راقب خوفها باستمتاع، ثم صفق بأصابعه مرة واحدة.. انفتح الباب مجددًا، ودخل أحد رجاله يحمل علبة صغيرة.
انتقلت نظراتها المرتبكة بين الرجل والعلبة، بينما أخذ عصام يفتحها بهدوء، ثم أخرج منها حقنة مجهزة.
ارتعشت شفتاها وهمست بصوتٍ مرتجف:
"إيه ده...؟ هتعمل فيَّ إيه؟"
لم يجبها.. اقترب الرجل منها، وأمسك بذراعيها بقوة، مثبتًا حركتها رغم مقاومتها اليائسة.
حاولت الإفلات، لكنها كانت أضعف من أن تقاوم. خانتها قواها، ولم تستطع سوى البكاء وهي تهز رأسها برجاء.
اقترب عصام أكثر، وغرس الإبرة في ذراعها.
شهقت بقوة، وانكمش جسدها من الألم، بينما سالت دموعها بصمت هذه المرة.
ما إن انتهى حتى نزع الحقنة، وأعادها إلى الرجل الذي خرج بها من الغرفة.
رفعت مرام يدها المرتجفة تتحسس موضع الوخز، وقلبها يخفق بعنف.
لم تكن تعلم ما الذي حُقنت به...لكن جهلها بما ينتظرها كان أشد رعبًا من الحقنة نفسها.
بقي عصام ينظر إليها لحظةً أخيرة، ثم استدار نحو الباب.
انطفأ الضوء.. وعادت العتمة تبتلع المكان من جديد.
أُغلق الباب، ودوى صوت القفل كأنه الحكم الأخير عليها.
زحفت بصعوبة فوق الأرضية الباردة، تجر جسدها المنهك حتى وصلت إلى الباب.
رفعت قبضتيها المرتجفتين، وبدأت تطرق عليهما طرقاتٍ واهنة، بينما كانت شهقاتها تسبق كلماتها:
"متسبنيش هنا... أرجوك... خرجني... هعمل أي حاجة... أي حاجة بس متسبنيش لوحدي..."
لم يجبها أحد.. خارت آخر ذرة قوة داخلها، فانزلقت ببطء حتى استلقى جسدها أسفل الباب مباشرة.
أسندت جبينها إلى الخشب البارد، وأغمضت عينيها وهي تهمس بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
"أرجوكم... خرجوني من هنا..."
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
ظلَّ معتز ممددًا في مكانه، غارقًا في بركةٍ من دمائه التي امتدت حوله حتى صبغت الأرض بلونٍ قاتم. لم يعد جسده يستجيب لشيء، ولم يبقَ سوى أنفاسٍ واهنة تتسلل من بين شفتيه، وجفنين يثقلان شيئًا فشيئًا، يقاومان الاستسلام الأخير.
وفجأة...شقَّ الصمت صوتٌ مكتوم صادر من خلف الباب.
في البداية ظنه مجرد وهمٍ صنعه عقله المنهك، لكن الصوت تكرر، هذه المرة كان أوضح... كانت هناك محاولة شديدة لفتح الباب من الخارج.
بذل جهدًا هائلًا ليرفع جفنيه. استقرت عيناه على الباب، بينما تسلل إلى قلبه خيطٌ رفيع من الأمل... ربما لم تنتهِ حياته بعد.
في الخارج، كانت مريم تدفع الباب بكل ما تملك من قوة، تحاول كسر القفل بأي وسيلة. كانت أنفاسها تتلاحق، ويداها ترتجفان من فرط التوتر، لكنها لم تتوقف.
وأخيرًا...انكسر القفل بصوتٍ حاد.
اندفع الباب إلى الداخل، فهرعت مريم بخطواتٍ متعجلة، لكن ما إن وقع بصرها على معتز حتى تجمدت في مكانها.
شحب وجهها، واتسعت عيناها بصدمة، قبل أن يخرج اسمه من بين شفتيها ممزوجًا بالخوف:
"معتز!"
أسرعت نحوه، وارتمت إلى جواره على ركبتيها، ثم وضعت يدها المرتجفة على وجنته وربتت عليها برفق، وهي تحاول أن توقظه:
"معتز... افتح عينيك... أرجوك رد عليا."
تحركت أجفانه بصعوبة، وتمكن أخيرًا من فتح عينيه قليلًا.
كانت رؤيته مشوشة، ولم يستطع تمييز ملامحها بوضوح، لكنه أدرك من صوتها أنها مريم.
انحنت نحوه أكثر، وقالت وهي تكافح دموعها:
"متخافش... إنت هتبقى كويس... أنا معاك."
بعد لحظات، دوّى وقع خطواتٍ مسرعة في المكان.
اندفع أدهم إلى الداخل، وقد ارتسم الذعر على وجهه، وهو ينادي بصوتٍ مرتفع:
"مريم!"
توقفت قدماه عندما رآها جاثيةً بجوار معتز.. أسرع إليها، ثم أمسك كتفيها يتأكد بعينيه من أنها لم تُصب بأذى.
"إنتِ كويسة؟ قلقتيني... مكالمتك خوفتني."
أشارت بيدها إلى معتز، ولم تستطع إخفاء ارتجافة صوتها وهي تقول:
" هقولك بعدين... دلوقتي لازم ننقذه بسرعة، خدنا على المستشفى... وهحكيلك كل حاجة في الطريق."
لم يضيع أدهم ثانية واحدة.. أومأ برأسه، ثم انحنى سريعًا، وساعدته مريم في رفع معتز بحذر، خشية أن يزداد نزيفه.
كان جسده متراخيًا تمامًا، ورأسه يتدلى بلا مقاومة، بينما كانت قطرات الدم تتساقط خلفهم مع كل خطوة.
أخرجاه من المكان بأقصى ما استطاعا من سرعة، ثم وضعاه في المقعد الخلفي للسيارة.
انطلقت السيارة تشق الطريق نحو أقرب مستشفى...
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
عاد لؤي إلى المول، ثم أنزل حسن برفق، وبقي ينظر إليه للحظات وقد بدأ شعورٌ ثقيل بالذنب يزحف إلى داخله.
رفع حسن رأسه إليه، وكانت عيناه الصغيرتان تلمعان بالدموع، بينما ارتجفت شفتاه وهو يقول بصوتٍ خافت امتزج بالخوف:
"هتسيبني هنا لوحدي؟... المكان ضلمة أوي... وأنا خايف."
تنهد لؤي بضيق، ووضع كلتا يديه على خصره، ثم أشاح ببصره بعيدًا كأنه يحاول التهرب من الموقف بأكمله.
عاد يرمق الصغير وقال متذمرًا:
"بص يا ابني... أنا اللي فيا مكفيني، مليش دعوة بحوارات أمك دي."
ما إن سمع حسن كلماته حتى انخفض رأسه، وبدأت دموعه تنساب في صمت، قبل أن يهمس برجاءٍ مزق قلب لؤي رغم محاولته التماسك:
"متسبنيش لوحدي... أرجوك."
أطبق لؤي على فكيه في ضيق، ثم ضرب الأرض بطرف حذائه بعصبية، وأخذ يلتفت حوله باحثًا بعينيه عن أي أثر لأسيل.
تمتم وهو يزفر بحرارة:
"طيب... أمك راحت فين؟ وهترجع إمتى؟"
هز حسن رأسه بالنفي، وعيناه لا تزالان معلقتين بالأرض.
مرر لؤي يده بين خصلات شعره في توتر، وقال بضجرٍ امتزج بالحيرة:
"وأنا المفروض أعمل إيه دلوقتي؟"
ساد الصمت للحظات...ثم توقفت سيارة سوداء غير بعيدة عنهما.
انعقد حاجباه تلقائيًا، واتجهت أنظاره نحوها في ترقب.
أما حسن، فما إن وقعت عيناه على باب السيارة حتى أضاء وجهه فجأة، وصاح بفرحة غامرة:
"ماما!"
اندفع بأقصى سرعته نحوها.. كانت أسيل قد ترجّلت للتو من السيارة، وما إن وصل إليها حتى ارتمى بين ذراعيها، يحيط خصرها الصغير بكل ما يملك من قوة، وهو يبكي:
"متسبنيش تاني... متروحيش وتسيبيني."
أغمضت أسيل عينيها للحظة.. اجتاح كتفها المصاب ألمٌ حاد كاد يفقدها توازنها، وشحب وجهها حتى بدا خاليًا من الحياة، لكن رغم ذلك... ضمته إليها بحنان، ومررت كفها المرتجفة فوق شعره.
قالت بصوتٍ متعب بالكاد سُمع:
"مش هسيبك تاني... أبدًا."
كان لؤي قد اقترب بخطواتٍ سريعة، والغضب يملأ ملامحه، فقد كان ينوي أن يواجهها على ما فعلته.
لكن...ما إن أصبح على مقربة منها حتى خمد غضبه .
وقعت عيناه على بقع الدم التي لوثت ملابسها الداكنة، ولم يكن حسن قد انتبه إليها لصغر سنه.
رفع بصره إلى وجهها، فرأى الشحوب الذي غطى ملامحها، والتنفس المتقطع، والجهد الواضح الذي تبذله حتى تبقى واقفة.
توقف أمامها مباشرة.. ابتعدت أسيل قليلًا عن حسن، ورفعت رأسها نحوه، ثم أسندت ظهرها إلى السيارة بعدما خانتها ساقاها، وقالت بابتسامة باهتة حاولت أن تخفي بها إنهاكها:
"كنت واثقة... إنك هتاخد بالك منه... لحد ما أرجع."
ظل ينظر إليها لثوانٍ، وقد تبدلت ملامحه تمامًا.. ثم خرج سؤاله دون أن يشعر:
"إنتِ كويسة؟"
انتبه حسن أخيرًا إلى شحوب والدته، فاقترب منها وهو ينظر إليها بقلق:
"مالك يا ماما؟"
حاولت أن تطمئنه، لكنها لم تستطع.. أغمضت عينيها بقوة، ووضعت يدها فوق كتفها المصاب، بينما ارتسم الألم بوضوح على وجهها.
ارتفع صوت حسن باكيًا:
"ماما... في إيه؟ ردي عليا."
حاولت أن ترفع رأسها، لكن جسدها لم يعد قادرًا على الاحتمال.. ترنحت فجأة...وفقدت وعيها.
وقبل أن يرتطم جسدها بالأرض، اندفع لؤي نحوها والتقطها بين ذراعيه.
جثا على ركبته، وربت على وجنتها بخفة، وقد تبدلت نبرة صوته تمامًا:
"أسيل... افتحي عينك... أسيل!"
تعالت شهقات حسن، وأخذ يبكي في هلع.
التفت إليه لؤي سريعًا، محاولًا تهدئته رغم القلق الذي بدأ يسيطر عليه:
"اهدى... مفيهاش حاجة... هتبقى كويسة."
لكن عينيه عادتا إلى موضع يدها.. أزاح طرف ملابسها بحذر...فتجمد مكانه.
كانت رصاصة قد اخترقت كتفها، والدماء ما زالت تنزف منها.
اتسعت عيناه في صدمة، ولم يمنح نفسه فرصة للتفكير.. حملها بين ذراعيه على الفور، ثم التفت إلى حسن وقال بحزم:
"افتح الباب بسرعة!"
أسرع حسن يفتح باب السيارة، فوضعها لؤي برفق في المقعد الخلفي، ثم جلس الصغير بجوارها، ورفع رأسها على ساقيه، وأخذ يهزها بيديه الصغيرتين وهو يقول:
"ماما... ردي عليا... بالله عليكِ ردي."
أغلق لؤي الباب بعجلة، واستقل مقعد القيادة، ثم شغّل المحرك وانطلق بأقصى سرعة نحو أقرب مستشفى، بينما كان قلبه يخفق بعنف... ولم يكن يعلم إن كان سيصل بها في الوقت المناسب أم لا...
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
وقفت ياسمين عند سور السفينة، تستقبل نسمات البحر التي كانت تعبث بخصلات شعرها، بينما وقف فارس خلفها يحتضن خصرها بذراعٍ واحدة، وأسند ذقنه برفق فوق رأسها.
ظل يتأمل الأفق الممتد أمامه في صمت،وبعد لحظات، قطع السكون بصوتٍ هادئ:
"إيه رأيك في نهاية الفيلم؟"
التفتت إليه باستغراب، وعقدت حاجبيها وهي تقول:
"نهاية الفيلم؟"
أومأ برأسه، وظلت عيناه معلقتين بالأفق:
"آه... نهاية جاك وروز... لما هو مات، وقصتهم مكملتش."
تبدلت ملامحها في الحال، وانطفأت الابتسامة التي كانت تزين وجهها.. قالت بأسى:
"وحشة أوي... أنا بكره النهايات دي. ليه واحد يمشي... والتاني يفضل طول عمره يتعذب بفراقه؟"
ثم رفعت بصرها إلى البحر، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حالمة وهي تسترسل:
"أنا بحب أي اتنين بيحبوا بعض يفضلوا مع بعض لآخر العمر... ولما ييجي وقتهم، يمشوا سوا... بعد ما يعيشوا كل لحظة كانوا بيتمنوها."
أدار فارس وجهه نحوها ببطء، وتأمل ملامحها طويلًا، قبل أن يسأل بصوتٍ خافت اختلطت فيه المرارة بالخوف:
"طيب... ولو كانت نهايتنا زيهم؟"
التفتت إليه، ولم تفهم قصده في البداية.. قالت وهي تراقب تعبيرات وجهه:
"زيهم إزاي؟... أنهي نهاية؟"
ابتلع غصته بصعوبة، ثم أجاب بعد تردد:
"الأولى..."
ظلت تنظر إليه لثوانٍ، تحاول أن تستوعب ما يقوله إليها.. ثم اتسعت عيناها ، وهمست بصوتٍ مرتجف:
"قصدك... نهاية الفيلم؟"
لم يجب.. واكتفى بالنظر إليها.. كان صمته أبلغ من أي كلمة.. شعرت بانقباضٍ حاد في صدرها، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها دون إرادة.. هزت رأسها بالنفي، وقالت بصوتٍ مخنوق:
"إنت بتهزر... صح؟"
تألم قلبه لرؤية دموعها.. أراد أن يتراجع، أن يمحو السؤال كله، فقال محاولًا التخفيف عنها:
"أنا بس بقول... افرضي إن..."
لكنها قاطعته بعصبية، وخرجت كلماتها ممزوجة ببكائها:
"لا... مش هفترض أي حاجة!"
ارتفع صوتها وهي تهز رأسها بعناد، والدموع تنهمر على وجنتيها.
"إوعى حتى تفكر تبعد عني... فاهم؟! إنت عارف أنا متعلقة بيك قد إيه؟... أنا من غيرك مش هعرف أعيش... ولا هعرف أكمل حياتي."
لم يعد يحتمل.. رفع كفيه وأحاط وجهها برفق، ثم أخذ يمسح دموعها بإبهاميه، بينما كانت عيناه تمتلئان بالدموع هو الآخر.
وفي اللحظة التالية، جذبها إلى صدره بقوة.. أغمض عينيه، وشدد ذراعيه حولها. كان صدره يضيق مع كل فكرة تمر بعقله...
كيف ستعيش إذا رحل؟
تشبثت به أكثر، وكأنها تخشى أن يختفي إن تركته للحظة.. قالت وسط بكائها:
"إوعى في يوم تبعد عني... إنت وعدتني كتير إنك هتفضل معايا... وإننا هنكمل سوا."
ازدادت قبضتها حوله، ودفنت وجهها في صدره وهي تردد برجاءٍ موجع:
"مش عايزة نهايتنا تبقى زيهم... مش عايزة."
أغمض فارس عينيه بقوة.. انسابت دمعة ساخنة على خده، فسارع إلى مسحها قبل أن تشعر بها.
ثم أبعدها عنه برفق، وأعاد ترتيب خصلات شعرها المبعثرة، وهو يرسم ابتسامة شاحبة حاول أن يخفي بها كل ما بداخله.
قال بصوتٍ حنون:
"وأنا مش هبعد عنك... كنت بس بفرض احتمال، مجرد كلام."
نظرت إليه بعتابٍ امتزج بالخوف، ثم قالت:
"مش عايزة نتكلم في الحاجات دي تاني... اتكلم معايا في أي حاجة غيرها."
اتسعت ابتسامته قليلًا، رغم الألم الذي ينهش قلبه:
"حاضر... خلاص. فكي بقى."
لكن القلق لم يفارق عينيها.. مد يده، وأزاح خصلةً من شعرها كانت الرياح تدفعها فوق وجهها، ثم قال برقة:
"اطمني... نهايتنا هتبقى زي ما بتتمني... إن شاء الله."
عادت إلى حضنه مرة أخرى، وأسندت رأسها إلى صدره، بينما بقي هو يربت على ظهرها في هدوء، يخفي ارتجافة يده بصعوبة.
وبعد دقائق، ابتعد عنها مبتسمًا وقال:
"الجو بدأ يبرد... ادخلي اعمليلنا حاجة سخنة من إيدك الحلوة دي "
أومأت برأسها في صمت.. سارت ببطء نحو الداخل، لكنها كانت تلتفت إليه بين الحين والآخر.. كان هناك شيء في عينيه لم تطمئن له.
إحساسٌ غامض ظل يلاحقها... وكأن فارس يخفي عنها حقيقةً يخشى البوح بها.. ظلت تنظر إليه حتى اختفت .
وما إن غابت عن ناظريه...حتى سقط القناع.. ارتخت كتفاه، وانحنى بجسده مستندًا إلى سور السفينة، وكأن القوة التي كان يتشبث بها طوال حديثه قد تلاشت دفعةً واحدة.
أغمض عينيه، وانسابت دموعه في صمت، دون أن يحاول إيقافها.
رفع بصره إلى السماء، وشفتيه تتحركان بدعاءٍخافت بأن يمد بعمره اكثر..
أطرق فارس برأسه، وما زال دعاؤه يهمس به بين شفتيه، قبل أن ينتفض جسده فجأة حين شعر بكفٍ تستقر فوق كتفه.
توقف الزمن بالنسبة إليه.. لم يلتفت.. كان يعرف لمسة ياسمين جيدًا... كانت دائمًا رقيقة، دافئة، تبعث في قلبه سكينةً غريبة. أما هذه اللمسة، فكانت ثقيلة، خشنة، تحمل قوة رجل وليست امرأه.
انعقد حاجباه، وتسارعت أنفاسه.. كيف...؟ لا يوجد على متن السفينة سواهما.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم استدار ببطء شديد، وكأنه يخشى رؤية ما ينتظره خلفه.
وما إن استقرت عيناه على الوجه المقابل له، حتى تجمدت ملامحه، وشحب وجهه بصورة ملحوظة.
كان هاني.
يقف أمامه بهيئته المعتادة، وعلى شفتيه ابتسامة باردة تبعث القشعريرة في الأجساد، بينما راحت عيناه تتأملانه باستمتاعٍ واضح.
قال بصوتٍ خرج أشبه بفحيح أفعى:
"إزيك يا أخويا... وحشتني."
ظل فارس يحدق فيه دون أن ينبس بحرف، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
رفع هاني بصره نحو السماء، ثم تنفس بعمق وقال بنبرةٍ هادئة أثارت الرعب في نفس فارس:
"حاسس إن الجو بدأ يتغير... مش كده؟"
دون وعي، رفع فارس رأسه إلى الأعلى.
كانت السماء الصافية قد اختفت، وحلت محلها غيومٌ سوداء كثيفة، أخذت تتجمع فوق السفينة بسرعة مخيفة، بينما اشتدت الرياح حتى راحت تعصف بثيابه وتبعثر شعره، وبدأت الأمواج ترتطم بجسم السفينة بعنف، فتأرجحت تحت قدميه.
أنزل بصره إليه من جديد.
مال هاني برأسه قليلًا، واتسعت ابتسامته وهو يقول بصوتٍ خافت حمل سمًّا قاتلًا:
"وابنك... نور... عامل إيه؟"
ارتجف جسد فارس.. ظل ينظر إليه بعدم استيعاب، بينما أخذت أنفاسه تتسارع شيئًا فشيئًا.
عاد...عاد ذلك الكابوس من جديد.. همس لنفسه بصوتٍ بالكاد سمعه:
"مستحيل... لا."
لكن هاني لم يتوقف.. بدأ يقترب منه بخطواتٍ بطيئة، وكل خطوة كان يخطوها كانت تدفع فارس للتراجع دون شعور، حتى أصبح ظهره يلامس سور السفينة، بينما كانت الرياح تزداد عنفًا، والسماء تزداد ظلمة.
وفجأة...مزق صراخٌ حاد سكون المكان.
"فاااارس!"
اتسعت عينا فارس، وانقبض قلبه بقوة حتى كاد يتوقف.. كان صوت ياسمين.
استدار في لمح البصر، وانطلق نحو باب السفينة بكل ما يملك من قوة.
لكن قبل أن يصل...دوى انفجارٌ هائل هز السفينة بأكملها.
ارتج المكان من تحته، واندفعت ألسنة اللهب من الداخل كوحشٍ مفترس، لتلتهم الممرات والأثاث وكل ما يقابلها في ثوانٍ معدودة.
تراجع فارس خطوة بفعل شدة الانفجار، ثم اندفع مرة أخرى غير عابئ بالنيران التي كانت تعترض طريقه.
صرخ بأعلى صوته، حتى بحَّ صوته من شدة الفزع:
"ياسمين!"
حاول اقتحام المدخل، لكن ألسنة اللهب كانت أعلى من أن تسمح له بالمرور، وحرارتها كادت تحرق وجهه.
مد ذراعه نحو الداخل في محاولة يائسة، ثم تراجع مرغَمًا.
أخذ يطرق الباب ويضربه بقبضتيه بعنف، وهو يصرخ بجنون:
"ياسمين!... ردي عليا!... ياسمين!"
لم يجبه أحد.. لم يسمع سوى هدير النيران وهي تزداد اشتعالًا، وصوت الأخشاب وهي تنهار في الداخل.
اهتز رأسه بعنف، وانهمرت دموعه دون أن يشعر بها، بينما أخذ يردد اسمها بصوتٍ مبحوح، وكأن مجرد سماع صوتها سيعيد إليها الحياة:
"ياسمين... بالله عليكِ ردي... ردي عليا..."
ظل فارس واقفًا أمام النيران، عاجزًا عن استيعاب الصمت الذي حلَّ فجأة.
لا صراخ...لا صوت لياسمين...ولا أي حركة تأتي من الداخل.
هز رأسه بعنف، وكأنه يرفض تصديق المشهد أمامه..
"لا... لا "
خرجت منه بصوتٍ ضعيف، بينما راحت عيناه تبحثان بجنون عن أي علامة تدل على أنها ما زالت هناك.
وفجأة...تردد خلفه صوت ضحكة... ضحكة باردة، ساخرة.
استدار فارس ببطء.. كان هاني يقف خلفه، يراقبه بابتسامة مليئة بالشماتة.
اشتعل الغضب داخل فارس، واختلط بألمه، فصرخ نحوه بصوتٍ مرتجف:
"كدب!... كل اللي بشوفه دلوقتي مش حقيقي! إنت عايز مني إيه؟! مش كفاية اللي عملته فيا زمان؟! لسه عايز تعمل فيا إيه تاني؟!"
ظل هاني ينظر إليه بهدوء مستفز، ثم أطلق زفرة طويلة وكأنه يستعيد ذكرى قديمة.. قال بصوتٍ منخفض:
"فاكر آخر حاجة قلتها لك يا فارس؟"
صمت للحظة، ثم ارتسمت ابتسامة باردة على وجهه:
"قلتلك... مش هسيبك. هقتلك... وهدمر حياتك."
خرجت من فارس ضحكة قصيرة، لكنها لم تحمل أي سعادة.. كانت ضحكة شخص أنهكه الألم حتى لم يعد يملك سوى السخرية من وجعه.. انسابت دموعه وهو يقول:
"تدمر حياتي؟..."
خفض عينيه للحظة، ثم رفعهما إليه:
"ما هي اتدمرت أصلًا."
لم يتغير تعبير هاني.. تقدم نحوه بخطواتٍ بطيئة، وصوته يزداد وضوحًا مع كل خطوة:
"وأنا مش هسيبك يا فارس... وهقتلك."
تراجع فارس للخلف، لكن سرعان ما توقف.. لم يكن هناك مكان ليتراجع إليه.. كانت ألسنة اللهب قد بدأت تنتشر حوله، تلتهم أجزاء السفينة، وتقترب منه أكثر فأكثر.
استدار للحظة نحو النار، ثم عاد ببصره إلى المكان الذي كان يقف فيه هاني...لكنه لم يكن هناك.
اختفى.. تجمد فارس في مكانه.. أخذ يبحث بعينيه في كل الاتجاهات، يحاول العثور عليه.
لا شيء.. لا أثر له.وفجأة...شعر بيدٍ تستقر على كتفه.
انتفض جسده بالكامل.. استدار بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.. اتسعت عيناه، وبدأ صدره يعلو ويهبط بعنف.
نظر حوله... النيران.... العاصفة...هاني...كل شيء كان ينهار داخل رأسه.
وعاد الصوت من جديد.. صرخات ياسمين.. كانت تصل إلى أذنيه كأنها قريبة منه، كأنها تناديه من وسط الجحيم.
هز فارس رأسه بعنف، ووضع كفيه فوق رأسه، وضغط عليهما بقوة.
لم يعد يحتمل.. كان يشعر أن العالم يدور من حوله، وأن عقله سينفجر من شدة الألم والارتباك.
صرخ بصوتٍ محطم:
"كفاية!... خلاص كفاية!... ابعد عني!"
ظل يضغط على رأسه، يحاول إسكات الأصوات التي تلاحقه.
لكنها لم تتوقف.. وفجأة.... عاد الإحساس نفسه.. يد على كتفه.. هذه المرة لم يفكر.. نفد صبره تمامًا.
استدار بعنف، وأمسك بصاحب اليد من عنقه بكل قوته، ودفعه للخلف وهو يصرخ بغضب:
"قولت خلاص كفايه"
لكن صوته اختنق فجأة.. تجمدت يداه.. توقفت أنفاسه.. لم يكن هاني.. كانت ياسمين.
اتسعت عيناه في رعب، وكأنه استيقظ من كابوسٍ مرعب.
ترك عنقها فورًا وتراجع خطوة، بينما بدأت هي تسعل بعنف، واضعة يدها على رقبتها وهي تحاول التقاط أنفاسها.
"فارس..."
خرج اسمه بصوتٍ ضعيف من فمها.
ظل ينظر إليها غير قادر على الحركة.. ثم بدأ يلتفت حوله ببطء.
لا نيران.. لا عاصفة.. لا هاني.. كانت السفينة هادئة كما كانت منذ لحظات.. كل شيء في مكانه.