
رواية جحيم ال مارينتوس الفصل السابع عشر17 بقلم سارة بركات
"لا أريدك أن تكون ذنبي الوحيد"
انتبهت لكلماته تلك واستفاقت من شرودها بما يحدث أمامها ووضعت يدها على شعرها باستيعاب وأخذت تبحث عن مكانٍ تختبئ به، ولكن قد فات الأوان إذ أحاط الرجال الذين كان يقاتلهم ديميتري المكان .. وأصبح الإثنان بالمنتصف! عقد ديميتري حاجبيه بغضب ثم توقف أمامها ليحجب عنها الرؤية يحاول ألا يراها أحد، بينما كان يراقب اقتراب هؤلاء الرجال نحوه هو وجوداء، ليقول بقوة:
- ابقي خلفي، لا تتحركي.
ازدردت ريقها بصعوبة وهي تراقب ما يحدث أمامها ... اقترب أحدٌ منه وهو يحمل سكينًا ليوقف ديميتري يده في الهواء ويضرب بقوة برأسه ليجعل الرجل يترنح ولكنه أنهى عراكهما بأنه كسر ذراعه التي كانت تحمل السكين سقط الرجل واقترب منه آخر بينما جوداء كان يقترب منها أيضًا الرجال من خلفه .. أغمضت عينيها بقوة تدعوا الله أن يمدها القوة وأن تستطيع حماية نفسها .. لتقع عينيها بعد ذلك على السكين التي وقعت من الرجل منذ ثوانٍ حيث كانت بجانب قدمها، وحينما رأت اقتراب الرجل منها انحنت والتقطتها في اللحظة التي اندفع فيها الرجل نحوها، ثم رفعت ذراعها دون تفكير وغرستها في كتفه بكل قوتها، شهقت جوداء بدهشة بسبب فعلتها تلك، لقد طعنت أحدهم! ولكنها استفاقت من صدمتها تلك حينما تراجع الرجل خطوة إلى الخلف وهو يسُبُّ بغضب ثم أمسك السكين وأخرجها من كتفه، في اللحظة نفسها اندفع الرجل بسرعة نحو جوداء لتصرخ برعب وقبل أن يتمكن من الوصول إليها أحاط ديميتري ذراعه بخصرها وجذبها إليه ليدور بها بعيدًا عن طريق الرجل ثم استدار في اللحظة ذاتها وركله بقوة في وجهه ليسقط الرجل أرضًا مُترنحًا .. ظلت جوداء بين ذراعيه للحظات تحدق في الرجل الساقط أمامها بينما كانت أنفاسها متسارعة من شدة الخوف، خفض ديميتري عينيه إليها قائلاً بحدة:
- هل أنتِ بخير؟
رفعت عينيها إليه دون استيعاب ولم تستطع سوى أن تهز رأسها ببطء، وظلت تنظر إليه بينما كان ينظر إليها بصمتٍ في المُقابل، يرمُق شعرُها الحريري الجميل كما أنه كان يُطالع هئيتها تلك يريدُ أن يُخفيها الآن بين ذراعيه عن أعين الجميع لكي لا يراها أحدٌ سواه، هدأت ملامحه الغاضبة شيئًا فشيئًا، والتقت عيناه بعينيها، وكانت نظراته مختلفة .. كان فيها شيئًا أربكها؛ شيئًا يُشبه الحنان أو ربما الخوف .. ابتلعت جوداء ريقها وظلت عيناها متعلقتين بعينيه وكأنها تحاول أن تفهم ما الذي تراه فيهما ... أما ديميتري فقد ظل يحدق بها يتأمل عينيها المرتجفتين من الخوف، وللحظة لم يعد أي منهما يسمع شيئًا لا صرخات الرجال القادمين نحوهم ولا أصوات العراك ولا حتى أنفاسهما المتسارغة فقط نظراتٌ متبادلة طويلة بما يكفي لتجعل جوداء تشعر أن هناك شيئًا مُحرمًا تفعله، شيئًا لا يحق لها أن تشعر به معه هو!! .. وفجأة استفاقت من شرودها لتُدركَ أنها كانت مُحاصرة بين ذراعيه كأنه يحتضنها، انتفضت متبعدة عنه بسرعة لتخرج من بين ذراعيه وتتراجع عدة خطوات وقد اشتعل الارتباك في وجهها وفي ذات الوقت تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها لأنه رآها بشعرها وليس ذلك فقط إن أكمام الثوب قصيرة قليلاً .. رفعت يدها إلى صدرها محاولة تهدئة أنفاسها المُتسارعة، أبعدت عنينيها عنه إذ بدأت عبراتها بالهطول بسبب شعورٌ بالذنب يتآكلها من الداخل.
أما ديميتري فظل واقفًا مكانه ينظر إليها بصمت وكأن يديه مازالتا تشعران بوجودها بينهما ... كانت لحظاتٍ قليلة جميلة سرقها منها دون أن ينتبه هو لذلك .. كانت بين ذراعيه الفتاة العنيدة التي أرهقت تفكيره واستحوذت على اهتمامه دون أن يُدرِك متى حدث ذلك، حتى أصبح خوفه عليها أقوى من أي شيءٍ آخر .. وقبل أن يستوعب ما يدور بداخله اندفع أحد الرجال نحوه صارخًا بقوة، استدار ديميتري إليه في اللحظة الأخيرة وقبل أن يمنحه فرصة للهجوم أمسك بعنقه بيدٍ واحدة ورفعه عن الأرض بينما ظلت عيناه معلقتين بجوداء التي تبكي ولم يهتم لخصمه الذي يتلوى بين يديه ويحاول الإفلات منه ولكن هيهات! كأن هُناك شيئًا ما بداخل ديميتري قد انفجر فجأة، ربما كانت دموعها! أو خوفها الظاهر في عينيها .. أو ربما تلك اللحظات القليلة التي كانت بين ذراعيه قبل قليل ولم يستطع عقله أن يتجاوزها بتلك السهولة .. شعر بالأدرينالين يندفع في عروقه بقوة واشتدت قبضته حول عنق الرجل حتى بدأ الأخير يختنق بينما زادت ملامح ديميتري قسوة وأصبحت عيناه أكثر ظلمة .. كان غاضبًا بصورة لم يعتدها هو حتى من نفسه!!
كان هُناك شيئًا بداخله يصرخ بأن يحطم المكان فوق رؤوسهم جميعًا إن لزم الأمر، فقط كي يتوقف ذلك الألم الذي يراه في عينيها .. وتلك المرة كان ديميتري يُقاتل لأجلها وليس لأجل الدفاع عن نفسه، رمى الرجل جانبًا بعنف، ثم اندفع نحو بقية الرجال يوجه ضرباته إليهم بقوة، لم يمنح أحدًا منهم أحدًا منهم فرصة لالتقاط أنفاسه وأكمل قتاله مع باقي الرجال وازدادت ضرباته شراسة كلما التفت بعينيه نحو جوداء يراها تبكي كأن دموعها أشعلت غضبًا بداخله لا يعرف كيف يخمده ولكنه لم يكن يعرف أنه هو سبب بكاءها ذلك، وحين وقعت عينا أحد الرجال على جوداء التقط ديميتري نظراته تلك وفقد آخر ذرة من هدوئه فاندفع نحوه وأمسك بوجهه بعنف ثم غرس أصابعه في عينيه ليقتلعها بلا رحمة ليسقط الرجل صارخًا من شدة الألم.
كان صدره يعلو ويهبط وهو ينظر حوله على الرجال المُلقون أرضًا يتألمون .. لم يَمُت أحدٌ منهم ولكنهم كانوا يعانون من إصاباتٍ بليغةٍ، اقترب نحو أحدٌ منهم وأمسكه من ياقته ليرفع رأسه، تقابلت عينيهما وسأله ديميتري بغضبٍ مكتوم:
- من أرسلكم؟
كانت أنفاس الرجل متقطعة حيث لم يظهرمن ملامحه شيء بسبب ضربات ديميتري القوية له وأردف بصوتٍ متقطع بالهندية:
- لا أحد.
عقد ديميتري حاجبيه بعدم فهم وأمسكه من رقبته مُكررًا سؤاله ولكن بصوتٍ غاضب مرتفع:
- من أرسلكم؟
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة كأن روحه ستخرج من جسده وأردف بالإنجليزية:
- السيد سايلِس إيفانوف.
وكأن ديميتري كان يعرف الإجابة مُسبقًا ولكنه فقط أراد أن يتأكد .. ألقى الرجل أرضًا من جديد، ثم استقام وعيناه تشتعلان بغضبٍ صامت .. وفي تلك اللحظة انتبه إلى صوت خطوات متسارعة قادمة من الخارج، اندفع مالك وأصدقاؤه إلى داخل القاعة وكل واحدٌ منهم يحمل سلاحًا؛ سكينًا أو عصا وبدت على وجوههم ملامح الاستعداد للقتال. لكنهم توقفوا جميعًا دفعة واحدة وهم ينظرون إلى المشهد أمامهم .. رجالٌ مُلقون أرضًىا في كل مكان وآخرون يتألمون عاجزين عن الحركة ورجلٌ واحد يقف بينهم وهو السيد ديميتري..
- سيدي هل الجميع بخير؟
ذلك ما قاله مالك بقلق وهو يقترب منه؛ ليتحدث ديميتري وقد هدأت ملامحه:
- أجل.
ثم تركه دون إضافة كلمة أخرى، وهرول خلف جوداء والتي كانت قد بدأت في الابتعاد عن قاعة الاحتفال متجهة إلى غرفتها في الوقت الذي دخل فيه الرجال لتختبئ منهم؛ بينما كانت دموعها لا تزال تنساب على وجنتيها، لم تبتعد سوى خطواتٍ قليلة لتختفي عن أنظارهم ولكنها شعرت بيده تمسك ذراعها توقفت رغمًا عنها، ثم التفتت إليه ببطء وما إن وقعت عيناها علبه حتى انتفضت محاولةً الابتعاد ..
- انتظري.
لكنها تجاهلته وحاولت الابتعاد لا تُريد أن تظهر أمامه هكذا مرة أخرى، ولكنه جذبها نحوه بعنف لترتطم بصدره، رفعت رأسها نحوه بسرعة وعينيها متسعتين من الذهول ولكن ديميتري تجاهل نظراتها تلك وأردف بقلق:
- لماذا تبكين؟
حاولت أن تبتعد عنه ولكنه كان مُمسكًا بها بقوة يمنعها من الابتعاد ...
- اتركني.
قالت تلك الكلمات بضيق وبكاء .. ولكنه تحدث مُجددًا:
- هل هُناك شيءٌ ما بكِ؟ هل قام أحدٌ بأذيتكِ؟
هزت رأسها سريعًا وأشاحت بوجهها عنه:
- لا .. لم يؤذِني أحد.
- إذًا لماذا تبكين؟
كيف تخبره أن تلك النظرة التي رأتها في عينيه والمشاعر التي شعرت بها وقتها كانوا أكثر ما أخافاها؟! كما أن وجودها بين ذراعيه من دقائق كان ذنبًا لا تعرف كيف ستتوب عنه؟! .. كيف تُخبره أنه لا يجب أن يراها بتلك الهيئة؟ ..
ابتلعت غصتها وقالت بصوتٍ مرتجف:
- عُذرًا سيد ديميتري، ولكنني أريد الذهاب إلى غرفتي.
ظل ديميتري يُحدق بها، ثم أردف قبل أن تحاول الابتعاد مُجددًا:
- جوداء.
ارتجف قلبها لمجرد سماع اسمها يخرج من بين شفتيه بنبرة الهادئة دون أي ألقاب .. رفعت عينيها إليه رُغمًا عنها لتلتقي عيناهما مُجددًا فأحاط ديميتري إحدى وجنتيها بيده الحُرة وكأنه يُحاول تهدئتها، لكنها أغمضت عينيها بسرعة وانهمرت دموعها أكثر ثم أردفت ببكاء:
- لا أريد ذلك .. هذا مُحَرَم.
ظل ديميتري يرمُقها بهدوء ولكنها استأنفت بصوتٍ مُتقطع من شدة ببكاء:
- لمساتُكَ لي مُحرمة .. كل شيءٌ يُمكن أن يكون بيننا مُحرم .. أنت مُحرَمٌ علي سيد ديميتري .. لا أريد أن يتكرر ذلك مُجددًا من فضلك..
ارتجفت شفتاها وهي تحاول حبس شهقاتها ثم تابعت:
- لا أريدُكَ أن تكون ذنبي الوحيد من فضلك .. أريدُ أن يرضى الله عني .. لا أريدُكَ أن تكون طريق الشيطان في الابتعاد عن الله عز وجل .. أنا لن أكون سوى لرُجُلٍ يخاف الله ورسوله .. لا تفعل بي ذلك من فضلك، لا أُريد أن أتلوث بعالمكم هذا .. يكفي ما أُعانيه في حهادي مع نفسي.
ظل ديميتري صامتًا لم يستطع أن يتحدث بشيء، خفف قبضته عن ذراعها ببطء، فانتزعت نفسها منه مهرولةً نحو غرفتها وبمجرد أن دلفت بداخلها أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها إليه، ثم انزلقت إلى الأرض وهي تكتم شهقاتها، كانت تبكي لأنها تعرف الحقيقة التي كانت تحاول الهرب منها منذ البداية .. كانت تُريده .. كان تُريد أن تبقى بين ذراعيه وأن تستسلم لذلك الشعور الدافيء الذي اجتاحها وألا تبتعد عنه أبدًا .. وهنا كان ذنبها الحقيقي .. أن قلبها أراد شيئًا بينما روحها وعقلها كانا يصرخان في وجهها أن تبتعد .. لأنه إثم والأصعب من ذلك كله، أنه رجلٌ ليس على دينها، وضعت كفها على فمها تكتم شهقة أخرى بينما انهمرت دموعها بلا توقف، كانت تخشى نفسها، تخشى من قلبها الذي يميلُ إليه منذ أن تقابلا، وأكثر ما يؤلمها أنها بدأت تحبه حقًا.
كان ديميتري واقفًا خارج الغرفة يستمع إلى شهقاتها المُتقطعة من خلف الباب لم يستطع أن يتركها ترحل هكذا؛ لذلك لحق بها إلى غرفتها لكنه لم يستطع أن يطرق الباب ولم يحاول الدخول، بل ظل واقفًا في مكانه صامتًا يُعيدُ وقع كلماته مُجددًا إلى ذهنه .. كلماتها التي أثقلته وشعر بالألم يجتاح قلبه، آلمه قلبه أكثر عندما زادت شهقاتها، رفع يده نحو الباب وكاد يطرقه لكنها بقيت معلقة في الهواء ثم أنزلها ببطء، كان يريد أن يطمئن عليها وأن يقول لها أي شيء ولكنه تذكر كل كلماتها له وخاصة تلك الجُملة ..
"لا أريدُكَ أن تكون ذنبي الوحيد"
أغمض ديميتري عينيه للحظة ثم أخذ نفسًا عميقًا مُدركًا أن عليه أن يحترم رغبتها تلك، ليبتعد من أمام غرفتها بقلبٍ تائِه.
في روسيا:
توقفت سيارة سايلِس أمام الفندق ليخرج منها وخرجت سيلفانا بعده بمساعدته .. كادت أن تسير لتدلف للداخل وحدها ولكنه أمسك بيدها قائلاً بهدوء:
- سنصعد سويًا.
تحركا سويًا للداخل ودخلا المصعد وبمجرد أن تحرك المصعد تحدث سايلِس بهدوء:
- سيلفانا.
التفتت برأسها نحوه بعينين شاردتين ليقول بابتسامة هادئة:
- لا أريدكِ أن تخافي مني، لا يمكنني أن أقوم بأذيتكِ، اطمئني.
أومات بهدوء وحينما توقف المصعد وفُتِحَت أبوابة اقترب منها يُقبل مقدمة رأسها وفي ذات الوقت يستنشق رائحتها .. ولكنها أردفت بهدوء:
- سايلِس.
رمقها بهدوء لتقول بإرهاق:
- أشعر أنني لستُ بخير .. سأعود لغرفتي.
أوما بابتسامة ثم تركته داخل المصعد لتخرج منه وزفرت بارتياح كأنها تحررت من قبضته ... دخلت غرفتها وألقت بنفسها على الفراش وهي تنظر لسقف الغرفة بشرود .. فتحت هاتفها لترى هل آتتها رسائلٌ خلال اليوم أم لا ولكن لم يأتِها شيء .. فتحت رسائل الدردشة بينها هي وجوداء وأرسلت إليها بعض الكلمات:
" اشتقتُ إليكِ، أوتدرين أنني بحاجتكِ كثيرًا الآن .. فقط قومي بالرد حينما تكونين مُتاحة"
ثم أغلقت سيلفانا هاتفها وعادت تنظر لسقف غرفتها بشرود .. بينما سايلِس دخل غرفته وجلس على طرف فراشه وأخذ يتصفح هاتفه لتأتيه رسالة جعلت الغضب يشتعل بداخله .. ولم تَكُن رسالة من شخصٍ عادي بل كانت من ديميتري نفسه ..
" اطمئن على رجالك الذين حاولوا قتلي اليوم، فبعضهم لن يستطيعوا المشي على أقدامهم مُجددًا، وبعضهم فقدوا أعينهم"
زمجر سايلِس بغضبٍ وألقى هاتفه جانبًا ولكن آتته رسالةٌ أخرى، ليحمله مُجددًا وكانت من ديميتري أيضًا ..
"تبقى أسبوعان فقط على مُهمتنا .. أتمنى أن تتعلم طرقًا جيدة في البقاء على قيد الحياة .. لأنني أضمنُ لك أنك لن تخرج منها حيًا"
شعر سايلِس بأن الغضب يتآكله وأرسل رسالة لأحد رجاله..
" أريده أن يموت غدًا، يجب أن لا تُخطئوا وإلا سأقتلكم جميعًا يا أوغاد"
في اليوم التالي:
كانت جوداء حبيسة غرفتها تجلس على فراشها بشرود لم تخرج منذ الأمس .. كانت فقط تؤدي فرضها وتطلب من الله العفو والمغفرة لأجل كل ماحدث بالأمس ثم تعود مُنعزلة من جديد تؤنب نفسها على مافعلته بحق نفسها .. انتبهت عندما سمعت طرقاتٍ هادئة على باب الغرفة .. وأتى إليها صوت عائشة:
- جود، لا تُقلقيني عليكِ.
ولكن جوداء لم تتحدث بل ظلت صامتة ..
- من فضلكِ جود، لا أُحب صمتكِ هذا، من فضلكِ تحدثي .. أو دعيني أدخل.
اعتدلت جوداء من فراشها واقتربت نحو الباب وقامت بفتحه بالمِفتاح .. لتظهر أمامها عائشة والتي كانت مُرتدية ثوبُ زفافها وأردفت بحزن وهي ترمق انتفاخ عينيها ..
- لماذا تبكين؟
ذلك ماقالته عائشة بحيرة منها ولكن جوداء لم تفعل شيئًا سوى أنها بكت مُجددًا حينما سمعت هذا السؤال .. ضمتها عائشة بقوة وانهارت جوداء باكية بقوةٍ بين ذراعيها .. تساءلت عائشة بقلق:
- ماذا بكِ جود؟
ولكنها لم تستطع أن تُجِبها هي فقط أرادت أن تبكي .. وبمرور بعض الوقت .. كانت جوداء جالسة فوق فراشها تنظر أمامها بشرود وبجانبها عائشة التي تربُت بهدوء على يدها ..
- أنا لا أعلم ما بكِ حقًا .. ولكنني أشعر أن الأمر له علاقة بالسيد ديميتري.
التفتت جوداء بعينيها بسرعة نحوها .. لتستأنف عائشة بابتسامة:
- لاحظتُ ذلك منذ الأمس وقت القتال .. حينما كنتُ أحاول الإتصال بمالك ليأتي بأصدقاءه ليُساعد السيد ديميتري ... لاحظتُ كم كُنتُما قريبانِ جدًا .. حتى وإن لم تكونا قريبين بالجسد بل أعينكما كانت تتحدث بشيءٍ لا يُقال.
ولكن جوداء لم تتحدث وما جعل عائشة تتأكد أن حديثها صحيحًا هو أنها رأت عبرة قد انهمرت من عين جوداء لتقول:
- حسنًا ها قد أخذتُ إجابة سؤالي .. أعلمُ أن الأمر صعبٌ للغاية ولكن اعلمي أنكِ مُحقة طالما أن الأمر في مصلحة دينكِ عزيزتي .. سيتفهم السيد ديميتري ذلك .. لأن الأمر على مايبدو أنه مُتبَادَل .. يجب أن تتمسكي بمبادئكِ ودينكِ .. لأننا لا نملك سواهُم .. وإذا كان بينكِ وبين السيد ديميتري مُستقبل فسيرتبه الله كما يريد .. دعي الأمر كله لله.
ازدادات عبرات جوداء لتضمها تلك المرة لتقول:
- شكرًا لكِ عائشة .. لقد طمأنني حديثكِ.
ربتت عائشة على ظهرها قائلة:
- عفوًا جميلتي .. والآن هيا ارتدي ملابسكِ عقد القران بعد ساعة، وأريدكِ أن تكوني بجانبي، من فضلك تجهزي بسرعة.
أومأت جوداء لتتركها عائشة وتخرج من الغرفة .. زفرت جوداء بارتياح ثم أردفت هامسة:
- أسأل الله أن يجعلني أتحمل وجوده أمامي.
اعتدلت من فراشها ولكنها شعرت بألمٍ شديدٍ تلك المرة عن ذي قبل .. صرخت بقوة وهي تضع يدها على موضع الألم، أخذت تبحث عن أدوية المسكن بصعوبة واقتربت من حقيبة يدها لتتناول حبة المسكن .. وانتظرت قليلاً لكنها لم تجد أي نتيجة لتأخذ حبةً أُخرَى محاولةً تجاهل هذا الألم .. انتظرت عدة دقائق حتى شعرت بأن الألم قل قليلاً ولكنه مازال مُلازمًا لها .. تلك المرة مختلفة عن السابقِ تمامًا .. بدَّلت ثيابها بصعوبة لترتدي الساري الأحمر وارتدت حجابها فوقه من القماش ذاته وبعدما انتهت شعرت بالإعياء بسبب الألم الذي عاد يجتاحها من جديد .. أخذت حبة مسكن ثالثة ثم خرجت من غرفتها تسير بإعياء حتى وصلت نحو مكان عقد القران بوجهٍ شاحب وجسدٍ يتصبب عرقًا، وجدت الفتيات جالسات في جهة والرجال جالسين في جهة مقابلة لهنَّ ومايفصلهم عن بضعهم هو ستارٌ رقيق بينما وضعت عائشة ساريها فوق رأسها ليُخفي ملامحها .. أشارت لها الفتيات بالجلوس بجانبهن .. لتقترب منهم جوداء بإعياءٍ واضح لتجلس بصعوبة خلف العروس .. بينما في الجهة الأُخرى الخاصة بالرجال كان ديميتري يجلس خلف مالك وبجانبه عاقد القران ووالد العروس .. كان مُرتديًا ثيابًا هندية سوداء لامعة، ويستمع للطقوس المُقدسة الخاصة بعقد القران.
أما في روسيا، دخل سايلِس وسيلفانا قاعة الإحتفالات وهو مُمسكًا بيدها، كانت ترتدي ثوبًا عاري الأكتاف لونه أحمر تاركة شعرها الأسود مُنسابًا على طول ظهرها بينما كانت تضع القليل من مساحيق التجميل في وجهها وعلى الرغم من جمالها ذلك إلا أنها كانت غير سعيدة مُطلقًا وقد قررت شيئًا واحدًا بمجرد أن تنتهي تلك الحفلة ستُنهِي كل شيءٍ بينها هي وسايلِس؛ أما بالنسبة للثاني فقد كان يرتدي حُلة سوداء تحتوي على سُترة و بنطالٌ من قماشٍ فاخر أسفل السُترة قميصٌ أبيض كما أنه كان يرتدي ربطة عنقٍ سوداء وحينما أصبحا وسط قاعة الإحتفالات التفت سايلِس حوله واتسعت ابتسامته حينما رأى صديقه يلوحُ له .. جذب سيلفانا خلفه ثم ترك يدها عندما قام بتحية صديقه ..
- سايلِس عزيزي، كيف حالك؟
تحدث سايلِس بابتسامة وهو يقوم بتحيته في المُقابل:
- مرحبًا ، كيف حالك عزيزي سيباستيان؟
- بأفضل حال.
ثم التفت سيباستيان للخلف يُنادي أحدهم ..
- عزيزتي، تقدمي.
اقتربت منه فتاةٌ في غاية الجمال وأمسك بيدها يُقبلها مُقدِمًا إياها لسايلِس.
- أُعرِفُك بحبيبتي وخطيبتي وستكون زوجتي المُستقبلية قريبًا، كيساندرا.
ابتسم سايلِس بهدوء ومد يده يُحييها:
- مباركٌ لكما آنسة كيساندرا.
- شكرًا لك سيد سايلِس.
التفت ماركو نحو الفتاة الموجودة بجانب صديقه ليقول بحيرة:
- ألن تُعرفنا سايلِس؟
التفت سايلِس برأسه نحو سيلفانا التي تشعر أنها غريبةٌ تمامًا عنهم ليقول بابتسامة هادئة:
- هذه الآنسة سيلفانا، مُساعدتي الشخصية.
ابتسم سيباستيان قائلاً وهو يُمسك بيدها يُحيِيها:
- تشرفتُ بكِ آنسة سيلفانا.
لترُد سيلفانا بهدوء:
- الشرف لي سيدي.
ثم التفتت كيساندرا نحوها بابتسامة هادئة:
- مرحبًا بكِ آنسة سيلفانا في حفل خطبتنا المتواضع.
أردفت سيلفانا بابتسامة هادئة:
- شكرًا لكِ آنسة كيساندرا، ومباركٌ لكما.
ابتسمت كيساندرا بهدوء:
- شكرًا، والعُقبى لكِ.
رمقتها سيلفانا بحيرة ولكنها وقعت عينيها على سايلِس المُنشغل بحديثه مع صديقه سيباستيان .. لتعود وترمُق كيساندرا من جديد والتي ابتسمت لها بهدوء قائلة:
- هل تريدين أن تنضمي لي ولصديقاتي؟
رمشت سيلفانا بسرعة وكادت أن تتحدث ولكن كيساندرا من سبقتها بالحديث ..
- سيد سايلِس أستأذنك في أن استعير منك الآنسة سيلفانا لدقائق .. أودُّ أن أُعرفها على أصدقائي.
ابتسم سايلِس بهدوء وقال لسيلفانا بابتسامة:
- اذهبي واستمتعي.
أومأت بهدوء وتبعت كيساندرا لترى تجمع الكثير من الفتيات حول بار مشروبات، ابتلعت سيلفانا ريقها وقامت كيساندرا بتعريفها على باقي الفتيات ثم جلست معهن ولكن عينيها تراقب سايلِس الذي يقف مع صديقه وحولهم الكثير من رجال الأعمال ولكنها استفاقت عندما أردفت كيساندرا باستفهام:
- أعلم أن العمل مع السيد سايلِس مُرهِقٌ للغاية .. إن سيباستيان لا ينفك في الحديث عنه وعن أعماله بإيطاليا وروسيا يقول أنه رجل أعمالٌ قوي.
همهمت سيلفانا وهي ترمُق سايلِس بابتسامة هادئة:
- أجل، قويٌّ وذكيٌّ حقًا.
ثم صمتت سيلفانا قليلاً لتسألها بفضولٍ قليلاً:
- كيف تقابلتي أنتِ والسيد سيباستيان؟
ظهرت ابتسامة حالمة على وجه كيساندر وهي ترمُق سيباستيان بدفء ثم أردفت وهي تعود بعينيها نحو سيلفانا التي كانت تبتسم إليها:
- تقابلنا في العمل، كنا نكره بعضنا كثيرًا ولكن بعد ذلك شعرنا أن هُناك أُلفةً بيننا.
اتسعت ابتسامة سيلفانا بهدوء لتقول:
- أنتما رائعان سويًا، حقًا.
أردفت كيساندرا بامتنان:
- شكرًا لكِ.
التفتت سيلفانا من جديد بعينيها نحو سايلِس لتنتبه على صوت كيساندرا التي أردفت بفضول:
- كيف تقابلتُما سيلفانا؟
عقدت سيلفانا حاجبيها بعدم فهم والتفتت ترمقها بحيرة لتستأنف كيساندرا بابتسامة هادئة:
- أقصد أنه على حسب ما أخبرني سيباستيان فإن سايلِس لا يُحِب النساء بشكلٍ عام .. إنه ضدهن .. أظن أن الأمر له علاقةٌ بوالدته ... على ما أعتقد أن.....
عقدت سيلفانا حاجبيها بعدم فهم من حديثها لتستأنف كيساندرا مُتذكرة:
- أجل تذكرت ... لقد تركت والده لأجل آخر عندما كان رضيعًا والأمر وقتها لم يَمُرَ مرور الكرام ..
ولكن كيساندرا صمتت عندما رأت حيرة سيلفانا تلك لتقول بحيرة:
- هل أخبركِ سايلِس بماضيه؟
أردفت سيلفانا قائلةً بغصة:
- لا أعلم شيئًا عنه.
شعرت سيلفانا بأنها تريدُ البكاء لأنها لا تعلم شيئًا عنه؛ بينما عقدت كيساندرا حاجبيها من عدم معرفتها بالأمر لتقول بحيرة:
- ألا تربطكما علاقة؟ كنت أظن أنه أخبركِ بكل شيء!
ازدردت سيلفانا ريقها بهدوء وأردفت:
- يا آنسة كيساندرا أظن أنكِ فهمتِ علاقتنا بشكلٍ خاطئ .. إنني مُساعدته الشخصية فقط كما أخبركما منذ دقائق.
همهمت كيساندرا بابتسامة مُحرَجة:
- أعتذر كثيرًا، كنتُ أظنكِ حبيبته حقًا .. أنا آسفة.
كانت سيلفانا تريد أن تعرف المزيد عنه ولماذا هو هكذا؟ شعرت بالتخبط وخاصة أنها لن تستطيع أن تسأل كيساندرا مُجددًا غبية كان يجب عليها أن تتظاهر أنها تعرف كل شيء يبدو أن سايلِس لديه الكثير من الأسرار لم تُكشَف بعد .. راقبت كيساندرا وهي تقترب من أصدقاءها تاركة إياها في حيرة من أمرها لتجد أمامها كأس كحول حملته بسرعة وارتشفته مرة واحدة بينما انهمرت عبراتها دون أن تشعر وأشارت للنادل بأن يأتِ لها بكأسٍ آخر .. ولكن ملامحها كان تحمل الاشمئزاز بسبب طعم هذا الكحول ..
في الهند:
انتهى عقد قران عائشة ومالك وبعدها بدأت الإحتفالات الجميلة وهو رقص الرجال على الأغاني الهندية الجميلة، بينما كانت جوداء تقف جانبًا بوجهٍ شاحِب وقد قَرُبَت على الإغماء تحاول أن لا تصرخ الآن بين الحضور، تقابلت عينيها مع ديميتري الذي يرمُقها بهدوء ولكنها ابتعدت بعينيها عنه بسرعة قبل أن يلاحظ شيئًا بها .. شعرت بأن الألم يزداد واستندات بهدوء على الحائط جانبها وصعدت بعض الأدراج لتستقر في الأعلى ووقفت بمنتصف الممر تحاول مُقاومة صراخها و ألمها ذلك، ثم استندت بالسور لترى انعكاسات الأضواء أمامها ضبابية .. أما ديميتري فحينما رآها شعر أنها ليست بخير ليتبعها مُتجاهلاً حديثها بالأمس، يجب أن يطمئن عليها .. وفي جهةٍ أُخرى من المبنى كان هُناك قنَّاصًا واقفًا أعلى البناية يقوم بتصويب بُندقيته نحو ديميتري الذي يصعد فوق أدراج المبنى حتى وجده قد استقر في مكانه .. كانت جوداء تحاول أن تتماسك جيدًا بينما توقف ديميتري خلفها واستند بيده على العمود الذي بجانبها ..
- آنسة جوداء.
لم تلتفت إليه بل ظلت تُعطيه ظهرها وهي تتمسك جيدًا بالسور تحاول أن تُخفي ألمها وأن لا تصرخ بالمكان ..
- ما بكِ؟ ماذا هُناك؟
ازداد تصُببها عرقًا وارتعش جسدها بالكامل كأن الموت قد زارها .. برر أنها حزينة بسبب أمس ليقول باعتذار:
- أنا آسفٌ آنسة جوداء بسبب أنني تخطيتُ حدودي بالأمس .. لن يحدث ذلك مُجددًا .. ولكنني الآن أريدُ أن أطمئن عليكِ قبل أن أعود لإيطاليا.
ظل صامتًا ينتظرها أن تلتفت نحوه، زفر بهدوء حينما لم تُجبه وكاد أن يرحل وجدها تلتفت نحوه لتُلقي نفسها بين ذراعيه بينما شددت يدها بقوة على صَدرِه .. لم يُصدق ديميتري ما تفعله! ولكنه قرر أن يستسلم لها ليُحيط ذراعيه حول خصرها ليضُمَّها بقوة، كانت قد أغلقت عينيها وقد بدأ ألمها يتلاشى شيئًا فشيئًا حتى انهار جسدها بين ذراعيه .. شعر ديميتري بمادة لزجة على يده عند خصر جوداء ليرفع يده ويتفاجأ بالدماء التي يراها أمامها .. وفجأة انتبه أن رصاصة قد أصابت العمود بجانبه وقد أتت من فوق المبنى، سحب ديميتري جوداء خلف العمود بسرعة ثم أمسك بوجهها بيده الغارقتين بالدماء وقال بخوفٍ شديدٍ:
- جوداء، أفيقي ..
ظل يُحرك وجهها بخفة وقد تلوث وجهها بالدماء محاولاً إفاقتها ولكنها لم تستفق ..
- جوداء افتحي عينيكِ، رجاءًا.
ذلك ماقاله ديميتري بعدم استيعاب، ولكنه استفاق من غيبوبة الخوف تلك؛ فعقد حاجبيه بغضب بينما تركها مُستندة إلى العمود ورمقها بهدوء للحظات، قبل أن يتركها ويتحرك بخفة نحو مصدر الطلقة متجنبًا الظهور في مرمى البُندقية، ثم رفع عينيه نحو سطح المبنى المُقابل .. لم يكُن هناك سوى الظلام لكن إنعكاسًا صغيرًا على حافة السطح كشف له مكان القناص، ضيَّقَ عينيه ليتحرك ديميتري بسرعة نحو الدرج المؤدي لأعلى المبنى بينما ظل القناص يراقبه من خلال منظار بندقيته، انطلقت رصاصة ولكنها ارتطمت بالحائط بجانبه وانخفض بجسده ثم اندفع إلى الأعلى بسرعة أكبر حتى وصل إلى سطح المبنى .. اختفى القناص في تلك اللحظة بينما أخذ ديميتري يبحث عن القناص في الظلال قبل أن يسمع صوت حركة خلفه .. استدار في اللحظة نفسها لتستقر رصاصة في كتفه حيث أطلقها القناص من مسدسٍ آخر كان يحمله .. تأوه ديميتري للحظة لكنه تجاهل جرح كتفه ثم اندفع نحو القناص واشتبك معه في قتالٍ عنيفٍ للغاية، والذي انتهى بكسره لأنف الرجل بينما غطت الدماء وجهه .. أمسك ديميتري المُسدس وأطلقه عدة طلقات متفرقة في قدم الرجل والذي صرخ بقوة حتى فقد ، ثم رمى المسدس من يده ثم عاد إلى حيث جوداء ليحملها بين ذراعيه مُتجاهلاً ألم كتفه المُصاب نزل بها على الأدراج سريعًا ولم ينتبه أحدٌ لما يحدث إذ كان الجميع منشغلون بالموسيقى العالية والرقص عليها .. اقترب ديميتري من سيارته وجعل جوداء تستقر بالمقعد الخلفي ثم جلس خلف عجلة القيادة وانطلق بسيارته بسُرعة وأثناء خروجه من تقاطع الطرق الخاص بالمنطقة فوجئ بالعديد من السيارات التي كانت تنتظره أمامه، فضغط على المكابح بقوة فتوقفت السيارة بعنف، ظل قابضًا على عجلة القيادة بينما أخذ يرمق السيارات العديدة التي تقف أمامه وعيناه تضيقان بغضب .. نظر سريعًا إلى المرآة، فرأى جوداء مُستلقية في المقعد الخلفي دون حراك ثم عاد ببصره إلى السيارات أمامه قائلاً بصوتٍ خافت ..
- اللعنة.
وفي روسيا:
شربت سيلفانا العديد من الكؤوس ولا تدري ما السبب الذي جعلها تشرب الكثير هكذا ربما بسبب شعورها بالتوتر بسبب إدراكها أنها لا تعلم عنه شيئًا، تذكرت تلك المرة التي صرخت بها في مكتبه وذكرت والدته بها .. كان غاضبًا حقًا وقتها .. لم تعلم أن هذه هي الحقيقة .. اعتدلت بسُكر لتسير بخمول قاصدةً الحمام ولكنها اصطدمت به ليُحيط ذراعيه حول جسدها ..
- ماذا بكِ؟
رمقتها بعينيها الناعستين وأردفت بابتسامة:
- لا شيء.
وضع يدها على إحدى وجنتيها ليقول سايلِس بهدوء:
- سيلفانا، هل شربتِ الكحول؟
همهمت لتستقر رأسها فوق صدره تُغمِض عينيها .. بدأت الموسيقى الهادئة حولهما وبدأ الجميع في الرقص .. فتحت عينيها من جديد وابتعدت عنه لترفع نفسها نحوه قليلاً وأحاطت عنقه بذراعيها ..
- لنرقُص سويًا.
عقد سايلِس حاجبيه بسبب تصرفاتها الغريبة تلك ..
- هيا.
اوما بهدوء ليجذبها خلفه نحو حلبة الرقص لينضما للباقين .. أحاط يده حول خصرها بينما مد اليد الأخرى لها لتُمسكها، بينما استقرت يدها الأُخرى على صدره وظلا يرمُقان يعضهما هكذا وهما صامتان .. ملامحه هادئة ولكن عينيه ماكرتان .. أما هي فقد كانت تائهة مستسلمةً تمامًا وهي مُحاصرةٌ أمامه هكذا كالقط الضعيف الذي لا ملجأ له .. شعرت بالدوار واستندت برأسها على صدره مُجددًا ولكنها رفعت رأسها إليه من جديد وأردفت قائلةً:
- أنا أكرهك كثيرًا.
رمقها سايلِس بابتسامة ..
- لا تبتسم، أنا أكرهك أكثر حينما تبتسم.
هز رأسه بيأسٍ منها .. ليقول بهدوء:
- سيلفانا، أنتِ لستِ بخير.
أومأت قائلة:
- أجل .. هُناك شيءٌ هام أريد أن أخبرك به.
تسائل بحيرة:
- ما هو؟
- أريد أن تنتهي علاقتنا سايلِس أنا لستُ سعيدة معك، ولا تقلق سأقوم بتقديم استقالتي، من فضلك احترم رغبتي تلك.
رمقها سايلِس بنظراتٍ مُظلمة ليقول بنبرة جليدية:
- يبدو أنكِ لستِ في وعيك.
انهمرت عبرة مُن مُقلتيها لتقول:
- لا، أنا أُدرك تمامًا أن تلك هي اللحظة الوحيدة التي أنا فيها بكامل وعيي سايلِس؛ فأنا لا أٌريدُك.
زادت وتيرة أنفاسه وهو يرمُقها بغضب، لتتفاجأ به قد أوقف رقصتهما .. ليقول بهدوء محاولاً إخفاء غضبه خلفه:
- افعلي ماتشائين، سيلفانا.
ظلت ترمُقه بعبراتها التي تنساب فوق وجنتيها، لتقول بابتسامة أثناء بكاءها:
- تلك النهاية إذَا؟
لكنه لم يتحدث بل ظل ينظر إليها بهدوء، ابتعدت عنه بعدم استيعاب وخرجت من القاعة بهدوء وسارت بدوارٍ في ممر المصعد .. طلبت المصعد بيدٍ مُرتجفة وظلت واقفة تنتظره بينما كانت تحاول أن تتحكم في عبراتها تلك، ووضعت يدها على موضع قلبها لأنه يؤلمها كثيرًا .. تدري جيدًا أنها تحبه كثيرًا من أعماق قلبها ولكن بعض الأشياء يجب أن لا تستمر، خرجت من شرودها عندما شعرت بيد تجذبها إلى الخلف نحو صدرٍ صلبٍ لتتفاجأ به أمامها، رفعت عينيها إليه وابتسمت بين عبراتها بينما اقترب سايلِس منها وانحنى نحوها ثم انهال على شفتيها بقبلة رقيقة ثم ابتعد بعدها بلحظات ليضع مُقدمة رأسه فوق خاصتها ..
- في كل مرةٍ أكون غاضبًا بها، لا تُصدقيني من فضلك.
هزت رأسها ببكاء لتقول:
- لا .. لا أستطيع .. أنا لستُ سعيدةً معك.
عقد سايلِس حاجبيه ليقول:
- لماذا؟
انهمرت عبراتها:
- أنا أخافُك سايلِس .. كما أنني لا أعلمُ عنك أي شيء .. أشعر أننا من عالمين مختلفين.
هز سايلِس رأسه نافيًا:
- لا تخافي مني سيلفانا، أنتِ الوحيدة التي لا يجب أن تخاف مني.
صمت الإثنان وهُما يرمقان بعضهما بهدوء ليقول سايلِس:
- للمرة الأولى لا أريدكِ أن تفعلي ما تشائين، لا أريدكِ أن ترحلي.
ارتجفت بسبب المشاعر التي اجتاحتها لتقول بصوتٍ مُرتعش:
- أنا أحبك سايلِس.
لتُقبله تلك المرة بينما كان هو مذهولاً بكلمتها تلك، ليغرقا سويًا في عالمٍ خاصٌ بنيهما، فُتِح باب المصعد ودخلا به، وصلا بعد ثوانٍ ليظهر سايلِس وهو يحملها بين ذراعيه ويقبلها بنهم ليدخل غرفتها وحينما وضعها على الفراش تقيأت سيلفانا عليه لتستفرع ما بمعدتها بالكامل على ثياب سايلِس والذي ضمَّها خوفًا عليها تاركًا إياها تفعل ماتشاء المهم أن تُصبح بخير.
في الهند:
كان ديميتري يرمُق الذين يحاصرونه بهدوءٍ شديدٍ يحاول أن يَدرُس المكان حوله، كانت هناك سيارات أخرى تقف خلفه حيث أغلق الطريق من الجهتين أخذ نفسًا عميقًا ثم أدار محرك السيارة من جديد وبدأت يده تتحرك ببطء نحو ناقل الحركة، ضغط على دواسة الوقود بقوة فانطلقت السيارة إلى الأمام بصورةٍ مُفاجئة، صرخ أحد الرجال وهو يقفز جانبًا من السيارة بينما ارتطم طرف سيارة ديميتري بإحدى السيارات الواقفة فصدر صوتٍ مدوٍ جعل الجميع يتراجعون، واستمر في القيادة محاولاً فتح طريق جيدٍ بين السيارات بينما بدأت الطلقات تنهال على السيارة من كل اتجاه .. انخفض برأسه قليلاً ثم نظر سريعًا إلى المرآة، كانت جوداء ماتزال مُستلقية في المقعد الخلفي بينما ضغط على دواسة الوقود أكثر وانحرف بالسيارة بقوة فاصطدم بإحدى السيارات التي أغلقت الطريق ودفعها إلى الجانب حتى تمكن من المرور لتتبعه باقي السيارات التي كانت خلفه، زاد سرعته وأصبح يقود بسرعة جنونية متجاهلاً الألم الذي يزداد في كتفه حيث كان الدم يتسرب من جرحه ويده تزداد ثقلاً لكنه لم يسمح لذلك أن يشتت انتباهه، لمح منعطفًا ضيقًا أمامه فأدار المقود فجاة لتنحرف السيارة إلى شارع جانبيٍ ضيق بينما حاولت السيارات التي خلفه اللحاق به، لكنه كان أسرع منهم وضغط على المكابح فجأة ثم أدار السيارة في الإتجاه المُعاكس فانحرفت السيارات خلفه وتوقفت للحظة بينما استغل ديميتري تلك الفرصة وانطلق بعيدًا، ظل يقود لدقائق طويلة حتى اختفت أصوات السيارات خلفه .. ولكن حدث شيء جعل السيارة تتوقف وهو نفاد الوقود .. ضرب ديميتري عجلة القيادة بغضب ثم أخذ نفسًا عميقًا محاولاً السيطرة على غضبه .. نظر إلى المرآة الخلفية، ثم التفت نحو جوداء المُستلقية في المقعد الخلفي، لا يوجد أمامه المزيد من الوقت، فتح هاتفه ليعرف عدد الدقائق الموجودة أمامه وبين أقرب مستشفى وحين ظهر له أنها لا تبعُد سوى دقائق قليلة، زفر بارتياح، ثم فتح باب السيارة ونزل منها وفتح باب المقعد الخلفي وحملها بين ذراعيه مُتجاهلاً الألم الذي بدأ يشتد في كتفه ... كان الطريق شبه خالٍ من المارة والسيارات لذلك قرر أن يركض بها وهو يحملها بين ذراعيه عازمًا على الوصول إلى المستشفى في أسرع وقتٍ ممكن ..
كانت رأسها تستند إلى صدره وذراعاها تتدليان بلا حراك .. ولكنها فتحت عينيها على مصراعيهما فجأة وصرخت بألم:
- جوداء إهدأي من فضلك.
بدأت تبكي من شدة الألم:
- لا أستطيع، إنني أتألم.
استمرت في صراخها حتى لمعت عينا ديميتري بالدموع؛ ليشُد ذراعيه حولها أكثر وأسرع في خطواته بينما كان الدم يتسرب من جرح كتفه لأن الأهم منه الآن هي .. كان يشعر أن تلك الدقائق القليلة التي تفصله عن المستشفى ماهي إلا ساعات.
وأخيرًا وصل أمام الستمشفى ليلمحه الممرضون ورجال الإسعافات ليركضوا نحوه .. اقتربوا منه سريعًا، فخفض ديميتري جسد جوداء بحذر ووضعها بهدوء على النقالة بينما أسرع أحد الممرضين بفحصها ...
- أصيبت بطلقٍ ناري.
قال ديميتري يصوتٍ مُختنق:
- لقد فقدت الكثير من الدماء، افعلوا شيئًا رجاءًا.
دفع الممرضون والممرضات النقالة بسرعة إلى داخل المستشفى بينما ظل ديميتري واقفًا في مكانه للحظات يراقبهم وهم يبتعدون عنه .. ثم نظر إلى يده الغارقة بالدماء، قبل أن يرفع عينيه إلى الباب الطوارئ الذي اختفت خلفه ... ليستسلم لألم كتفه، مرَّ بجانبه طبيب لينتبه لجرح كتفه .. وأردف بالهندية:
- مرحبًا سيدي، إن كتفك مُصاب.
رمقه ديميتري بعدم فهم ليقول بالإنجليزية:
- عذرًا لم أفهمك.
أردف الطبيب بالإنجليزية:
- دعني أُساعدك، إن كتفك ينزف سيدي.
أومأ ديميتري بهدوء ليتبع الطبيب .. بينما في داخل غرفة العمليات كان الأطباء يحاولون إخراج الرصاصة من جسد جوداء وحينما نجحوا في ذلك انتبه أحد الأطباء إلى شيءٍ ما من خلال المنظار الداخلي .. فتوقف للحظة، ثم قال بالهندية:
- سيدي، انظر إلى هذا
اقترب الطبيب الآخر منه وحدَّق في الشاشة بتركيز قبل أن تتسع عيناه بدهشة:
- هُناك التهابٌ شديد، ويبدو أن الزائدة الدودية قد انثقبت.
ساد الصمتُ للحظات داخل غرفة العمليات .. ثم قال الطبيب بسرعة:
- هُناك جراحةٌ أُخرى ستُجرى ولكنها في الجانب الآخر .. علينا أن نتدخل فورًا وإلا ستتفاقم حالتها.
بدأ الأطباء يتحركون بسرعة من جديد بينما بقيت جوداء غارقة في غيبوبتها لا تعلم أن جسدها كان يخوض معركة أخرى إلى جانب جرح الرصاص، وأن تلك المعركة كانت سبب ألمها وصُراخها منذ البداية
يتبع