
بين أسوارٍ صُنعت لحمايتها...
كان هو الخطر الوحيد الذي اقترب...
في قصرٍ كبير...
لم يكن الصمت الذي يملأ أرجاء القصر مجرد هدوء...
بل كان يحمل بين جدرانه حزنًا ثقيلًا، وكأن المكان نفسه فقد شيئًا لا يمكن تعويضه.
ذلك القصر الذي اعتاد أن تمتلئ أرجاؤه بالحياة، أصبح الآن لا يسمع سوى خطوات هادئة وهمسات حزينة.
في إحدى الغرف الواسعة...
كانت فتاه تجلس أمام النافذة منذ ساعات.
عيناها معلقتان بالخارج، لكنها لم تكن ترى شيئًا.
كل ما كان يملأ تفكيرها هو صورة جدها...
الشخص الوحيد الذي بقي لها بعد رحيل والدتها.
كانت ترتدي ملابس سوداء، وشعرها يحيط بوجهها الشاحب، بينما كانت الدموع تلمع في عينيها رغم محاولاتها المستمرة لمنعها.
في تلك اللحظة...
دخلت المساعدة الكبيرة في السن إلى الغرفة.
توقفت عند الباب للحظات، وهي تنظر إليها بحزن.
كانت تعرف كم كانت علاقتها بجدها قوية.
اقتربت منها ببطء، ثم جلست بجانبها ووضعت يدها على كتفها بحنان.
المساعدة: قومي يا ليان هانم .. الأستاذ هيثم عايزك تحت.
لم تتحرك ليان.
ظلت صامتة للحظات، وكأنها لم تسمع شيئًا.
ثم خرج صوتها ضعيفًا:
ليان: قوليله مش هنزل.
تنهدت المساعدة بحزن.
المساعدة: بس يا هانم... هو قال إن ده الوقت.
أغمضت ليان عينيها للحظة.
كانت تعلم أنها لا تستطيع الهروب أكثر.
فالحقيقة ستبقى كما هي...
جدها رحل.
رفعت رأسها ببطء، ثم وقفت.
كانت تشعر أن جسدها أصبح أثقل من أن يحملها.
ليان: هنزل... بس هشوفه آخر مرة.
سكتت قليلًا، ثم أكملت بصوت مكسور:
ليان: وبعدها مش عايزة أشوف أي حد.
نظرت لها المساعدة ...
المساعدة: حاضر يا هانم .
اتجهت ليان نحو الباب، وخرجت من الغرفة.
بدأت تنزل الدرج ببطء...
كل خطوة كانت تقربها من اللحظة التي حاولت تجاهلها منذ ليلة أمس.
عندما وصلت إلى الأسفل...
توقفت.
كانت العائلة بأكملها تقف هناك.
تعلقت الأنظار بها.
لكن ليان لم تهتم بأي شخص.
كانت عيناها تبحثان فقط عن جدها.
تحدثت إحدى السيدات بصوت مليء بالبكاء:
السيدة: تعالي يا ليان... شوفي جدك قبل ما يتدفن.
توقفت أنفاسها للحظة.
ثم تحركت نحوه ببطء.
كانت تخشى الاقتراب...
تخشى أن تصبح تلك اللحظة حقيقة.
لكنها وصلت.
وقفت أمامه، ثم مدت يدها ولمست وجهه للمرة الأخيرة.
حاولت حفظ تفاصيله داخل ذاكرتها.
ابتسامته...
نظراته...
كل شيء
نزلت دمعة من عينيها.
ثم قالت بصوت منخفض يكاد أن يسمع ...
ليان: بس أنا كنت لسه محتاجاك.
لم تجد أي إجابة سوى الصمت.
ذلك الصمت الذي كان أقسى من أي كلمة.
انحنت وقبلت جبينه، ثم ابتعدت بسرعة.
لم تستطع البقاء أكثر.
استدارت وصعدت إلى الأعلى، بينما كانت دموعها تنزل دون توقف.
ظل الجميع ينظرون إليها...
لكن بعد اختفائها، تغيرت بعض النظرات.
اختفى الحزن من وجوه البعض، وظهرت ملامح أخرى لم تكن ليان تراها.
توجه الجميع لتنفيذ مراسم الدفن...
لكن خلف تلك الوجوه الحزينة، كانت هناك نظرات تحمل الكثير من الأسرار.
وقفت درة تنظر إلى الدرج الذي صعدت منه ليان.
ثم زفرت بضيق.
درة: البنت دي لازم تفوق شوية... مش هتفضل عايشة في الحزن ده على طول لازم اوعي بنتك يا هيثم .
نظر لها هيثم بغضب.
هيثم: وإنتِ شايفة إن ده وقته يا درة؟ ده عزا أبوكي.
أشاحت درة بوجهها بعيدًا.
درة: أنا قصدي مصلحتها يا هيثم دي بنت اخويا برضو
نظر لها للحظات، لكنه لم يقتنع بكلامها.
هيثم : مصلحتها مش إننا نضغط عليها وهي لسه فاقدة جدها.
ساد الصمت بينهما.
فالجميع يعرف أن ليان لم تكن مجرد حفيدة بالنسبة للراحل...
كانت الشيء الوحيد الذي كان يهمه في هذا القصر.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في الليل...
بعد انتهاء كل شيء.
عاد القصر إلى هدوئه من جديد.
لكن ذلك الهدوء كان مختلفًا...
كان فارغًا.
كانت ليان تجلس على سريرها، تضم صورة جدها إلى صدرها.
لم تعد دموعها تنزل بغزارة كما في الصباح.
لكن الألم كان ما زال موجودًا.
دخلت المساعدة بهدوء.
اقتربت منها وجلست بجانبها.
المساعدة: معلش يا حبيبتي... دي حاجة بإيد ربنا، محدش يقدر يمنعها.
نظرت لها ليان، وكانت عيناها تحملان حزنًا كبيرًا.
ليان: عارفة والله... وراضية بقضاء ربنا.
سكتت قليلًا وهي تنظر إلى الصورة.
ليان: بس مش قادرة أتقبل إني مش هشوفه تاني.
مررت يدها على الصورة بحنان.
ليان: هو الإنسان الوحيد اللي كان معايا بعد وفاة ماما.
ابتسمت المساعدة بحزن.
المساعدة: ربنا يصبرك يارب ...
ساد الصمت للحظات.
ثم رفعت ليان عينيها فجأة.
ليان: هما بيعملوا إيه تحت؟
ترددت المساعدة قليلًا.
كانت لا تعرف هل تخبرها أم لا.
لكنها في النهاية قالت:
المساعدة: طلبوا من المحامي ييجي.
نظرت لها ليان باستغراب.
ليان: المحامي؟
أومأت المساعدة.
المساعدة: عشان يفتحوا الوصية.
تجمدت ملامح ليان قليلًا.
وصية جدها...
في مكان آخر...
بعيدًا عن القصر...
كان الظلام يحيط بالمكان من كل جانب.
لم يكن هناك سوى أصوات الأنفاس الثقيلة، وصوت خطوات تتحرك ببطء.
في منتصف الغرفة...
كان هناك شاب يجثو على ركبتيه.
يداه مقيدتان، وملامحه تحمل آثار ضرب
كان هناك شخص يقف أمامه، يمسك بسلاح ويوجهه نحوه.
الرجل: عايز أعرف البضاعة فين؟
ظل الشاب صامتًا للحظات.
ثم رفع عينيه إليه بهدوء.
الشاب: معرفش.
اقترب الرجل منه أكثر.
الرجل: فكر كويس قبل ما تجاوب.
الشاب: أنا عملت اللي قولتلي عليه... بس معرفش راحت فين.
اشتد غضب الرجل.
الرجل: لآخر مرة هسألك... قولي فين البضاعة؟
ظل الشاب ينظر إليه بصمت.
ثم قال بنفس الهدوء:
الشاب: معرفش.
رفع الرجل السلاح أكثر.
وفي تلك اللحظة...
صدر صوت صفير هادئ في المكان.
توقف الرجل فجأة.
نظر حوله بقلق.
الرجل: إيه الصوت ده؟
استدار ببطء... عاد ينظر له ..
ليجد أن الشاب الذي كان مقيدًا قد حرر نفسه.
وقف أمامه الآن ، وفي يده سلاح.
وعلى وجهه ظهرت ابتسامة هادئة.
الشاب: ده صفير نداء العمل.
لم يفهم الرجل ما يحدث...
إلا بعد فوات الأوان.
وفي اللحظة التالية...
دوّى صوت إطلاق النار في المكان.