
في صباح اليوم التالي...
استيقظت ليان من نومها بعد ليلة لم تستطع فيها الحصول على قسطٍ كافٍ من الراحة.
فتحت عينيها ببطء، وظلت للحظات تحدق في سقف الغرفة بشرود، قبل أن تزفر بضيق وتنهض من فراشها.
منذ وفاة جدها، وكل شيء في حياتها أصبح مختلفًا.
حتى هذا المنزل...
الذي كان يومًا ممتلئًا بصوته، وضحكاته، وحركته التي لا تهدأ، أصبح الآن هادئًا بشكل مخيف.
بدلت ملابسها سريعًا، ثم خرجت من الغرفة واتجهت إلى الأسفل.
وبمجرد أن وصلت إلى الطابق السفلي، لمحت تميم واقفًا بجوار الباب الرئيسي، يتحدث في الهاتف .
تجاهلته تمامًا، واتجهت نحو المطبخ.
دخلت وهي تقول:
ليان: يا نانا...
رفعت المساعدة رأسها إليها وابتسمت.
المساعدة: إيه يا حبيبتي؟
ليان: أنا خارجة.
المساعدة: ماشي يا حبيبتي، بالسلامة.
ليان: متقلقيش، هرجع بدري.
المساعدة: حاضر.
خرجت ليان من المطبخ واتجهت نحو الباب، لكنها لم تخطُ سوى عدة خطوات حتى وصلها صوت تميم من خلفها.
تميم: حضرتك رايحة فين؟
توقفت مكانها، ثم التفتت إليه ببطء.
وجدته قد أنهى المكالمة، ووضع هاتفه في جيبه، وينظر إليها .
ليان: مش شغلك.
رفع أحد حاجبيه.
تميم: أنا لازم أعرف كل تحركات حضرتك.
ليان: ليه؟
اقترب منها عدة خطوات.
تميم: عشان أنا مسؤول عن حمايتك.
ليان: دورك إنك تحميني وبس.
تميم: وده اللي بعمله.
ليان: مش حاسة بكده.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم تنهد.
تميم: ماشي يا هانم... حضرتك رايحة فين؟
ليان: قولتلك مش شغلك.
تميم: لازم أعرف عشان أسجل عندي.
ليان: تسجل عندك إيه؟
تميم: مكان حضرتك، ووقت خروجك، ووقت رجوعك... وأي مكان هتروحيه.
نظرت إليه بضيق.
ليان: إنت هتفضل تسألني عن كل خطوة هعملها؟
تميم: لو ده هيضمن سلامتك... آه.
ضيقت عينيها، ثم تنهدت باستسلام.
ليان: رايحة الشركة.
تميم: تمام.
اتجهت نحو الباب من جديد، لكنها توقفت عندما وجدته يتحرك خلفها.
ليان: تمام إيه؟
تميم: هتتحركي معايا.
ليان: ليه؟
تميم: أنا الحارس الشخصي الخاص بحضرتك.
ليان: أيوه عارفة.
تميم: يبقى يلا.
حدقت به لثوانٍ، ثم قالت بضيق:
ليان: تمام.
خرجت من المنزل واتجهت نحو السيارة دون أن تنتظره.
لحق بها تميم، وفتح لها الباب.
صعدت ليان إلى السيارة، ثم صعد هو خلف المقود.
انطلقت السيارة في هدوء، بينما ظلت ليان طوال الطريق صامتة، تحدق من النافذة بشرود.
كانت تحاول أن تتجاهل وجوده قدر الإمكان.
لكن وجود شخص يراقب كل تحركاتها أصبح أمرًا مزعجًا بالنسبة لها.
بعد عدة دقائق، رفعت عينيها دون قصد نحو المرآة الأمامية.
وفي اللحظة نفسها...
كان تميم ينظر إليها.
تلاقت أعينهما للحظة.
تجمدت ليان مكانها، بينما ظل هو ينظر إليها لثوانٍ قبل أن يعيد عينيه إلى الطريق وكأن شيئًا لم يحدث.
شعرت ليان بالحرج، فأدارت وجهها بسرعة نحو النافذة.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
بعد قليل...
توقفت السيارة أمام مبنى الشركة.
نزل تميم أولًا، ثم اتجه إلى الجهة الأخرى وفتح لها الباب.
نزلت ليان، ووقفت أمام المبنى للحظات.
رفعت عينيها إليه.
نفس المكان...
لكن شيئًا ما بدا مختلفًا.
منذ وفاة جدها قبل ثلاثة أسابيع، أصبحت الشركة بالنسبة لها مجرد مبنى ضخم بلا روح.
كان جدها هو من يجعل الجميع يتحرك.
هو من كان يجلس في مكتبه لساعات طويلة.
هو من كان يدخل الاجتماعات ويخرج منها بقرارات حاسمة.
أما الآن...
فهي من تقف مكانه.
شعرت بثقل المسؤولية فوق كتفيها.
تميم: حضرتك هتدخلي؟
انتبهت إلى صوته، فأومأت.
ليان: آه.
دخلت إلى الشركة بخطوات ثابتة، بينما سار تميم خلفها.
لاحظ الموظفون وجوده، وبدأت بعض الهمسات تنتشر بينهم، لكن ليان تجاهلت الجميع وصعدت إلى مكتبها.
دخلت وجلست خلف مكتبها.
أما تميم فوقف أمامها.
رفعت رأسها ونظرت إليه باستغراب.
ليان: إنت هتفضل واقف كده كتير؟
لم يجبها.
ليان: أستاذ تميم.
تميم: نعم؟
ليان: اقعد.
تميم: ده شغلي.
ليان: شغلك إنك تقف طول اليوم؟
تميم: وطبيعي أفضل واقف وأنا براقب المكان.
ليان: بس أنت إنسان على الأقل اقعد شوية.
تميم: شكرًا، بس مش محتاج راحة.
نظرت إليه للحظات، ثم هزت رأسها باستسلام.
ليان: تمام.
ساد الصمت بينهما.
فتحت ليان بعض الملفات الموجودة أمامها، لكنها لم تستطع التركيز.
وبعد دقائق، رفع تميم عينيه إليها.
تميم: حضرتك هتمشي إمتى؟
ليان: عندي اجتماع... هخلص وهمشي.
تميم: تمام.
تردد قليلًا قبل أن يسأل:
تميم: في هنا كافيه؟
رفعت عينيها إليه.
ليان: أيوه، ليه؟
تميم: هجيب حاجة أشربها.
ليان: تمام.
تميم : عايزه حاجه ؟
ـ ليان : لا شكراً
أومأ لها ثم خرج من المكتب.
ظلت ليان تتابعه بعينيها حتى اختفى خلف الباب.
تنهدت، ثم عادت إلى الملفات.
لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير.
وجوده طوال الوقت بجانبها كان غريبًا.
مزعجًا...
ومريحًا في الوقت نفسه.
لم تكن تفهم السبب.
هي لم تعتد أن يكون هناك شخص يهتم بكل تحركاتها، ولا أن تجد شخصًا مستعدًا لأن يظل قريبًا منها طوال الوقت فقط للتأكد من أنها بخير.
لكنها لم تكن تعرف أن وجود تميم بجانبها لم يكن أمرًا عاديًا.
بل كان بداية لأيام لن تعود بعدها حياتها كما كانت.
وفجأة...
طرق أحدهم الباب.
ليان: اتفضل.
دخلت السكرتيرة.
رؤى: أستاذة ليان...
ليان: نعم؟
رؤى: المهندس مازن وصل.
أغلقت ليان الملف الذي أمامها.
ليان: تمام، حضري مكتب الإجتماعات
رؤى: حاضر.
خرجت السكرتيرة.
نظرت ليان إلى الساعة.
لقد حان موعد الاجتماع.
وقفت من مكانها، ورتبت بعض الأوراق، ثم خرجت من مكتبها واتجهت إلى غرفة الاجتماعات.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
كانت ليان في طريقها إلى غرفة الاجتماعات، لكنها توقفت عندما وجدت تميم أمامها.
تميم: حضرتك رايحة فين؟
نظرت إليه بضيق.
ليان: عندي اجتماع... في حاجة؟
تميم: لا.
صمت لحظة، ثم قال:
تميم: ماشي، يلا.
ليان: إنت داخل معايا؟
تميم: أيوه.
ليان: ليه؟
تميم: عشان أحميكي.
تنهدت.
ليان: اعمل اللي أنت عايزه.
فتحت باب غرفة الاجتماعات ودخلت.
وجدت شابًا يجلس على أحد المقاعد، وما إن رآها حتى وقف.
ابتسم وهو يمد يده
مازن: أهلًا... أنا المهندس مازن.
ابتسمت ليان ومدت يدها.
ليان: اتشرفت بحضرتك، أنا ليان الفارس.
صافحها مازن، لكنه ظل ممسكًا بيدها للحظات أطول من اللازم.
مازن: عارفك طبعًا.
ابتسمت ليان بإحراج وحاولت سحب يدها.
لكن قبل أن تفعل...
تدخل تميم.
مد يده وأبعد يد مازن عنها بهدوء، ثم نظر إليه نظرة جعلته يصمت للحظة.
مازن: مين حضرتك؟
ليان: ده تميم...
مازن: آه... أهلًا.
تميم: أهلًا.
ابتسم تميم ابتسامة صغيرة، ثم وقف خلف ليان.
جلست ليان، وجلست أمامها مازن.
ليان: خلينا نبدأ.
أخرجت بعض الأوراق.
ليان: أنا عايزاك تعمل تصميم لفندق فاخر.
مازن: تمام... فين المكان؟
ليان: منطقة ساحلية.
مازن: ساحلية فين تحديدًا؟
ليان: لسه بنحدد المكان النهائي، بس عايزاه في منطقة سياحية مميزة، ويكون الفندق نفسه مختلف عن أي مشروع موجود هناك.
مازن: عندي أكتر من فكرة ممكن نشتغل عليها.
ليان: أنا عايزة التصميم يكون فخم، لكن في نفس الوقت مريح. مش عايزة المكان يبقى مجرد فندق خمس نجوم وخلاص.
مازن: فهمت.
ليان: عايزة مساحات خضراء، حمامات سباحة، مطاعم، منطقة خاصة للعائلات، وكمان شاطئ خاص لو الموقع يسمح.
بدأ مازن في تدوين ملاحظاته.
مازن: وهنحتاج نحدد الميزانية قبل ما نبدأ التصميم النهائي.
ليان: الميزانية مش مشكلة، المهم الجودة.
مازن: تمام.
ليان: وكمان عايزة أكتر من تصور للتصميم، مش تصميم واحد.
مازن: خلال قد إيه؟
ليان: أسبوعين.
رفع مازن عينيه إليها.
مازن: أسبوعين قليلين شوية.
ليان: عشان كده أنا اخترتك أنت.
ابتسم مازن.
مازن: حاضر.
استمر الاجتماع وقتًا طويلًا.
ناقشا تفاصيل المشروع، والموقع، والتصميم، والتكاليف، والمدة الزمنية، حتى انتهيا أخيرًا.
وقف مازن.
مازن: تمام يا آنسة ليان، هنبدأ نشتغل عليه من بكرة.
ليان: تمام، مستنية التصميمات.
مازن: أكيد.
صافحها، ثم خرج.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفه، نظرت ليان إلى تميم.
كان يقف في مكانه بصمت.
ليان: مالك؟
تميم: ولا حاجة.
ليان: أنت شكلك متضايق.
تميم: أنا؟
ليان: أيوه.
تميم: مفيش سبب يخليني أكون متضايق.
ليان: تمام.
لم تجادله.
تميم: هنمشي؟
ليان: آه .. بس أنا جعانة.
نظر إليها.
تميم: مش هتاكلي في البيت؟
ليان: لا، عايزة آكل بره النهارده.
تميم: تمام.
ليان: هنروح مطعم؟
تميم: لأ.
ليان: ليه؟
تميم: مينفعش تقعدي في مطعم.
ليان: ايه السبب ؟
تميم: الزحمة، والناس... وممكن حد يعرفك.
ليان: طب أكل فين؟
تميم: هجيبلك الأكل، وتاكليه في العربية.
ليان: تمام... موافقة.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
خرج الاثنان من الشركة.
فتح تميم لها باب السيارة، فصعدت وجلست في الخلف.
صعد هو إلى مقعد القيادة وانطلق.
وبعد دقائق سألها:
تميم: عايزة تاكلي إيه؟
ليان: بيتزا.
تميم: ماشي... بتحبيها إيه؟
ليان: خضار وفراخ.
تميم: والعصير؟
ليان: أي حاجة ساقعة.
تميم: تمام.
توقفت السيارة أمام أحد المطاعم.
تميم: استني هنا.
ليان: ماشي.
نزل من السيارة، وأغلق الباب من الخارج.
جلست ليان وحدها، وأخرجت هاتفها.
انشغلت به، ولم تشعر بالوقت.
بعد دقائق، فتح تميم باب السيارة ودخل حاملًا الطعام.
أعطاها البيتزا والعصير.
ليان: إنت مجبتش لنفسك؟
تميم: لأ.
ليان: ليه؟
تميم: مش باكل الأكل ده.
ليان: طب بتاكل إيه؟
تميم: سلطات... وحاجات مسلوقة.
نظرت إليه باستغراب.
ليان: ده أكل حد تعبان.
ابتسم تميم ...
كانت تلك أول مرة تراه يبتسم أمامها.
توقفت عن الكلام للحظة.
لم تعرف لماذا شعرت بالدهشة.
لكنها لم ترَ ابتسامته إلا لثوانٍ.
فقد رفع عينيه نحو المرآة الخلفية.
وفجأة اختفت ابتسامته تمامًا.
تغيرت ملامحه.
أمسك المقود بقوة.
ليان: مالك؟
لم يجب.
ليان: تميم؟
تميم: نزلي راسك بسرعة.
ليان: إيه؟
تميم: قلتلك نزلي راسك!
انخفضت ليان فورًا.
وفي اللحظة التالية...
انطلقت السيارة بسرعة جنونية.
صرخت ليان وهي تمسك بالمقعد.
ليان: في إيه؟!
لم يجبها.
كان تركيزه بالكامل على الطريق.
وفجأة...
دوّى صوت قوي في المكان.
طلقة.
ثم أخرى.
تجمدت ليان.
رفعت رأسها قليلًا، ونظرت من النافذة.
وجدت سيارات سوداء تلاحقهم.
وفي إحدى السيارات كان هناك شخص يخرج نصف جسده من النافذة، وفي يده سلاح.
اتسعت عيناها من الخوف.
ليان: مين دول !
تميم: انزلي تحت!
انخفضت مرة أخرى.
تميم: متطلعيش رأسك مهما حصل.
ليان: مين دول؟!
تميم: مش عارف.
ليان: طب هما عايزين إيه؟!
تميم: مش عارف... بس واضح إن الهدف هو حضرتك.
شعرت ليان بالخوف.
بدأ قلبها يخفق بقوه ...
ليان: هنعمل إيه؟
تميم: هحاول أبعدهم عننا.
ليان: إزاي؟
تميم: اسمعيني بس.
أمسك تميم المقود بقوة، وانحرف بالسيارة فجأة إلى طريق جانبي.
السيارة السوداء لحقت بهم.
نظر تميم إلى المرآة.
كانوا لا يزالون خلفه.
تميم: مش هيسيبونا ..
لكن قبل أن تستوعب كلامه...
جاء صوت ارتطام قوي من الخلف.
ضغط على دواسة الوقود، وانطلقت السيارة بسرعة أكبر.
كانت السيارات خلفهم تقترب شيئًا فشيئًا.
نظر تميم إلى الطريق أمامه، ثم إلى المرآة.
وبدا عليه التوتر لأول مره
تميم: لازم نوصل لمكان آمن... قبل ما يلحقونا.
أما ليان...
فلم تكن تعرف من هؤلاء الأشخاص.
ولا لماذا يلاحقونها.
ولا من الذي يريد إيذاءها.
لكن سؤالًا واحدًا ظل يسيطر على عقلها:
لماذا أنا؟