رواية خلف أسوار الحماية الفصل السادس6 بقلم ملك أحمد

رواية خلف أسوار الحماية الفصل السادس6 بقلم ملك أحمد
لم تستطع ليان أن تستوعب ما يحدث حولها...

فمنذ لحظات فقط كانت تظن أن كل ما يحدث مجرد مبالغة، وأن وجود رجال الحراسة حولها ما هو إلا إجراء احترازي بسبب ممتلكاتها، أو ربما مجرد أوامر مؤقتة لا تعرف سببها.

لكن الآن...

كانت الحقيقة تقف أمامها بكل وضوح.

هناك من يراقبها.

وهناك من يريد إيذاءها.

والأخطر من ذلك...

أن الأمر لم يعد مجرد احتمال.

لقد أصبح حقيقة.

ولا يزال سؤال واحد يسيطر على عقلها منذ البداية...

لماذا أنا؟

لماذا هي تحديدًا؟

وماذا يريد منها هؤلاء الأشخاص؟

ولماذا يتصرف الجميع وكأن حياتها أصبحت شيئًا يجب حمايته بكل هذه الطريقة؟

قطع حبل أفكارها صوت تميم وهو يضغط على السماعة المثبتة في أذنه.

ـ تميم: أحمد، افتح البوابة بسرعة وابعت دعم... في خطر محاوطنا.

جاءه صوت أحمد سريعًا عبر السماعة:

ـ أحمد: أوامر يا فندم.

نظرت إليه ليان بقلق، فلم تفهم شيئًا مما يحدث.

ـ ليان: أنا مش فاهمة حاجة...

نظر إليها تميم للحظة، ثم أعاد تركيزه على الطريق.

ـ تميم: خليكي مكانك بس... متتحركيش، ولا حتى تطلعي راسك.

ابتلعت ليان ريقها وأومأت برأسها.

ـ ليان: حاضر...

ظل تميم يقود بسرعة، وعيناه تتحركان بين الطريق والمرايا من حوله.

كانت يده ثابتة على عجلة القيادة، لكن ملامحه كانت أكثر جدية من أي وقت مضى.

وفجأة قال دون أن ينظر إليها:

ـ تميم: امسكي كويس.

لم تستوعب ليان الجملة إلا بعد أن انعطف بالسيارة بقوة.

 تفاجأت وهي  تمسك بمقعدها سريعًا، وأغمضت عينيها من شدة التوتر.

مرت ثوانٍ بدت لها وكأنها دقائق طويلة...

ثم بدأ صوت الطريق يهدأ تدريجيًا.

فتحت عينيها ببطء، ونظرت من النافذة.

لم تعد ترى شيئًا خلفهم.

تنفست براحة.

ـ ليان: خلاص... مشيوا؟

ـ تميم: أيوه.

ابتسمت براحة وهي تخرج نفسًا طويلًا.

ـ ليان: الحمد لله...

لكن ابتسامتها اختفت فجأة.

فقد لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.

ذراع تميم.

كانت هناك إصابة واضحة بها.

نظرت إليه بصدمة.

ـ ليان: تميم... أنت كويس؟

نظر تميم إلى ذراعه وكأنه يراها للمرة الأولى.

ثم أجاب بكل هدوء:

ـ تميم: عادي.

اتسعت عيناها باستنكار.

ـ ليان: عادي إيه؟! أنت مصاب وبتقول عادي؟ ده خطر!

ـ تميم: بسيطة.

ـ ليان: بسيطة؟! أنت بتهزر؟

لم يرد عليها، واكتفى بمتابعة القيادة.

وبعد دقائق قليلة توقفت السيارة أمام القصر.

رفعت ليان عينيها، فرأت أحمد يقف أمام البوابة وبجواره عدد من الضباط ورجال الحراسة.

فتح تميم باب السيارة ونزل منها، ثم توجه إلى الجهة الأخرى وفتح الباب لها.

ـ تميم: اتفضلي يا هانم.

لم تتحرك ليان.

ظلت تنظر إليه بقلق.

ـ ليان: لازم تروح تتعالج.

ـ تميم: اتفضلي.

ـ ليان: تميم...

ـ تميم: ادخلي.

نظرت إليه بضيق، ثم نزلت من السيارة.

كانت لا تزال غير قادرة على فهمه.

كيف يمكن لشخص أن يتعامل مع إصابة بهذه البساطة؟

توجه أحمد نحوه فورًا.

ـ أحمد: كله تمام يا فندم؟

ـ تميم: أيوه.

ثم أضاف بنبرة حازمة:

ـ تميم: شدد الحراسة الأيام دي... محدش يدخل أو يخرج من غير ما أعرف.

ـ أحمد: أوامر.

نظر أحمد إلى ذراع تميم.

ـ أحمد: الإصابة بسيطة يا فندم.

ـ تميم: الحمد لله.

رفعت ليان حاجبها باستغراب.

حتى أحمد يتعامل مع الأمر وكأنه شيء عادي!

نظرت إليهما للحظات، ثم استدارت ودخلت القصر دون أن تقول كلمة واحدة.

لكن قبل أن تختفي عن أنظارهم، التفتت للحظة.

وجدت تميم واقفًا مكانه...

ينظر إليها.

تلاقت عيناهما لثوانٍ.

ثم أبعدت ليان نظرها سريعًا وصعدت إلى الداخل.

أما تميم...

فبقي واقفًا يراقبها حتى اختفت تمامًا.

بعدها توجه لتلقي العلاج.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

عند ليان...

دخلت ليان القصر بخطوات بطيئة.

كانت الحراسة في كل مكان.

عند الأبواب...

وفي الممرات...

حتى أمام الدرج المؤدي إلى غرفتها.

شعرت وكأن القصر الذي اعتادت أن تعتبره أكثر مكان آمن بالنسبة لها أصبح فجأة مختلفًا.

صعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها.

ثم جلست على طرف السرير.

نظرت إلى يديها...

كانت ترتجف.

حاولت إيقاف ارتجافهما، لكنها لم تستطع.

همست لنفسها:

ـ ليان: هو الموضوع حقيقي؟

سكتت للحظات.

ثم قالت بصوت أكثر ضعفًا:

ـ ليان: أنا في خطر بجد...

خفضت رأسها.

لقد كانت تحاول طوال الفترة الماضية أن تكذب نفسها.

في كل مرة ترى فيها رجال الحراسة، كانت تجد لنفسها سببًا منطقيًا.

ربما بسبب أملاكها.

ربما مجرد احتياط.

ربما تميم موجود فقط لأنه مكلف بحمايتها لفترة.

لكن ما حدث اليوم أسقط كل تلك التبريرات.

لم يعد هناك مجال للكذب.

هناك أشخاص يريدون الوصول إليها.

وهناك من كان مستعدًا لمراقبتها وملاحقتها.

وتميم...

كان يعرف أكثر مما يقول.

رفعت ليان رأسها ببطء.

ـ ليان: كنت بحاول كل مرة أكذب نفسي وأقول إن ده مش حقيقي...

توقفت قليلًا.

ـ ليان: وأقول إنهم بس جايين يحمو أملاكي...

ثم نظرت حولها.
ـ ليان: بس الموضوع طلع أخطر بكتير.

وضعت يدها على جبينها، وأغمضت عينيها.

ـ ليان: بعد كده لازم كل حركة مني تبقى بحساب...

فتحت عينيها فجأة.

وتغيرت ملامحها.

ـ ليان: بس أنا مش هفضل قاعدة مستنية أعرف الحقيقة بالصدفة.

كانت قد اتخذت قرارها.

إذا كان الجميع يخفون عنها الحقيقة...

فهي ستبحث عنها بنفسها.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الأسفل...

كان تميم يجلس في الصالون بعد أن قام الطبيب بتضميد إصابته.

وضع الطبيب بعض الأدوية أمامه.

ـ الطبيب: الكريم ده تحطه على الجرح كل يوم، وتطهره كويس.

ـ تميم: تمام.

جمع الطبيب أدواته ثم غادر.

لم يبقَ في المكان سوى تميم وأحمد.

جلس أحمد أمامه، ثم قال بجدية:

ـ أحمد: إزاي حصل كده يا فندم؟

نظر تميم أمامه للحظات.

ـ تميم: من الواضح إنهم كانوا مراقبين الوضع من الأول.

ـ أحمد: يعني كانوا عارفين تحركاتنا؟

ـ تميم: غالبًا.

ـ أحمد: وهنعمل إيه؟

صمت تميم للحظة.

ثم أجاب بهدوء:

ـ تميم: ولا حاجة.

نظر إليه أحمد باستغراب.

ـ أحمد: ولا حاجة؟

ـ تميم: مش هنستنى منهم خطوة تانية... إحنا اللي هنستعد.

وقبل أن يكمل حديثه، توقف فجأة.

فقد رأى ليان تنزل من على الدرج.

ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم التفت إلى أحمد.

ـ تميم: روح أنت دلوقتي.

أومأ أحمد.

ـ أحمد: حاضر يا فندم.

غادر أحمد المكان.

أما ليان...

فتوجهت مباشرة نحو تميم.

ـ ليان: أنت كويس؟

ـ تميم: الحمد لله.

ابتسمت له ابتسامة صغيرة، لكنها لم تجلس بعيدًا عنه.

اقتربت وجلست أمامه.

راقبها تميم بصمت.

ثم قال:

ـ تميم: صدقتي إنك في خطر بجد؟

لم تجبه فورًا.

كانت تنظر إليه وكأنها تحاول قراءة ما يخفيه خلف هدوئه.

ثم قالت:

ـ ليان: مين بعتك يا تميم؟

ساد الصمت.

لم يتغير تعبير وجهه.

ـ ليان: عايزة أعرف... قولي.

ـ تميم: قولتلك، دي أوامر جايالي... بس أنا معرفش من مين.

ضيقت عينيها.

ـ ليان: مش مصدقة.

ـ تميم: حضرتك ليه مصممة تعرفي؟

تنفست ببطء.

ـ ليان: عشان مش هفضل طول عمري عايشة وأنا معرفش حاجة.

صمتت للحظة، ثم أكملت:

ـ ليان: في شخص معايا طول الوقت، المفروض إنه حارسي، وأنا حتى معرفش مين اللي بعته... ولا ليه بعته... ولا مين اللي بيحاول يأذيني.

نظرت إليه بثبات.

ـ ليان: حتى هل ده منطقي؟

رفع تميم حاجبه.

ـ تميم: شايف إنه منطقي.

ضحكت ليان بسخرية خفيفة.

ـ ليان: طبعًا... ما أنتوا كلكم شايفين كل حاجة منطقية إلا أنا.

ـ تميم: لأن معرفتك ببعض التفاصيل ممكن تعرضك للخطر.

ـ ليان: وأنا أصلًا مش في خطر؟

صمت.

كانت تلك أول مرة يعجز فيها تميم عن الرد عليها مباشرة.

تابعت:

ـ ليان: أنا اللي حياتي في خطر... ومن حقي أعرف.

ـ تميم: مش كل حاجة بتتقال في وقتها.

ـ ليان: وأنا مش هفضل مستنية الوقت المناسب عندك.

نهضت من مكانها.

نظر إليها تميم.

ـ تميم: ناوية تعملي إيه؟

استدارت إليه.

كانت ملامحها هادئة، لكن عينيها تحملان إصرارًا واضحًا.

ـ ليان: هعرف بطريقتي.

ثم استدارت وغادرت.

ظل تميم يتابعها بعينيه حتى اختفت من أمامه.

وبمجرد أن اختفت، أخرج هاتفه من جيبه.

نظر إلى الشاشة للحظات...

ثم كتب رسالة قصيرة.

"هي بدأت تشك."

لم تمر سوى ثوانٍ حتى وصل الرد.

قرأ تميم الرسالة، فتغيرت ملامحه قليلًا.

كانت الرسالة قصيرة...

لكنها جعلته يرفع عينيه نحو الدرج الذي صعدت منه ليان.

"خليها تشك... بس متخليهاش تعرف الحقيقة."

ظل تميم صامتًا.

ثم أغلق الهاتف.

وفي الطابق العلوي...

كانت ليان تقف خلف باب غرفتها.

وفي يدها هاتفها.

كانت تنظر إلى رقم مجهول ظهر أمامها منذ لحظات.

رسالة واحدة فقط.

فتحتها.

وتجمدت ملامحها.

"لو عايزة تعرفي مين تميم بجد... دوري وراه ."

رفعت ليان عينيها بصدمة.

ما علاقة هذا الشخص بتميم؟

ولماذا يريد شخص مجهول منها أن تبحث في مكتبه؟

وضعت يدها على مقبض الباب.

ثم همست:

ـ ليان: واضح إن الحكاية أكبر بكتير مما كنت متخيلة...

فتحت الباب ببطء.

ونزلت عيناها نحو الدرج.

هذه المرة...

لم تكن ذاهبة لتسأل تميم.

بل كانت ذاهبة للبحث عن الحقيقة بنفسها.

لكنها لم تكن تعلم...

أن أول خطوة ستأخذها نحو الحقيقة...

قد تكون هي نفسها الخطوة التي ستجعل الخطر يقترب منها أكثر.

تعليقات



<>