
رواية حتي يجمعنا القدر بقلم رشا روميه
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثلاثون30 بقلم رشا روميه
«كشف المستور»
خلف كل وجه هادئ، قصة لم تُحك بعد، لا يمكنك الحكم على تلك الوجوه من مجرد ضحكة، فما نعرفه عن الناس هو القدر الذي يسمحون لنا برؤيته فقط، أما البقية تبقى أسرار مخفية.
تلك الأسرار المدفونة ما هي إلا بذور مخبأة تنتظر زخات المطر لتنبت وتظهر للعلن، فلا شئ يبقى مخبئ للأبد، فالحقيقة كالشمس قد تحجبها الغيوم لفترة، لكن وجودها لا يمنع شروق الشمس من جديد.
حتى وإن أُحكمت الأكاذيب لإخفاء الحقيقة، فلا تغفل ما يكشف كل الأسرار، إنه الزمن، الذي ينتظر اللحظة المناسبة ليُسقط كل الأقنعة وينكشف المستور ويُظهر الحق، فالنور لا يستأذن الظلام لكي يشرق، كذلك الحقيقة، لها قدَّر معلوم يكشف بها المستور وتظهر الحقيقة مهما طال الزمن.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
هروبي منك لم يكن إلا محاولة يائسة لإنقاذك مني، ظننت أن إنسحابي من حياتك سيهديك الراحة والسلام الذي تستحقه، لكني تركت قلبي بقربك، فمازالت أحبك رغم كل أسباب الرحيل.
رشا روميه
مستشفى الأمل...
قبل مجئ "فردوس" و"محمود" لإصطحاب "زهرة"، لم يمر الأمر بيسر مطلقًا، فمنذ لقاء "محمود" بـ"زهرة" بالأمس وهي تفكر بما قاله لها، لقد إعترف لها بحبه وطلب من الزواج، ليتها كانت تستطيع أن تسمي نفسها سعيدة الحظ، فمن هواه قلبها إعترف لها بحبه، لكنها أسيرة للحظ التعيس، وستظل أسيرة له.
لهذا توجب عليها أن تفكر بعقلانية وأن تنحي مشاعرها وقلبها جانبًا، فإن وافقت ستكون خائنة لكل مبادئها، وإن إبتعدت ستظل تعيسة للأبد.
وبعد تفكير عميق توصلت لحل وحيد، أن تبتعد بشكل نهائي عن هذا البيت الذي ولد به حبها وحُكم عليه بالموت في ذات اللحظة، لن تختار نفسها، بل ستختار سعادته وهنائه، ستضحي بنفسها لأجله عن طيب خاطر.
بنفس محطمة أخذت "زهرة" تقوي من نفسها حتى لا تتراجع عن قرارها الصائب:
- (مش حرجع تاني، لازم أبعد، لازم أستحمل بابا ومراته مهما عملوا، لكن أخرب له حياته لأ، هو ميستاهلش مني كده، حبعد عنه عشانه، مش عشاني).
قرارها بالرحيل لم يكن إختياري، بل هو أمر مُلزم، لهذا تحركت بعجالة قبل مجئ أحدهم لإصطحابها من المستشفى، خرجت دون أن تلتفت للوراء، سوف تعود للبقاء بشقة والدها رغم العناء الذي كانت تعيش به قبل زواجها من "أنور"، فليس لديها ملاذ آخر، فحتى "ليلى" قد سافرت ولن يمكنها المكوث بشقتها فلا تملك حتى المفتاح، لهذا عليها المضي قدمًا بطريقها الحالك السواد نحو والدها وزوجته.
بعد تركها المستشفى بوقت قصير دق هاتفها برقم "فردوس"، كان الأمر بديهًا للغاية، فبالتأكيد ذهبت للمستشفى ولم تجدها، سحبت "زهرة" نفسًا قويًا لتجيبها بثبات وقوة، فلن تتراجع عن قرارها الصائب مهما كانت الضغوط.
بقلم رشا روميه
بعد أن أنهت مكالمتها كان عليها الذهاب لبيت "خليل زيدان" فلا مفر من العودة، ظلت تحدث نفسها وتحثها على تقبل طريقتهم القاسية وما ستلاقيه من رفض لوجودها كما إعتادت، عليها ألا تنصت لطريقة "سمية" الفظة، أو خنوع والدها لها.
وصلت بيتهم القديم لتتطلع نحوه بأعين تعيسة، فقد كُتب عليها العودة بعدما ظنت أنها لن تعود إليه مرة أخرى لتقيم هنا، كانت تتمنى أن تبدأ حياتها خارج تلك الجدران المهترئة، لكن ليس كل الأماني ممكنة التحقق.
صعدت درجات السلم ببطء تتلاشى تلك الدرجات المكسورة لتقف لبعض الوقت أمام شقة "ليلى"، نظرت نحو الباب المغلق بحنين لنصفها الآخر، فكم تشتاق إليها وتحتاجها، غصة زادت قلبها ألمًا وهي تناظر الشقة الخاوية من الأحباب.
طأطأت رأسها بإنهزام وهي تصعد بقية الدرجات لتقف قبالة شقة والدها، أغمضت "زهرة" عينيها لوهلة تستعد لما ستلاقيه هنا من لوم وتوبيخ وربما طرد كما حدث لها بالسابق، لكن لا ملاذ لها سوى هذا الباب لتطرقه.
رفعت أصابع يدها المترددة لتدق جرس الباب قبل أن تنتظر لدقائق قليلة حتى فتحت "سمية" الباب، تمالكت صبرها على ما سوف تسمعه الآن، لكن ما حدث أثار إندهاشها وتفاجئها، وبإستغراب شديد رفعت حاجبيها وفغرت فاها محملقة بصاحبة الصوت الخشن التي أخذت ترقق منه بشكل مستفز، ولطف مستحدث:
- "زهرة" حبيبتي، تعالي يا روحي، نورتي بيت أبوكِ يا غاليه، إدخلي إدخلي.
نظرت نحوها "زهرة" بريبة فهي لم تكن ودودة بهذا الشكل من قبل، ذلك اللطف جعلها تتخوف من تلك المخلوقة، فكيف ترحب بها وهي تدرك تمامًا أنها لا تتقبل وجودها، بل وتكرهها أيضًا لا شك بذلك، لتكتفي "زهرة" بنظراتها المندهشة لبعض الوقت بينما أكملت "سمية" بحفاوة غير طبيعية:
- "خليل"، يا "خليل"، تعالى "زهرة" جت.
زاد صدمتها صوت والدها المرحب بها من خلف "سمية" بذات التقبل والود، فحتى المحبة التي تأتي بعد سنوات عجاف أصبحت تدب في القلوب بفزع، فقد ضاع الأمان الذي يربط القلوب، لم تعد تأمن للمحبة، كيف لليد التي زرعت الشوك بأن تهدي وردة؟!! كيف تصدق شعور الدفء ممن وضعها بالجليد!!!!!
هتف بها "خليل" بمحبته الزائفة التي لم تخرج من القلب ولم تصل إلى مماثله:
- بنتي حبيبتي، تعالي يا بنتي تعالي.
ترحيلهم وودهم جعلها تشعر بالإرتباك لتجيب بنبرة متوجسة:
- أنا، قولت يعني، ااا، آجي وأقعد معاكم أحسن.
سحبتها "سمية" من ذراعها بقوة نحو الداخل وقد توسط وجهها العريض إبتسامة مشرقة بشكل أقلق "زهرة"، ثم قالت:
- خير ما عملتي والله، مش كده ولا إيه يا "خليل"؟
نكزته بذراعه ليجيبها "خليل" بسعادة مصطنعة، وإبتسامة زائفة:
- أمال، طبعًا، طبعًا.
دارت "زهرة" بعينيها بوجوههم الغريبة التي لم تعتاد الإبتسام، ثم مالت للتحرك تجاه الغرف قائلة بوهن لإعيائها الذي لم تشفى منه تمامًا بعد:
- طيب أنا حدخل جوة أرتاح و....
قاطعتها "سمية" بتعجل فلقد أتت فرصتها بمجئ "زهرة" بقدميها إلى هنا، لتتشبث بذراعها تمنعها من التحرك:
- أقعدي معانا شويه، كنا عايزين نكلمك في موضوع مهم، مش كده يا "خليل"؟
نظرت "سمية" نحو "خليل" وهي تأشر له برأسها بحركة خفيفة لتنبهه للأمر، لينفذ "خليل" رغبتها على الفور:
- أيوه، أيوه، تعالي الأول.
دفعتها "سمية" تجاه الأريكة لتنساق "زهرة" معها وهي تبدل نظراتها نحوه والدها تارة وبين "سمية" تارة أخرى، حتى جلست بمنتصفها، وحاوطها والدها من جانب و"سمية" من الجانب الآخر.
حصار فُرض عليها، ليجعلها تشعر بالإرتياب وعدم الراحة، لقد إعتادت على الكره والنفور، فما تراه من حنان ومحبة أرجف قلبها خوفًا، كدهاء المعارك حين تنتهي مرحلة سل السيوف تبدأ مرحلة دس السم في العسل، فما لم يؤخذ بالسيف يؤخذ بالحيلة، وما تراه منهم لا يدعو للإطمئنان مطلقًا بل يبث بنفسها الذعر.
بقلم رشا روميه
بدأ "خليل" حديثه مع "زهرة" بعدما تلقى نظرة جانبية من "سمية" للتحدث مع إبنته أولًا:
- بصي يا "زهرة"، إنتِ جايلك عريس ما شاء الله عليه، وأنا وافقت، وقرينا فاتحتك إمبارح.
ها قد أتت المعرفة، ها قد ظهر السبب خلف هذا اللطف الغير معتاد!!! يا ليتها لم تعلم ما يحيكونه مرة أخرى، يا ليته لم يكشف المستور وبقي غائبًا عنها، إنتفضت من جلستها بينهم لتتخذ خطوات للأمام قبل أن تستدير بمواجهتهم بإنفعال:
- إيه!!!!! إنتوا بتقولوا إيه؟!!! ليه، ليـــــــــــه بتعملوا فيا كده، ليه؟!!! (ثم نظرت نحو والدها قائلة بإرتجاف وإنفعال بينما تساقطت دموعها التي لا تجف، لتهتف به بنبرة بالكاد تخرج من حنجرتها) هو أنا مش بنتك، بتعمل معايا كدة ليه؟!! حسسني ولو لمره واحده اني أهمك في أي حاجه!!!! إن أنا مش مجرد بيعه وشروه، طب على الأقل خد رأيي!! فكر شويه، لو مش فيا، على الأقل فكر في ديننا، مش هو لا يجوز برضه الخطبه في العده، ولا نسيتها دي كمان زي ما نسيت إني بنتك من لحمك ودمك!!!!!
قالتها مستنكرة أفعاله التي لا تنتهي، مشمئزة من نظرته إليها كونه شئ يُستفاد منه فقط، لم يفكر بها بإحساس أب وإبنته، جعلها تستشعر مرارة اليتم وهو على قيد الحياة.
مصمصت "سمية" شفتيها ليسقط قناع المحبة الزائف ويظهر وجهها الحقيقي الذي لا يختبئ كثيرًا خلف قناع زائل، لترفع طرف أنفها بتهكم قبل أن تعقب بحدة:
- يا سلام!!!! شوف شوف، الست الشيخه بتقول إيه؟؟!!!!! إللي يشوف كده يقول بنرميها في النار، واحده جاي لها عريس، مينفعش يترفض، نقوله معلش يا أخويا، إستنى متخطبهاش!!! وهو إحنا بنعمل كده ليه، مش عشانك!!! ده جواز، وسُترة، ومش أي جواز، لااااا، ده واحد حيعيشك ملكه، تؤمري بس، تلاقي الدنيا كلها تحت رجلك، مكانش ينفع نرفض.
كزت "زهرة" فوق شفتيها بغيظ وهي تطالعهم بمرارة، يغالطون كل شئ لأجل مصلحتهم، حتى الدين يتهاونون به وبأحكامه، سواء بالتغاضي أو بالجهل، لكنها لن ترضى وتوافق على تلك المهزلة التي توضع بها دائمًا:
- أنا خلاص، مش عايزة أتجوز، سيبوني في حالي بقى، سيبوني في حالي!!!! كفايه إللي عملتوه فيا!!!
إستدارت لتتجه نحو غرفتها القديمة حين أسرعت "سمية" بإعتراض طريقها، لتقف بجسدها الممتلئ وأعينها أمتلأت الغيظ من تمردها وإنفعالها بهذا الشكل، فهي سترضخ لها ولو بالإكراه، أمسكت بذراعها بقوة حتى كادت أصابعها القوية تغرس بداخله لترجها بعنف:
- إنتِ فاكرة نفسك فين؟!! هو إحنا حنفضل طول العمر مستحملين قرفك!!!! ولا ناويه تصغري أبوكِ بعد ما أدى للراجل كلمه وقرا الفاتحه؟!! يكون في علمك ده بيتي أنا، ومالكيش مكان فيه، إلا لو وافقتي على الجواز ساعتها حتقعدى الشويه إللي باقين في عدتك وتتجوزي وتتكلي على الله فاهمه!!!!
عيونها الحادة ونبرة صوتها المخيفة وتهديدها الواضح جعل "زهرة" تتجه لمن تتمنى أن يقف ولو لمرة واحدة إلى جوارها لتستنجد بوالدها بنظرات متوسلة:
- بابا!!!!
أغرقها المرة الثانية دون شفقة، كما لو كان قلبه قد إنتُزع من بين أحشائه، فلا شعور ولا قلب:
- "سمية" بتتكلم صح، هو إنتِ فاكره إنه بالساهل كده ممكن تتجوزي تاني؟!! دي فرصة عمرك، وأنا أبوكِ وأدرى بمصلحتك، مش كفايه الناس النصابين إللي لحد دلوقتِ مرضيوش يدوني نصيبك في الورث!!!!
ترددت كلمته بأذنها عدة مرات (أبوكِ)، كيف يصف نفسه أبًا وهو بهذا الحجود والطمع، كيف يلقب نفسه بما لا يدركه حتى ولو بلمحة أو بموقف، أو حتى كلمة!!! إنه ليس بـ أبٍ على الإطلاق، لكن من ستعاتب!!!!
هل تعاتب الدنيا التي لم تنصفها يومًا، أم هذا الأب البعيد عن الأبوة، أم حظها العثر الذي يدفع بها من هوة لهوة أعمق!!!
وقفت تتأرجح ما بين خيارين كلاهما مُر، إما أن توافق على زواجها من هذا الغريب لأجل بقائها، أو تعود لبيت مكاوي وتفسد حياة "محمود"، ليتها تستطيع العمل وتحمل من الشهادات ما يؤهلها لترك كل شئ والعمل وبدأ حياة جديدة، لكن حظها بالتعليم لم يختلف كثيرًا عن حظها بالزواج والأب.
فهي إما تختار إفساد حياة من تحب وأسرته، أو تفسد حياتها وحدها، فمرغمة ستقبل الخيار الأشق وتؤثر "محمود" على نفسها، فمع الوقت سينسى وجودها وتتحسن أحواله مع "جميلة"، وسيحظى بحياة مستقرة كما كانت قبل دخولها حياتهم.
وبالمقابل لن يتركها أبيها وزوجته تنعم بالراحه أبدًا، شاءت أن أبت هي مجبرة للمرة الثانية، لتردف بعد صمت مؤلم لبعض الوقت بإستسلام لرغبتهم:
- خلاص، إللي تشوفوه.
إحتضنتها "سمية" بسعادة لفوزها المحقق بثروة هذا العريس الجديد:
- أيوه كده، فرحتي قلبي.
ركضت نحو غرفتها القديمة مع إخوانها الصغار من زوجة أبيها، لتجلس فوق الفراش بإنكسار مثلما كانت تفعل قبل خروجها من هذا البيت، وكأن شئ لم يتغير لتعود لمواجهة أمواج الحزن وحدها.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
السويس...
ليس كل مخفي يستحق أن يكشف، فالمستور الذي حُجب عنك ما كان سوى رحمة بالقلوب، لعلك تتمنى حين يكشف المستور لو بقى قيد الكتمان.
رشا روميه
بعد سفر طويل لعدة ساعات، وصل "سامح" و"فرح" مدينة السويس، لم يدري "سامح" هل من حسن الحظ أم من سوءه أن "فرح" لم تتذكر أي شئ عن الطريق أو الحادث بطريقهم للسويس.
توقف "سامح" بالسيارة لسؤال أحد المارة عن إسم أحد الشوارع بهذه المدينة:
- بعد إذنك، فين شارع السلام؟
بيسر شديد إستطاع الرجل وصف الطريق للعنوان المنشود لـ"سامح" ليشكره على مساعدته ثم قال لـ"فرح":
- شكل العنوان بتاع بطاقتك قريب من هنا.
توجسها مما سوف تلاقيه هنا جعله تتخلى بشكل ملحوظ عن روحها المرحة لتردف بتعقل غير مناسب لها:
- طيب كويس أوي.
بإبتسامة مطمئنة نظر نحوها "سامح":
- متقلقيش بقى، أنا معاكِ أهو.
أومأت "فرح" بخفة لكنها كانت تتمعن بكل التفاصيل من حولها لعلها تتذكر هذا المكان الذي يبدو غريبًا عنها بالمرة.
بقلم رشا روميه
صف "سامح" السيارة أمام بيت بسيط للغاية، إستطاع من خلال سؤاله لمن يقطنون بالحي معرفة أن هذا هو البيت الذي كانت تسكن به "فرح" ووالدتها، أخذت "فرح" تتمعن بهذا البيت البسيط المتواضع بشكل كبير في هذا الحي.
شردت بأفكارها عن هذا البيت، تتمنى لو أنها تتذكر أي تفاصيل تخصه، لتناظره بتعمق جعلها تنتفض إثر هذا الصوت المفاجئ الذي أتى من خلفها:
-مش معقول!!! فرح!!!!
إلتفت "سامح" و "فرح" للخلف نحو صاحبة هذا الصوت، لتقطب "فرح" حاجبيها بتعجب قائلة:
- إنتِ تعرفيني؟
ضحكت "ريهام" بقوة فقد ظنت أن "فرح" تمزح معها:
- يالهوي، فرح!!!! أنتِ نستيني ولا إيه؟
أكملت "فرح" بتجهم:
- طيب معلش، فكريني بيكِ كده.
شعرت "ريهام" بأن حديث "فرح" جاد إلى حد بعيد، وذلك ما سبب لها الإندهاش لتتسائل بتوجس:
- إنتِ بتتكلمي جد ولا بتهزري؟!! أنتِ بجد مش فاكراني؟!!!
تدخل "سامح" لتوضيح الأمر، خاصة وأن "فرح" شعرت بالتشتت، حتى تلك الفتاة الغريبة يبدو أنها متعجبة من الأمر، ليقتحم الحديث بطريقته اللبقة:
- مساء الخير يا فندم، أنا الدكتور "سامح الحداد"، معلش أعذريها، "فرح" عملت حادثه من فتره وفقدت الذاكره، وإحنا جينا النهارده عشان نوصل لأى حد يعرفها ويساعدها على انها تفتكر.
ألقت "ريهام" بنفسها على "فرح" تحتضنها بقوة وقد بدا على ملامحها التأثر والحزم لما أصاب صديقتها:
- يا حبيبتي يا "فرح"، ألف سلامه عليكِ، كيب وطنط "مديحة"، أخبارها إيه كويسه؟
حركت "فرح" رأسها بالنفي رغم عدم تذكرها لوالدتها وعدم قدرتها على إطلاق مشاعر الحزن الخاصة بفقدها:
- ماما إتوفت، بس!!!! أنا فعلًا مش فاكراها خالص، لولا البطاقه ولا كنت حعرف أسمي ولا إسمها...
أجهشت "ريهام" بالبكاء لفقد تلك السيدة الطيبة، بينما شعرت "فرح" بالتحسر، فكيف لغريبة أن تبكي أمها، وهي لم تتمكن من فعل ذلك، أمر ذكرها بتخبطها وغربتها الحبيسة بداخل نفسها.
تمالكت "ريهام" شهقاتها الحزينة قائلة:
- الله يرحمك يا طنط، البقاء لله يا "فرح"، طيب واقفه كده ليه؟ تعالي في شقتكم فوق نقعد ونتكلم.
وللمرة الثانية تتعجب "فرح" من دعوة الغريبة لها لبيتها هي، لكنها إنصاعت لدعوتها لترافقها مع "سامح" لشقتهم، زاد إندهاش "فرح" من تلك الفتاة التي على ما يبدو تعرف عنها الكثير، فقد مدت "ريهام" يدها تلقائيًا بحقيبة "فرح" لتخرج المفتاح من داخلها كما لو كانت تحفظ مكانه بالفعل ومعتادة على ذلك.
فتحت "ريهام" باب الشقة قائلة:
- تعالي يا "فرح"، إتفضل يا دكتور، ده بيتِك يا "فرح"، وأنا "ريهام" صاحبتك الأنتيم وزي أختك، إزاي تنسيني؟!!!
قطبت حاجبيها لتردف بأسف:
- غصب عني والله.
دار "سامح" بعينيه بأرجاء الشقة البسيطة والأنيقة بذات الوقت ليتسائل بفضول:
- هو "فرح" ومامتها ملهمش قرايب هنا؟
قوست "ريهام" شفتيها للأسفل وهي ترفع كتفيها وتهدلهما بمعنى لا أدري، ثم قالت:
- أبدًا، طول عمرهم عايشين لوحدهم في الشقه دي، وإنتوا حتى يا "فرح" سافرتوا فجأه من غير ما تقوليلي رايحين فين ولا لمين!!! وأنا إستغربت أوي، أصل إنتِ مش بتخبي عليا حاجه أبدًا.
ليتها تستطيع إجابتها، ليتها يمكنها كشف المستور وإدراك سبب سفرهم المفاجئ هذا!!! لكن الأمر يبدو أنه ليس بهذه السهولة، تنهدت "فرح" بضيق ثم تجولت بعينيها بالأرجاء تحاول تذكر أي شئ من الماضي، عن نفسها أو والدتها.
لكنها لم تتذكر شيئًا، وما أصابها بالإحباط هو وجودها هنا مع والدتها بمفردهم، ليس لها أقرباء أو عائلة تهتم لأمرها، لتنظر نحو "سامح" قائلة بضيق:
- مش قولت لك، أهو طلعت ماليش حد، عشان كده محدش سأل علينا طول الفتره دي!!!!
إنتبهت "ريهام" لذلك المحبس الذهبي الذي يزين إصبع "فرح"، لتهتف بشهقة وعدم تصديق:
- إيه ده!!!!!"فرح" إنتِ اتخطبتي؟!
إبتسمت "فرح" تجاه "سامح" لتقدمه لها ولو بصورة متأخرة:
- أيوه، الدكتور "سامح" يبقى خطيبي.
بقلم رشا روميه
توسعت عينا "ريهام" بتفاجئ رغم إبتسامتها التي لحقت ذلك:
- بجد، ألف مبروك (ثم أكملت بتلقائية وبدون تفكير) بس إستغربت أوي من كده، ده إنتِ كنتِ رافضه موضوع الجواز ده نهائي، وكنتِ بتقولي لا يمكن أبدًا تتجوزي، ده إنتِ كنتِ إتعقدتي يا بنتي، الظاهر موضوع فقدان الذاكره ده نساكِ كل إللي حصل، ولولاه ما كنتيش فكرتي في خطوبه وجواز.
إندهشت "فرح" لما تقوله عنها، فلا يبدو أنها كانت من هذا النوع المعقد:
- ياااه، أنا كنت كده، ليه؟
لوت "ريهام" فمها بإستنكار، فقد تناست كون "فرح" لا تتذكر شيئًا، لتكمل:
- حيكون ليه يعني، عشان الزفت إللي إسمه "هاني" ده، تصدقي، عملتي طيب إنك نسيتيه.
على الفور دبت الغيرة بقلب "سامح" ليسأل بإهتمام قبل أن تسألها "فرح":
- مين "هاني"، وإيه حكايته ده؟
أخذت "ريهام" تقص عليهم ما حدث وتكشف لهم العديد من الأمور المخفية، فبعض المعرفة تزيد من الضيق ويبقى وجودها بطي الكتمان أفضل من إدراكها.
لكن "سامح" تحلى بهدوء نفس لينصت برفقة "فرح" لما تقصه "ريهام" عن حياتها من قبل، وبعض المواقف بينها وبين والدتها، وبينهم وبين الجيران والأصدقاء.
لكن محاولات "فرح" أن تتذكر شيئًا منيزًا باء بالفشل، أخذت "فرح" تتجول بالشقة وهي تنظر نحو صورها المعلقة والتي تجمعها بوالدتها، لتنظر إلى إحداها بتعمق شديد، لتتساقط دموعها رغمًا عنها، كما لو أنها للتو تذكرتها، تجدد لديها إحساس فقدانها ليتجدد معها إحساس الحزن حين بدأت تتذكر ملامح وجهها وصوتها الحنون.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
حين تتواصل عجلة العالم عن الدوران، لكنها تتوقف عند لحظة فقدان من نحب، مهما حاولت البحث عن بديل، هناك أشخاص لا يمكنك إستبدالهم، لكن علينا إستكمال الحياة بداية من تلك النقطة، فلا شئ سيكون كالسابق.
رشا روميه
ألمانيا...
بعد صمت دام لبعض الدقائق حاولت بهم "ليلى" نطق تلك الكلمات القاسية، لكنها بالنهاية تفوهت بها، أغرورقت عيناها بالدموع رغم شموخها وقوتها التي تتظاهر بها قائلة:
- بابا مات صح؟؟! بابا مات؟
كانت إجابته برمشة خفيفة وهو يومئ بالإيجاب، ثم قال بنبرة متأثرة للغاية:
- للأسف، البقاء لله.
نعم لقد أدركت ذلك من قبل تفوهه به، لكن حين نطقها ليؤكد لها ظنها شعرت بأن ساقيها لا تحملانها، كورقة شجر تسقط بالخريف لتتهاوى تترنح تتخبط بالرياح من حولها.
حتى وإن لم تشعر بحنانه طيلة تلك السنين، لم تلاحظ وجوده قربها بأشد وقت إحتياجها، إلا أنه كان السند وصمام الأمان، كان يكفي وجوده حولها لتغمض عينيها بسكينة، لقد كان عائلتها الوحيدة، فقدانه لم يكن في مخيلتها على الإطلاق رغم أنه سنة الحياة.
إبتلعت غصتها وهي تتراجع نحو الخلف تتلمس بيدها الباحثة عن المقعد القريب، تريد متكئ تستند عليه، فقد شعرت أنها تهوى ولا يمكنها الثبات، فحتى ثباتها المصطنع يتلاشى بتلك اللحظة، لقد رحل.
بقلم رشا روميه
حين تترك مشاعرك تنساب كما لو كنت تنظر بالمرآة، فمن يقتسم معك تلك اللحظة اهو نفسك وأقرب منها حتى لو ظننت العكس، أن تترك نفسك على سجيتك أمام من تحب، من تكشف له المستور من ضعفك لهو من وضعته وحده بهذه المكانة بقلبك، ولن يشاركه أحد.
لم تكترث لإظهار قوتها بعد الآن، لن تتظاهر بالتماسك واللا مبالاة كما إعتادت، بل أطلقت شهقات عالية لتبكي من كان لها سندًا وقوة، متى كانت تظن أنها لا تحبه؟! لقد غُرست محبته بقلبها منذ أن فتحت عيناها، ومن سواه تبكي وتحزن، إنه الأب الذي لا يحل محله أحد، ولن يجرؤ سواه حتى على المحاولة.
أخذت شهقاتها تتعالى لتسقط بألآم موجعة بقلب "نور"، فتلك هي المرة الأولى التي يراها بمثل هذا الإنهيار، دموعها الحزينة أحرقت قلبه المحب.
جثى "نور" بركبتيه على الأرض أمام "ليلى" التي لم تعد تتمالك حزنها وبكائها، ليهمس بتوسل حنون:
- بلاش أرجوكِ، إنتِ عارفه إنه إرتاح من الألم إللي كان عايش فيه، ودي إرادة ربنا، مش إنتِ كنتِ بتدعي له إن ربنا يخفف عنه.
تحدثت بصعوبة وسط شهقاتها المتلاحقة، فهي مؤمنة تدرك ما يقوله حقًا، بل كانت تتعذب لرؤيته متألمًا، مريضًا بهذا الشكل:
- بس، الفراق، صعب أوي.
أخرج منديلًا من جيب سترته ليمده نحو وجنتيها بحنان محاولًا مسح دموعها المتلاحقة وهو يستكمل بنبرته الهادئة التي تنساب لأذنيها بلطف يربت فوق قلبها الحزين:
- عارف حبيبتي، بس دى سُنه الحياه، ولازم نصبر ونحتسب، وإنتِ مؤمنه، يبقى نقول إيه، إنا لله و إنا إليه راجعون.
- ونعم بالله، إنا لله و إنا إليه راجعون.
طالت نظرة "نور" تجاهها، يتمنى لو يقدر على إزالة هذا الحزن من قلبها، لكنه أردف بالنهاية بعملية شديدة:
- ربنا يرحمه ويغفر له، يلا يا "ليلى"، عم "عزت" ملهوش غيرنا في الغربه، إدخلي إنتِ غيري هدومك عشان نروح المستشفى وأنا منتظرك تحت عشان نروح له المستشفى.
حركت "ليلى" رأسها بالإيجاب، لتنهض بآلية لداخل الشقة بينما تركها "نور" لينتظرها أسفل البناية.
بدلت "ليلى" ملابسها بأخرى سوداء لتطغى على ملامحها الحزينة بهيئة إزدادت حزن، كانت تحرك قدميها كما لو أنها تعيش حلمًا حزينًا، كما لو أن إحساسها بحركة جسدها مجرد صورة دون أي شعور.
وصلا إلى المستشفى بدون تأخير لتتجه "ليلى" بخطواتها الراكضة نحو غرفة والدها لتلقي عليه نظرة الوداع الأخير، نظرة تكاد تجزم أنها لن تنساها طيلة عمرها.
إرتجف جسدها وهي تنظر نحو والدها الساكن للغاية، لكن ملامحه أصبحت أهدأ بشكل كبير، حتى وجهه الذي كان محتقنًا يميل للإصفرار أصبح صافيًا كمن تعافى من المرض.
إخذت تهتف به تتمنى لو يفتح عيناه ويجيبها ولو لمرة أخيرة تودعه بها:
- بابا، بابا، رد عليا يا بابا، كده برضه تسيبني لوحدي في الدنيا كده!!!
إمتعض وجه "نور" بإشفاق على حالها، لكنه لن يتركها تتمادى بهذا الإنهيار الخاطئ، ليردف بهدوء:
- تعالي معايا يا "ليلى".
حركت رأسها بالنفي وهي تتشبث بكف "عزت" تتمسك بآخر فرصة لها معه:
- لاااااااا، عاوزه أفضل معاه، أرجوك يا "نور".
- مينفعش يا "ليلى" إللي بتعمليه ده، إدعيله بالرحمه وإقرأي له قرآن، لكن كده لأ، ده إنت عاقله وعارفه كويس، ده قدر ربنا، وحكمه.
طأطأت رأسها بإنكسار فقد ضاع الرفقة والسند، لتجيبه بضعف شديد:
- بقيت وحيده خلاص، بقيت لوحدي في الدنيا دي، أنا معادش ليا حد.
صوته المحب الحنون إخترق مسماعها وهو يدنو منها برفق:
- طيب وأنا رحت فين!!!! أنا جنبك يا "ليلى" ومش حسيبك ولا أتخلى عنك أبدًا، يلا، تعالي نطلع بره شويه، قومي معايا.
تحركت معه وعيناها تودع "عزت" للمرة الأخيرة، حتى أغلق الباب الذي أعلن النهاية، وداع أخير لا يمكنها العودة منه مطلقًا، إحساسها بأن كل من كان لديها بالحياة فقدته بفقدان والدها، جعلها تشعر بالإنهيار، لم تعد تقدر على تمالك نفسها، لتجد رأسها تدور بشكل مفاجئ قبل أن تسقط أرضًا مغشيًا عليها.
أسرع بقية الطاقم الطبي بوضع "ليلى" على حامل متحرك ليتم وضعها بأحد غرف المستشفى وحقنها ببعض المهدئ، فقد سقطت القوة ببحر الإنهزام، فيجب الإبقاء على أعصابها هادئة حتى تستطيع تخطي صدمتها بموت والدها.
إطمئن "نور" على "ليلى" ليتحرك بعجالة لينهي إجراءات دفن "عزت" ببلاد الغربة، دون حضور "ليلى"، فقد كانت غائبة تمامًا عن الوعي، ليقوم بدوره على أكمل وجه ويكرم مثوى هذا الرجل الذي أخطأ كثيرًا، وعانى كثيرًا، فمن منا ليس خاطئ ومن أكبر من التوبة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بنهاية هذا اليوم الذي مرت ساعاته بصعوبة، ما بين حسرة قلوب وحزنها، وبين تخبطات وهواجس، لكنه بالنهاية إنتهى ليحل المساء بموعده، فلا يمكن إيقاف عجلة الزمن، فكل مُر سيمر، مهما كانت أوجاعه.
عائلة مكاوي...
رغم ما مرت به عائلة مكاوي اليوم؛ إلا أنهم تجمعوا بموعدهم الثابت لتناول طعام العشاء كما إعتادوا، لكن سيطر عليهم الصمت التام خلال تناول تلك الوجبة، فقد غاب عن طاولتهم "أنور" و"زهرة" وأيضًا "جميلة".
فيبدو أن القدر يبعدهم واحد تلو الآخر، لكن ليس معنى ذلك أن يتفرقوا، بل عليهم جمع شتات تلك الأسرة مرة أخرى، الجميع يخطئ ويستحق الغفران يومًا ما، خاصة إذا صدقت النوايا.
جلس "زاهر" يناظر حزن الجميع من حوله متفكرًا بما إقترفه من خطأ، فحتى وإن أخطأ بحق ولديه لكنه كان يتمنى لهم حياة أفضل ليس إلا.
تطلعت "فردوس" بحزن نحو المقاعد الشاغرة تتمنى لو يعود أصحابها إليها، لكن هناك وقت لا ينفع به التمنى والندم، عادت بنظراتها نحو الصغيرتين المتشبثتين بـ"محمود" كملاذهن الوحيد بعد ترك والدتهم لهن وغادرت، بينما أخذ "محمود" يهتم لهم ويطعمهن بهدوء، لكن بروح منطفئة، فيبدو أن رحيل "زهرة" و "جميلة" سببا بداخله حزن غير مسبوق بالمرة.
قرر "محمود" المبيت بشقة والديه حتى عودة "جميلة"، حتى تساعده والدته بالإهتمام بالفتيات ببعض الوقت إن إحتجن لذلك، ليستكمل حياته التعيسة بما يلزم عليه فعله، وليس بما يحب.
بقلم رشا روميه
شقة خليل زيدان...
لم تكن "زهرة" أفضل حالًا، فهي الغريبة ببيتها، تعيش وحيدة رغم وجود أهلها معها، فضلت البقاء بغرفتها كما كانت ببيت مكاوي، لكن على الأقل لم تعد تشعر بالذنب، ذلك الشعور الذي كاد يقتلها الأيام الماضية، فإن شعرت بالحنين والحزن، فتلك احاسيس إعتادت عليها، فما الجديد، ستبقى وحيدة فضلًا عن أن يُكشف المستور وتفضحها مشاعرها الخاطئة.
بقلم رشا روميه
السويس...
بعد أن وصلت "فرح" للا شئ كما تقول، فلم تقدر على التوصل لأحد من أهلها، أو حتى سبب سفرهم المفاجئ.
وجدت نفسها غريبة وحيدة بتلك البلدة، فحتى الأماكن لا تتذكرها، لهذا قررت بيع شقتها بالسويس والإنتقال للقاهرة إلى جوار "سامح"، الذي يبدو أنه سيكون أسرتها الوحيدة بهذه الدنيا، خاصة وأنه قرر التعجيل بالزواج بعد بضعة أشهر فلم الإنتظار وبقاء كل منهما بعيدًا عن الآخر.
قضيا الليلة بأحد الفنادق بمدينة السويس، ليرتب "سامح" أمر البيع والإنتقال، وعليه البحث عن شقة مستأجرة مناسبة لـ"فرح" بالقاهرة حتى يتم إتمام زواجهم، فبقائها بالفندق غير مناسب على الإطلاق.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
يوم وراء يوم، توالت الأيام ثقيلة متشابهة، يحمل الصباح طيف المساء، ويأتي الليل ليسكن بصمته الموجع، فلا رفقة بالقلب الحزين، ولا تعاسة تتلاشى، لكن عجلة الحياة تستمر في دورانها، تسير بطريقة محدد وتجبر الجميع على الإنسياق خلفها.
رشا روميه
ألمانيا...
بعد مرور عدة أيام ظلت بها "ليلى" حبيسة مسكنها، حزنها كان قويًا كما كانت كل أزمة بحياتها، عواصف تتخبط بها منذ أن بدأت تعي الدنيا من حولها، قابلتها دومًا بقوة وإنتصار، حولت الهزائم لإصرار، لكنها الآن شعرت بأنها أوشكت على الإستسلام، فالمعركة هذه المرة كانت خسائرها مؤلمة للغاية لنفسها الهشة التي أخفتها خلف قناع من القوة.
أيام قبعت بها دون مغادرة الشقة، حتى عملها بالمستشفى لم تتمكن من الذهاب إليه وفضلت أن تبقى بمفردها لبعض الوقت لتتمالك حزنها على والدها، فهي ترفض تمامًا أن تظهر بهيئتها الضعيفة أمام أي شخص.
كان "نور" يطمئن عليها من وقت لآخر ويساعدها بشراء بعض الوجبات والطلبات التي تحتاجها خلال تلك الأيام، كما أخذ يحثها على الذهاب للعمل لتتناسى حزنًا ولو قليلًا، لتوافق مجبرة فالحياة عليها أن تستمر، رغم أنها قد إختلفت تمامًا بأعينها بعد وفاة والدها.
بقلم رشا روميه
إستعدت للذهاب إلى المستشفى في اليوم التالي، فقد حاولت العديد من زميلاتها بالعمل مواساتها لكنها رفضت مقابلة الجميع، فلن تترك دموعها تحت أنظار الجميع، فلا تريد منهم شفقة أو عطف.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
شقة سامح الحداد..
وضعت "أسماء" طبق ممتلئ بقطع الكعك اللذيذة وهي ترحب مرة أخرى بوجود "فرح" قائلة:
- عايزه طبق الكيك ده كله يخلص، ماشي، أنا حروح أعمل لكم فنجان شاي بالنعناع إنما إيه، معتبر.
إبتسمت "فرح" برقة، ثم قالت بإمتنان:
- تسلم إيدك يا طنط.
- لا طنط إيه بقى، من هنا ورايح تقوليلي يا ماما، ماشي؟
أومأت "فرح" عدة مرات بتقبل:
- حاضر، يا ماما.
خرجت "أسماء" لتعد مشروب الشاي المفضل بالنعناع تاركة "سامح" و"فرح" بغرفة الصالون يستكملون حديثهم.
إنتظر "سامح" قليلًا حتى خرجت والدته وإتجهت نحو المطبخ، ليعيد سؤاله لـ"فرح":
- فهميني كده إيه اللي حصل؟
رفعت "فرح" عينيها نحو السقف بحركة لطيفة تدعي محاولة التذكر، فيما لاح بعقلها ما حدث بالأيام الماضية منذ زيارتهم السويس، فقد إنتابها أحلام متكررة رأت بها والدتها وهي تتحدث معها، لتتذكر بعض الأحداث الماضية دون تأكد إن كانت مجرد أحلام أم أنها حدثت بالواقع من قبل، لأن أغلب تلك الأحلام تأتي كمشاهد بذاكرتها بشكل غير مترابطة حتى الآن.
أخذت "فرح" تقص على "سامح" ما تراه بتلك الأحلام لمحاولة فهم ما إذا كان ذلك مجرد خيال أم أنها الحقيقة التي بدأت تُكشف لها عما تخبئه، أردفت بعد تصنع التعمق بالتفكير بشقاوتها المعهودة:
- بس يا سيدي، هو ده آخر حلم، إنها كانت زعلانه وأنا كمان زعلانه، بس مش فاكره ليه كنا زعلانين!!!
مساعدة "سامح" لها بربط للأحداث والأحلام ببعضها البعض كان مفيدًا للغاية بتنشيط ذاكرتها، لكن الأمر لم يكن بصورة واضحة بعد، ليجيبها بمحاولة فهم الأمر:
- مش عارف بصراحه، بس اللي باين إنكم مكنتوش مبسوطين قبل السفر، طيب مفتكرتيش بقى ليه والدتك كانت بعداكم عن كل قرايبكم إللي حاولنا كتير نوصل لحد فيهم ملقيناش؟
حركت "فرح" رأسها بالنفي:
- لا، مش فاكره ليه، أنا إفتكرت حاجات بسيطه أوي، زي ما قولت لك، بس مش فاكره أي تفاصيل تانيه.
- عمومًا إنتِ دلوقتِ مش قاصر، ولو موصلناش لحد من أهلك فإنتِ ممكن تكوني وكيلة نفسك لما نكتب الكتاب، ما إحنا كلها كام شهر ونتجوز بقى.
لمحة حزينة تجلت بعسليتيها لتردف بإنكسار:
- كان نفسي أتجوز وأعمل فرح كبير ويحضره أهلي كلهم، ويفرحوا بيا، بس هم فين!!!
لم يهمه كونها من أكبر العائلات أو أقلها، لا يريد سواها لتنير عتمة حياته بوجودها المشرق، ليردف بمحبة حقيقية:
- مش مهم فين أهلك ولا هم مين، أنا كل أهلك وحعوضك عن كل إللي فاتك وحنعمل فرح كبيــــــــر أوي يحضره كل الناس مش أهلك بس، وحنفرح، وإن شاء الله ربنا مش حيحرمنا من فرحتنا دي طول ما إحنا مع بعض.
وبك إكتفيت عن كل العالم، فلا يهم أعداد أناس من حولنا لا يؤثرون بحياتنا ولا يهتمون بنا تحت مسمى الأقارب، ليتك أنت كنت كل العالم ومن فيه.
رشا روميه
إبتسمت "فرح" بسعادة، فقد فضلها عمن سواها من فتيات العائلات الكبرى، أمر ما جعلها تشعر بأنها لم تحظى بهذا الشعور من قبل، لتردف بذات المحبة:
- انت على طول بتقدر ترسم الإبتسامه الحلوه في حياتي.
شعرت "فرح" بدوار طفيف حل بها لتتمسك برأسها بشكل مفاجئ أثار قلق "سامح":
- "فرح"!!! مالك، حاسه بإيه؟
- مش عارفه، دماغى لفت بيا شويه كده وصداع خفيف في دماغي.
- طيب نروح المستشفى بسرعه نطمن!!!
رفضت "فرح" شعورها بالمرض مرة أخرى، لتسرع بإدعاء أن الأمر لا يستحق، لتمازحه قليلًا حتى لا ينتبه للأمر ويعطيه أهمية أكبر من حجمه:
- لا لأ، مش للدرجه دي، أنا حبقى كويسه دي حاجه بسيطه، يلا قولي بقى حتعمل الفرح فين؟
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
زهرة...
أيام مرت ببيت والدها حاولت لها "زهرة" أن تتجنب أي صدام بينها وبين والدتها أو زوجته، لكنها كانت راضخة تمامًا ومتقبلة على مضض لما ستؤول إليه حياتها القادمة، فيجب عليها أن تتحمل قدرها المحتوم الذي لم يتغير.
تعلم جيدًا أن الأيام سريعة التحرك، يومًا ما ستجد نفسها حرة طليقة من شعور العدة بعد وفاة زوجها، لكنها كانت تتمنى ألا تنتهي ولا تحصل على تلك الحرية المزيفة، فوقتها ستقع مأساتها بالزواج من هذا الغريب الذي يتحدثون عنه، إجبار للمرة الثانية لكن بصورة أبشع حقًا.
إشترطت "زهرة" ألا ترى هذا العجوز وأنها تعتبر حرة نفسها بأيام عدتها، لن تحسب نفسها خطيبة له حتى لا تقع في ما لا يرضي الله حتى تنتهي أيامها، لينصاع "خليل" وزوجته لعدم ذكر الأمر أو طلب زيارة هذا الرجل لها حتى تتم أيام العدة، خوفًا من أن تتركهم "زهرة" أو تدفع بالرجل للتراجع عن خطبتها، فقط كانوا كالعقارب تتخبئ بالرمال بسكون لتنتظر الوقت المناسب لتلدغ لدغتها دون أن تخسر شئ.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ما من خديعة تحاك بالخفاء، ومكيدة ماكرة خُطط لها بإحكام؛ إلا وسوف ينسدل عنها الستار في لحظة فارقة، يتجلى بالعلن ما كان مجهولًا، وينكشف ما سُتر، فربما يمهل الله فرصة ستره لتائب عن ذنب فَعَلْه، لكن حين يستنفذ كل رصيد ستره، يتضح سوء أفعاله وشرها.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي...
غابت "جميلة" عن البيت باحثة عن وسيلة ضغط جديدة، وظنت أنها بتركها الصغيرتان سيتوسل لها أصحاب هذا البيت جميعًا بالعودة، وأنها ستجعلهم يندمون حين يفكروا بتضييق الخناق عليها، فيكون لذلك ألف حساب.
لكنها لم تعلم أن بتلك الأيام أصبح البيت أكثر راحة وهدوءًا، خاصة بالنسبة لـ"محمود".
ربما أرهقت "فردوس" قليلًا لمراجعة الصغيرتان والأعمال المنزلية التي تراكمت عليها لكنها لم تتذمر أبدًا فيكفيها أنها ترى ولدها ينعم ببعض الراحة.
كما كانت تقول لنفسها أنها مجرد بضعة أيام وسوف تعود "جميلة" لتتولى رعاية الفتيات وتساعدها كما كانت تفعل من قبل.
حضرت "فردوس" الطعام ووضعت الأطباق فوق الطاولة، بينما إمتعضت ملامحها بإرهاق شديد وهي تشتكي حفيدتها لولدها بصوت مسموع حتى تتعلم الفتاة كيف تنصاع لما تطلبه منها، لتهتف "فردوس" بضيق:
- شوفت يا "محمود"، "إسراء" مش راضيه تخليني أأكلها إزاي!!! تعبتني خالص ومش راضيه تاكل.
نظر "محمود" بمحبة نحو ابنته الكبرى التي كانت تنتظر دورها لتشتكي إليه بأعين غاضبة بشكل طفولي وهي تتذمر من إصرار جدتها، ليسألها "محمود" وهو يكتم ضحكته من غضبها المرسوم على ملامحها الصغيرة:
- مش عايزه تسمعي الكلام وتاكلي ليه؟
عقدت "إسراء" ذراعيها بضيق أمام صدرها قائلة بتذمر:
- أنا كبيره، أنا مش صغيره زي "لمى"، أنا عايزه أقعد على كرسي زيكم وآكل لوحدي.
ضحك "محمود" حتى إتسعت إبتسامته، فصغيرته دائمًا تسعى لأن تكون أكبر من عمرها، لها شخصية قوية مستقلة رغم حداثة عمرها، ولقد أحب ذلك بها وسوف يشجعها أن تكون قوية مستقلة، فيكفي ضعف وخنوع بتلك العائلة، ليومئ برأسه بالموافقة قائلًا لوالدته أولًا:
- بعد إذنك يا "تيته"، الأستاذه "إسراء" الجميله، حتقعد معانا وتاكل لوحدها.
حركت "فردوس" رأسها بإيمائة خفيفة وهي تبتسم بحنان، فيبدو أن قدر "محمود" بأن يكون لديه بنات رائعات كـ"إسراء" و"لمى"، يعوضونه عن قسوة الحياة معه.
بقلم رشا روميه
دفع "محمود" المقعد المجاور له قائلًا وهو يشير نحوه يدعو "إسراء" للجلوس عليه:
- خلاص، إتفضلي، تعالي على الكرسي إللي جنبي هنا.
رفعها "محمود" لتجلس إلى جواره ثم وضع أمامها أحد الأطباق لتتناول طعامها بمساعدته إن لزم الأمر.
كانت تلاحقها إبتسامات من جدها وجدتها فهي وأختها بسمة هذا البيت وفرحته.
قبل البدء بتناول الطعام أمسكت "إسراء" إحدى الزجاجات الصغيرة للماء وأخذت تضع منها بعض القطرات فوق طعامها، أمر غريب جذب إنتباههم بإستياء لما تفعله تلك الصغيرة بطعامها، ليناظرها "محمود" بإستنكار، ثم هتف بها بهدوء لكن أظهر لها عدم رضاه عما فعلت:
- إيه ده يا "إسراء"؟! مينفعش كده!!!! في حد يحط المياه على الأكل ويبوظه كده؟!!!
رفعت "إسراء" وجهها تجاه أبيها، ثم أجابته بثقة شديدة، توضح لوالدها أن ما تفعله ليس أمرًا خاطئًا:
- إنت مش عارف يا بابا، أنا أحط مياه عشان يبقى طعمه لذيـــــــــذ، ماما قالتلي كده!!
ضم شفتيه بإستياء رغم ملامحه الضاحكة من أفعالها، خاصة وهي تدعي أن والدتها قالت لها ذلك لأجل أن تستكمل عبثها بالطعام، ليردف متهكمًا من سببها:
- بقى ماما قالت لك حطي المياه كده فوق الأكل برضه!!!!
وقفت تدافع عما فعلته بقوة كما لو كان الحق معها، قائلة بثقة وتحدي:
- أيوه!! أنا شوفتها وهي بتحط مياه فوق الأكل، ولما سألتها بتحط مياه قالت لي عشان يبقى طعمه لذيذ.
قرص "محمود" أذن تلك المشاكسة بمزاج معقبًا:
- لا يا "إسراء" أكيد مش مياه، ممكن يكون ملح أو ليمون، أي حاجه، لكن مش مياه، وبلاش لماضه بقى!!!!
بكت الصغيرة وهي مصرة على الدفاع عن نفسها وتثبت أن الحق معها:
- لأااااا، هي قالت لي كده، كانت بتحط مياه فوق أكل أبله "زهرة"، وكان معاها إزازه صغيره، وقالت لي عشان يبقى لذيذ، وأنا عايزه أحط مياه زي ماما عشان أكلي يبقى لذيذ هاااه.
أنهت حديثها وهي تعقد ذراعيها بقوة وتعقص من ملامح وجهها الغاضبة لأن والدها لا يصدقها.
إنتبه "محمود" لأمر ما، أمر يكشف الحقيقة الغائبة عنهم، فربما ابنته قد قالت الحق، وقد وضعت "جميلة" شئ ما بطعام "زهرة"، ليهمس بإرتياب:
- أكل "زهرة"!!!!!!!!!
نظر نحو والديه المندهشان وقد دي بقلبهما الشك كما إنتابه أيضًا، حديث صامت بين عيونهم دون الإفصاح عن شكوكهم، فهل يمكن أن تكون "جميلة" من وضعت السم بطعام "زهرة"؟!!!
حين يأتي القدر بموعد كشف الحقيقة ويزاح الستار عن ما خبئ، يزال الستر ويفتضح أمر من لم يحسب حساب أن الله يرى ما تفعل، ويمهلك فرصة التوبة لا أكثر حتى تستنزف كل الفرص.
إلتف "محمود" بجدية وهو يمسك "إسراء" من ذراعيها بلطف لكن ملامح وجهه كانت تقول شئ آخر، فما أخفته "جميلة" ربما ستكشف إبنتها المستور وتخبرهم بما حدث دون أن تدري، ليسألها "محمود" عما حدث بالتفصيل:
- إمتى يا "إسراء" ماما حطت المياه في أكل أبله "زهرة"؟
أجابته الصغيرة بتلقائية:
- يوم ما أبله "زهرة" عملت لي المكرونة والبانيه إللي أنا بحبهم.
إتسعت عينا "محمود" بصدمة لينظر تجاه والديه اللذان لم يختلف صدمتهما عنه، لتشهق "فردوس" بقوة وهي تضع يدها فوق فمها لتمنع نفسها من الحديث أمام الصغيرة، بينما طلب "محمود" من ابنته الذهاب لغرفتها، ثم إستدار نحو والديه قائلًا:
يتبع