رواية حتي يجمعنا القدر الفصل التاسع والعشرون29 بقلم رشا روميه

رواية حتي يجمعنا القدر بقلم رشا روميه
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل التاسع والعشرون29 بقلم رشا روميه
 «طريق مسدود»
أحيانًا قد تصل لنقطة لا يمكننا بها التراجع، ويتوجب عليك المضي قدمًا، فتلك هي الوجهة الوحيدة المتبقية، فقد إستنفذت كل الطرق، طرق سلكناها من قبل بمحض إرادتنا وبكامل الشغف، حتى وصلنا لتلك النقطة.

بقعة سوداء تسبب لك العمى التام، فلم تعد ترى النهاية بوضوح، لكنك مجبر على إستكمال الطريق، أن تشعر بالهزيمة فلا تقوى على التقدم، ولم يعد هناك طريق للعودة، أُغلقت كل الصفحات، وإنتهت كل المحاولات، أن تصبح كل النوافذ مغلقة، ولا توجد أبواب لتفتح، حينها فقط تدرك أنك قد وصلت لطريق مسدود، لكن قبل أن ترفع الراية البيضاء فلتعلم أولًا أن ما تراه نقطة النهاية لطريقك اللا رجعة فيه، ربما هو طريق السلامة، فإختيارك لطريق السلامة أو لطريقك المسدود ما هو إلا وجهة نظر، فما تراه شرًا، يراه سواك الصواب بعينه.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الأمل...
لعل إبتلاءك الذي تكره، وما تظنه شرًا كُتب لك، هو الذي سيقودك يومًا لقدر لم تكن تحلم به، تغاضى عن الألم لترى الألم.
رشا روميه

مرور الوقت أصبح بطئ للغاية، قاتل لنفوسهم المنتظرة بترقب، لم يقوى "محمود" على الإبتعاد بل وقف ملتصقًا بالباب، تعلو عيناه نظرات الإنتظار والترقب، قلقه الشديد وتخوفه الظاهر جذب إنتباه الجميع، فيبدو أن هذا الشاب يتخوف من فقدان زوجته التي بداخل غرفة الطوارئ.

فُتح باب غرفة الطوارئ ليظهر هذا الطبيب الذي إمتعض وجهه بقوة، تطلع به "محمود" بأعين فزعة لتتسارع أنفاسه فقد شعر بأن الهواء إنسحب من رئتيه بقوة، خاصة عندما نكس الطبيب رأسه قائلًا بتساؤل:
- إنتوا أهلها؟

هوى قلبه بقدميه متخوفًا من إجابة سؤاله حتى لا يسمع ما يؤلم قلبه، لكنه بذات الوقت أراد أن يطمئن عليها، ليحسم تردده بالإجابة الفورية:
- أيوه، هي عامله إيه؟ إيه إللي حصل لها؟

رفع الطبيب ببعض التعجب موضحًا:
- للأسف دي حالة تسمم، إحنا عملنا لها غسيل معده، بس لحد دلوقتِ مش معروف نوع الماده السامه.

ناظره "محمود" بإستغراب شديد:
- تسمم!!!!، إزاي ده، ده إحنا كل أكلنا من البيت، مش بناكل أي حاجه من بره؟!!!

إمتعض وجه الطبيب قليلًا، ثم أكمل بمهنية:
- ده إللي ظاهر من الأعراض، وتحليل الدم طبعًا، لكن الأول نطمن على حالة المدام، لأن النبض بتاعها ضعيف جدًا، وحالتها مش مستقره.

إهتزت نبرة "محمود" ولم يفكر في سواها، لا يهمه كيف حدث الأمر بقدر أن يتم إنقاذها وسلامتها بالمقام الأول.

بعد مرور من الوقت إحترقت به أعصاب "محمود" ووالديه بالإنتظار، قلق وتخوف على تلك المسكينة التي تكررت أزماتها بشكل كبير بالآونة الأخيرة، خرج لهم الطبيب مرة أخرى بدون أي تعبير بملامحه يظهر لهم الإطمئنان من عدمه، بينما تحدث ببرود:
- الصراحه مش عارف أقول لكم إيه.

لكل شخص قدرة على الإحتمال، لكن تلك القوة تتلاشى عندما تخص من تحب، فحتى ذوي الهدوء والثبات تطيح بهم عاصفة عدم التحمل إن أصابت القلب وأصحابه، هتف "محمود" بالطبيب بإنفعال:
- كفايه بقى، أعصابنا باظت، قولنا هي عامله إيه؟ قولنا بالله عليك إن النبض إتظبط ومفيش خطر على حياتها، إحنا خلاص مش قادرين نستحمل القلق والخوف.

عقب الطبيب بذات الهدوء:
- متقلقش يا أستاذ، المدام خلاص حتبقى كويسه، هي أه حصل لها حالة تسمم، لكن من حُسن حظها إنها شربت لبن أبطل مفعول إنتشار السم بصوره كبيره جدًا.

أغمض عيناه لوهلة ببعض الراحة، فقد تخطت الخطر، تخوف من فقدها، ليتيقن أن مشاعره تجاهها ليس لمجرد تعويض عن فتور حياته مع "جميلة"، بل هي مشاعر تخصها وحدها، هي فقط من دق لها القلب، وتزلزت لها نفسه.

تنهد "محمود" برفق متمتمًا يلتقط أنفاسه براحة:
- الحمد لله.

نظرت "فردوس" بإندهاش وإمتنان بنفس الوقت لما ألهمها به الله:
- سبحان الله، الواحد مكنش يعرف إن إصراري عليها كل شويه تشرب اللبن عشان يقويها يكون السبب في إنه ينقذ حياتها كده، ربنا بيحبها والله وبتطلع من كل حاجه والتانيه بخير.

إلتف "محمود" تجاه الطبيب متسائلًا:
- طيب ممكن نطمن عليها؟

- الأفضل خليها ترتاح دلوقتِ وبكره إن شاء الله تروح معاكم كمان.

أومأ "زاهر" بتفهم ليُحدث ولده:
- الحمد لله على كل حال، يلا يا "محمود" طالما هي بخير والدكتور بيقول ترتاح، خلينا إحنا نروح ونيجي لها بكره تكون إرتاحت ونروحها معانا البيت.

نظر "محمود" نحو والده ليومئ تجاهه بصمت، فحتى المناقشة أصبح يتجنبها معه، سيوافق كما يوافق على كل ما يطلب، لكن بداخله يرفض كل ذلك، لكنه قد وصل لطريق مسدود معه، لم يعد إظهار ما بداخله يفيد، فما بينه وبين والده أصبح يغشاه الضباب ولا تظهر به الحقائق، وحتى إن حاول إظهار ذلك سيأتي أمر جديد لإرغامه على الإستكمال إرضاء لوالده.
بقلم رشا روميه 

أشار لوالديه بالخروج من المستشفى لإيصالهم للبيت، دون مناقشة أو حديث، لقد أدرك أن النقاش لا فائدة منه، لهذا توجب عليه إختيار طريقه بنفسه، عليه أن يستغل ما وصل إليه ليفتح له أفق جديد بطريق آخر.

توقف "محمود" بالسيارة أمام البيت ليردف بهدوء دون إيضاح:
- إنزلوا إنتوا، أنا ورايا حاجه ضروري لازم أرجع لها في المحل.

- ماشي يا إبني، ربنا ييسر لك طريقك.

ترجل كلاهما من السيارة ليطمئن "محمود" بدخولهما للبيت، ثم عاد أدراجه بأقصى سرعة للمستشفى.

من قال أنه سيشعر بالراحة أو يغمض له جفن وهو لم يطمئن عليها، كيف سيتركها وحيدة بهذا المكان القاسي وسط آلامها وهو ينعم براحة بعيد عنها.

صعد بخطوات متسارعة للدور العلوي حيث غرفة "زهرة" ليقابل الممرضة المناوبة لهذا اليوم قائلًا:
- بعد إذنك، أنا قاعد هنا، أول ما تفوق بلغيني.

إبتسمت له الممرضة لما رأته من تلهف لرؤية تلك المريضة، فلم يكن الأمر يحتاج لفطنة لإدراك محبته لها، أومأت له بخفة بينما جلس "محمود" بالمقعد المقابل للغرفة عاقدًا ذراعيه وهو يستند بظهره للخلف في إنتظار شروق شمسه التي غابت عن عيناه.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

أحببتك كآخِر كلمة ينطق بها لساني قبل يُغلف بالصمت، أنت الإحساس الذي نجا بداخلي بوقت ماتت به كل المشاعر، إن كان علي التضحية سأضحي بالجميع، بنفسي إن لزم الأمر، وأكسب قلبًا كان حلمًا وأمنية.
رشا روميه 

مستشفى الأمل...
جلس "محمود" بالإنتظار، فلن يبرح مكانه حتى يراها، لن يغمض له جفن إن لم تتشبع عيناه بها، ولن يهدأ قلبه حتى يواصل الطريق.

إنتظر مقابل غرفتها متخذًا كل الأوضاع القلقة، ما بين سير وتوقف، جلوس متهدل وآخر بائس، ضامًا رأسه ومُسقطها، كل التحركات قام بها بدون شعور، فقط ينتظر أن تستفيق.

لم يصدق أذناه حين إقتربت منه الممرضة قائلة بعد إنتظار دام طويلًا:
- المدام فاقت خلاص يا أستاذ "محمود"، أول ما فتحت عينيها جيت عشان أبلغك على طول زي ما طلبت مني.

تهللت ملامحه بإبتهاج:
- فاقت بجد، أنا، متشكر أوي.

- على إيه بس، حمد الله على سلامتها، خدوا بالكوا من أكلها، الظاهر الأكل مكانش كويس.

مد "محمود" يده بجيبه مخرجًا ورقة نقدية ليعطيها لها شاكرًا لها على مساعدتها له، وبشارتها له بإفاقتها.

تقدم نحو الغرفة بصدر مضطرب، ليطرق الباب بتلهف، فما يريد سوي رؤيتها، فقد علقت بذاكرته لحظة إغمائها التي أنهكت قلبه قلقًا.

بصعوبة شديدة أخذت "زهرة" تفتح عيونها، فقد أصاب رأسها دوار شديد جعلها غير متزنة على الإطلاق، إنهاك بجسدها ووهن بروحها، لكنها حاولت رفع رأسها الثقيل للأعلى تحاول إدراك أين هي، وما هذا المكان الغريب عنها، فهي لا تتذكر كيف جاءت إلى هنا.

دلف بتلك اللحظة "محمود" لداخل الغرفة، تعلقت سوداوتيها المرهقتان به، كما لو أنها تبحث عن مصدر للأمان لتجده بوجوده برفقتها، طمأنينة غائبة لا تزورها إلا حين تتطلع إلى ملامحه، خاصة تلك الإبتسامة التي تعلقت بشفتيه.

تقدم نحوها بقلب منتفض، كم هو سعيد برؤيتها على قيد الحياة، فقد أوشك على فقدانها وفقدان روحه معها، مجرد رؤيتها دب الحياة مرة أخرى بداخله، إنها ليست عادية أو بديل لبعض الحرمان، لقد إستوطنت بداخله ولن تبرح مكانها، ولا يمكن أن تحل سواها محلها.

فلو كان بيده الإختيار، لإختار أن يبقى فقط إلى جوارها، فكل كلمة منها لحن عذب يطرب آذانه، وكل نظرة منها تزين حياته بألوانها، وكل إبتسامة هي بهجة روحه ونور ضيائه بطريقة المسدود.

هدأت نفسها للحظة وهي تناظر دخوله بخطواته الهادئة وقد سُلطت عيناه عليها، مجرد رؤيته جعلها تشعر بالطمأنينة والأمان، كم تعشق وجوده وإبتسامته الهادئة، وكم تعذبها فكرة قُربه وخراب بيته!!!

تعشق صوته وكلماته، وتكره عشقها له وتعلقها به!!! صراع بين جانبين يأخذها لطريق مسدود، أمر كاد أن ينشق له فؤادها، وتتمزق به روحها.
فإلى متى ستظل على هذا الحال؟! تعشقه وترفضه، تريده وتمتنع عنه، إن صور العذاب بكلمات فلن يكون سوى ما تشعر به.

إبتسم "محمود" وهو يقبل نحوها بلهفة:
- حمد على السلامه.

ضمت "زهرة" شفتيها وهي تجيبه بتحفظ شديد:
- الله يسلمك.

- حاسه بحاجه تعباكِ؟ يعني، إنتِ أحسن دلوقتِ؟

قالها كمن يبحث عن طريق لبدء حديثه معها، بينما كانت متحفظة للغاية بردودها المقتضبة:
- الحمد لله ..

- إيه إللي حصل؟ أكلتِ إيه أو شربتِ إيه تعبك بالشكل ده؟

تهربت بعيونها عن نظراته المسلطة عليها:
- مش عارفه، نصيب بقى.

بعض الفرص التي يمنحها لنا القدر علينا إستغلالها ولا نهدرها، حتى لا نعض أصابعنا من الندم بعد فوات الأوان، هكذا فكر "محمود" بتلك الفرصة السانحة بينهما، فعليه أن يكون أكثر وضوحًا، وأن يتحدث معها الآن، فلعل الطريق ممهد وآن القدر أن يجمع بين قلبيهما.
بقلم رشا روميه 

سحب شهيقًا قويًا ليتخذ قراره بمصارحتها بشكل واضح:
- "زهرة"، تتجوزيني؟ أنا عارف إنه لا يجوز الخطبه في العده، بس عايز أعرف رأيك حتى، أعرف بس مشاعرك ناحيتي؟ وأوعدك مفيش أي خطوة حتتاخد إلا لما تنتهي عدتك تمامًا، ها، قولتي إيه؟

أحيانًا يكون إدراكك للأمر يجعله أمرًا عاديًا يمكن التعامل معه، لكن حينما يصبح ما تخيلته واقعًا يكون أكثر تأثيرًا وصدمة.
حينما سمعت تلك الكلمة من بين شفتيه وبصوته الشجي الذي إنساق بهدوء لداخل أوتار قلبها ليرجفة بقوة تزلزل لها كيانها دفعة واحدة.

موجة عاصفة من المشاعر إجتاحتها مرة واحدة سحبت لها أنفاسها التي بالكاد تخرج من رئتيها، لتتسع حدقتيها وهي تناظره بصدمة، صدمة رفض قبل القبول، فقد ظنت أن بعد حديثها مع "فردوس" وإبلاغها برفضها؛ بأن كل شئ قد إنتهى تمامًا، وأغلق أمر زواجها منه بشكل نهائي.

لكن ما تراه من لهفة بعينيه، وترقب بنفسه الولهة يقول عكس ذلك، لكن إن كان يرى أن هناك طريق ممهد أمامهما فعليه إدراك أن طريقهم مسدود، وقد وصل كلاهما لنهايته المؤكدة، فلا سبيل للتراجع ولا أمل للإستكمال، لهذا كان عليها الإجابة بشكل قاطع حتى وإن كانت تتمنى ذلك:
- أسفه يا "محمود"، مقدرش أتجوزك، مينفعش.

هوى "محمود" جالسًا فوق المقعد القريب وهو يطالعها بأعين مندهشة يملؤها الصدمة والضيق معًا:
- ليه يا "زهرة"، رافضه ليه؟!

أغمضت جفنيها لوهلة تمنع تساقط تلك العبرات التي تتسارع نحو محجريها قبل أن تتساقط رغمًا عنها، وهي تحاول حث نفسها على إخراج كلماتها بنبرتها المختنقة بسبب غصة حلقها التي علقت بها:
- أنا ما أقدرش أعيش معاك وأنا عارفه اني السبب في خراب بيتك، وبُعدك عن مراتك وعيالك، أنا مقدرش أتحمل الذنب ده أبدًا، لا يمكن يحصل، لا يمكن.

صوب عيناه تجاه عينيها بنظرات عاشقة متألمة، صوت حديثه الصامت إخترق نفسها قبل كلماته، لكنه نطقها ليبعثر هذا الثبات الواهي بداخلها، ليعترف لها بما أخفاه عن الجميع وعن نفسه أيضًا:
- "زهرة"، أنا بحبك.

دقات قلبها القوية سبقتها بالرد، كانت ضرباته تعلن تمردها، فلولا أن القلب خلق متمردًا لما وضع بقفص، أجابت عيناها بنعم، لكن عقلها صرخ بـ لا، لن أضعف وأظهر حبًا كُتب عليه الموت قبل أن يولد، لكن نبرتها المهتزة كانت أشبه بالتوسل وهي تجيبه:
- إرحمني وإبعد عني، قولت لك مينفعش، مينفعش، ابعد عني بقى.

بنطقها كلماتها الأخيرة والتي كانت إعلان تام بالإستسلام، لحظة من إنهيار قوى التحمل لتتسارع دموعها وتعلو شهقاتها ببكاء موجع، أخفت وجهها بكفيها المرتعشتين وهي تردد بإنهزام:
- سيبني لوحدي أرجوك، أرجوك إنسى يا "محمود"، إمشي وإنساني وكفايه كده، أنا مقدرش أخدك من مراتك وعيالك، صدقني مقدرش، مقدرش، سيبني في حالي و إرجع لمراتك وعيالك، هم أولى مني.

كانت آلام قلبه تعتصره، كادت روحه تزهق حزنًا، فلقد كُتب عليه الشقاء بقربه من "جميلة"، وكُتبت عليه التعاسة ببُعده عن "زهرة"، فدائمًا القدر يسير به لطريقه المسدود بعكس ما يتمناه قلبه، ليدرك أنه لن يجمعهما القدر.

لم يستطع تحمل ألآمه ليتركها مسرعًا نحو الخارج مستقلًا سيارته، لينفث عن ألمه بصرخة قوية تاركًا لدموعه مجرى لم تسير به من قبل، فتلك أول مرة يشعر بالهزيمة إلى هذا الحد.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى هايدلبرغ - ألمانيا...
تغلق الدفاتر والأوراق كلها بالمساء، فبعتمة هذا الليل الساتر للكثير من القلوب المرهقة، يربت على قلوبهم ككاتم أسرار، فالليل يشكو إليه الكثير، دون أن يبوح بأسرارهم.

لكن اليوم بدأ "نور" و"ليلى" عملهم بالمناوبة الليلية، تناغم واضح بينهما حتى بالعمل، حوار صامت معتاد بين عيونهم دون حديث خلال ساعات العمل، لكن يكفيهم وجودهم قرب بعضهم البعض، خاصة بعد موافقة "عزت" على زواجهما.

حالة "عزت" لم تكن مبشرة بالتحسن، بل زادت سوءًا وإضطر "نور" لزيادة المسكنات لتخفيف آلامه والتي تسبب له النوم بأغلب الأحيان.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ليس الحكيم من يتكلم عن المآسي وأصحابها، بل من عاش إحداها، أن يمر بتجربته الخاصة ويدرك كواليس المسرحية، لا من ينخدع بأحداثها.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي....
بعد إنقضاء تلك الليلة الطويلة، وأشرقت شمس يوم جديد، يوم كان يتمنى أن يكون مختلفًا، أن يجد به الأمل، لكنه لم يجد سوى طريق مسدود.

عاد "محمود" إلى البيت بعد أن قضى الليل كاملًا خارجه، لقاءه مع "زهرة" بالمستشفى كان مؤلمًا للغاية ومازالت آثاره ظاهرة على ملامحه.

توقف بالسيارة أمام البيت وهو يستند إلى المقود بنفس ضائقة، حاول خلال تلك الساعات أن يعود لهدوئه وتقبله المعتاد، لكنه حتى الآن لم يقدر على وضع قناع الرضا بعد، أخذ يحدث نفسه ببعض المنطق فربما يجد لـ"زهرة" عذر على تشبثها بالرفض:
- (يمكن "زهرة" معاها حق، بأى حق أحجر عليها وعلى حياتها!!!! ليه أفرض عليها انها تبقى زوجه تانيه؟!! هي أكيد تستحق أحسن بكتير من الوضع ده، تستحق واحد أحسن مني، أنا كده أبقى بظلمها معايا، كفايه إن "جميلة" ولا حتسيبني ولا حتسيبها في حالها، الموضوع ده لازم يتقفل على كده وخلاص، "زهرة" أكيد لازم تعيش حياه تانيه، حياه تعوضها عن كل إللي عاشته، بلاش أظلمها معايا وأفكر في نفسي بس).

كنجمة بالسماء تستحق أن تتلألأ، فلم سيجبرها على الإنطفاء لأجله، فرفضها له بهذا الوضع السخيف هو الصواب بعينه، حتى وإن لم يرضى بالأمر، سيتحمل البعد وقسوته لأجل أن يراها سعيدة، إنه ليس أناني بتلك الدرجة، بل ليس أناني على الإطلاق.
بقلم رشا روميه 

ترجل من السيارة ليصعد نحو شقته، توقف لوهلة وهو ينظر نحو الأعلى بنظرة محطمة، زفر بقوة وعمق ليهيئ نفسه لتحمل هذا العبء الكبير برؤيته لـ"جميلة".

وعلى غير العادة قابلته "جميلة" بوجه مبتهج، ظنت أنه قد عاد للتو من المتجر، لكنها لم تكلف نفسها عناء السؤال عن تأخره، أمر لم يكترث له "محمود"، بل إتجه مباشرة نحو غرفته ليلقي بنفسه فوق الفراش يحاول إجبار نفسه على النوم فربما تلك الغفوة ينسى بها حزنه وآلام قلبه.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

إنتصارك الزائف تمامًا كشرب ماء البحر، لا يروي ويزيد من عطشك، ربما تشعر بالإرتواء لحظيًا، لكنك في الحقيقة تزيد من جفاف روحك، فلا يغريك إتساع البحر فالملح يقتل بالنهاية.
رشا روميه 

بخطوات مختالة وسعادة إجتاحت نفس "جميلة" وهي تشعر بلذة الإنتصار، فمع مرور تلك الساعات؛ لابد وأن "زهرة" الآن قد فارقت الحياة دون أن يشعر بها أحد.

هبطت درجات السلم كملكة متوجة تتبختر فوق طريقها الممهد المفروش بالورود لتنال تتويجها، كما لو أن خلاصها من "زهرة" أصبح غاية بحد ذاته، إجتياح نفسها بشعور السعادة والإبتهاج أكد لها أن "زهرة" كانت تمثل عبئًا ثقيلًا على قلبها منذ أن خطت هذا المنزل.

ولجت من باب شقة زاهر وهي تستمع لهذا الصمت الذي يخيم على الأجواء كسمفونية بديعة تزيد من غبطتها، لتقول بداخل نفسها:
- ( ياااه، ده إيه الراحه والهدوء ده، ما هي لو كانت لسه فيها الروح كان زمانها واقفه في المطبخ دلوقتِ، يااااااه هم وإنزاح من على قلبي)

ودون سؤال عن شئ دلفت لداخل المطبخ تحضر طعام الإفطار كما هي معتادة، حتى لا تثير الريبة، تحاول أن تظهر الأمر بشكل طبيعي.

صوت حركتها بالمطبخ أثار إنتباه "فردوس" التي إقتربت ببطء وحركة متعبة، لتردف بضيق وإرهاق:
- صباح الخير يا "جميلة"، هو "محمود" رجع؟

قلقها على ولدها الذي غاب طيلة الليل جعلها لا تنعم بنوم أو راحة، بينما أجابتها "جميلة" بلا مبالاة بوجوده أو عدمه:
- أيوه يا مرات عمي، لسه جاى من شويه.

تنهدت "فردوس" براحة رغم إستيائها الظاهر على ملامحها المرهقة:
- طيب الحمد لله، الواحد مش ناقص قلق عليه هو كمان.

إستدارت "جميلة" بإهتمام شديد إثر كلمات "فردوس"، لتسألها بفضول:
- قلق!!! على مين يا مرات عمي، هو فيه حاجه قلقاكم ولا إيه؟

بعفوية شديدة أخذت "فردوس" تقص على "جميلة" ما حدث:
- إسكتِ يا "جميلة" مشوفتيش إللي حصل لـ"زهرة"!!!! مش إمبارح لقيناها تعبانه ومغمى عليها في الحمام، أخدناها وجرينا بيها على المستشفى، وقال إيه طلع عندها تسمم.

شهقت "جميلة" بصوت مرتفع لتضع يدها على فمها لتكتم صوت شهقاتها التى خرجت رغمًا عنها، ليس خوفًا على حياة "زهرة"، بل صدمة وعدم تصديق لنجاتها هذه المرة أيضًا، لتُحدث نفسها:
- (إنتِ إيه!!!!!!!! زي القطط بسبع ترواح!!! مش حتموتي أبدًا وتخلصيني منك؟؟!! إيه الحظ ده!!!!)

كل طريق تسلكه ينتهي بها المطاف بطريق مسدود، كما لو أنها مغلفة بهالة من الحظ والتحصين، تحولت سعادتها لغضب شديد لكنها رغم ذلك حاولت التحلي بالهدوء والتحكم بأعصابها حتى لا تثير الشكوك، لتظهر أن إندهاشها نابع من إهتمامها ومحبته، لتعقب بنبرة مخادعة:
- يا خبر، وبعدين، هي عامله إيه دلوقتِ؟

- الحمد لله، لحقناها قبل ما يجرى لها حاجه.

بإيمائة خفيفة وإبتسامة جانبية تخفي حسرتها وغيظها أردفت "جميلة" بهدوء:
- اه، الحمد لله، طيب حطلع أنا أجيب البنات و أنادي "محمود" عشان نفطر.

خرجت "جميلة" بغيظ وهي تدفع كل ما يقابلها من شدة غضبها، صعدت نحو شقتها لتنزوي بعيدًا عن "محمود" حتى تهدأ أعصابها ولا يشك بأمرها، فتكرار فشلها ووصولها لهذه النقطة الضبابية ليس بمصلحتها بالمرة.

أخذت تغمغم بغيظ وهي تبدل ملابس طفلتيها قبل أن تعود لشقة والدا زوجها لتناول الطعام:
- ( إنتِ إيه؟!! حظك نار، تعبت منك ومن إللي بيحصل ده، لأ و إيه، كل مره بتخرجي منها وتقربي منهم اكتر من الأول، بس لأ، مش حنولهالك أبدًا، بس لازم الأول يحسوا بقيمتي، والله لأسيب لهم البيت خليها تنفعهم، ساعتها حييجوا لحد عندي، أنا كمان معدتش طايقه أشوف وشها، وأهى فرصه أمخمخ لها في حاجه متعرفش تطلع منها تاني، أيوه، هو ده اللي لازم يحصل)

لمعت عيناها وهي تحدث نفسها وتتخذ قرارها بترك بيت عائلة مكاوي لبعض الوقت، فعليها التفكير بهدوء، والضغط عليهم ليدركوا أهميتها وقيمتها بالبيت.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

فندق العلا...
هل رأيت الأزهار تسير يومًا وتفوح بعطورها؟! بخطوات رشيقة تسير بها بطريق تكاد تشعر بأن الكون بأكمله أصبح بستانًا للزهور، فأنت مرآة لمن يرافقك، فهناك من يجعلك تشعر بالإختناق والضيق من مجرد نظرة، وهناك من يجعلك تفعم بالحيوية والإزدهار بروحة المتفائلة.

هكذا كانت "فرح" وهي تتقدم نحو "سامح" الذي توقف بسيارة "نور" أمام الفندق ينتظرها بالموعد المتفق عليه بينهما، أقبلت تلك المشرقة بإبتسامتها العذبة تمامًا كإسمها، وقفت "فرح" بجوار السيارة لتطل برأسها الصغير من خلال النافذة قائلة بشقاوة مرحة:
- فاضي يا أسطى؟

أجابها "سامح" يحاول أن يتجاوب معها بذات الطريقة الممازحة:
- فاضي يا ست هانم.

جلست "فرح" بالمقعد المجاور له وهي تسحب نفسًا متقطعًا ببعض التوتر، حين أدار "سامح" محرك السيارة قائلًا:
- بسم الله، مستعده؟

- مستعده ..

فور أن إتخذ "سامح" وجهته بالتحرك، وقد إحتل نفس "فرح" بعض من الأحاسيس المتضاربة، فها هي تحقق أولى خطوات طريقها لمعرفة من تكون ليتملكها شعور عارم بالسعادة، لكنها بذات الوقت شعرت بالرهبة والتخوف من أن تُصدم بطريق مسدود لا نهاية له، وتندم لبحثها عن ماضيها الذي لا تتذكر منه شيئًا، فرحلتهم نحو السويس، رحلة مجهولة لا تعلم عواقبها.

ذلك التخبط كان ظاهرًا على ملامحها وجهها البسيطة، فما تشعر به يتضح مباشرة على وجهها بشكل تلقائي، مرآة لروحها لا تحاول إخفاءه ولا تستطع، نظرت نحو "سامح" الذي شعر بأنها ليست على ما يرام ثم قالت:
- "سامح"، كنت عايزه أقولك حاجه.

قابلها بوجهه الهادئ ونبرته المحفزة للحديث، ليشعرها بالراحة لإخراج تلك التخبطات من داخلها:
- قولي يا "فرح"، أنا سامعك كويس.

بللت شفتيها بلسانها بتوتر:
- أنا خايفه.

هو الوحيد القادر على فك التعقيدات وجعل من يتحدث معه يشعر بيسر وسلاسة ما هو آت، الذي يلملم الشتات بكلمة صافية كقلبه، ليجيب عنها بإبتسامة أولًا قبل أن بجيبها:
- ده شئ طبيعى يا "فرح"، إنتِ من يوم الحادثه مسافرتيش، دي أول مرة تسافري على الطريق، ويمكن كمان تكون حاجه كويسه وتفتكرب أي حاجه من إللي حصل يومها.

- يمكن، أنا لحد دلوقتِ مش فاكره حاجه.

بدأ "سامح" بطريق الخروج من القاهرة ليطلب من "فرح" أن تضع حزام الأمان:
- حطي بقى حزام الأمان، خلاص طالعين على الطريق السريع.

على الفور قامت "فرح" بذلك، لكنها نظرت نحو "سامح" بإنتباه، نهج صدرها بقوة وهي تراه لا يضع حزام الأمان الخاص به ليجتاحها إحساس بالفزع من فقده على الطريق، وهي لن تتحمل خسارته، فيكفيها خسارتها التي لا تدركها حتى الآن، لتهتف به بتخوف:
- وأنت كمان، أربطه، ضرورى تربطه.

- حاضر يا ستي، إنتِ تؤمري بس.

أكمل "سامح" قيادة السيارة بطريق سفرهم إلى السويس، محاولًا شغلها طيلة الطريق بأحاديثه الهادئة ليهدئ من روعها أثناء السفر، حتى لا تشعر بالهلع أو تتذكر ما حدث بالحادث أثناء مرورهما بنفس المكان.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت عائلة مكاوي...
لم يعد هناك مساحة العودة، لقد إستنفذت كل المحاولات للوصول الطريق الصحيح، والآن حان وقت الإبتعاد، فليس كل إبتعاد قسوة بل هو إعتراف بشجاعة بأن الطريق بيننا أصبح مسدودًا.
رشا روميه 

بعد الإنتهاء من تناول الطعام، وقف "زاهر" قائلًا برزانة:
- أنا حروح أنا بالتاكسي يا "محمود" وخليك إنت مع أمك عشان تروحوا المستشفى تجيبوا "زهرة".

تطلع "محمود" نحو والده بنظرة لم يفهمها أيًا منهم، كانت نظرات تحسر صامت، لكنه أومأ بهدوء، ليعود لجلسته بإنتظار والدته للذهاب للمستشفى.

لم تلبث سوى دقائق ووقفت "فردوس" قبالة "محمود" قائلة:
- يلا يا "محمود" (ثم نظرت نحو "جميلة" الشاردة منذ الصباح) مش حتيجي معانا يا "جميلة"؟

إنتبهت "جميلة" لحديث "فردوس" معها لترد بعد صمت طويل:
- هاه، لأ، أنا رايحه المخزن.

دار "محمود" بوجهه تجاهها يناظرها بغضب مكتوم ونفور شديد، ليهتف بها بإنفعال:
- ودة وقته!!! أقعدي النهارده مع البنات، أديكِ شايفه إللي إحنا فيه.

شهقت "جميلة" بإستهزاء:
- هاااااه، وماله بقى إللي إنتوا فيه!!!!! أنا مش فاهمه بصراحه!!!! إيه سر اهتمامكم بواحده كااانت، مراااات، إبنكم؟!!!!!! ما خلاص بقى، أبوها أولى بيها، وإنتوا تشوفوا شغلكم و إللي وراكم!!!

لوحت "فردوس" بكفها بتعجب من قلبها القاسي:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، يا بني إستهدي بالله، هو كل شويه الموال ده، إنتِ مبتتعبيش!!!!!

لوت "جميلة" فمها بإستهزاء وتذمر من إهتمامهم الزائد بـ"زهرة":
- والله يا مرات عمي، إنتوا إللي تاعبين نفسكم على الفاضي.

حين تسقط كل أوراق شجرة الصبر، وتستهلك كل طاقة الإحتمال لا تلومن الحليم على غضبه، صاح "محمود" بصوت غاضب إنتفض له كلاهما:
- إنتهينا، قُصره، مش عايزه تقعدي مش مهم، يلا يا ماما، إتأخرنا.

تحركت "فردوس" برفقة "محمود" حين إستوقفته "جميلة" ببعض التردد: 
- بقولك إيه، أنا حروح أبات يومين عند ماما حاسه اني تعبانه شويه.

إستدار لها "محمود" ومازال الإنفعال واضحًا على ملامحه الهادئة لتبدلها تمامًا:
- تباتي!!!! لا يا "جميلة"، خليكِ هنا.

لكنها أكملت بإصرار:
- أنا زهقت، وعايزه أفك، تعبانه يا أخي، تعبــــــــــانه.

لم يكن تمسكًا بها بالمرة، بل لأنه لا يريد الإبتعاد عن بناته، الرابط الوحيد الذي مازال يربطه بها، ناظرها بإشمئزاز فهو يتمنى ألا يراها مرة أخرى بحياته وليس لبضعة أيام، يتمنى أن يجد خلاص من طريقه المسدود بينه وبينها، لكن القدر مازال يمد بعمر زيجته معاها حتى لو كان ذلك دون عن إرادته.

تفوه بكلمة واحدة هي ما تهمه:
- والبنات؟

إبتسمت بمكر كما لو كانت تنتظر سؤاله هذا، فهي تدري أن الصغيرات هن كل ما يهتم به، بل وورقة الضغط الرابحة بالنسبة لها، لهذا يجب عليهم أن يدركوا أهمية وجودها لأجل بناتها، لهذا قررت تركهن حتى يقدروا قيمتها وغيابها عنهم، لتجيبه بتعالي ونبرة تهكمية:
- خلي البنات هنا، مش إنت مبتحبش يباتوا في أي مكان بعيد عنك.

طالعها بتقزز من أعلى رأسها لأخمص قدميها، قائلًا بإستهزاء:
- كويس إنك عارفه كده، البنات حيقعدوا هنا، عايزه تروحي، روحي لوحدك.

رفعت "جميلة" حاجبها بلا مبالاة من طريقته المستهزئة، فما هو إلا يوم واحد وسيأتي إليها يرجوها للعودة، عقبت ببرود:
- أنا نازله.

زفرت "فردوس" بحزن على عنادهم، وبغضهم الواضح لبعضهم البعض:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، يلا يا "محمود"، وهات البنات معانا عشان ميقعدوش لوحدهم.

أمسك "محمود" بيد إبنته الصغيرة وحملها بحنان وهو ينظر نحو "جميلة" بضيق فهي دومًا جافة المشاعر مع إبنتيه، حتى أنها لم تتمسك ببقائهم معها أو أن تبقى معهم.

صعدوا جميعًا إلى السيارة، بينما خرجت "جميلة" لتتوجه نحو المخزن فقد أوشكت أعمال التوسعة التي تحلم بها في خيالها على الإنتهاء، وستظهر كم هي بارعة وتقدر على عمل ما لا يمكن غيرها عمله.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الأمل...
توقف "محمود" أمام المستشفى ليصف السيارة برفق، تذكر لقائه معها بالأمس لتدق كلماتها الحزينة آذانه مرة أخرى، كم سيقدر على إخفاء مشاعره وحزنه؟! هل سيظل متحملًا كل تلك الآلام وحده؟!!

غصة علقت بحلقه وهو يحاول إخراج كلماته البسيطة، لكن قوة خفية تمنعه من ذلك، بينما تساءلت "فردوس":
- مش حتنزل؟

تطلع نحو والدته بنظرات حزينة زائغة، أراد لو يصرخ بها ويرتمي بأحضانها لتخفف عن قلبه هذا الإختناق، لكنه إكتفى بقوله:
- لأ، إنزلي إنتِ وهاتي "زهرة"، أنا مستنيكم هنا عشان البنات.

وضعت "فردوس" كفها فوق كتف ولدها، فمن سيشعر بأوجاعه سواها، لتتفحص ملامحه التعيسة قائلة:
- مالك يا "محمود"؟! فيك حاجه مش مظبوطه!!!

أخرج زفيرًا قويًا يحمل ألمًا وتأوه موجع:
- ااااه، موافقتش يا أمي، رفضت، وهي معاها حق أكيد، أنا كده حبقى بظلمها معايا، هي ليه تكون زوجه تانيه والدنيا قدامها مفتوحه!!!!

ضيقت "فردوس" حاجبيها بقوة:
- انت إتكلمت معاها؟ طب إمتى؟ وإزاي؟!

تنهد "محمود" وهو يمسك برأسه المتألم من هذا الصداع الذي تملك منه:
- أيوه إتكلمت معاها، أنا رجعت لها إمبارح بعد ما وصلتكم، خلاص إحنا لازم نقفل كلام في الموضوع ده.

أشفقت "فردوس" على حال إبنها لتردف بمحبة وتمني:
- إديها بس كام يوم ترتاح، وأنا حكلمها لك تاني، أصبر بس.

رفض "محمود" الضغط على "زهرة" بشكل قاطع، فإن لم تكن تريد الزواج منه، فلن يجبرها على ذلك، لن يقيد حريتها بما لا ترغب به، لن يجعلها تعيش مأساة أخرى معه لمجرد أنانيته ورغبته بوجودها بحياته:
- خلاص يا أمي، كفايه ضغط عليها، كفايه، سيبيها تعيش حياتها زي ما هي عاوزه، مش زي ما إحنا عايزين، يعني حنبقى إحنا وأبوها ده عليها.

مصمصت "فردوس" شفتيها بتحسر:
- البنت خساره والله، على ذكر أبوها، إنت خلاص بعت له فلوس صح؟ 

- بعت له مبلغ يسد عينه بس، لكن ورث "زهرة" كل متشال لها، بس المحامي يخلص كل الإجراءات.

كانت تتمنى أن تنال "زهرة" فرحة وحيدة بحياتها، فهي تعلم تمامًا أنها تكن لولدها مشاعر خفية، فكيف يحول القدر دون الجمع بين هذين القلبين، تنهدت بضيق لحال تلك المسكينة، فحتى والدها يستغلها أسوء إستغلال لأجل الكسب من وجودها، تطلعت بولدها بحيرة، فلا قوة بيدها تجعلها تلين الأقدار لأجلهما، لكنها على الأقل ستحاول ذلك.

رددت بهدوء قبل أن تغادر السيارة بخطواتها الضعيفة:
- أنا نازله أجيب "زهرة"، طالما إنت حتفضل هنا مع البنات.

أومأ "محمود" بضيق ليشير للصغيرات بالبقاء بمقعدهن، بينما ترجلت "فردوس" وإتجهت نحو داخل المستشفى.

بأفكار شاردة أخذ "محمود" يتأمل خروج"زهرة" من الباب، بأمنية الموافقة، أمنية مستحيلة وطريق مسدود، لكنه سيضع أمل ولو ضعيف على والدته وحديثها معها.

ترقب بأعين متلهفة رؤيتها وهي تخرج برفقة والدته، لكنه وجد والدته تخرج وحدها وهي تهرول بخطوات مترنحة غير قادرة على السير، بوجه مصدوم وأعين متسعة بتخوف.

رؤيته لها بهذا الشكل جعلها يخرج راكضًا من السيارة متجهًا نحوها وهو يتسائل بتخوف:
- مالك يا أمي، فيه إيه، "زهرة" جرى لها حاجه؟!!!!

تهدلت ملامحها بحزن وإهتزت نبرتها بشجن باكي:
- إلحق يا "محمود"!!!! "زهرة" سابت المستشفى الصبح.

هوى قلبه بقدميه وهو يفغر فاه بقوة مرددًا بصدمة:
- إيه!!!! سابت المستشفى!!!! راحت فين؟!!!!

- مش عارفه، حكلمها في التليفون.

جلست "فردوس" بالسيارة تلتقط أنفاسها اللاهثة قبل أن تخرج هاتفها وتدق برقم "زهرة" المسجل به:
- السلام عليكم، إيه يا "زهرة" روحتي فين بس يا بنتي كده لوحدك؟!

أجابتها "زهرة" بجمود وحزم شديد:
- روحت عند بابا، ومش راجعه تاني سامحيني مش حقدر.

- ليه بس كده يا بنتي، إحنا قصرنا معاكِ في حاجه؟!!

قالتها "فردوس" بنبرة متوسلة، لتجيبها "زهرة" بنفس الحزم:
- معلش يا ماما خليني على راحتي، لأني مش راجعه مهما حصل، وأرجوكِ متغطيش عليا.

سقطت نظرات "فردوس" نحو الأسفل بحزن شديد:
- إللي تشوفيه يا بنتي، ربنا يجعلك الخير دايمًا في طريقك، لو عوزتي أي حاجه كلميني على طول، وبيتنا دايمًا مفتوح ليكِ.

كل كلمة كانت "فردوس" تنطق بها كانت تغرس كنصل السكين بقلبه البائس، فقد أعلنت رحليها بشكل نهائي، وعليه أن يتقبل الوداع.

كما لو أن لمعة عيناه إنطفأت بتلك اللحظة وهو يستمع لرد والدته عليها، فما أثقل الوداع، سيفارق من يحب وهو على يقين بأن روحه ستظل تنتظر إلى الأبد، سيظل عالق بين محبة قتلت بمحرابها، وبين قدر لن يجمع بينهما.
بقلم رشا روميه 

سألها رغم إدراكه بالإجابة:
- راحت فين؟ مشيت خالص، صح!!!

هزت "فردوس" رأسها إيحابًا بخفة:
- روحت عند أبوها، ومصممه مترجعش.

بالتأكيد هو السبب برحيلها وإبتعادها، أمر جعله يشعر بالضيق من نفسه ومن ظروفه التي منعت قربهما، لكنه حزين للغاية، فبعد الآن لن يتمكن حتى من رؤيتها ولو للحظات يستمد منها الروح لإستكمال أيامه الرتيبة، فحتى مجرد رؤيتها سيُحرم منها.

طأطأ رأسه بتحسر معقبًا بنفس ضائقة:
- مش قولتلك رافضه كل حاجه، إحنا مالناش نصيب مع بعض، القدر مش عايز يجمعنا أبدًا.

يؤسفها ما تراه بحاله وضيقه، لكن لا باليد حيلة، لتردف بنبرة حانية:
- ربنا يراضيك يا إبني.

أدار محرك السيارة ليتحرك بآلية نحو البيت ثم ينطلق بعيدًا يتشارك مآسيه مع نفسه فقط، فتلك خيبة جديدة تضاف لخيبات قلبه، وعليه التأقلم على فقدان حلم جديد، لكنه كان حلمًا وشيكًا تمنى أن يتحقق.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ألمانيا...
أنت كل العالم الذي أريد، وسأكتفي بك عن الكون بأسره، أنت طريقي وملاذي وإن وصلت لطريق مسدود.

وجود "ليلى" كاد أن يجعل "نور" يتناسى الجميع من حوله، فحتى "كريم" أصبح يغفل عن الإتصال به، لقد سلبت تلك الإستثنائية تفكيره تمامًا.

يكفي حضورها ليشتت إنتباه ولا ينتبه إلا لها ولوجودها الذي يسيطر على قلبه وعقله معًا، وفي غيابها يهيم بخياله باحثًا عنها، كما لو أنها أصبحت تحيط به بهالة تسمى "ليلى" كالمسحور.
بقلم رشا روميه 

مع تغير موعد عملهم وإتخاذهم الراحة بوقت النهار والعمل ليلًا، فحينما حل الصباح كان كل من "ليلى" و "نور" يلتمس بعض من النوم والراحة بشقته بمسكنهم الجديد.

وسط هذا الهدوء الشديد إنتفض "نور" من نومه بتفاجئ حين صدح صوت دقات هاتفه ليهتف بقلق:
- مين إللي حيتصل دلوقتِ؟!! 

تطلع "نور" بشاشة هاتفه ليجد الرقم المسجل الخاص بالمستشفى، أجاب على الفور دون تباطؤ بالإنجليزية:
- دكتور "نور"، من المتصل؟

أجابه صوت أنثوي رفيع بالإنجليزية أيضًا:
- صباح الخير دكتور "نور"، معك "ماتيلدا" من الإستقبال، برجاء الحضور للمستشفى سريعًا، فقد فقدنا السيد "عزت" الذي تتابع حالته.

إتسعت عينا "نور" بصدمة، فقدان "عزت" رغم كونه أمر متوقع مع سوء حالته وتدهورها، إلا أن قلقه إنصب على "ليلى" الآن، ليجيب بتأثر شديد:
- ماذا؟!! ماذا حدث، ومتى حدث ذلك؟

- لقد تلوث الدم بالكامل وتوقف الكبد عن العمل، آسفة حقًا لإخبارك بهذا، رجاء الحضور إلى المستشفى لإنهاء الفحص النهائي وبدأ إجراءات دفن الفقيد.

دارت عينا "نور" بضيق في الفراغ من حوله وهو يجيبها بآلية:
- حسنًا حسنًا، سوف آتي على الفور، لكن رجاء لا تتصلي بإبنته، سأبلغها أنا بالأمر.

- كما ترغب دكتور "نور"، في إنتظار قدومك، مع السلامة.

أهدل ساقيه من فوق التخت لينكس رأسه بتأثر حزين لفقدان هذا الرجل، وربما حمل على عاتقه ضيق أكبر، فكيف سيبلغ "ليلى" بالأمر، حتى لو كان الأمر متوقع؛ إلا أن فقدان الأب موجع للغاية، لقد فقد والده من قبل ويدرك شعور الفقد جيدًا، إنه الجدار الصلد الذي يشدد العضد، فبدونه إنكسار لا محالة، ومهما كان قويًا إلا أن فقدان الأب يكسر الشوكة ويحني الظهور.

مسح وجهه وشعره بكفيه يحاول البحث عن طريقة يخبر بها "ليلى"، لكنه لا يدري كيف ستتحمل تلك الصدمة، ليزفر بضيق وهو ينظر نحو الأعلى كما لو كان ينظر إليها بالشقة العلوية:
- حقولها إيه بس، مش عارف حتستحمل الخبر ده ازاي؟!!!، لا إله الا الله.

بدل "نور" ملابسه بعجالة ليتجه نحو الدور العلوي حيث شقة "ليلى"، تردد كثيرًا بدق الباب، فكلما رفع يده يتراجع مرة أخرى عن رن الجرس، لكنه بالنهاية إستجمع شجاعته ليدق الباب وينتظر قدومها.
بهذا الوقت ومع دقات غريبة فوق باب الشقة، فتحت "ليلى" عيناها الناعستان بقلق، لتعتدل بجلستها فوق الفراش وهي تحدث نفسها بتوجس وتخوف:
- يا ترى مين إللي جاي دلوقتِ؟!!
تحركت بهدوء تجاه المقعد لتسحب حجابها الملقى عليه منذ الأمس لتلفه حول رأسها بإحكام وهي تدنو من باب الشقة تتطلع من خلال تلك العين السحرية لترى من الزائر الغريب الذي يدق بابها.
ضيقت حاجبيها بإستغراب شديد حين نظرت بعينها ووجدت "نور" يقف أمام باب شقتها لتهمس بتعجب:
- "نور"!!!! غريبه!!
فتحت "ليلى" الباب قليلًا بحذر،ثم نظرت نحو "نور" متسائلة بقلق:
- "نور"، خير، فيه حاجه؟!
بوجه متجهم وعيون حزينة أجابها بهدوء:
- عاوز أتكلم معاكِ.
تلك هي المرة الأولى التي يطرق بابها بهذا الوقت المبكر، بل إنها المرة الأولى التي يدق بابها على الإطلاق، أمر أثار التوجس بداخل نفسها، لتتطلع "ليلى" به بتمعن شديد كما لو كانت تريد كشف ما يخفيه من سبب خلف تلك الزيارة الغريبة بهذا الوقت، طالت بنظرتها نحوه دون أن تنطق بحرف واحد.
رأت وجه "نور" يعلوه الحزن حتى مع محاولته الإبتسام رغمًا عنه ليشعرها ببعض الطمأنينة، إلا أن الحزن قد غلف عيناه بشكل واضح، إستطاعت بفراسة فهم ما قد أتى به بهذا الوقت ليخبرها به.
تساقطت دموعها المتلاحقة بصمت رغم وقفتها القوية، لتردف بشفتين مرتعشتين:
- مات صح؟!!!!!  بابا مات؟!!!
يتبع 

تعليقات



<>